الحــــــــوت

 

رحمة المغيزوي


قَدر جدي  »عيد«  طول الحوت الذي نفق هذا الصباح  بالقرب من ساحل قريتنا بطول مركبين ونصف من تلك المراكب التي تشبه مركبه المصنوع من سعف النخيل بطريقة تقليدية. وفي ختام كلامه - الذي وجهه لجمع الناس المتحلقين حول الحوت - وصف قريتنا بالمباركة لأن حدثا كهذا  نادر الوقوع، كما أن زمن وقوعه - صباح يوم الجمعة - وقت طيب توزع فيه الأرزاق  على الخلائق  وهذا رزق طيب ساقه المولى لأهل القرية !وقبل ذلك كان قد حكى لهم -وهو يرفع عصاه الرفيعة  باتجاه الحوت - لافتا انتباههم إلى حقيقة كونه أول من شاهد الحوت،  وكيف أنه خرج من المسجد بعد أدائه صلاة الفجر حاضرة، وبالقرب من الساحل سمع  صوتا آتيا من البحر ووجد الحوت يضرب الماء بذيله الطويل ووقف يرقبه إلى ان أخرجه مد الأمواج إلى الشاطئ.

بعد ليلة عاصفة هدأ البحر أصبح وادعا ومستكينا  أشبه بامرأة حبلى  وضعت حملها بعد تعب مضن، لم يتحرك فيه إلا رماله التي داستها أقدام كثيرة صباح هذا اليوم، وسماؤه التي بدأت تعج بأصوات طيور البحر التي  أخذت  تعلو مقتربة أكثر من التجمع الكبير على الشاطئ. وحده »سليمان«  رفع صوته ليفض من تجمع الناس  حول الحوت،ويحرك همتهم للبدء  بتقطيع الحوت.، بدا  جادا -كعادته كلما أوكل إليه عمل في فترات إجازاته -،  وهو يقسم العمل على  كل من تجمع على الساحل،فالرجال يحفرون حفرة عميقة في التراب الرطب ليرمى فيها كل ما لا يستفاد منه من بقايا الحوت، والنساء يتكفلن بتمليح  لحم الحوت الكثير وصنع غداء القرية من هذا الرزق المبارك الذي صنفه  »سليمان«  على أنه نوع نادر وكبير  من أسماك القرش التي تأتي من البحار البعيدة.

كان أول سرب من النوارس قد حط بحذر قريبا من التجمع الكبير بينما بقيت أسراب أخرى تحلق قريبا من المكان مغتنمة فرصة مناسبة للاقتراب وأخذ نصيبها من لحم الحوت، عندها رأيت «سليمان» يشير إلي  بالسكين الكبير في يديه علامة لطلبه مني الاقتراب والمشاركة  وترك مكان جلوسي بعيدا عن التجمع مراقبا ما يحدث بصمت،كان قد أنهى قطع الزعانف الكبيرة وأعطاها للأطفال الذين بقيت أنظارهم معلقة بأي شيء يلقى إليهم من جسد الحوت ليبدأوا به لعبة يخترعونها مما يمليه عليهم الموقف،  رفعت يدي إشارة إليه في دلالة للاعتذار والسلام إليه.

ذهنيا كان كل شيء هنا مرتبطا «بسليمان» فالكلمة الأولى والخطوة الأولى كانت له، حتى اعتزامي السفر أخيرا ارتبط  به من كل جهة، موافقته ستضمن لي موافقة الجميع. فهو كما تصفه أمي محدثة أهل الساحل في كلام مطول (تبدأه بالصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وتلاوة الرقي الكثيرة عن الحسد والسحر).

- قطعة من ذهب، لا تشبه إلا الشمس في نورها، الوجه لأمه، والهيبة لأبيه والحضور وحب الناس لجده. كامل والكامل للمولى سبحانه.

غرست أصابعي بعمق في التراب الرطب متلمسا الملح فيه باحثا بنظراتي  عن حجر الحياة الأبيض الذي يلفظه البحر كلما هاجت رياح الشمال - كما يقول أهل البحر هنا - متأملا حركات الأطفال المختلطة بصياح النوارس وأصوات الكبار، حينها  بدا «سليمان» كقطعة من دم وهو يكمل خطوته الأولى في شق بطن الحوت، تجمع الناس حوله ليروا كل ما يخرجه من جوفه. رفع الكبد أمام أنظار الجميع كأول عضو يخرجه من البطن الواسع، أعطى جدي «عيد» القسم الأكبر منه وقسم ما بقي منها بين الحاضرين. كبر «سليمان»  باتساع العيون التي تراقب  الحوت الذي  بدأ  بالتحول إلى قطع من اللحم بفعل سكين«سليمان»  الكبير.

كإحساس الاكتشاف والغموض في نفوس الأطفال الذين أغراهم منظر أمعاء الحوت الملقاة في الحفرة العميقة  كان إحساسي مبهما وأنا  أرى مرة أخرى  »سليمان«   يدعوني بابتسامة كبيرة لأتقدم جهته، شيء ما جعلني أحجم حتى عن الرد على  ابتسامته بابتسامه مثلها، بقيت خائفا من تكرار تعليقه البريء- في صغرنا-بعد أن يجدني على الساحل الطويل.

- عرفت مكانك من أثر قدمك على الرمل.

ثم  يسكت- فجأة -  متداركا في كلامه معنا لا يريدني أن أصل إليه من أن أحد أثر قدمي  أكثر عمقا من الأخرى. يأخذني  إلى البيت مطرقا رأسه وأنظاره تحصي في صمت حبات التراب الرطب الممتد أمامنا.

 بين العيدين قررت السفر كانت هذه الفترة «لسليمان» بقيت ملتصقا به، ومنه تعلمت الخوف وعرفت أن الشياطين تتلبس  أجساد الناس وتأكل الأطفال الصغار فيها. ربما كمحاولة أخيرة  لفك  التصاقي العميق به  بحثت عنه طويلا، بحثت عنه لأخبره بقراري الذي بقي قابلا للنقاش  مع نفسي حتى أنهيت البت فيه هذا الصباح، وهاهو غارق في جوف حوت يشبه رجل  يعلم الناس أسرار اكتشافه مجددا جزيرة مجهولة . جزيرة لا تشبه إلا »سليمان«  في عمله الكبير في المدينة وعمله العظيم مع أهل القرية. جزيرة يصنعها »سليمان«  من أكثر أفعاله تلقائية وهو يكلم الناس ماسحا  في الوقت ذاته على شعر طفل اقترب منه في تلك اللحظة،

من على الساحل طار أحد طيور النورس مبتهجا بغنيمته من أمعاء الحوت وقامت النساء بغسل اللحم من الموج وتمليحه ووضعه في الأواني الكبيرة التي أعدت خصيصا لذلك  وهدأ لعب الأطفال الذي تحول الى مشاهدة متأنية لما يفعله الكبار في هذه المرحلة. مجددا  نظرت الى «سليمان«   تخيلت كل ما سيقوله عندما أخبره بقرار سفري. ستكسر طيبته المعهودة أمتن  خيوط العزيمة في داخلي عندما يكون  أول ما يسأل عنه.

-خير؟! هل حدث شيء لا أعلم به.

سأفهم أنه يقصد أبي وعلاقتي المتوترة به دائما، سأبتسم له  بهدوء وأخبره كاذبا مخفيا قرار السفر النهائي وقطع علاقتي بكل شيء هنا ومشيرا إلى قدمي.

- لا شيء أبدا. مجرد علاج.

أعرف وجه سليمان هذه المرة عابسا، لا يزعجه أمر كذكر قدمي العرجاء من يوم أن أسقطني من على سطح منزلنا ونحن صغار ووجهه يبقى متغيرا لا يلين إلا عندما يلزم نفسه بالسير محاذيا لي ومحاكيا لخطواتي في  اتساعها البسيط.

بعد ساعتين أنهى  »سليمان«  عمله، رأيته يغسل  السكين الكبير من البحر ويعطي ملاحظته النهائية حول تقسيم اللحم بين الناس، يضحك مع الجميع بعد كل ما فعله لهم، يجلس إلى جدي  »عيد«  يسمع شرحه المفصل عن مثل هذه الحيتان وربما زاد وأخبره عن مغامرة حدثت له في أيام شبابه الأولى. تحول ضجيج الساحل إلى ضحكات متناثرة من جراء ركض الأطفال خلف أسراب الطيور في لعبة جديدة أملاها الموقف، و أشبع التراب الرطب مرة أخرى بالأقدام المتأهبة  لمغادرته. عاوتني  صورة  »سليمان«  تخيلته يزداد إلحاحا ويسألني:

- أصحيح ما تقول، ليس هناك من أزعجك؟

تصورت نفسي بحجم البحر  لأجيبه  أنت، أنت أكثر من أي شخص آخر، وبعطف الدائم ، بشبهك جدي، أنت بعاهة قدمي، كما عرفت لاحقا (فؤاد) الحوت كان من نصيب أبي قيل لي أنه طلبه بشكل خاص من جدي  »عيد«، آخر وجوه الساحل  التي شاهدتها من مكان جلوسي كان وجهه، كلما اقترب خطوة مني تذكرت  اعتزازه الدائم »بسليمان«  وتعريضه المستمر بي قائلا اكثر من مره:  سليمان رجل يعتمد عليه في كل شيء.ليس كغيره لا يحرك ساكنا.

عندما أصبح على بعد خطوة مني،كانت طيور البحر تحلق بعيدا فارة من حجارة الأطفال الذين لم يبق لهم من متع اللعب غيرها. بقي يحدق إلي مدة وثم أخرج (فؤاد) الحوت من جهة يده اليسرى ووضعه  مباشرة  على جهة قلبي وضغط عليه بشدة وقال:

-   أريد أن يكون لك فؤاد لا يخاف مثل فؤاد هذا الحوت.

حينما وضع  »سليمان« - بدون إدراك- يده اليمنى في يدي أصبح في نظري يشبه النوارس والبحر والتراب الرطب  في آن واحد، تحسست ابهامه، مكان التشوه القديم بعد أن أسقطتُ حجرا كبيرا على يده ونحن نلعب، شعرت أن غزارة ماء البحر عليها تشبه غزارة الدم في ذلك اليوم، أردت أن أتركه كما فعلت في ذلك اليوم، لم يشفع  لي من ضرب أمي  إلا قدمي العرجاء  وتوسل  »سليمان« إليها أن تتركني وشأني. أصبحت كلما أردت أن أذكره وألومه على ما فعله بقدمي  اتذكر منظر إبهامه الضامر من جهة واحدة والتشوه الكبير الذي لحق به.من جهة يده اليمنى التي أخفاها وراء ظهره أخرج لي قطعة من كبد الحوت وقال ضاحكا:

- أخفيتها عن جدي  »عيد«  ما رأيك أن نطبخها مع بعضنا؟

 عندما سار محاكيا خطواتي استوقفته بقعة الدم التي تركها (فؤاد) الحوت جهة قلبي وسألني في انزعاج واضح

-خير؟! هل حدث شيء لا أعلم به؟

- لاشيء. إنهم الأطفال أثناء لعبهم.

ألح أكثر :

- أصحيح ما تقول،أليس هناك من أزعجك؟

- صحيح.

عندها سار محاذيا لاتساع خطواتي، كلانا تجاهل أمرا اتجاه الآخر. هو تجاهل تماما أثر خطواتي على الشاطئ وأنا تناسيت القرار الذي اتخذته في فترة مابين العيدين،،تكلم ببشر وسعادة تاركين جدي  »عيد«  يحسم الخلافات البسيطة في تقسيم لحم سمك القرش الذي بارك صباح القرية.


تصميم الحاسب الشامل