|
|||||
|
فتحت عينيها على التليفزيون الذي تركته قبل أن تستسلم للنعاس.كان ضجيج حواري من القناة الفرنسية يتعالى في الغرفة. بحثت عن «الريموت» واستبدلت القناة بأخرى متخصصة في الأغنيات العربية. سارت حافية إلى الحمام.أنهت طقوسها بسرعة، وخرجت وهي تجفف قطرات الماء على جسدها العاري.لاحظت أن الغرفة باردة فأسرعت لتغلق جهاز التكييف. أخرجت سيجارة من علبة السجائر الموضوعة على الكومود المجاور للفراش. وضعتها في فمها دون أن تشعلها واتجهت إلى الدولاب المواجه للحمام وتأملت عريها وهي تمر بجوار المرآة الموجودة في الحمام. بحثت عن «كيلوت» بين ثيابها.اختارت واحدا ارتدته وعادت إلى موقعها على الفراش.أشعلت السيجارة من قداحتها البلاستيكية، وهي تتأمل المطربة العربية التي تشبه القطط على شاشة التليفزيون.انتشت للصوت الجميل.لكنها قررت أن تستكمل ارتداء ثيابها والذهاب إلى المطعم للتريق وتناول القهوة ؛ وسيلتها الوحيدة لكي تفيق. لم تلتفت لقطة سوداء كانت تسير بجوارها على امتداد درجات السلم المطلة على« البيسين» والتي تقود النزلاء إلى المطعم، لكنها بالتأكيد وبعد أن تنهي فطورها في هدوء وتختتمه بجرعة القهوة الحاسمة، ستنجذب بكامل وعيها إلى الفتى الأسمر الرشيق الجالس على« الشيزلونج »أمام الشاطئ بمفرده، عاريا إلا من المايوه الأزرق الاسبيدو، يضع نظارة شمس أنيقة على عينيه. مسحت الشاطئ بعينيها.كان غالبية نزلاء الفندق من الأجانب، كثير منهم من شرق أوروبا. وبعضهم أسبان. وقلة قليلة من المصريين. زوجان شابان في شهر العسل،أو عاشقان. كانت تراقب حركة الفتيات بينهن وتلاحظ عدم ارتياحهن مع أجسادهن رغم أن الفتيات كن يتمتعن بالرشاقة، ويرتدين البيكيني، لكن تظل هناك علامات على عدم تحرر أجسادهن، تتبدى في حركاتهن المفتعلة أو إحساسهن الغامض أن هناك من يراقبهن باستمرار. كانت ترقد على «الشيزلونج» في الصف التالي للصف المواجه لمياه البحر الساكنة، وهو ما أتاح لها مراقبة الفتى الأسمر أمامها دون أن يراها إلا إذا تعمد أن يفعل ذلك والتفت إلى الخلف. عندها تدير وجهها بسرعة إلى الكتاب الذي كانت تحاول أن تستكمل قراءته بتركيز دون جدوى. كان الفتى الأسمر يستحوذ على اهتمامها بطريقة مغايرة لسوابق من هذا النوع. ليس ذلك الشغف الأنثوي بصورة رجل وسيم، له جاذبيته الخاصة، كما أنها لم تشعر أنها تحتاج للفت انتباهه لتأكيد نزعة الغرور الأنثوي التي تحاول بها أن تؤكد بها لنفسها أن إعجابها برجل ما يتوافق مع درجة مماثلة من الإعجاب يكنها لها ذلك الرجل. لا لم تشعر بذلك لأنها كانت على يقين من أن هذا الفتى الوسيم مهتم بها كليا ولانهائيا رغم أن مظهره لا يوحي بأنه مكترث بها من الأساس. لم يكن إحساسها هذا منطلقا من غريزة الأنثى، وإنما تؤكده قوة سيكولوجية عميقة، وبطغيان تأثير طيفه من حولها. عندما كانت تستدعي هذه الواقعة بعد مرور عدة سنوات لاحظت أن ما تبقى منها هو ذلك الإحساس الباطني العميق بأنها تسير بجوار تاريخها الشخصي. كانت تستعيد شعورا بالأمان لم تعرفه في حياتها كلها. صحيح أنها بدأت تبكي عندما سمعت صوت أغنية apap فجأة تتسلل من شاطئ «سنافير» المتاخم لشاطئ الفندق بصوت «بول آنكا» القوي مستعيدة شريط ذكرياتها مع رامي. لكنها على أريكة خشبية عربية الطراز مغطاة بقطعة كليم ملونة بهتت ألوانها بفعل الشمس الحارقة المسلطة على المكان جلست بجوار الفتى الأسمر الذي أخبرها لاحقا باسمه مترددا وضاحكا : - اسمي عاصي.. واستطاعت الموسيقى الحيوية الصاخبة التي لحقت بأغنية بول آنكا أن تراكم مشاعر أخرى بدلا من الحنين الطاغي إلى وعيها، بينما إحساسها بالأمان يتصاعد وهي تتأمل الفتى الوسيم يثرثر بجوارها فتشعر بأنه صديق قديم يعرف عنها كل شيء دون أن تضطر هي لأن تخبره شيئا. الشيء الوحيد الذي لم تفهمه هو محاولاته المستمرة في إبعاد عينيه عنها. عيناه المكحولتان برموشه السوداء الطويلة كانت كفيلة بأن تشعرها بإحساس حسي غامض،لكنه كان يحاول أن يمنع عنها هذا الإحساس. وفي اللحظات التي اختلست النظر فيها إلى عينيه رأت صورتها منعكسة في مقلتيه، لكنها لم تكن صورتها وهي جالسة بجواره تحدق بهيام، وإنما كادرات ثابتة لها وهي نائمة على الشيزلونج قبل أن تتعرف إليه! وبعدها أعاد وضع نظارته السوداء الأنيقة على عينيه. شعورها بالدهشة لم يقلل من انجذابها إليه، بل على العكس كان لديه الفضول لتعرفه أكثر. خطّطا لتناول الغداء معا ووعدها بأمسية صاخبة، لكنها لم تجد في اقتراحه أي صخب، وإنما بالعكس تماما، كان ذلك بالنسبة لها قمة الرومانسية. عشاء في أحضان الجبل تحت سماء مظلمة بينما الإضاءة في المكان مشاعل بدائية.كان هذا بالنسبة لها هو السحر بنفسه، رقصا سويا، وازداد انجذابها له بسبب رقته الشديدة في تعامله معها، والأهم هو ذلك الشعور الغريب بأن هذا الشاب الوسيم قادر على أن يفهمها دون أن تتحدث. كانت تفكر في أنه يجيد الرقص فإذا به يهمس لها بالشكر. وعندما تلكأت فقرة حوارية من رواية لسارتر على أعتاب خيالها وجدته يضحك وهو يقول لها أنه بالتأكيد ليس صاحب كرش بست ثنيات مثل بطل قصة سارتر، لكن دهشتها تلاشت مرة أخرى أمام جاذبية نظراته التي لمحت فيها مرة أخرى صورة ثابتة لها وهي تبكي في الصباح. لم تستطع أن تمنع نفسها من التعبير عن إعجابها بعينيه السوداوين المحاطتين بطيف لونه عسلي فاتح فقال لها باقتضاب أنهما عينان لا تريان شيئا وأنهما خلفية لعينين أخريين هما اللذان يرى بهما كل شيء.. عينان يرى بهما الزمن كما قال. ثم ابتسم لها ابتسامة رقيقة بينما لاحظت أن عينيه دارتا دورة كاملة ورأت أنهما صارتا أكثر اتساعا وجحوظا وللحظة تهيأ لها أنها شاهدت صورة أمها ترتدي ثوب الراهبات وتبتسم لها بحنان. بعد سنوات أخرى ستظل متشككة من أنها نامت مع هذا الشاب في حجرة نومها بالفندق أم أنها حلمت بذلك أم أن الأمور اختلطت عليها بسبب السكر. اقترح عليها أن تشرب مشروبا كحوليا شرقيا هو العرق، ولم تستطع أن تقاوم اقتراحه، بل وأعجبها مذاقه اللاذع المشوب بلمسة من حلاوة السكر ورائحته التي تعطره نكهة «الربسوس» أو الينسون، فشربت حتى كادت أن تفقد الوعي. في الصباح سألت عنه وفوجئت بأنه غادر الفندق، عادت إلى الغرفة، وتناولت حبة مسكن للصداع، وهي تشعر بنوع من الغضب، استعادت تفاصيل الليلة الماضية وهي تحاول أن تثبت الصور الضبابية التي كانت تقاوم ذاكرتها بإلحاح. كأنها تتشبث بواقع يقاوم الزمن حقيقته ويحاول أن يجعل منه وهما ليس إلا، ولعل هذا ما جعلها غير قادرة على التأكد من كونها نامت معه أم لا. كانت رائحة جسده عالقة بذاكرتها الشمية، وفخذاها يؤكدان لها أنهما أطبقا على خاصرة ذكورية بقوة لم تعهدها عن نفسها من فرط اللذة، لأنها لم تنم مع رجل بهذا الإحساس بالاستسلام والاطمئنان مثلما فعلت.هل كان ذلك حلما؟ تأملت ساقيها ويديها ثم نهديها بحثا عن أثر أو علامة. تطلعت في المرآة، لاحظت أثرا هينا لسجحة بها حمرة طفيفة لا تتعدى ملليمترات أسفل رقبتها، وانفرجت أساريرها، لأنها كانت تشعر بنشوة مضاعفة من تقبيله لرقبتها بلغت ذروتها عند الأورجازم. خلعت الشورت الجينز الضيق الذي كانت ترتديه، والكيلوت الأسود الساتان، وتأملت ردفيها باهتمام.لم تر شيئا. تابعت تأمل وركيها في المرآة بلا جدوى فلم تكن هناك أية آثار أخرى من أي نوع. جلست عارية على أحد المقعدين المتجاورين المقابلين للسرير وأشعلت سيجارة وهي تفكر في ذلك الشاب الغامض الذي ظهر فجأة ليقلب حياتها رأسا على عقب، ويختفي فجأة مثل السحرة في الحكايات الخرافية. استدعت كل ما أخبرها به عن نفسه، وأحست أنه رغم حديثه الطويل وحكاياته الطريفة، وآرائه في الحياة وانطباعاته عن البشر التي ثرثر بها طوال الظهيرة والمساء تكاد لا تعرف عنه شيئا. درس الهندسة ويحب الموسيقى واحترف الغناء لفترة مع إحدى الفرق والآن يواجه صراعا داخليا عميقا عما يريد أن يفعله في المستقبل. لكن هل يعنيها ذلك حقا ؟ هل تهتم لأمره أم أنها تعرفت فيه على شخص غامض يحتفظ بتاريخها الشخصي، وتنقلب عيناه ليرى ماضيها ولعله أيضا يستطيع أن يرى مستقبلها..فمن يكون هذا الشخص الغامض؟ ثم كيف تخلى عنها تاريخ الخوف المرضي الذي عانت منه أمام هذه الواقعة التي كانت كفيلة أن تقع على أثرها مصابة بمضاعفات الهواجس الهستيرية التي تسببها أعراض الوسواس القهري في مراحله المتقدمة. كان هذا مدهشا حقا. تماما كأنها تعرفت عليه وامتلكت عريه ومنحته عريها بثقة كاملة من أنها لأول مرة في حياتها لا تضع أقدامها في الموضع الخطأ. كان الشعور الذي يختمر في وعيها هو قدرته على إزالة ثقل خبراتها العاطفية من وعيها كأنه مارس عليها نوعا من غسيل المخ. إذ بدا لها مع هذا الصباح أن التفكير في أي شخص آخر بمثابة تفاهة، لا معنى لها، وللحظة كانت تحاول استدعاء أسماء عشاقها فأخفقت في تذكر اسمي كل من الفتى الذي فقدت معه بكارتها، و.. و.. ديفيد (همست لنفسها: للأسف ما زالت ذاكرتي قوية) مالت إلى الأمام لتنفض غبار السيجارة في المنفضة الزجاجية التي تتوسط المائدة أمامها وهي تبتسم لهذه الملاحظة، لكنها كانت تشعر أن هناك مهمة إضافية لا بد أن تضاف لقائمة مهامها التي حضرت إلى هنا لإنجازها وهي ضرورة البحث عن فتى اسمه عاصي، لكنه بالنسبة لها يستدعي دائما كلمة «بلاد» التي كانت تنطقها بالفرنسية، وعندما بدأت تفكر بالعربية وجدت أن المرادف الملائم لها هو كلمة« وطن».. انتفضت عندما سمعت دقات سريعة على باب الغرفة،أسرعت تلقي على نفسها ثوبا قصيرا واتجهت على الباب وفتحته بحذر فوجدت نسرين ابنة عمتها تقف أمام الباب فصرخت باسمها وهي تنقض عليها لتعانقها بقوة وتتقافز تعبيرا عن بهجتها بينما كانت نسرين بدورها تموء باسمها وهي تحتضنها بقوة وتردد بهستيريا : - وحشتيني أوي يا حنين وحشتيني أوى. أترك الغيب لأنشغل بالدنيا لأجل عيون رامي وكريستين.لا بأس.. معي الزمن كله. تخبطت بين ما عرفته في حياتي الأولى بالماضي والمستقبل. شهدت أشخاصا من أشباح الماضي يتخبطون بين أوهام القوة المادية ومتع الجسد، مجنبين صراعاتهم الداخلية الروحية إلى أجل غير مسمى. رأيت عوالم أخرى لبشر فوقيين مروا بالمرحلة البشرية البدائية قبل ملايين السنوات وحلقوا في مجرات أخرى تليق بالتطور الذي أنضج وعيهم. شهدت الحداثة في ذروة تألقها، ليس في تلك الكواكب المملة التي سيصل لها البشر لاحقا ويعيشون فيها بنفس قوانين حياتهم المريضة على الأرض، إنما أكوان أخرى حديثة بالمعنى الإنساني، لا تحركها أي قوة سوى القوة الداخلية للضمير الإنساني في ذروة تحققه. مدن من الزجاج، وعري أنيق ليس منفرا إذ أن الروح عندما تتخلص من أدرانها تتلبس أجسادا جميلة بحق، لها نور داخلي عميق، بينما البقاء للنوع تحدده المعرفة العميقة لكل أنثى بالذكر الذي يليق بها. في رحلة البحث عن الوعي هذه أدركت أن الموت هو الخروج إلى الحياة الحقيقية. لكن هذه الرحلة ليست رحلة يسيرة، وإنما بالعكس، رحلة شاقة لا يعرف طريقه فيها إلا من بذل طاقته كلها في التفكير، أما أولئك الذين عطلوا حواسهم وعقولهم واستسهلوا الانقياد للأكاذيب فهؤلاء يهيمون طويلا في متاهة بلا نهاية، أطياف ضالة، تهيم في ضلالها لأنها باعتيادها الانقياد خلف وصايا آخرين دون تفكير لا تمتلك أن تتعرف على الطريق بنفسها، وهنا لا يملك أحد لأحد شيئا، البصيرة هنا لا تحتمل الغيبيات وإنما تمتثل للقوة الداخلية العميقة التي يمتلكها الباحث الحر عن المعرفة. سرت طويلا في دروب التيه تلك تحاصرني أوهامي المجلوبة معي من زمني القديم أتضرع متواكلا، لولا مروري بمدينة ضبابية مظهرها الحديث مطمور بعتمة أبدية تغلف المدينة.أبراج شاهقة، وشوارع واسعة، وبحيرات من المياه الرمادية التي لا يصل إليها الضوء من أي مكان، فهي تغرق في ظلام كامل. مدينة بلا أصوات، كأنها مدينة موتى أو أشباح، حتى أنا أصابني الخرس. كنت أصرخ بأعلى صوتي فلا أسمع شيئا. شاهدت مجموعة من السيدات العاريات يتقدمن من نهاية الشارع قادمات باتجاهي وهن يضحكن بلا صوت.. بدين لي عملاقات، ملامحهن متشابهة تماما، كأنهن أخوات توائم، ملامح وجوههن دقيقة ومنمقة، لكن رؤوسهن تبدو صغيرة بالنسبة لأجسادهن العملاقة، ولا تغطي رأس أي منهن شعرة واحدة. كن صلعاوات، عندما اقتربن مني اكتشفت أنهن أطول مني بنحو نصف متر. ملامحهن فاتنة رغم ذلك. اكتشفت أن النهد الأيسر لكل منهن أكبر قليلا من اليمن، حليقات بلا شعر. لكن كل منهن تمتلك وشما أزرق على رأسها وتضع مثيلا له في.اوسطها لم يكن من السهل رؤيتهن بوضوح بسبب العتمة التي تقبض على روح المدينة. لولا أن بشرة أجسادهن بيضاء تماما لكان من الصعب رؤيتهن أبعد من عدة أمتار. مروا بجواري غير عابئين بوجودي ولا صراخي المعدوم الصوت. بعدها أحسست بمعان عديدة في وعيي.. كأن أصواتا من جب عميق تصرخ : هذه مدينة النساء.. نحن نعيش بلا زمن. لا نتناسل ولا ننجب أطفالا. نحن فقط نصنع الحب. ابتعد عن هذه المدينة فورا. نحن نمارس الحب في كل مكان ليعود لنا نور الحياة مرة أخرى، وهذا خطر عليك. لم أستطع أن أفعل شيئا، كنت عاجزا عن الهرب من هذه المدينة، وهكذا تجولت بحذر وبدا لهن وجودي ضربا من اللامبالاة بما حذرنني منه، لهذا فقد نفذن مخططا لاختطافي حيث عشت مع واحدة منهن في غرفة تقع أعلى برج شاهق يطل على المدينة الرمادية، تغرق في الظلام الحالك. مثل كل شيء. غرفة خاوية من أي شيء سوى أريكة صغيرة عليها أكوام من زجاجات العطور وأصباغ لها ألوان قاتمة. وجو الغرفة يشيع به خليط من روائح نفاذة تكونت من تلاقح روائح العطور والأصباغ. الأرض التي تأخذ مظهرا خشبيا لها ملمس البلاطات المصقولة وبرودتها. في هذه الغرفة سأواجه وحدتي، بعقل شارد وصمت أزلي وخواطر تبثها في عقلي أفكار هذه النساء العجيبة. وبين آن وآخر تحضر واحدة منهن أمامي وتراقبني بفضول، لساعات، و دون أن يرمش لها جفن.أو تفكر في الحركة. فقط تجلس تضع ساقا على الأخرى، وأشعر أنها لا تراقبني بعينيها فقط، وإنما بنهديها اللذين كانا يذكراني برجل أعور. أتأمل جمال ملامحها مبهورا، لكن سرعان ما يراودني الخاطر أن هذه السيدة تنحدر من فصيلة الديناصورات كما عرفتها في حياتي الماضية برأسها الصغير الذي لا يتناسب بأي حال مع ضخامة جسمها. وهي تبدو حاملاً ببطنها المنتفخ قليلا، لكنه ذلك الانتفاخ الجميل،الذي يتألق به جمال المرأة قبل الإنجاب. أتأمله بشغف، بينما تصلني فجأة نفحة من أفكارها توضح لي أن السيدة التي استنسخوا منها جميعا كانت حاملاً وأن الثدي الأيمن لها قد استنزفه طفل لا يشبع من الرضاعة أدى في النهاية إلى أن يجف ثديها الأيمن ويضمر قليلا، على هيئتها تلك تطور نسلها الذي استنسخ منها ومستنسخاتها بلا تطوير أو تعديل. المشاعر كلها في هذا العالم الضيق ليست سوى مجموعة من الأفكار. الجوع فكرة والشبع هي الفكرة التي ينبغي لي أن أملأ رأسي بها حتى أشبع. رؤية هذه السيدة الديناصورية أحيانا يثير شهوتي، ومصاحبتها هي الفكرة المقابلة التي بها أقضي على الشهوة. ففي هذه المدينة لا معنى للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة. بعد أيام من المراقبة المستفزة التي مارستها هؤلاء السيدات العجيبات قررن أن يمنحاني فرصة مشاهدة أسرار صناعة الحب. أشكال من التقبيل الشهواني الذي كن يمارسنه أمامي.سيدتان تتعانقان ببرود، ثم تلتهبان بالشبق، إذ تزداد حدة حركاتهن الشهوية، التي تكاد تمزق بها كل منهن الأخرى، وأخيرا يفتحن زجاجات العطر تسكب كل منهن على الأخرى بينما تحمر جلودهن وتلتهب حتى تكاد تتشقق وتقشر من على أجسادهن، أفاجأ بعدها باستعادة بشرة الجسد الناعمة تألقها. فقدت الإحساس بالزمن في هذه المدينة المعتمة حتى استطعت الهرب وسرت مثل المجانين أحاول الهرب لساعات وأيام حتى وجدت العلامات إلى نفق قادني خارج المكان والزمن. لكن ربما لا معنى لهذا كله الآن ، فعودتي إلى هنا لأجل حنين ،عودتها للقاهرة جزء أساسي من الخطة ، وذلك الشخص الغريب الذي سيرسخ فكرتها للعيش هنا هو الجزء الآخر من الخطة. أما الجزء المتعلق بكريستين فلا أعرف متى سأتمكن من إنجازه. |
|||||
|
|||||