|
|||||
|
« حيث الأمواج، منذ عصور طويلة، لا تزال تتقلَّبُ خرساء، لا يحدثها أحد، كالنجوم التي تتلألأ فوق منابع النيجر المجهولة. «موبي ديك»/ هرمان ملفيل (ت. إحسان عباس»
في أول المساء وصلنا «باماكو». عند الهبوط لَسَعنا حر الليل المشبع بالرطوبة. صمت وخلاء. المطار الأرضي لا يبين عن شيء. الليل أخضر من السواد. والعالم، كله، حولنا أخضر. على سلم الطائرة التي ما زالت تهدر، أقف متملياً فضاء الليل الأسود في«مالي». السماء تعانق الأرض قريباً من النظر، مثل جارين دمشقيين التقيا خلسة في زاوية الدار. لكأنها تريد أن تخنقها. وأتذكر: رجل وامرأة يمتزجان بعمق. لكن هذه السماء السوداء ترهبني. لأول مرة أرى سماء بمثل هذا السواد الداهم. أيكون ذلك بفعل الليل الذي هبطت معه من فوق؟ لكنها تطبق، بشدة، على الأرض، تلمّها بين آفاقها. تجعل منها كتلة صغيرة سوداء لا تستطيع حتى أن تفترق عنها، ولو شاءت. لا تُقلِّدْ. العالَم شديد الاختلاف لكن هذه السماء التي بلا نجوم، ولا تخوم لها، لا تستدعي شيئاً آخر سوى الامتعاض. أحسها تقع بهدوء، لتكتم أنفاس الكون، غير مكترثة بمن هم تحتها. أقف بالقرب من الطائرة، وقد خرجتُ منها، حائراً: أهي هكذا دائماً سماء القطب الجنوبي؟ لكن العسكري المتربص بالخارجين، يأمرني: «اِلْـحق الآخرين». وأمشي متعثراً بالظلمة المديدة، باتجاه مخرج المطار. أخرج، سريعاً، من عمار المطار البسيط. وعلى بابه الخارجي، يتحرّى الشرطي جوازي باحترام باذخ: «أنت الجراح الذي ينتظرونه»؟ «أنا»، قلت بهدوء يقارب الخمود. السواد الأخضر الذي يلوّن الفضاء جعلني أتخلّى عن عنجهيتي الكاذبة التي تشغلني في أغلب الأحيان. مد يده السوداء الطويلة باتجاه المعبر الذي ينتظرونني فيه، واكتفيتُ بأن حييته بصمت، وأنا أقود نفسي، مثل حصان متعب، نحو الخروج. كان البروفيسور «سانْغاريه» بثوبه الأزرق المشجر ينتظرني واقفاً على مدخل الفضاء. كان الشرطي الآخر قد أخبره بوصولي، فهلَّل بي مرحباً: « لم أتمكن من معرفتك، وحدي. لم نلتقِ من قبل. أهلاً بك في «مــالــي»، في «مملكة الصحراء الأولى». وضحك بأسنانه البيض اللامعة كخيوط القنب المدهون بالشحم. «شكرا» بروفيسور. قلت بأدب شديد، وأنا أتعجب من اللطف الباذخ، ومن غياب كل توتر، أو تكبّر، أو استبعاد. وسأعرف أن الطبائع مدن. وأن الناس لا يلتقون عبثاً. وأن.. وأن.. الآن، كان عليَّ أن أتخلّى عن كل ما تعلمته من قبل لأتعلّم شيئاً جديداً. كان لقاؤه حاراً. وعلى الفور، أحسستُ أنني في بلادي. في «حضارتي». ومنذ أن بدأنا الكلام، سألته عن «تنْبُكْتو»! أهي بعيدة؟ وهزّ رأسه وهو يقول، مبتسماً: « إنها في قلبك». وأضاف «بالمعنى الجراحي للكلمة». كان المساء أسودَ بشكل مخيف. ولربما كانت تلك هي حال الأماسي في نصف الكرة الجنوبية. عبرنا نهر «النيجر» العظيم الذي يجري، بسكون، وكأنه راسخ في الأرض، عابراً مدينة «باماكو»، عاصمة «مالي» التي تقع على ضفتيه، جائزاً آلاف الكيلومترات، باتجاه «تنبكتو»، المدينة التاريخية التي أنْسَنَت الصحراء لقرون طويلة. المدينة التي صرت لا أحلم إلا بها، وكأنها أمي. أضع حقيبتي الصغيرة في الفندق الملاصق للنهر، وأخرج. في المقهى المبني على ضفتة اليسرى، أقف مظلماً. أقف لوقت طويل، وكأن الليل استدعاني للمثول أمامه. شيء إلاهي يجعل الكائن هنا يتحلّى بالقدرة على الامتثال. على طرف النهر أقف، مختلجاً، وكأني في غابة من ماء. الماء الذي أتحسسه بخشوع. الماء الأسود. ماء النهر المظلم السائر بصمت إلى الشمال. ماء أطلس، ممتثل لسطوة العتمة، بلا ندم. نسيم عذب وصغير يمر على وجهي، وأنا أبحر في السواد المهيمن على الكون. إلى أي الأصقاع يصل المرء عندما لا يرى بعيداً؟ ولِمَ تراه يسافر إن كان بامكانه أن يرى، من مَجْثَمة، كل شيء؟ لأول مرة يخطر لي أن أهمية الكائن «الآخر» تكمن، أو تنبع، من الظلمة العميقة التي تتمتع بها روحه. وأن «المرئي»، أو المكشوف من الناس هو الكائن البائس الذي لايتوقف في رحابه أحد. نهر «النيجر» ، لمَ أنت صامت هذا المساء؟ لا هدير النواعير على «الخابور»، في « الحسكة»، ولا ضجيج «الفرات» المتفلّت من ضفافه. «الفرات» العذب الذي يتخطّى أكوام البشر والأحجار، وكأنه طفل شقي يبول على القاع. حتى سدوده التاريخية لا يكترث بها. لكن «النيجر» لا يجيب. يظل صامتاً ومسدوداً. يتابع جريانه العميق دون أن يعكره شيء. لا بد أن ثمة سراً. ولكن ما هو؟ واقترب اكثر، في ذلك الليل المخضَرّ، من الماء، علني أرى الوجهة التي إليها تسير. لا! لا حركة ، ولا موج. كان الماء صامتاً، وعميقاً، مثل كائن يريد أن يدرك مصيره، وهو يعرف أنه عاجز عن الإدراك، ولا خلاص له إلا في حركته العميقة المستمرة ، مثل سريان الدم في العروق. وابتسم صامتاً لاكتشافي: «نهر النيجر هو شريان الارض الأبهر، إذن». لا! أصحح سريعاً، هو الوريد الأجوف الأفريقي. إنه شريان الأرض، التي أقف الآن فوقها. وهو، أيضاً، وريدها. وأتابع: أدْرَك «النيجر» أن حيويته تكمن في حركيته المستديمة، وأن سكونه هو الموت. الموت غرقاً في القاع. مَنْ قال إن الإنهار لا تفهم، ولا تتكلم؟ نهر «النيجر» سيجري، هذا المساء، إذن، مثل كل مساء، منذ الأزل. وستظل أحزاني الصغيرة تعذبني، تلك الأحزان الوهمية المتراكمة منذ سنوات: أحزان كائن بلا تاريخ شخصي. لماذا لا أسقط، الآن، في النهر؟ في هدوء الصباح الجميل، يطلع الصياد العاري الصدر، في مركبه المخروطي، على نهر «النيجر» . تدفعه الماء العميقة بهدوء. لا يحتاج حتى إلى مجدافه. لكأن الحِلْف السري المعقود بينه وبين الماء لا يُنْقَض. حوله أعشاب مائية، ونباتات استوائية، تعلو وجه الماء المائل إلى الخُضْرة. لكن هذه المخلوقات النباتية الساكنة تبدو، هي الأخرى، وكأنها تخشى الحركة السريعة، لئلا يبتلعها النهر. حركة الريح الأفريقية التي تنبع من عمق الماء. وعندما هبَّ النسيم كان منعشاً حقاً وكأنه قادم للتو من الفردوس. نسيم مبهج ومثير للسعادة في ذلك الجو المفعم بالهدوء والسكينة. ماذا تخبئ لنا الطبيعة؟ هنا، تفهم أن جوهر العالم هو الاختلاف، وأن أي محاولة لجعله «واحدا»، ستكون فاشلة، حتى ولو كانت «عادلة». في جنوب الكرة الأرضية، تبدو المصائر واضحة في حدودها، وأقرب ما تكون إلى عناصر الكون الأساسية: الماء والتراب والأرض والهواء. وما تعلمناه من تعقيد غير مجد في نصفها الشمالي، يبدو، هنا، ضرباً من التلعثم الحياتي الفاقد القيمة. تلعثم هو أقرب ما يكون إلى عدم الاستواء. لكن للحياة، هي الأخرى، حِيَلها، وأفانينها. ويكفي أن نسافر، أن نبتعد، قليلاً، عن مثوانا، لنكتشف العبث الكامن في التشبّث بعاداتنا، ولنصير نرى بعيوننا التي ملأها الفضاء الجديد نوراً، بعد أن أعماها النظر المستمر إلى الأشياء، نفسها. في السفر، نرى أشياء، وكائنات، أُخرى، تمدنا بمتعة لا تقدر، بعد أن انطفأت مصادر متعتنا، أو كادت. وهو ما ببدو سبباً إضافياً للخيانة. لخيانة المكان والكائن اللذين لا يشكلان مصدر إلهام، أو متعة. لِمَ نقبل بهدر طاقاتنا؟ ولِمَ علينا أن نعيش الكبت والإنحباس؟ وبأي حق نُطالَبُ بالخَمْلَة والسكون والعالم جوهره الحركة واللاثبات؟ لكن الكائن الذي يقبل أن يعيش مغمضاً عينيه، لن يرتكب، بالتأكيد، فعل الخيانة النقدي هذا. في مواجهة النباتات العريضة الأوراق، اللاطئة على ضفة النهر أجلس ، طويلاً، ذلك الصباح. الصباح المنبثق من الشمال. أنظر بلا مبالاة إلى غسّالات الرُقَع والثياب اللواتي يضربن الغسيل بمطارقهن الطويلة الجرداء، وكأنهن ينتقمن منه لوضع صار مألوفاً، ومن إلْفته صار عبئاً. عند أقدامهن تسيل الماء حاملة الأوساخ الغامضة إلى البعيد، مارة تحت عينيَّ الذاهلتين. وأحس بأنفي الكبير يكبر أكثر ليستوعب الريح والبَلَل. ليكون جديراً باللزوجة اللاصقة بالماء، وليتفهَّم الروائح اللزجة التي تتشبث بالخيشوم. ولأول مرة، أحسُّني صرتُ أرى بأنفي الذي بدأ يرى الحرارة القادمة من بعيد، شمّاً: حرارة الشمس الآسرة التي اعْتَلَت ، للتوّ، الهضاب المحيطة «بباماكو». ماذا تقول لنا الأشياء ونحن نتأملها بعمق؟ وكيف تصلنا أصواتها وهي غارقة في صمتها المخيف؟ أوليستْ مثنوية الأعتقاد نابعة من هذه الظاهرة، ظاهرة الصامت المتكلّم، والساكن المتحرك، والمتمنّع القابل؟ ظاهرة أن نكون نحن، وألا نكون، في الوقت، نفسه. ولكن لِمَ لا يدرك الأغبياء هذه الحقيقة البسيطة؟ علينا أن نكون على مستوى إدراكنا، ولايمكن لنا أن نكون، وهو ما يخيفني. عندما أتردّى بأقوالي وسلوكي، فأنا، فعلاً، كذلك. مَنْ يقيم عثرة الكائن غير وعيه الأصيل، إذن؟ ولماذا نخاف من التغيّر وهو حاصل ولا بد؟ أي رعب يجعلنا نخضع لأقانيم محيط (أو حبيب) نحن على خلاف جذري معه، وسنكون؟ لماذا لا تقول هذه النباتات الصامتة التي لا تتوقف عن الاهتزاز، شيئاً؟ ولمَ لا يهتمّ نهر «النيجر» العظيم بذبذبات فكري التي حقنها، خلسة، في دماغي؟ ألا يعبّر ذلك عن مثنوية الحياة، أيضاً؟ لماذا هذه الإلْفة الفورية مع هذا المكان؟ أيكون ذلك تعبيراً عن سذاجة معاييرنا؟ أم أنه لا يشير إلا إلى عدم الارتباط النهائي بأرض، (أو بأحد)؟ أم هو، في الحقيقة، احتفاء بالارتباط الآني العابر اللامستديم، ولذلك فهو طلق وجميل، مثل ارتباط ماء النهر بمجراه. ومع ذلك قد يكون «هيراقليطس» على خطأ، ويستحم الكائن بالماء، نفسها، مرتين! أقصد بماء غبائه المطلق عندما يستسلم بارادته لمن لا يريده إلا مستسلماً. الســـوق المركـــزيـــة السائق الصموت، مثل نباتات نهر «النيجر»، «موسانْياري»، جاء متأخراً ساعة، وكأنه يجيء في الوقت المحدد، تماماً. كانت وجهتي، ذلك اليوم، السوق المركزية في «باماكو». بعد يوم من«العمليات الجراحية» التي جئت إلى «مالي» من أجل القيام بها في المستشفى الجامعي الكبير المقام على أعلى هضبة خارج المدينة، كنت بحاجة إلى اكتشاف شيء آخر في المحيط. وهو ما سأفعله اليوم، وفي الأيام القادمة، أيضاً. منذ أن ألج السوق، يداهمني الخوف، وكأنه مرتبط بالمكان. أنتحي جانباً. لا أريد أن يراني أحد! ولكن لماذا نهبني ذلك الشعور المباغت مثل حد السيف؟ أنظر مرعوباً حولي: كتل من اللزوجة والسواد، وحركة دائبة بلا هدف أو تمهيد (هذا ما خطر لي في تلك اللحظات). وأدرك سريعاً أنني أجهل كل شيء عنهم، وهم يجهلون حتى وجودي في الكون. ويصير نظري (حتى لا أقول بصري) يتخبّط بينهم دون تحديد، أو تعيين. يبتسمون لي بأسنان بيض كبيرة، وابتسم لهم ببلاهة: هم من قلوبهم يبتسمون، وأنا من عيوني. تكبر النصوص خلسة، كما الاطفال. ومثلهم تخلفنا وراءها بائسين. نحاول أن نلتقط، باستمرار، أحاسيس جديدة، عندما نكتب. وهي (النصوص) لا تني تبتلع ماكتبناه. لكأنها لعبة الجنس والمتعة التي لا نهاية لها، هي الكتابة. لكن ما أبحث عنه، الآن، في حَمار «باماكو»، قرب خط الاستواء، شيء آخر. شيء لا أعرف حتى الآن كنهه، ومع ذلك، أحسني مدفوعاً، بقوة، للبحث عنه. ولِمَ لا؟ ومتى كانت المعرفة المسبقة بالشيء ضمانة؟ الشمس عمودية، تماماً، فوق رأسي، وأنا أصعد الهضبة المطلة على النهر «نيجر». الخلاء الأمومي الذي يلبس الأرض كثوب جميل يجعل العين لا تكف عن الْتِهام الفضاء الاسطوري المرمي أمامها. وأعيد النظر، فيما حولي، بلا اكتظاظ، مثل ظامئ لا يرتوي. وأتذكر. أتذكر أنني قرأتُ في القرن الماضي عندما كنت فتى، أمثولة أعرابية، «ذكورية تماما». تقول الأمثولة: أربع لا يشبعن من أربعة: أرض من مطر، وأنثى من ذكر، وأذن من خبر، وعين من نظر». وما يهمني الآن ، الأخيرة. فحتى الشجرة صرت أريد أن أراها أكثر من مرة. وأتساءل: كيف عرف الأعرابي هذا، والحماد الذي يحويه متماثل وسحيق؟ أيكون أفق الصحراء اللانهائي هوالذي فجّر كل هذه البلاغة فيه؟ وأتساءل، أيضاً: عمَّ تبحث العين في المرئي إنْ لمْ يكن عن جوهره؟ ولكن أين يختبئ جوهر الصامت الذي لا يعبّر عن نفسه إلا بتكوينات هيئته؟ سأتذكر، طويلاً، تلك الجلسات الهادئة على ضفاف «النيجر»، مثل سباحة في الفضاء. أجلس تحت ظل سميك، وفي الأفق البعيد يمر نسيم عابر مثل جناح الرحمة. أجلس ساعات متأملاً ذُرى الأشجار الغاطسة حتى نصفها في الماء، لكأنها تحمي نفسها من الحَرّ الافريقي المرعب. اسمع صمت الكون المسحوق تحت وطأة الشمس اللامبالية بمن، ولا بما، يعاني قسوتها اللاهبة. الصمت الوجودي القانط الذي تسمعه العين قبل أن تحدس به الأذن. مَنْ قال أن الصمت لا حسّ له؟ يتحركون بخفة الفهود، وينظرون كالثعالب. يعرفون أن الكوكب الأرضي غير عادل، وأن لا حيلة لهم إلا التجاسر على الممنوع. يتفننون في حلاقة الأشجار، وفي قص «شعرها» حتى تبدو رؤوسها ذات هيئات عجائبية. يحلمون بالتسامر والخروج، ولا يقولون لأحد شيئاً عن آلامهم. أهل النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، أولئك الذين سيرثون الأرض. اليوم، الهواء المسائي خامل وثقيل. والحشرات الصغيرة تتطاير حولنا، مشكلة كتلة واحدة، وكأنها حشرة خرافية لا خلاص منها. بعضها يصدر شرراً مروحياً قبل أن يخترق الجلد. حتى ماء «النيجر» تبدو آسنة وبطيئة الانسياب. لكأنها داخَتْ من شدة الحَرّ. حَرّ غير عقلاني، لا يسمح، حتى لمَنْ هو في صفّه، بمقاربته، لأنه يعطّل العقل قبل أية حاسة أخرى. النهر المسكين يحاول أن يتابع مجراه. لكن الحرارة الساخطة تقيّد ذراته، تسجنه في بطن الأرض التي استكانَتْ، هي الاخرى، لهذه الحرارة المُخَمِّدة. ونحاول أن نستعين بمراوح السقف العملاقة التي مَلَّتْ من الدوران لطرد نتفة من الحر، ولكن عبثاً نحاول. فما أصاب الأرض من سخونة لا شيء يقاومه. مضطرباً، هذا الصباح، أجلس، من جديد، على ضفة النهر العريض الصامت. أتملّى، بنعومة، أشجاره السَطْحاء اللاطئة في أحضانه، مثل حبيبة مستسلمة. من البعيد، يأتي النور وهاجاً، هذا الصباح المُحَبَّل بالأعاجيب. نور شمس ستحرق، عما قريب، نصف الكرة الجنوبي، أو القسم الأكبر منه، كما حدث وفعلتْ أكثر من مرة. ومع ذلك، قررتُ أن أشرب قهوتي بهدوء، وأسير. أسير في الوهج الصاقب الذي ينغرس في الجلد، مثل أبَر مُحَمّاة على نار من الحطب. عالَم هادئ ومثير هو عالم أفريقيا. التوتر الأوربي الصاخب، واللجاجة الشرق أوسطية الفارغة، والنظريات الافتراضية الحديثة، للتحليل والتركيب، بما فيها «تفكيكية ما بعد الحداثة»، ومشتقاتها، تبدو هنا مثل سخرية لفظانية، لا مبرر لها، ولا تقاوم لسعات الشمس التي تهزأ بأعمال«الحداثة»، ليس النظرية فحسب، بل وحتى العملية منها. تصوروا! جلد الافريقي هو كل شيء في حياته. عَبْره، وبه، يفهم، ويدرك، ويحيا، ويقاوم، ويموت. مادته الماء والرطوبة. وجوهره الصمت والحركة الهادئة المستمرة، مثل نهر «النيجر»، تماماً، (لا التحرك الأهوج الذي يشل طاقتنا، نحن العرب، ويجعل منا كائنات عدائية في أغلب الأحيان). وأجدني كالقرد الهرم، أريد، وأصير، أُقلِّد الأفريقي في مشيته، وصمته، وحركته، وسكونه. هكذا، سأقعد أياماً طويلة صامتاً، في ظاهري، وأعماقي تتكلم كالحرادين. كنتُ أُريد أن أصير مثل أشجار النهر اللاطئة: ساكنة في النظر، ولا تكف عن الإلْتزاز إلى الماء، والاهتزاز بنشوة. من شجرة إلى أخرى، أمشي وأقف. اقف لأستظل. لا ديمومة، هنا، إلا للشمس. لدي الوقت الكافي لأفكر طويلاً في شمولية الحر الخانق، هذا. أُفكر، وأُعيد. أحب أن أستعرض، واستعيد، شرائط من حياتي، المبهج منها والمُغيظ. أحب أن أكتشف فنونها الصغيرة، وحيَلها الكبيرة التي ساقَتْني إلى نوع من الدمار الذي أتحمّل، وحدي، نتائجه، مع أنه يخص الآخرين، أيضاً. أكتشف أن كل شيء، في حياتي، مزيّف وعابث، بما فيه المشاعر الكبيرة التي عذبتني، طويلاً. يا للعجب! لا مكان في حياتي إلا للأكاذيب (ابحثوا في حياتكم، وقولوا لي إن كنتم تعلمون)! اكتشف، تحت وطأة الحر الخرافي، وكأنني جئت إلى هنا فقط من أجل ذلك، مكذوبات (في مقابل مفهومات) الحياة الكُبرى، حياتي على الأقل، مثل الحب، والحنين، والصدق، والكذب نفسه، والإخلاص، والارتباط، و... ، اكتشف زيفها وتكبُّرها (والتكبٌّر على أهل التكبّر عبادة، كما يقول علي بن أبي طالب). أرى الشمس القاحلة وهي تمحو كل شيء في نفسي، أو تكاد. واستكين، بمتعة حسية لها. أحب أن أصير أحداً آخر. ولكن كيف، ومَنْ يضمن العاقبة لي، وأنا، كما صرت أدرك الآن، مركّب من الحِيَل والأكاذيب؟ مَنْ كنتُ؟ ومَنْ سأصير؟ أسئلة كثيرة أخرى صارت تتوالد في رأسي مثل الفئران. صرت أعرف الآن: إما أن نكون واضحين كنور هذه الشمس، أو أن نظل نتخبّط في بلاهتنا إلى الأبد. والوضوح هنا ليس هو الرؤية، فحسب، وإنما هو الصدق، الصدق مع الذات، أساساً. وهو الذي سيجر العربة على الطريق الصحيح. صمت وخلاء. فراغ موحش من الحر والسكون. لا أحد غيري يسير في تلك الظهرة، في«باماكو». ألوم مَنْ؟ ولِمَ علينا أن نلوم أحداً عندما لا تلائمنا الأوضاع؟ أهل «باماكو» كلهم يختبئون من الشمس. لا أحد يستحق على ذلك اللوم. لكأن علينا أن نلوم الأُسُود عندما تتفيّأ في غابة حينما يشتعل النهار. للحياة قوانينها، وما علينا إلا احترامها. لمَ لا أنزل الآن إلى الماء؟ ماء المسبح الجميل، فماء النهر حارقة. نهر ساكن كأنه بحر، نهر «النيجر» هذا. ومع أنه يقطع مسافات عظيمة في بلدان القارة الأفريقية، فهو يبدو للناظر إليه وكأنه لا يتحرك، وإنما يغوص في باطن الأرض. يغوص دون أن يبلغ مبتغاه. أية علاقة حسية بينه وبين القاع؟ أعرف ذلك من النباتات المنْبَتَّة الجذور التي تطفو فوق سطحه، وهي لم تقطع منذ أول النهار سوى أمتار قليلة. أم أكون أنا الذي لم يبتعد عن مكانه، رغم طيراني؟ كيف أفرّق بيني وبين هذه النباتات الطائفة بلا جذر ولا قاع؟ لو استطيع اختراع «مسحوق الإدراك السحري» الذي يمكنني من رؤية الأشياء على حقيقتها، بدلاً من أن أتصوّرها على حقيقتي. كنت سأرتعب ولا بد. كنت سألزم الصمت، وأغمض عيني عن كل رؤية. فالحقائق هي أبشع شيء في الوجود. وهي لذلك لا تُسْتَدْعى إلا عند الحاجة إليها من أجل تزييف الأمور، وتضليلها. ولكن ما حيلتي إزاء هذا الكَمّ الهائل من «الحقائق» التي تقرع رأسي أينما ذهبتُ؟ الفكرة، وحدها، مرعبة. فكرة اختراع مسحوق سحري للنفاذ إلى أعماق الأشياء والكائنات. فكرة لا تعبِّر عن حاجة إلى المعرفة، وإنما عن شهوة للتسلّط. أي غول ما زال يسكنني إلى الآن؟ صرتُ أسير، متباطئاً، مثلهم، وكنت أتسارع في «باريس»، رغم أنه لا أحد ينتظرني في نهاية الطريق. ولم أعد أزُمّ شفتيّ، وأكْرُب أنفي، عند أشمّ الزنخ، والزنابيل. ومن ظلّ إلى ظل صرت أتفيَّأ ماشياً بطمأنينة، وكأن الزمن كله تحت قدميَّ. ومثلهم، صرت ألبس الأبيض الخفيف، وكأني أريد أن أدع جسدي للطبيعة لتَلُفُّه بهوائها، وتشويه بشمسها التي لا تشبع. وتحت الأشجار الساكنة ألْطأُ، عندما يحلو لي ذلك، قبل أن أُعاود السيْر، من جديد. سَيْر لا هدف له، ولا اتجاه. إنه عبارة عن حركة تحمل معناها في ذاتها، ولا تحتاج، مثلي، إلى أحد آخر لتصير ما هي عليه، لتصبح ذات معنى. حركة حرة، ومتحررة، من كل جدوى. ألوانهم المفضلة الأصفر والآجري. ولوني المفضل: الأبيض. لكن ضوء الشمس الآسِر يمحو الألوان، كلها، يجعلها تتساوى في تفاهتها، ولا يقاومه إلا الأسود. وأنا لا أحبه. ينظر سطح الماء بخشوع، مثل ناسك جبليّ. ينظر عمودياً ليرى الأسماك المختبئة في عمق الماء هرباً من سطوة الشمس. ينظر الشبح الأسود الهزيل بدراية نمر في أعماق الغابة. الأسماك الشيطانية (أو معظمها) تعرف متى سيرمي بنفسه عليها. لكن السخونة المرعبة أقوى حتى من غريزة الدفاع عن الذات، ولذا توهمه بأنها لن تتهرب منه. وفجأة يُلْقي بشباكه، ومعها يُلْقي بنفسه. يسقط مثل حجر ثقيل في غياهب الماء، ليلُمَّ بعض السُميكات الصغيرة، غير المدربة، بعد، على حماية نفسها من الصياد. يلمّها بطراوة بين يديه وكأنه يلمّ التبْر. ويخرج ناشقاً هواء الأرض الساخن مبتسماً بنشوة لا يقَدِّرها إلا من كاد أن يموت جوعاً. وأراه يقبِّل سُميكاته التي راح يضمّها بحنان إليه، وأكاد أبكي. مَنْ يصيدني، أنا الحوت، بمثل هذه الرِقَّة؟ أرض من مطر «أرض من مطر»! رأيتُ ذلك بعينيَّ. كانت الشمس في أبهتها الصيفية. وفجأة، بدأ الغيم يتحداها. وهطل المطر. مطر استوائي غامر وكبير. طيور مائية تنصلِقُ من الغيم إلى الأرض كالصقور الجائعة. وبدأت الأشجار تهتزّ طرباً. وصارت أغصانها، وأوراقها، تتراقص مصطفقة. كان صبيب الماء النازل من السماء مرعباً، ومرعداً، معاً. ولم أغيّر مكاني. بقيت جالساً بثبات تحت سيول الماء الهابطة من السماء، ولأول مرة، تمتعتُ بهذا الوصل المائي الذي بلا فصل. كنت أُلاحق عطش الأرض للماء. ابتلاعها الفوري لها. لكأن الأرض تفتّحَتْ، أؤ تهيّأت، لامتصاص البلل الذي ظل يجيء بلا كلل. لكأن للأرض ثقوباً سرية لا تحصى، ويكفي أن تبتَلّ القاع لتَتَعدد هذه الشقوق وتغدو لدنة، مرنة، قادرة على ابتلاع المزيد من الماء. وما ان توقف المطر، فجأة، كما بدأ، حتى غيض الماء، واستعادت الأرض هيأتها الناشفة المتزمتة، وكأنها «لمْ تغتسل منذ أمد». رائحة الأرض بعد المطر. رائحة الحياة التي تولد من الغيم. أشمها، عميقاً، متذكراً كثيراً من الطقوس والأقاويل. أبحث في التراب المبلول عن الكيفية التي يتم بها «الانزلاق نحو الداخل». عن الامتزاج الأبدي الذي لا انفكاك منه. أتراني سأعثر عليه، هنا؟ كل واحد منا يتصرّف بما في طبيعته، وهو ما يميّزنا، ويعطينا أهمية ما. وإذا ما أردت أن أتصّرف مثل أحد آخر، فإنني أُخاطر بموهبتي ( بموهبة الحياة العفوية)، وأصير كالسمكة التي تريد أن تطير. لماذا لا أتحرر من عبء المراقبة (مثل هؤلاء)، وأدع الآخرين يتحررون؟ أخشى أن تكون هيبة الكائن، ونفوجه، وما عسى أن يغعل ويصير، ليس أكثر من مقولة خامجة تملأ رأس الكائن الفارغ (أو الذي فُرّغ) من «جوهر الحياة». فما رأيته هنا لا يدع مجالاً للتبجّح أو الاستقرار. وما دمنا بعيدين عن إدراك محنتنا، قبل أن نقع فيها، فلا عزاء لأحد منا، حتى ولا لأولئك الذين دمرتهم الحياة. صباحاً، أنفض رأسي من غبار الأفكار التي دمرتْني طيلة الليل. أفكار العتمة الأفريقية التي لاترحم. أنت لا تعرف معنى أن تنام وحيداً بين سواقٍ وسيول من أمطار لا تأبه بالكائنات، ولا تكاد تعرف عنها شيئاً. أمطار ذات أصوات مسموعة على مدار الكون، وكأنها الإعلان الأخير عن قرب انهيار العالم. في «بادية الشام» كنت أنام تحت المطر، لكنه مطر مزْنيّ عابر، سرعان ما يليه، في السماء، فضاء جلي يوحي بالرأفة والحياة، ويفسح المجال سريعاً لقوس قزح باهر. هنا، المطر والأرض في صراع عشقي، وشغفي، لا حدود له: كل منهما يحاول أن يلتهم الآخر، يمتصه، أن يجعله جزءاً منه، وهو ما يثير الرعب في أعمق أشكاله، لدى الكائن الذي يحبس أنفاسه، خانعاً، بانتظار أن تبتلع الأرضُ السماءَ. عندما أخرج في الصباح الشفيف، يكون الهواء رطباً وخفيفاً. هواء مندّى بمطر البارحة، وما زال يحمل في نُسَيْماته عبير الأرض التي انغسلَتْ. وبرغم الحاح السائق الصموت «موسى نياري»، أتمهّل في خروجي. أريد أن أمحو من الحياة ما لا يليق بعظمتها، وقد خطر لي أنني أسرفتُ في الابتذال. أحياناً، يمنحنا السفر بُعداً جديداً، يجعلنا نعيد النظر، بلا مشقة أو تخوّف، في حياتنا، وما فعلناه بها. وهو ما جعلني أرتعد من الرعب: لقد بدا كل شيء في غير محلّه. لكأنني لم أفعل إلا ما لم أكن أريد فعله. ولم أحصل إلا على ما لا أبحث عنه. ولم أعرف أحداً يهمني أن أتعرّف عليه. ولم أُصادق إلا أعدائي. اللعنة! ويريدني أن أسرع؟ سألتقي، صدفة، «بآبْدو»، سائق التاكسي المهيب. رجل عتيق، هائل الحجم، مجرد النظر إليه يثير الرعب. وجه أسود فحمي، وعينان حمراوان حائرتان، وصوت خشبي مجروح، وكلمات قماشية خشنة مثل فتات الحجارة تنقذف من بين شفتيه، وحركة بطيئة مثل حركة تمساح شبع ويريد أن ينام، وسأتبنّاه. صار يأخذني كل مساء، بعد انتهاء العمليات الجراحية. إلى المقهى، أو المطعم، وينتظرني، ويعود بي متى أشاء إلى الفندق. يظل صامتاً أثناء الطريق، لكأن الكلام، بحد ذاته، مشقة، لا طاقة له عليه. لا يفهم من الكون إلا موطئ قدميه، ومَلْقى جسده ليرتاح. الإنسانية الأولى كلها حاضرة فيه. وسأكتشف، باكتشافه، أية مسافة لا إنسانية قطعناها، نحن الذي تورطنا في«حضارة كاذبة»، من أجل الابتعاد عن الإنسان. ولكن، أكان يمكن للإنسانية أن تبتدع حضارة أخرى أقل لا إنسانية؟ لماذا أعذب نفسي، و«آبْدو» صامت وسعيد؟ مـــدينــة «وادي التماسيح» سأكتب الغبار، هذا المساء في «باماكو»، مدينة «وادي التماسيح»، عاصمة بلاد «أفراس البحر»، أو «الهيبوبوتاموس»، «مــالـــي». ستخطر لي أفكار كثيرة، وأنا أتهيّأ للكتابة، مثل فتاة تريد أن تلبس أحلى ما عندها للذهاب إلى موعد غرامي. أوليس العلاقة بيننا، أنتم، وأنا، هي من هذه المادة؟ وإلا لِمَ نعذّب بعضنا بعضاً، حتى قبل أن نلتقي على الأوراق؟ «جرْح الحداثة» الخطير، هو الذي سيسيطر على أفكاري. الجرح الملوّث بالحُقْرة والغبار. لكن التاريخ لا يعود القهقرى، ولا يتوقف عن مساره، حتى ولو كان لا إنسانياً، ولا ينتظر المعاقين، أو الذين عَوَّقْناهم، عمداً، لئلا يلحقوا بنا، ليظلوا تحت تصرفنا، ومتى أردنا. هذا هو درس التاريخ المغرض الذي يبدو لي، اليوم، جلياً في«مدينة وادي التماسيح»، باماكو. صرنا نعرف أن كل شيء يدافع عن نفسه، والتاريخ يفعل ذلك، أيضاً. وهو، أحياناً كثيرة، متطرّف في مثل هذا الدفاع. ماذا يبقى من حداثة «بلاد فرس البحر»، «مالي»، غير التلوّث والغبار، وتدمير الكائن؟ ولكن، هل كانت الحال أفضل، قبل «الغزو الحداثي»؟ ذلك هو السؤال الغبي الذي لا جواب عليه، لأنه يقع خارج منطق التاريخ. عندما أسافر: ارحل. لا أعود أتذكراً أحداً، و لا شيئاً. الآحاد الذين عرفتهم يصيرون مجرد نقاط بيض في الفراغ. في فراغ نفسي التي تستعد، من جديد، للامتلاء. تقودني قدمي إلى البعيد بسهولة، مثل جَمَل محَمَّل بالقش. ذكرياتي لا تبرح مكانها ( أو هكذا يخيّل إلى). الأمكنة تحل محل الوجوه، والأشياء محل العواطف. النظر إلى الفضاء الجديد يفعم النفس بمسرة غير مفهومة، مثل مُلامَسة جسد جديد. ماذا أريد أمتع من ذلك في الحياة؟ أختُل في الفيء حتى العاشرة ليلاً، فقبل هذه الساعة لا يمكن الخروج. وعندما أكون مضطراً للخروج، نهاراً، أحس بأنفاسي تمتلئ بلهب الشمس، ولا يعود أنفي قادراً على استيعاب الهواء، صدري ينضغط تحت وطأة الحر، مثل حَمّال تحت أكياس القمح في «الجزيرة». ومع ذلك، تبدو مقاومة سطوة الشمس، أحياناً، نوعاً من البطولة المجانية التي لا مفر منها. أقف مضطرباً هذا الصباح، في «باماكو»، وأنا أردد: حتى على مستوى الحيوان، حتى على مستوى الكائنات «الأولية» التي تجهل الكثير من تاريخها، ومن خصائصه (وتكاد تحتقره بسبب هذا الجهل السحيق)، حتى على مستواها، أقول، لا يمكن تصّور «اخلاص» يهدد الحياة. فمن منا يستطيع أن يفهم، أو يتصوّر، أن حيواناً برياً جائعاً، لا، ولن، يرعى في مرعى خصب عثر عليه، بحجة إخلاصه لمرعاه القديم القاحل؟ «الاستبدال»، إذن، يساوي التبدّل، التغيّر، التطوّر، البقاء حياً. وهو لذلك أمر حيوي بالأساس. ما دفعني إلى هذه الملاحَحَة، أو الفكرة الملحّة، هو الشعور الطاغي عند «المالييين»، للبحث عن أمكنة أخرى يعتقدون أن حياتهم ستكون أفضل فيها. وهم، لذلك، «مرشحون للهجرة». أو ليس هذه هي حالنا، نحن العرب، أيضاً، أو حال الكثير منا، وبخاصة عند ما يسمونهم، إلى الآن، بالأقليات، وهم أصحاب البلاد الأصليين، في أغلب الأحيان! ونحن، كثيراً، ما نُطالب «الهاجر» (وهو غير المنفي، وغير المهاجر) بالاخلاص، أو نلومه، أو نذكّره بعقدة الذنب بالنسبة لوطنه الأصلي، وكأن الكائن الفرد، وحده، مسؤول عن الإخلاص، والأوطان هي الأولى بأن تكون أكثر إخلاصاً لأبنائها، ومسؤوليتها تجاههم، أكبر بكثير، من مسؤوليتهم تجاهها. وعليها (الأوطان) أن تدرك أن استبقاء أبنائها فيها يتطلّب جهداً كبيراً، ويفترض حرية الحركة والرأي والسفر. فالوطن، في نهاية الامر، مثله مثل غيره من الجهات، موضوع مقارنة انسانية كونية. موضوع مقارنة مع غيره من الأوطان حتى ولو لم يولد الكائن على ترابها. ومن أجل أن نخلص له، عليه أن يخلص، هو الآخر، لنا، وإلا فإنها القطيعة المؤسفة. آه! أفريقيا العجائبية تبدو الأمور النظرية فيك عملية جداً، وقابلة للفهم السريع، حتى من أكثر الناس تردداً، مثلي. يحدثني «البروفيسور» عن «تنبُكْتو» حتى قبل أن أزورها، «وفي الطريق إليها يحدثني عن المدينة الأخرى: «مُبْطي». وهي التي كانت ملتقى للقوافل الجبارة، ومحطة للراحة، قبل متابعة الرحيل، نحو «بئر المرأة»: تنبكتو ( تونْ بُكتو: وهو معنى اسمها في لغة مالي). في تنبكتو كانت رائجة تجارة الاسماك المجففة، والملح، والقماش، والتمور، والكائنات، أيضاً. أي تاريخ مليء بالحكايا والأعاصير؟ لمســـــتُ الشــــام بلدة «كولوكاني» في منتصف الطريق نحو الشمال، باتجاه «تُنْبُكْتو». وفي منتصف البلدة تقع دار الإمام. بكيت عندما استقبلني، وهو يحدثني بعربية فصحى : - من أي بلد أنت؟ - من دمشق. - الله. الله. مرحباً بك، وأهلاً الإمام شيخ طاعن في السن. يشبه جلده جلد أبي. جلد أسود، ممطوط، فارغ من اللحم، يكسو عظماً دقيقاً، صار هشّاً من مرور السنين عليه. عيناه لامعتان، براقتان، لكنني أحسب انهما لا يريان إلا ما يسمعه الشيخ بأذنيه (مثل أبي المئوي، تماماً). لكأن نورهما الداخلي انطفأ. واحتفظتا ببريق الدمع المتناثر منهما، كالرذاذ. أُقرفص بين يديه الطويلتين، اليابستين، محملقاً فيه، علني استعيد الشيخ الذي لم أره من سنين. أهل الصحراء، كلهم، واحد. أقول دون أن أشرح قصدي له. ويقول، بلطف أذهلني: - بلد الخير والرحمة دمشق. يقول، وهو يتزحزح من مقعده حتى صار لصقي، وقبّلني. وأقول: - نعم. ولا أزيد. ويصير يتفرّس في وجهي الذي بالكاد يرى معالمه الكبيرة، وهو يشدّ على يديّ بيديه الباليتين، وقد أهمل الحاضرين من أجلى. وأحاول أن أتحرر منه، ولكنه يتابع القراءة السرية بلسانه، وعينيه، دون أن يتركني. لكأنه يتبرّك بي. وأبادله النظر والكلمات الصامتة، وأنا أرى فيه أبي الذي لم أره منذ عقود. ويخطر لي: كيف وصل الاسلام إلى هذه الأصقاع؟ وأي نور نشر في بداياته الأولى؟ ويصير يقرأ آياته القرآنية بحماس شيخ يعرف أنه سيموت قريباً، وربما الآن. ويطلب من مساعده الذي هو ابنه، تفسيرها للحضور باللهجة المحلية. ومرَّتْ آية تشير إلى أن الفروق الإنسانية، والألوان، آية من آيات الرحمن، ودون أن يتركني يشير إليَّ، مؤكداً: - هو أحمر ونحن سود، وكلنا خلقنا الله. لماذا نحاول أن نجعل من اللون محنة للكائنات؟ ويراني أكتب في حضرته، فيستفيض. ويلفّ الصمت الآخرين بعباءة من بهاء. لكأن القوافل القديمة أناختْ جِمالها منذ حين، وعلى الآهلين الاحتفاء بها. وعندما تهيّأْنا للانصراف، حفَزَ واقفاً كالطير، وهو يشدّ على يدي التي أخذها بين يديه، مردداً بتأثّر كبير: - لمَسْـتُ الشام. لمسْتُ الشام! بصقَتْ على الأرض، عندما سألناها عن ثمن الفحم الذي سنشوي عليه غداءنا. من بين أسنانها الفلْج انبثق اللعاب كتلة سميكة طائرة في الفضاء، ليحطَّ بين أقدامنا، دون أن تأبه بنا: عجوز «مالي»، ذات السنوات التي لا تُعد. وبعد أن حَكَّتْ لِثّتها المهترئة، وفكرتْ عميقاً، أجابتْ عمّا سألناه. ولكن بمَ تراها أجابتْ؟ لا أحد يعرف شيئاً. كانت الشمس قد بدأت ميلها إلى الغروب، وكنا نتأهّب للسير ، من جديد. لكن كلام المرأة العجوز، أثار أشجاني. من قال أن الصوت المبهم لا معنى له؟ وبدأت أتحكَّكُ فيها، علّها تفصح عن المقال. لكنها اكتفت بأن مدت يدها طالبة ثمن الفحم الذي كنت أجهله. وعندما وضعت بعض النقود بين يديها، اكتفتْ بأن شملَتْني بابتسامة غامضة، خفت أن تكون رفضاً، أو عدم رضى. لكنها نسيت حتى وجودي، رغم أني لم أبرح المكان. ثمة أقوال، أو كلمات، تظل تتردد في رؤوسنا، دون أن نستطيع تحديد موقفنا منها. وكلما كان الكلام بسيطاً، وقيل في ظرف توتر عاطفي، أو نفسي، كان أكثر تأثيراً. وهذ اليوم، كنت مشغوفاً بالحياة، وبالطبيعة، وكانت درجة حساسيتي «فوق الريح»، ولذا اعتبرت كلمات المرأة العجوز، كلمات اسطورية، مع أنها لا تريد أن تفعل هذا. كل ما كانت تطلبه هو ثمن الفحم، ولم تستطع، من فرط انفعالها، هي الأخرى، ربما، أن تحدده بدقة. الطبيعة، هي الأخرى، خادعة. وتقول لنا بمرئياتها الكثيرة، الشديدة الوضوح، ما نعجز عن إدراكه، بشكل نهائي. وإن كنا عاجزين عن ادراك الغموض العفوي في هيئة حجر، أو شجرة، أو كثيب من الرمل، فنحن، في الواقع، أشد عجزاً عن إدراك ما يقوله لنا العالم لنا، أو الآخر، حتى عندما يقوله بصيغة لا تحتمل التأويل. لماذا؟ لأننا لا نتوقف عن الهرب والتراجع أمام الوضوح! مثل موقفنا إزاء «عاطفة» لا نريدها أن تدمرنا، فقط، لأننا قادرون على فهمها. هنا، يحاول البشر أن يعيشوا كما يستطيعون. ويمكن لأي واحد منهم أن يجعل محور حرفته علبة كبريت نصف فارغة، مثلاً. يقضي يومه قاعداً ازاءها. يبيع منها عوداً أو أكثر لمن يريد، ويعرضها على المارة والحائرين: مَنْ يشتري عوداً؟ وهناك مَنْ يجلسون تحت حريق الشمس، بالقرب من إطار مطاطي عتيق، منتظرين من يشتري «شقفة» منه. وثمة كثيرون يقضون يومهم حاملين «بالونات» مملوءة بالماء، يقطعون المدينة لبيعها، ولا أحد يشتريها. وترى الشعور بالاكتفاء يبدو عليهم وهم ينادون على «بضاعتهم» لكأنهم يحسون بالسعادة لأنهم لا يمشون بلا غرض! اليوم يوم خرافي. أفتح الباب بحذر. أُخرج بعض رأسي بهدوء. أمد قاحلة أنفي. أشمّ الحرارة. يهجم سنا الشمس مثل لهب التنور القديم في «الجزيرة». منه ينطلق شرر حارق يلهب الجلد. الفضاء، كله، نار. الحر ليس محلياً، وإنما كوني. الأرض، والسماء، والنهر، وغلاف الكرة الأرضية، كل شيء ، في البعيد، وفي القريب، نار. صائد الأسماك النهرية يقف، حائراً، في وسط الماء: أيجدّف، أم يسكب نفسه في النهر هرباً من لعنة الشمس. وفي الحالتين هو خاسر: فالاسماك تعرف هذه اللعنة جيداً، وتفضل أن تُصاد وهي تسكن قلب الماء، على أن تُشْوى حية، لَمْ تُصَدْ، على سطح النهر الذي جعلته الشمس يغلي. آه! أفريقيا، لِمَ كان مصيرك الأسود هو الخضوع اللامنطقي لمثل هذه الشمس المستبدة؟ اليوم، لم تنظر الشمس إليّ. كانت مشغولة بالغيم. نكتشف عندما تهملنا الطبيعة أن حياتنا مجرد أكذوبة باهتة. وأن الألوان التي نزيّن بها عالمنا ليست أكثر من غلالة جوفاء. سأجلس مواجهاً لها إلى أن تنحرف إليَّ. وسأرى في سطوعها علامة التنائي الأكيد نحو الغروب. شمس أفريقيا السوداء التي ستشرق، ذات يوم. في «بيبلوس»، باري المفضل سأجلس، وحيداً، عند حافة المساء. أشم رائحة الهواء المصطنع «المنعش» وأنا أكاد أن أقيء. لكنه يظل أرحَم من وَخَم الشارع. لا يهمّ كيف تُقْبِل الحياة علينا، وإنما كيف تتسرّب من أصابعنا، ونحن عنها غافلون. بعد أيام، سأعود إلى «باريس»، وسأكتشف أن ما تبدّل، آنياً، كان ذا قيمة كبرى، في العمق، لديّ. وأن المكوث في المكان ليس إلا نوعاً من الإصابة بالعطب. أنا مضطرب، هذا المساء، والاسباب كثيرة. دمشق القديمة التي لم أعد أعرفها، وباماكو التي أتعرف عليها أكثر كل يوم، وما بينهما باريس. ماذا يقي الكائن من الانهيار في مثل هذه الحال، سوى «الخروج» من جحره: سوى السفر، الذي قد يعوِّض ما ينسلب منه كل يوم، وإنْ كان ذلك لن يحميه إلى الأبد. الحياة رتيبة، هنا، رتابة أفريقية. حتى الغبار يتبع نسق هذه الرتابة. وما يعذّب المرء ليس هو البطء الطبيعي عند الافريقيين، وإنما اللجاجة المفتعلة عند الأوربيين، أو القادمين من هناك. وبين القطبين: البطء والسرعة، أحس أن السرعة هي التي ستغلب، في النهاية. لأن قوائم التاريخ السلعي لا تتوقف عن الجري. وسيكون الافريقي المسكين مضطراً، مرة أخرى، إلى الجري العنيف، وتحمّل الإنهاك والغلبة، حتى إشعار آخركما يقولون. حتى يلحق بركب حضارة غريبة عنه، ولا تخصه في شيء، إن لم تكن ضده، أصلاً. لكن الأمر لا يُشرَح، أيضاً، بمثل هذه السهولة والتبسيط. لا بد من البحث عن حجج أخرى كثيرة، وإن لم تكن ذات قيمة. ولكن، لِمَ علينا أن نشرح، دائماً، كل شيء، وبخاصة ما لن يغيّر شرحه شيئاً، ولن يزيد الأدعياء إلا إحساساً زائفاً بالتذاكي؟ الصوت، هنا، بُعْد من أبعاد الكائن. إنه غير منفصل عن الوجود. وهو، كما رأيتُ، جزء من جسده، مثل حواسه الأخرى. لكأن الكائن،هنا، يلامس الكائنات الأخرى بصوته، لا بجلده، فحسب. وهم يتكلمون بصوت عال، وكأنهم يتحادثون مع الطرف الآخر للغابة. والنساء، كما سمعت، أعلى صوتاً من الرجال، وأحَدّ منهم لحناً! سائق التاكسي الذي اعتمدته، ذو الرأس الجَمَليّ، والجثة الضخمة، عابس باستمرار. تبدو عليه كآبة طبيعية، وكأنه رضعها مع الحليب (إنّ كان قد رضع). كآبة مرعبة وصامتة، لا تتغيّر مهما كانت الظروف. أعطيه كثيراً، يظل عابساً. أعطيه قليلاً، لا يتأفف. أسأله كيف أنت، يكتفي بهزة رأسه الاسطورية، لكأن تشغيل لسانه يفوق طاقة الكلام. وعندما ألحّ عليه متسائلاً، يجيب بحيادية مخيفة، وكأنه يرجوني أن أتوقف عن اللحيح. أتمعّن في قسماته، في اليوم قبل الأخير، أريد أن أعرف مآله. كانت الدنيا عصراً، والجو ساكن ورديء، وكل شيء خانع لسلطة الشمس التي ملأت الكون بالدُواخ. أحاول أن التقط علامة تقودني إلى دهليز احاسيسه، ولكن عبثاً أُحاول. وفجأة، تخطر لي فكرة ترعبني: «إنه لم يبلغ وعي الفرح، بعد»! فالاحساس بالسعادة، نوع من الخصوصية الذاتية لدى الكائن، ولا يعرفها الناس جميعاً. أيكون كالأُمّي الذي لم يكتشف، بعد، متعة القراءة، ولا تعني له الحروف اللذيذة، شيئاً؟ لماذا ألحّ عليه، اذن، وهو لا يحب إلا الخلود إلى الصمت؟ كان اسمه: «آبْدو». متحرراً من « اسطورة الأسى التاريخي» التي دمرتْنا، أجلس. في المساء الأخير، في«بيبلوس»، بار «باماكو» الجميل. الموسيقى الغربية تصرع السامعين، وتنفي معالم أفريقيا من الوجود. تجعلني أتجنب الإصغاء إليها، وتثير في نفسي حس العدائية الذي لا أخفيه، في مثل هذه الحالات. لكن الحاضرين لا تشغلهم هذه المشكلة كثيراً، كما يبدو، وهو ما يثير دهشتي. لكأنهم لا يدركون خطورة اختفاء الخصوصية الإنسانية لمجتمع من المجتمعات، ولا عبث التعلّق بأذيال الغير للوصول إلى «لامكان». الحضارة البورجوازية الغربية، هي الوحيدة في تاريخ الإنسانية التي صارتْ كونية. لكن ذلك لا يجب أن يدفع بالعالم إلى الرضوخ لها، والتخلّي عن معالمه الإنسانية الأخرى، وبالخصوص عندما تكون على النقيض النقدي منها. حلمنا الطوباوي بإنسانية أخرى، أكثر اهتماماً بالكائنات، تحل محلها، لم يمُتْ، بعد. إلا أن انتظار العالَم سيطول قبل أن تهترئ مظاهر هذه الحضارة المخيفة، والتي أراها، الآن، وقد تغلغلَتْ في أعماق الغابة الافريقية. أعرف أن الناس، هنا، ليسوا، كلهم، مثل هؤلاء، لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة الوضع شيئاً. فهم ليسوا كذلك، لأنهم عاجزون عن الوصول إلى هنا. وتلك هي سطوة الميتولوجيا البورجوازية التي لا تُقهَر ( أو على الأقل إلى الآن). وإذن، سأدخن «الكوهيبا»، وأشرب «الجن تونيك»، وأفكر في«ماركس». وأي ضير في ذلك، وقد قضيت يومي في اجراء عمليات جراحية مجانية لبؤساء العالم. |
|||||
|
|||||