(جارة الوادي) لطيبة الكندي
خليط من التأملات والذكريات ونجوى النفس

 

وليد محمود خالص


تحاول طيبة الكندي في مجموعتها (جارة الوادي) ان تجترح أسلوبا خاصا، ومضامين متميزة، غير أن ذلك الأسلوب يتفلّت من بين يديها، وهي تجرّب أن تدنو من تخوم نمط من كتابة القصة القصيرة لعله أقرب الى (الحداثة) منه الى النمط التقليدي، غير أننا نقف فيما تعرضه إزاء خليط من التأملات، والذكريات، ولم لا نقول نجوى النفس، ومحاولة استبطان كنه هذه النفس العميق، وهي تنظر الى الخارج، الى الأشياء، الى الشخوص من خلال ذلك الاستبطان ليصبح ذلك كله وجهاً آخر له، ومرآة صقيلة للنجوى.

هي تحاول بذلك كله أن ترتقي الى ذرى عالية بحسبان أن هذه الذرى خلاصة تجربة عميقة، بل هي خلاصة الخلاصات، أو الرحيق الذي يمثل عناء الثقافة، والتجربة معاً، فهل تمكنت من هذا جميعه؟

هي ثلاثة محاور تنضوي تحتها المجموعة برمّتها، هي أشبه بالخيط الرفيع الذي لا تبصره العين بيْد أنه موجود، ماثل، يجعل القصص يأخذ بعضها برقاب بعض، وقد تمكّنا من استخلاصها، وجمع شتاتها الظاهري بعد الفحص وهي: المناخ الديني، والحزن والتشاؤم واليأس، ومحاولة متواضعة لاصطناع بصيص من النور من خلال الأول، والثاني.

أما المناخ الديني فهو مما لا تخطئه العين وهي تتجوّل بين صفحات المجموعة، بل تكاد تتقرّاه اليد باللمس. ولا نريد بالمناخ الديني ورود بعضٍ من آيات القرآن الكريم فذلك بيّن، جليّ، ولا نريد به أيضاً ذلك الموقف الثابت من بعض القضايا العربية، والاسلامية المعاصرة كقضية الشيشان، وفلسطين اللتين خصَّت كلّ واحدة منهما بقصة هما: (ليالي الشيشان)، و(سرّ الرصاصات)، فهذا هو الآخر غير محتاج الى بحث طويل، أو كبير عناء، أقول، ليس هذا ما نريده بالمناخ الديني فحسب، بل الذي نقصده هو تلك الظلال الوارفة التي تتحرك بموجبها الشخصيات، والأحداث معاً، وتكاد تكون ذات سطوة قوية عليهما، فالأحداث تصبّ في ذلك المجرى، والشخصيات ذات منحى ديني تتقلّب بين قراءة القرآن، ودراسة الفقه، وأخذ النفس بالتعاليم الدينية، وتقطع الشوط الى نهايته ليصل الأمر الى الاستشهاد، وهو السنام الأكبر، والذروة القصوى التي هي أشبه بنهاية النهايات، والجميع يعلم ما وقر في الأذهان، واستقر في الوجدان، وأيدته النصوص عن مكانة الشهيد، تلك المكانة التي لا يصل إليها إلا الخلَّص المصطفون.

إن ذلك المناخ الديني بمقدار ما فيه من روحانية، ومبدئية، وبمقدار ما غذّى نسغ القصص بحياة ومواقف، أقول، بمقدار ما قدّم من تلك الأيادي، فإنه قد عمل عمله في تشكيل ما نستطيع تسميته بواحدية الصورة، بمعنى أنه وجّه المسار وجهة واحدة لا تحيد عنها سواء في الوصف، أم في الحوار، أو حتى النهاية، مما أوقع القصص في التكرار الذي نلحظه بقوة، اضافة الى تلك النمطية ذات النبرة العالية التي نواجهها أينما ولّينا وجهنا في سطور القصص.

إن هذا التشكيل سلاح ذو حدّين، ومن الممكن تجاوز سلبياته من خلال اكتساب الخبرة المتنامية في الكتابة، وتطويع ذلك المناخ لمقتضيات الفنّ بحيث يصبح هذا الأخير هو المقصد الأسنى، وتبقى المواقف، والآراء أدوات تابعة تعمل على تغذيته، ومدّه بالحياة.

وتنثال معاني الحزن، والتشاؤم، واليأس لتصبح علامة بارزة على المجموعة، وقد ساعد ذلك التأمل، والاستبطان اللذان أشرنا إليهما في مفتتح المقال، أقول، ساعدا على تكريس تلك المعاني، وتعميق حضورها في جنبات المجموعة، فهل تريد القاصّة بتلك المعاني البوح عن قلق ذاتي مفعم بالشجن، بمعنى أن تلك المعاني هي إحساس داخلي نقلته ببراعة الى الورق، ولا يعنينا هنا إن كان مصدر البوح حقيقة واقعة، أم هو موقف فني بحت، أقول لا يعنينا السؤال عن هذا كلّه، أم تلمّس الاجابة عنه، فلن يشغلنا (ما حول النص) كثيراً، فالمهم هو أنه موجود متحقق، وهل نذهب الى تأويل أبعد لنقول إن تلك المعاني نتيجة متوقعة لحال العرب، والمسلمين التي تتأسى القاصة عليها، وتكتوي بنارها، لتنقل تلك الحالة بعد هذا الى نصوصها؟

فقه النصوص، ومسار الأحداث يشير الى هذا، ومما يساعد على هذا التأويل أيضا معالجة بعض القصص للقضايا السياسية، والاجتماعية، بل اليومية بما يقدم إحساساً فاجعاً ازاء تلك الحالات التي تعالجها.

إن إلحاح القاصة على تلك المعاني، ودورانها المستمر في القصص أعاد لنا تلك الاشكالية السابقة التي لم تتمكن من الإفلات منها، أو التخلص من ربقتها، وهي التكرار، والنمطية، فالحزن يلفّ الشخوص، وحياتهم مغلّفة بالمآسي لأسباب مختلفة قد تكون سياسية، أو اجتماعية، المهمّ، هو أن الشعور الفجائعي هو الصوت ذو النبرة العالية، وكذلك الأحداث، والوصف اللذان عمقا من ذلك الشعور، وقدم التأمل، والاستبطان طبقات من القوة لتعميق المجرى، وتسوْق النهر الى مصّبه الحتمي القدري الذي لا فكاك منه.

ولعل القاصة بحسها الفني قد أدركت ذلك كله فحاولت جاهدة أن تصطنع شيئاً مختلفاً، بمعنى أنها أرادت أن تكسر شيئاً من حدة الطوق الذي فرضته على قصصها، وأن تبدد قليلاً من تلك السحب الداكنة التي جلّلت بها قصصها، فعمدت الى شيء من المغايرة عمّا هو سائد في النصوص، مستقر فيها، وذلك من خلال نوع من المكر الفني يتمثل في بصيص من النور، والأمل ينفذ الى ثنايا بعض القصص لتعالج معالجة مختلفة، وتأتي بعد هذا ذات نتائج مغايرة فيها قليل من الدهشة، والتوتر يحركان ذلك السكون الذي ران على المجموعة كلّها، ولعلنا نفيء هنا مرة أخرى الى المناخ الديني نفسه من حيث بثه شيئاً من قيم الأمل. والخلاص، وانزاله السكينة والرضا على الشخوص، كما ان المشهد وإن بدا مليئاً بالشرور، محاطاً بالآثام فإن ثمة بصيص نور ليس له إلا أن يتسلل من خلال ذلك كله ليعيد شيئا من التوازن لتلك الأحداث التي عصفت بهذه الأمة، وفعلت بها الأفاعيل، وأقصتها عن دورها الذي كان يرجوه بعض أبنائها.

ولن نغادر المجموعة حتى نقف عند أمرين نراهما على قدر كبير من الأهمية، أولهما ذلك (الخطأ) اللغوي، و(التسمّح) التركيبي اللذان يشيعان في المجموعة، ونرجو أن تكون للطباعة يدٌ فيه.

أقول، ليس من المناسب أن يكثر هذا، في لغة المجموعة، وخصوصا أن اللغة هي أداة الأديب الوحيدة، وعصاه السحرية التي يفجرّ بها كوامن الأشياء، فمن الحسَن، بل من الواجب أن تأتي صافية، بريئة من العيب، وعند ذاك تكون أقدر على بثّ ما يريد الكاتب توصيله من رسائل، وتوجد تلك الوشيجة بينه، وبين قارئه الذي ينتظر منه الكثير، ليقوم هو بعد هذا بعملية القراءة، وكشف أسرار النص.

أما الأمر الثاني فهو العنوان الذي ارتضته القاصة لمجموعتها. وهو (جارة الوادي)، وهو نفسه عنوان النص الرابع في المجموعة، ونحن نعلم، وغيرنا يعلم أيضا أن جارة الوادي هي مدينة (زحلة) اللبنانية التي خلّدها شوقي في واحدة من روائعه، فقال فيها:

يا جارة الوادي طربت وعادني

                ما يشبه الأحلام من ذكراكِ

وتستمر القصيدة على هذا المنوال حتى نقع على بيتها - البؤرة، وهو:

لا أمس من عمر الزمان ولا غد

                جمع الزمان فكان يوم رضاكِ

فهل تسللت (زحلة)، وانساب (شوقي) بهدوء، ورَيَث الى العنوان هنا لتأخذه القاصة بنصه، ثم تعيد انتاج دلالاته وفق رؤيتها، وقناعتها؟ الوادي هنا رمز النقاء، والطهارة، وبدايات الأشياء قبل أن تتعكر بتلك القيود الاجتماعية القاسية، وحين ابتعدت عنه انقطعت صلتها بذلك كله، ودخلت عالماً جديداً لا مكان فيه للنقاء، بل هو مملوء بالقسوة، محفوف بالخطر، وقد توحّش هذا الخطر ليصبح موتاً محققاً، ليس هناك في هذا العالم (الجديد) أي بصيص أمل، وكان هذا الأمل من الممكن أن يتحقق في ذلك الوليد، بيْد أنه هو الآخر قد وئد بسرعة، وخفّة تتناسب مع هذا العالم (الجديد) المنسجم مع تقاليده، وقوانينه. لقد اصطفت القاصة من ذلك (النص) شيئاً من زهوه، وجماله، وألقه ولكن الى حين، فهي مهمومة بشيء آخر. لقد ظل الوادي، ومحمولاته النفسية، والدلالية رمزاً للبداية، بيد أن النهاية كانت مختلفة تتناسب مع المحور الثاني الذي ألمعنا اليه من حيث اقتناعها بذلك التوظيف المختلف للرمز، وإلحاحها عليه.

قدّمت هذه المجموعة بمجملها رؤيا خاصة للخارج فيها الكثير من القتامة، وتوسلت بالبعد الديني لكي تمزّق شيئاً من حُجب تلك القتامة، وايجاد منفذ من خلالها، ونحن نرجو معها ان تتسع بقعة الضوء هذه لتأخذ حيزاً أكبر في المستقبل من قصصها ثانياً، ومن الواقع أولاً.


تصميم الحاسب الشامل