حصة الشمس على الوجوه:
باب ما جاء في جحيم قبيلة بني بهيم..

 

عبدالمجيد شكير


                «حين نحلق عاليا في السماء،

                نبدو صغارا في عيون الذين

                لا يعرفون الطيران»

                                نتشـــه

المساءات لا تغادرها..

ترابها حالك قاتم لا رائحة فيه..

تنام كل الأوقات، وحين تستيقظ تتكلم برخاوة تغيظ حتى الأموات، ثم تعود الى سباتها بشخير يبلغ صداه عنان السماء..

تنتشر مبعثرة على طريق مهجورة لا وحش فيها يسير، ولا طير عليها يطير.. قبيلة مفصولة عن جذورها بمسميّأت عديدة. عصور وراء عصور مرت وتمر، والكتب ضخمة وكثيرة، ولا أحد من المؤرخين كلف نفسه عناء وقفة عابرة تصف المكان أو أهله.. كل ما كتب عنها مجرد تسمية رسمت بمكر شديد وبلاغة فائقة: قبيلة بني بهيم!!

تعاقبت أجيال كثيرة، وحاولت تفسير التسمية أو تأويلها.. قيل انها سُميت كذلك لكثرة البهائم فيها، وقيل لأن أهلها أشبه بالبهائم، وقيل- وهذا قول مجموعة بحثت في تاريخ المنطقة وجغرافيتها وناسها- إنها ضحية نفر قدم إليها من أصقاع بعيدة في أزمنة سحيقة واستوطنها، وكان هؤلاء كالبهائم فعلا، وسرعان ما أصبحوا أغلبية تفوق سكان المنطقة الأصليون.. وكانوا- حين قدموا- مجهولي الاسم والنسب، فلقبهم السكان الاصليون بوفود قبيلة بني بهيم لكثرة بهائمهم، وعاداتهم «البهيمية».

توالت الايام ولم يعد أحد يهتم بتفسير التسمية او تأويلها، واطمأن اهلها الحاليون للتفسير الأول، من ان سبب التسمية كثرة البهائم في المنطقة.. البهائم التي ما زالت تملأ القبيلة حتى في زمن الاسفلت والكهرباء.. والطريق السيار..

سكان قبيلة بني بهيم أجناس غير متجانسة: سكان اصليون يكتمون بداوتهم التي لا ينجحون في إخفائها، مستوطنون قدموا من ريح الجوع والعري واستقر بهم المقام بالقبيلة بعد ان لوّنوا ترابها بالأسود الحالك ونزعوا عنه رائحته الندية، وزائرون جاءوا الى القبيلة من زمن الكهرباء والطريق السيار الذي لم يكن قبل مدة أكثر من طريق مهجورة تسكنها الأشباح.. والزائرون، بدورهم، أصناف: منهم من طال به المقام وصار مستوطنا، ومنهم من وقف بالمنطقة يسترد أنفاسه ويستأنف طريقه، او ليختبر حياة مغايرة او تجربة فريدة ثم يعود أدراجه بعد أن يترك بعضا من بصماته على المكان.. وهؤلاء يلقبهم الأهالي عادة بـ«العابرين»..

مستوطنون، زائرون، عابرون.. اختلط وجه المنطقة ومات دفئها الأول، ودخل السكان الاصليون أعشاش القش في الهوامش، ولبسوا صمتهم.. فسحوا المركز للمستوطنين والزائرين ليرتعوا بدوابهم وبهائمهم، وهكذا صار المكان قبيلة بني بهيم، تنهش من يقترب منها، وكلما لمحت موضع قدم سارعت الى بسط نفوذها عليه، وسيجته بكلابها التي صارت اكثر من نسلها.

٭ ٭ ٭

حل زمن الاسفلت والكهرباء والطريق السيار، فصار لابد لقبيلة بني بهيم من رؤوس تتكلم بلسان حال أهلها.. ساد لغط وهرج، وسارع كل فصيل الى تقديم تاريخ أقدميته بالمكان، كانت الاجتماعات تأخذ أياما بلياليها، وتنتهي بحوار دام بالعصي والسكاكين، فيما كان السكان الاصليون يبتسمون بسذاجة، ويتفرجون على زمن لم يتوقعوا أن يحضروه.

اجتمعوا ليلا (في آخر ليلة) بسقيفة ابن الوليد، واتفقوا على تقسيم القبيلة الى مناطق حسب الفصائل، فاستحالت بنو بهيم قطعا متعددة يسيرها نفر من المستوطنين.

العنبري يمثل آخر فصيل منقرض من رعاع بقعة قاحلة لا ينمو فيها إلا الشيح، ولا تعتريها إلا الريح.. والعنبري هذا، وان اختار اسما مشتقا من العنبر، فانه مشهور بنتانته التي تسبق في العادة حضوره، حل بالمنطقة لاجئا بعد أن بددت رياح العري والجوع آخر بذرة من غبار بلدته.. هام على وجهه أياما وسنين، واستقر به المقام بقبيلة بني بهيم بعد أن أوهم سكانها الاصليين بانه يفك الخط، ويقرأ المكتوب.. ويستطيع أن يعلم الأبناء القراءة والكتابة.

الليثي، أيضا، لاجئ حديث، لا أحد يعرف قبيلته الاصلية التي يدعي انها من الشرفاء أصحاب الكرامات، وكراماتهم انهم لا يركبون إلا الليوث التي تخضع لهم دون سواهم.. والليثي هذا، واحد ممن يتقنون بعض لغات الاعاجم، يملك وسامة لافتة، ولسانا لا يخلو من كلام معسول، لذلك أجارته نساء بني بهيم قبل رجالها.

الجزار ثالثهما واخبثهما، ساقته ريح هوجاء الى القبيلة مدّعيا انه يحسن تربية الدجاج بطرق حديثة، ولما تمكن له مصير دواجن قبيلة بني بهيم صار يتحكم في مصير «الآكلين».

صار هذا الثالوث مركز القرار، لا احد منهم وفيِّ لإسمه الا الجزار، فالعنبري لا يستطيع أن يترك عنه قذارته، والليثي أجبن من أرنب.. ومع ذلك صارت هذه الاسماء على كل لسان لأزمان طويلة.

٭ ٭ ٭

اتسع الطريق السيار وبدأت الكهرباء تعم القبيلة لكن ظلمتها- مع ذلك- ازدادت حلكة.. عاث العنبري والليثي والجزار فسادا في الناس والمكان، صاروا كمن يوزع حصة الشمس بمقدار، دخل السكان الاصليون أعشاش قلوبهم وهمومهم وتوجهوا صوب الطريق السيار لعله يحمل قادما يزرع في هذه التربة الحالكة احلاما جديدة، ويوسع حجم بقعة الشمس على الوجوه.

كان الوقت زوالا حين توقفت قافلة لم يسبق لها ان عبرت المنطقة، لم تمكث أكثر من هنيهة أخرجت، خلالها، من أحشائها زائرا جديدا للقبيلة. كان يبدو أنيقا وغاضبا، غاضبا بأناقة.. تعلقت به العيون وتابعت خطواته الحذرة.. لا احد تجرأ أن يسأله عن اسمه او هدف زيارته كما تعودوا مع كل قادم جديد يحل بالمنطقة، شيء ما جعلهم يتهيبون الحديث اليه او الاقتراب منه.. تغير إيقاع القبيلة وصار لها انشغال يكسر جمود روتينها القاتل، صار القادم الجديد موضوع كل جلسة وحديث، لا احد يعرف من يكون او من أين أتى، وهل هو زائر عابر ام مقيم مستوطن.. بدا لهم غير عادي بابتسامته الصلبة واناقته الصارمة، صار الجميع يتهيبه ويألف وجوده شيئا فشيئا. أدرك القادم ان غموضه يجعل له وضعا استثنائيا وسط القبيلة.. استطاب هذه الميزة، ولما أشفق على الاهالي اكتفى بأن أخبرهم انه واحد ممن يحاربون الظلمة وينشرون الشمس، ووجوده بينهم هو لتعليم ذريتهم الكتابة والحكمة ، وكيفية البحث عن الشمس بأنفسهم.

تحمس الاهالي ونفضوا عنهم سباتهم العميق، واغتسلوا بما تبقى لديهم من ماء مثلوج.. صاروا مواظبين على صنع أحلامهم بأنفسهم، وعلى البحث عن شمس تتسع للجميع.. عم الحماس قبيلة بني بهيم، فيما وقف العنبري والليثي والجزار مذهولين، ثم، بعد ذلك، حاقدين متذمرين يرجون موت هذا القادم الذي صار يجر القبيلة من تحت أقدامهم دون ان يخطط لذلك.. كان القادم يدرك، بدوره، ان هذا الثالوث الذي يشبه القرود غير مرتاح لوجوده بالقبيلة، صار يرقبهم أيضا متصنعا لا  مبالاة مترفعة.. كان كلما نظر الى وجوههم يدرك حجم الموت المؤجل الذي يحيق بالقبيلة، خاصة شبابها، لذلك كان يسمح لبعض شباب القبيلة، الذي صار مؤمنا بحصته الكاملة في الشمس، بمجالسته من حين لآخر، وتجاذب الحديث معه.. كان يستمع اليهم اكثر مما يتكلم .. شباب مشحون بكلام حارق اكثر من نار.. كان يسمع اليهم سمع الليل لشكوى العاشقين، دون ملل او ترفع، وكان غالبا ما يختم احاديثهم بكلام هادئ ينزل على قلوبهم كقطع ثلج تحتاج قلوبهم برودتها.. وتحت القطعة الثلجية يزرع جمرا اكثر حرقة يستفزهم نحو حقهم في حصة كاملة من الشمس تسكن الوجوه والقلوب، وتطرد صقيعا لعينا لازم القبيلة منذ عهود.

في كل هذه الاثناء، كان العنبري والليثي والجزار يرقبون الوضع بحنق شديد، وينتظرون متى يحزم هذا القادم حقائبه، ويركب الرحيل.. فيما كانت جولييت.. احدى جميلات قبيلة بني بهيم التي لا تغادر شرفتها، تلوح للقادم من حين لآخر بابتسامة عميقة او جملة انجليزية راقية تشعره انه في طريقه الصحيح، وانه ليس وحده من يرغب في أن تكون لقبيلة بني بهيم حصتها الكاملة في الشمس!!

٭ ٭ ٭

داوم القادم على جلسة موقوتة بانتظام في ركن نابض من القبيلة يجتاحه بعض الابتسام.. يحتسي فيه قهوة الصباح وحساء المساء، ويحرك قلمه واوراقه ببعض الكلام.. ولا ينسى ان يرفع بصره من حين لآخر الى شرفة جولييت التي تسقيه ابتسامة عميقة او تحية رقيقة تزيد من حركة الدم في شرايينه.

يدفن رأسه الصغير في اوراقه مدة طويلة، ثم يرفع بصره كمن يستفيق من نوم عميق ليسرح في تأمل شارد قبل ان يدفن رأسه في اوراقه من جديد.. حين رفع رأسه بعد الغيبوبة وجد حروفا كبيرة تغطي بياض الورقة التي كانت عذراء قبل ان يغوص في اغفاءاته.. تتبع الحروف الناتئة بإصرار فوق بياض الصفحة، فوجد:

«اصطفت المقهى الى المقهى.. الى المقاهي..

اصطف ماسح الاحذية الى بائع السجائر الى بائعة الخبز الى بائعة الهوى..

هما صفان فقط.. القبيلة كلها عبارة عن صفين.. واحد لليل وواحد للنهار.. واحد للبياض وواحد للسوادء.. لا يلتقيان، ومع ذلك فكل واحد منهما يكمل الآخر، فيتداخل الليل بالنهار

والأبيض بالأسود، وتستحيل القبيلة غيمة رمادية دائمة الانقباض..

عند هذه القبيلة الخارجة عن اعراف الجغرافيا وابعاد الهندسة، تتوقف كل القوافل المتجهة نحو الجنوب.. تلتقط صورة للبؤس والانقباض بالألوان الطبيعية.. وتهدي تحية من خلال الهوادج الى كل الاطفال التائهين بين حوافر الدواب.. تلك قبيلة لا تأتيها الاضواء إلا بلون الفضيحة، ولا يأتيها الظلام إلا بلون الخطيئة.. ولا يأتيها الطريق السيار إلا بسحر عالم ما وراء البحار..».

تابع القراءة وعيناه تتسعان.. تجحظان.. تتبع حروفه اللعينة التي سارت بإحكام الى مفاوز مظلمة كالدهاليز، بعثرتها، فتتها، واخرجت كل النتانة التي تسكن التراب.. تلفت حواليه كأنما ليتأكد أن لا أحد راقب سير حروفه.. وإمعانا في الاحتياط، أخذ قلمه واضاف:

«تنبيه هام: كل تشابه في الأسماء او تطابق بين الأحداث والواقع فهو من قبيل الصدفة.. ومن يعرف منكم ساعي البريد فليخبره انما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرئ... تماما!!».

كانت عيون العنبري والليثي والجزار قد التقطت كل الحروف، واستمعت الى دبيبها وهي تعبر بالدهاليز السرية.. سارعت اليها لتخنقها لكنها لم تفلح، ثم سارعت الى تأليب أهالي قبيلة بني بهيم على هذا القادم الذي يستخدم حروفا مشاكسة وكلاما حارقا كاللهيب.. اهتزت قبيلة بني بهيم بدوي لم يسبق له مثيل.. لم يعد لها من اهتمام سوى ما كتبه القادم من حروف فاضحة وكلام حارق.. امتلأت المقاهي والاسواق.. انقسم الناس بين مؤيد ومعارض.. سرت حركة لم تألفها القبيلة: اجتماعات ومشاورات ومحاكمات.. فيما كان القادم جالسا جلسته المعتادة، في ركنه المبتسم، وعلى ثغره مشروع ضحكة مريرة صارمة لم تفهمها إلا جولييت التي وقفت بكل ثبات مبتهجة للقبيلة التي اهتزت لأول مرة في تاريخها، ومستاءة أن يكون سبب الهزة سوء فهم وتقدير جرأة هذا الاقدم الذي أعارهم حروفه ولغته ليقول عنهم ما لم يدركوه بعد.. أقفلت شرفتها. أما القادم، فقد استل قلما جديدا بكل ثبات، واخذ صفحة انصع من كلامه، وكتب آخر حروفه ورحل..

٭ ٭ ٭

مرَّ زمن طويل قبل ان ترشد قبيلة بني بهيم، وتتعلم فك الحروف وقراءة اللغة الحارقة.. آنذاك استطاعت ان تقرأ ما كتب القادم الذي رحل.. وجدت:

«أيتها الأرض البائرة يا أمي، متى كان كشف عورتك عقوقا؟.. ألست إليك انتمي إما بالنسب أو بالجوار؟.. متى ترفعين عنك الغشاوة وتواجهي من أوغروا صدرك عليَّ، حين نعتوني بسوء النية، وما أنا إلا بريء يحاول أن يمنحك من بريق عينيه نورا ومن احمرار وجهه توردا ومن مداد قلمه امتدادا..

سميني ما شئت، عاقا او بارا، فأنا أعذر انفعالك ولن أنكر امومتك.. فأنى يأتيك الكره ولم يمسسك صقيعي ولم أك نارا.. إن هي إلا جذوة في القلب اشتعلت، أكبحها وتتحداني، وهل العشق- عشقك- إلا اشتعال وتحدَّ؟!..

سميني ما شئت، عاقا او برا، لكن صدقيني أن جزءا من أمة رسولنا اجتمعت على ضلالة، وان الليل داهمها قبل أوان الاظلام، ففسرت وأولت.. اجتمعت وتداولت.. ثم حكمت علي بالعقوق والمروق.. لذلك سأهجرك، ولك الصمت والبوار، فأنا أرفض أن أكون «سائحا يعشق جمع الصور»!!

أبي أيها الشامخ في الخرائط ورايات الدروب، وفي القلب ونور الجبين، اعذرني ان أصبحت لا أطيق اغنية الفجر، فأنا سئمت التغريد منذ ان صارت «العصافير تختبئ لكي تموت» أرى الغربان تنعب في الخراب، والنعام يدفن رأسه في الرمال.. اعذرني ان اصبحت أهوى التحليق عاليا رغم اننا «حين نحلق عاليا في السماء نبدو صغارا في عيون الذين لا يعرفون الطيران».. كنت أعشق رائحة التراب الندية وصفاء الماء الكائن الوحيد المنسجم مع نفسه.. كنت أعشق ان أسمي الأشياء بأسماء الآلهة والأنبياء، وأعشق أن أنفث من روحك روحاً في كل الظلال، لكني اكتشفت ان عشقي يموت في ثنايا الضباب وذرات الغمام، وفي زرقة البحر وبياض الزبد المتوهج.. وحدها جولييت من ظلت وفية لحبي.. تحنو علي، تقبل جبيني وتربت على كتفيَّ.. تمرر يدها على شعري الأشعث وتبتسم في وجهي كقهوة الصباح وحساء المساء..

سأغادرك، أغادركم، أغادرهم، وأطوي رسائلي داخل أضلعي، فلست أثق في ساعي البريد.. لم يكن أمينا في ايصال خطابي.. لك الصمت، ولأمي البوار، ولساعي البريد الجحيم.. واعلم يا أبي أن الحوت الميت هو الذي يجرفه التيار ولا يقوى على السباحة ضده، أما أنا فعلامة برجي حوتان حيان!!.

حين أنهوا قراءة الحروف، انتبهوا ان القادم الراحل لم يكن زائرا ولا مستوطنا، بل واحدا من الاهالي كان ينمو في الغياب، واحدا ممن شاركهم التربة والهواء، إلا أنه خرج من جحيم قبيلة بني بهيم مبكرا ليأخذ حصته من الشمس كاملة غير ناقصة.

ساد صمت طويل كالحداد، ساد لأيام أو لشهور، وذات صباح استفاقت القبيلة على لغط شديد.. كان شباب بني بهيم يقتادون العنبري والليثي والجزار كحيوانات برية خارج المرابع، ويبحثون للقبيلة عن اسم جديد، ومنافذ واسعة لعبور الشمس.


تصميم الحاسب الشامل