|
|||||
|
كان يلف جسمه.بمنشفة الحمام حين سمع صوت زوجته: - « تأخرنا، أسرع». قال: «آت». مسح البخار عن مرآة الحمام بيده. كان قد حلق ذقنه. فتح الباب. قالت زوجته:«تأخرنا كثيراً، وتتأخر أكثر. وضعت ثيابك على السرير. ووضعت قميصين وزوج جوارب وسروالاً داخلياً في حقيبة سفرك. لا أظن أنه ينقصك شيء. إن كنت تظن أن شيئاً ينقصك فأخبرني لئلا تندم فيما بعد». كان يقف في وسط الغرفة ماسحاً بيده على وجهه. -«إلى الآن تنشف جسمك ! أسرع. ليس لديك وقت زائد . تأتي متأخراً وتقول: أسرعي ، لن أصل ، لن أصل . الآن من الذي يؤخرنا؟» قال : «من يؤخرنا ياسيدة ؟ لديّ وقت». واتجه إلى غرفة النوم لينشف جسمه. - يا سيدة ، يا سيدة ! ماذا أرتدي ؟ أين نظارتي؟ - إلى جانب الطاولة ، قرب المصباح. جلس على السرير. بدلة رمادية مع قميص كحلي. مد يده وتناول نظارته من جانب المصباح. - أين ساعتي؟ جاء ولده وقال:«أخذتها يا بابا. تعال» أخذ ساعته . كانت قدماه قد نشفتا. جفف شعره . تعطر وارتدى ملابسه. رمى بالمنشفة على السرير. جاءه صوت زوجته: «هل تجهزت؟ لا ترمِ بالمنشفة على السرير. علَّقها في الحمام». تناول الرجل المنشفة. - كنت مستعداً . أنت متعجلة لدورة الليلة. لم تتقبلي أن أتصل هاتفياً بشركة سيارات الأجرة حتى يرسلوا سيارة. - سأوصلك بنفسي. علق المنشفة في الحمام. لفت المرأة شالاً حول عنق ولدها، وتناولت حقيبتها. - جاهز؟ - كنت جاهزاً. - لا تصب بالبرد. وضعت فرشاة أسنانك وآلة حلاقتك تحت الثياب. أطفأ الأنوار. - خذ المفتاح؛ لئلا تظل في الليل خارجاً. أغلق الباب. ركبوا في السيارة . فتح الولد باب الفناء الخارجي. أغلقه بعد خروج السيارة. تحركوا. قالت المرأة: «أغلقت الباب جيداً؟» قال الولد: أغلقته. قالت المرأة :«أنجزت واجبات الغد حتى لا تظل هناك تتشكى» قال الولد: «بابا، ماذا ستحضر لي؟» شغلت المرأة المسجل. توقف الرجل وراء إشارة ضوئية حمراء ونظر إلى مؤشر البنزين. - امتلأت خوفاً. - لن يفرغ . لا مكان لنذهب إليه في هذه الليلة مع هذا الولد الذي هو وسط الامتحانات. إلى أين نذهب؟ أنت أيضاً ستعود سريعاً. فقط قل له ألاّ يتشكى . آلة حلاقتك أيضاً... تذكرت أنني أخبرتك... هي في أسفل حقيبة سفرك. أصبحت الإشارة خضراء فتحركوا. وعندما وصلوا إلى الشارع العام قالت المرأة:«لست في عجلة فلماذا تسرع؟ هل يطاردك أحد؟» ، ورفع الرجل قدمه عن دواسة البنزين. قال الولد:«ماذا ستحضر لي يا بابا؟» قالت المرأة: «طوال الوقت تسأل: ماذا ستحضر لي؟ ماذا ستحضر لي؟ ماذا فعلت حتى يحضر لك شيئاً؟» ظهرت أضواء المطار، فقال الفتى: «لم تقل يا بابا». قالت المرأة: «أحضرت شهادتك معك؟» قال الرجل: «لا تأتيا إلى الداخل. ارجعا». قالت المرأة : «لا تأجيل في موعد الإقلاع؟ آمل هذا. لست جائعاً؟» حين وصلوا إلى المطار، خفّض الرجل صوت المسجل، قائلاً: «وصلنا»، وتوقف، ثم طبع قبلة على خد المرأة في ظلمة الليل. قالت المرأة : «ارجع بسرعة». أما الولد فقد طوّق عنق أبيه بيديه، وقال: «احضر لي آلة حاسبة». قالت المرأة :«تأكد من أنك لم تنس شيئا». فردّ الرجل:«أحضرت كل شيء، وأخذت أوراقي أيضاً. أنتما ارجعا». نزل حاملاً حقيبته، واتجه صوب باب دخول المطار، ومن وراء زجاج صالة الانتظار لوّح لهما بيده. بعدما فحصت تذكرة سفره، اتجه إلى صالة المسافرين. لم يكن ثمة تأخير في موعد الإقلاع.أراد أن يدخن لفافة تبغ، لكن لم يكن بحوزته كبريت . تحسس شعره بيده، فوجده لا يزال رطباً. سمع صوتاً من السماعة يقول: «على مسافري الرحلة ١١٦ من اصفهان إلى طهران... » طائرة ٧٢٧ بنوافذ لامعة الأضواء. «ليتهم يقدمون شاياً، شاياً ساخنا». ارتقى درجات السلّم. ها هي صفوف المقاعد: الأول... الخامس أو السادس، حيث جلس. كانت المقاعد الخالية كثيرة. الطائرة كانت قادمة من شيراز. جاءت مضيفة وقدَّمت بعض الحلوى، فقال لها: «عفواً، هل لديكم بعض صحف اليوم؟» وأجابته: «سأحضرها لك». وضع قطعة الحلوى في فمه، فوجدها حامضة حلوة. كان الجو في داخل الطائرة دافئاً، وكانت أمامه صورة لـ«تخت جمشيد»(١) . استرخى على كرسي الطائرة الطويل، وأغمض عينيه. تحركت الطائرة بهدوء. وحين فتح عينيه، كانت الحركة في أوجها. ومع الرنة الوحيدة التي سمعها، رأى أن الجملة:«الرجاء ربط الأحزمة» قد أطفئت. ازدرد ما في فمه من حلاوة وحموضة متبقيتين من أثر قطعة الحلوى. قالت المضيفة:«عفواً سيدي...» رفع إليها رأسه قائلاً: «أشكرك، الصحيفة؟» قالت المضيفة:«سـأحضرها. عفواً، هل أنت السيد سليمي؟» قال: «نعم، نعم، أنا سليمي» فقالت: «امرأة تجلس خلفك بعدة صفوف طلبت إليَّ أن أسألك عما إذا كنت أنت السيد سليمي». قال:«نعم ، أنا هو، من التي سألت؟» وقام من موضعه وألقى نظرة امتدت إلى نهاية الطائرة، فلم يَرَ وجهاً مألوفاً لديه. سأل:«أين هي؟» فقالت المضيفة: «تعال ورائي». حمل الرجل حقيبته ، ومشى خلف المضيفة. بعد عدة صفوف من المقاعد، وإلى جوار نافذة، كانت ثمة امرأة جالسة واضعة حقيبتها على المقعد المجاور. قالت المضيفة:«هذه السيدة». قال الرجل:«أشكرك. سلاماً سيدتي، أنا سليمي». نظر إلى المرأة، ثم ضحك وقال: «شكراً جزيلاً. سلاماً أيتها السيدة فرهمند ، سلاما». فردت السيدة فرهمند :«سلاماً أيها السيد سليمي، تفضل لا يجلس هنا أحد». جلس الرجل وقال: «أين كنتِ ؟» قالت المرأة : «أين كنت أنت؟» قال الرجل: «أنا على الدوام في اصفهان». - «وأنا دوماً في شيراز، أيها السيد سليمي». وضحكت. كان الرجل واضعاً حقيبة يده على رجليه، وحقيبة السيدة فرهمند فوق حقيبته. - «ستتعب، ضع الحقيبة فوق » قال الرجل: «أخشى أن أنساها. لقد أوصتني زوجتي عليها كثيرا.» ضحك الاثنان معاً . قال الرجل :«مضت سنوات طويلة لم ير فيها أحدنا الآخر ، يا شهلا .» قالت شهلا :«عشر سنوات أو اثنتا عشرة .» قال الرجل :«شبنا بعدها»، وهزت شهلا رأسها ، فقال الرجل: «لا أتحدث عنك ، أنا عنيت نفسي ». قالت شهلا : «لافرق .كم طفلاً لديك ؟» قال الرجل :«واحد ، ولد واحد ، وأنت ؟ » قالت شهلا: «لديّ ثلاثة ، ذكران ، وأنثى واحدة». سأل الرجل:«كيف إذن هربت منهم؟» فأجابته:«أمي مريضة، وهي وحيدة. أخي الأكبر حسين أيضاً أمامه عملية جراحية لفقرات ظهره و...، إجمالاً الأمور سيئة ، فأخذت إجازة اضطرارية. وضعت الأطفال عند محسن، وقلت: أذهب إلى أمي . سأبقى عدة أيام ثم أعود». ظهرت المضيفة ومعها عربة صغيرة: - أترغبان في الشاي ؟ قالت شهلا:«بالتأكيد»، وفتحا طاولتيهما. وضع الرجل كوبي الشاي البلاستيكيين على الطاولتين، ثم وضع ملعقتين وقطعاً من السكر المغلف. كان الشاي ساخناً، وقال الرجل:«كم كنت أشتهي الشاي». فقالت المرأة:«كنت أتوقع أن تحدث في سفري هذا مفاجأة ما». شربا الشاي دون سكر، ووضع الرجل أحد الكوبين البلاستيكيين في الآخر. جاءهما صوت رنة وحيدة:«الرجاء ربط الأحزمة». قامت المضيفة بأخذ الكوبين، وذكر رئيس المضيفين أنه يرجو للمسافرين سفراً سعيداً. بعد أن توقفت الطائرة، نهض الرجل ووقف في الممر بين المقاعد فاسحاً المجال لشهلا كي تتقدمه. ووقت نزولهما درجات السلم، قال الرجل: «بالتأكيد حقيبة كبيرة...» سألته شهلا : «هل أنت مستعجل؟» فأجاب: «كلا». حمل الرجل حقيبة شهلا بيد وحقيبته هو باليد الأخرى. وعند مغادرة المطار ، سألها : «هل يستقبلك أحد؟» - «لا، ليس ثمة أحد». فقال لها: «سأوصلك». تناول سائق سيارة الأجرة الحقيبة الكبيرة ووضعها في صندوق السيارة الخلفي. سأل الرجل:«أما زال بيت الوالدة في مكانه السابق؟» فأجابت شهلا: «هو في مكانه» فخاطب السائق بقوله: «أوصل السيدة أولاً، ثم أوصلني إلى فندق» ، وأخبره بالعنوان. سألت شهلا : «لماذا الفندق؟» ضحك الرجل، وتأملهما السائق في مرآته. كانت الشوارع غير مزدحمة ، وكانت أضواء المتاجر مضاءة. قال الرجل: «ألست جائعة؟ يمكننا التوقف في مكان ما هنا لتناول شيء» قالت شهلا : «لا، فأمي تنتظرني، ويجب أن أتصل هاتفياً بشيراز بمجرد وصولي لأخبرهم عن وصولي. كنت قد حضّرت الطعام للأطفال أيضا». سألها: «أما تزالين تمارسين المشي؟» أجابت: «أحيانا». أراد الرجل أن يشعل لفافة تبغ، فأخرج علبة من جيبه وفتحها: - «تدخنين يا شهلا؟» قالت: «لا. إلى متى تظل في طهران؟» قال: «إلى يومين، سأعود بسرعة. جئت لإنجاز أعمال إدارية والركض من هذه الجهة الإدارية إلى تلك». قالت: «في هذا الزقاق إذا سمحت. إلى الأمام قليلاً. بجانب تلك السيارة الحمراء. نعم، هنا، وصلنا». فتح الرجل الباب، فنزلت شهلا، وحمل السائق الحقيبة. قال الرجل: «أوصلي سلامي، رؤيتك قد...» وقالت شهلا: «وأنا كذلك. تعال إلى فوق». تناول الرجل الحقيبة من السائق، واتجه معها إلى الباب. - «لن أثقل عليكم. كنت أود رؤية الوالدة بعد كل هذه السنوات، لكن الوقت ضيق، مع أنني سأكون غداً عصراً بلا عمل بعد ركضي الصباحي في طهران. ثم إنك تريدين الآن أن تتصلي هاتفياً، وأنا عليَّ أن أتصل، لكن زوجتي لن تكون الآن في البيت». سألت شهلا :«أين هي؟» فأجابها: «لديها دورة، يثرثرن». فقالت:«نحن أيضاً سنثرثر الليلة». كان السائق جالساً في السيارة، ينظر إليهما. قالت شهلا :«طيب، اتصل». قال الرجل:«بعد مدة قصيرة»، وأضاف بصوت خافت:«فلنتعشّ ليلة غد معا». قالت شهلا:«بالتأكيد. كنت سأدعوك إن لم تقل . اتصل بي ». أعطته رقم الهاتف، فسجّله لديه. رفع نظارته. ضغطت شهلا على زر جرس البيت قائلة: «اذهب الآن». عاد الرجل إلى السيارة التي دارت فرأى أن الباب قد فتح واحتضنت شهلا امرأة عجوزاً. حرّك يده مودعاً، لكن شهلا لم تره. دلّه سائق سيارة الأجرة على فندق قريب ، فقال :«هذا المكان جيد». حصل على غرفة مطلة على الشارع، ذات شرفة صغيرة تحوي كرسياً مريحاً. جلس، فكّر في أن يتصل بالبيت ، لكن الوقت كان لا يزال مبكراً. أراد الاتصال بشهلا ، لكن الوقت كان مبكراً أيضاً. نهض واتجه إلى الغرفة . فتح حقيبة سفره، وأراد أن يرتب قمصانه، بيد أنه لم يجد في نفسه رغبة في هذا ، فقد كان يرغب في التفكير في شهلا. رجع إلى الشرفة، فلامست وجهه نسمة هواء باردة. جلس على الكرسي، وتأمل حاله جالساً وحيداً على كرسي في الطابق الثاني عشر من الفندق. تأمل السيارات وأنوار الشارع، ورأى على شيء من البعد عنه دولاب هواء كانت أنواره تطفأ وتضاء في مدينة للملاهي. حين أفاق من نومه في صباح اليوم التالي، رأى باب الشرفة مفتوحاً، وحقيبة سفره ساقطة من السرير على فراش الغرفة، واكتشف أنه كان قد نام على السرير لابساً سترته. نهض. كان الوقت قد تأخر، فرغب في أن تجهز له سيارة وهو ما زال في الأعلى. حمل حقيبته، ودون أن يحلق ذقنه ركب في المصعد ونزل. تذكر أنه لم يتصل بعد باصفهان.«سأتصل فيما بعد». رأى بجوار باب الفندق سيارة، فقال لسائقها:«سآتي الآن». كان فمه جافاً ذا مذاق سيء. - فنجان من الشاي. سأعود بسرعة. اتجه إلى المطعم وقال: «شاي، شاي». كان الشاي ساخناً، فشرب بعضه وذهب. - ضع الفاتورة مع حساب الغرفة، أنا سليمي. وبعد التنقل من حجرة إلى أخرى ، ومن مؤسسة إدارية إلى أخرى، حيث كان يفتح الحقيبة ويبحث عن أوراقه: - إنها هنا. بعد كل هذا، كان في الشارع خلف إشارة ضوئية حمراء، حين تذكر الآلة الحاسبة. كان يرتقي السلالم، وفي نهاية المطاف تناول الطعام مع السائق في مطعم للبيتزا في شارع «ويلا». قال للسائق: «لم أكن أحسب أنني سأضطر إلى كل هذا الركض. أريد آلة حاسبة، إنها موجودة بالتأكيد في إصفهان، لكن ابني طلبها ، فيجب أن أشتريها»، وبعد هنيهة اردف: «يجب أن أشتري شيئاً لزوجتي ايضا»، ثم غمغم:«ليت شهلا كانت معي». قال السائق:«الآلات الحاسبة متوافرة هنا بكثرة. سآخذك إلى مكان مناسب، اطمئن». قال الرجل: «لقد وصلنا البارحة»، ثم فكّر: ما ربط هذا بالسائق؟ سأل السائق: «لم تأتِ وحدك؟» فلم يجبه الرجل بشيء. كانت أضواء مطعم البيتزا خافتة. قال السائق: «هذا مكان ماء الشعير، لديهم ماء الشعير المعدّ يدوياً، ولديهم أيضاً ماء الشعير التركي». قال الرجل: «جيد...» فقال السائق: «إن بقيت لديك أعمال إدارية أخرى أنجزناها، وإلاّ ذهبنا لشراء آلة حاسبة». غادرا مطعم البيتزا. قال السائق: «سلمت يدك» فأجابه الرجل:«الأمر لايستحق» دخلا في السيارة، وتحركت بهما. قال السائق: «حتماً ينبغي ان تشتري للسيدة عطراً أو قطعة قماش أو شيئاً من هذا القبيل». فقال الرجل:«أشتري». عند وصولهما إلى الفندق ، كان لدى الرجل ثلاث آلات حاسبة وزجاجة عطر لزوجته. ودّع السائق واتجه إلى غرفته. وضع الأغراض كلها على الطاولة القريبة من المرآة، ثم نزع حذاءه وخلع ملابسه واتجه من فوره إلى الحمام. اغتسل ، ثم ارتمى على السرير. انتبه من نومه وقت الغروب ، في الساعة السابعة. عثر على رقم الهاتف، تناول السماعة واتصل برقم شهلا. وحين سمع صوتها، قال : «شهلا ، أنا . سلام . أرجو المعذرة ، فقد تأخرت». قالت شهلا: «كنت أنتظر اتصالك». سألها: «جاهزة؟» أجابت: «جاهزة، لكن حالة أمي ليست جيدة». سألها: «يعني...؟» وسكت. قالت : «سآتي، لكن عليَّ أن أعود بسرعة». وقالت: «آلو.. آلو؟. قال: «حسن ، سآتي إليك، بعد نصف ساعة أخرى». قالت:«جاهزة. مع السلامة». وضع سماعة الهاتف، ونهض واقفاً واستقبل المرآة. كان قميصه مجعّداً ، وكانت شعيرات ذقنه التي لم يحلقها ليوم واحد قد جعلت وجهه يبدو مظلماً، وشعره كان مشوشاً. غسل وجهه ، ومشط شعره. كان يحتاج إلى أداة تنظيف الأقمشة. عثر على حذائه بجانب الباب ولبسه. تذكر أنه لم يتصل بعد باصفهان. عاد ثانية وتناول السماعة وأعطى الرقم. عندما سمع صوت زوجته، نظر إلى المرآة وقال: «سلام . هل مضت الليلة البارحة بسعادة؟» قالت المرأة:«ليلتك أسعد. أين أنت؟» قال الرجل: «وصلت براحة. أنا هنا. البارحة نمت مبكراً، وقضيت اليوم راكضاً . أردت الاتصال صباحاً، لكني حسبتك نائمة». قالت المرأة: «أتطعنني؟ حسبتك نائمة، حسبتك نائمة». لم يكن لدى الرجل أي استعداد لهذا، فوضع السماعة. «إن سألتني لاحقاً سأقول لها: انقطع الاتصال، وذهبت سدى كل محاولات موظف الهاتف لإعادة الاتصال. كم تتحدث مع الهاتف؟» ارتدى سترته، وغادر الغرفة. حين ضغط على زر الجرس، كأن شهلا كانت وراء الباب. فتحت الباب، فضحك الرجل وقال: «ما أسرعك!» دلفا إلى السيارة، وسألها: «حسناً، إلى أين نذهب أيتها السيدة فرهمند؟» قالت شهلا: «إلى مكان ما في هذه النواحي». واتجها إلى مطعم في تلك النواحي. لم يكن المطعم مظلماً. قالت شهلا: «إضاءة جيدة. فلنجلس بجوار النافذة». جلسا. كانت شهلا تنظر من خلال النافذة إلى الخارج ، إلى محل بيع الأزهار في ذلك الطرف من الشارع، وإلى محل بيع المثلجات بجواره. قالت: «كان يتفق لي دوماً أن أشتري أزهاراً من هنا، كنت حين أفتح باب المحل أسمع صوت جرس فوقه:«دينغ دينغ»، وسرعان ما يلامس الهواء المبرد بأريج الأزهار ، وفي الغالب أريج «مريم»، وجه الانسان. هل تتذكر؟ محل بيع المثلجات أيضاً كان يدأب على عرض بوظة الجيلي والقشطة. سألها الرجل: «ماذا تأكلين؟» أجابت: «فليحضروا شيئاً ما». قال: «سمعت أنَّ لديهم في هذه الأماكن ماء شعير تركي». ضحكت شهلا. وبعد أن أوصيا بالطعام، قال الرجل: «حدثيني عن محسن. اتصلت به؟» قالت شهلا: «ليس بخير، فقد اختلطت الأمور ببعضها. اتصلت فطلبوا أن أرجع بسرعة، واتصلت بعد الظهر أيضاً، آرمان قد تشاجرت مع سهند، ومحسن مع كليهما. ابنتي لم تكلمني، فهي حانقة، لقد آذوني. آرمان هو ابني الأكبر، وبعده تأتي ابنتي، ثم سهند». قال الرجل: «صحيح...» وابتلع كلامه. وقالت شهلا:«ماذا؟» فقال الرجل: «أردت... عنيت أنَّ ابني قد طلب آلة حاسبة، فاشتريت ثلاثاً ، اثنتان منها لإبنيك . لكن من فرط سرعتي في المجيء نسيتهما» قالت شهلا : «لإبنيَّ ؟ أنا لم أتذكرهما أصلاً، فقد كنت البارحة قلقة على أمي». أحضروا الطعام. قال الرجل: «أنا أيضاً كنت جالساً في شرفة الفندق أفكر حتى...» سألت شهلا: «فيم كنت تفكر؟» فأجاب مهران: «ما أدراني؟ مثلاً قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة فيم كنا نفكر؟ ثم إنني لا أعرف السبب، ولكني لم أحلق ذقني اليوم. لا أعرف، كما أنك اليوم...» قالت شهلا:«طوال اليوم تحدثت مع أمي عنك». قال مهران:«البارحة وأنا في الشرفة، رأيت دولاب هواء كبيراً، أضواؤه تضيء وتنطفىء. ضحكت شهلا وقالت: «في ذلك الوقت اشتريت لابنيَّ آلتي حساب». قال مهران:«أما زلت تتمشين ؟ لم لا تأكلين؟». قالت شهلا :«ماذا عنك أنت؟» قال مهران:«دوماً أركض ركض الكلاب؛ حتى أتمكن من جرّ شخصين معي». قالت شهلا:«وأنا لأجل أن أجرّ معي أربعة أشخاص، ثم أترك الجميع وآتي إلى هنا لتجهيز شخص للموت، أغيّر أغطية فراشه، وأدخله الحمام، وأسرح شعره. وحين أعطيه حبوب الدواء، أنتبه: أواه هذه أمي، كم كبرت! ثم أتحدث مثلاً عنك، وتسألني أمي: ماذا يفعل الآن؟ أما زال حياً ؟ وأجيبها : نعم ولم لا؟ وحين نعود ليلاً ، تكون أمي جالسة إلى جوار التلفاز، وتسألني: هل قضيت وقتاً جيداً؟ وأقول : نعم، نتحدث، ونتذكر الأيام الخوالي حين كان أحدنا يمسك بيد الآخر ونتمشى تحت المطر، ونشتري أزهاراً كلما مررنا بمحل الأزهار هذا». قال مهران :«السيدة فرهمند، برد الطعام». طأطأت شهلا رأسها، قالت:«محلات بيع الأزهار في شيراز ليست باردة». قال مهران:«تنقلت هذا اليوم بطوله من غرفة إلى غرفة ». قالت شهلا:«زوجتك، أطفالك، هل تحبهم؟» قال مهران:«ماذا عنك أنت؟» قالت شهلا:«نعم، اعتدت ذلك. أصبحت ربة بيت حقيقية: كنس، تنظيف، جلوس عند هذا عصراً، تحضير العلوم مع ذاك، العشاء لمحسن الذي يتسمر أمام التلفاز منذ عودته ليلاً. صرت متبرمة، أشتكي. في بعض الليالي نتجول بالسيارة، ونلتهم فيها بعض البيتزا أو الهمبرغر. نصعد بالسيارة مرتفعات وننزلها. نظل ندور حتى يقول أحد الصغار: «بابا، فلنعد، ففي التلفاز فيلم». نعود. أسخن الشاي. نشربه. ينام الأطفال وأنا أغسل الفناجين. أملأ الإبريق ماءً، وأضعه فوق الطباخة، حتى إذا استيقظ محسن صباح اليوم التالي أوقد شعلتها. بعد هذا أطفئ المصباح ونذهب لننام. كبقية الناس نتحادث قليلاً، وأقوم بعدئذ إلى غرفة الأطفال لتغطيتهم ببطانياتهم، ثم أنام. في ذلك الوقت يكون محسن قد حلم أحلام سبعة ملوك». قال مهران:«عشاؤك صار باردا»، وأخرج علبة لفافات تبغه، وعرضها على شهلا التي قالت:«لا أدخن، هل نسيت؟» تناول مهران لفافة، وبحث عن عود ثقاب. جاء نادل بقداحة وقدح له . سألت شهلا: «وأنت، ما أخبارك؟» فقال مهران: «أنا.. ما الفائدة؟ مثل محسن أو مثلي. فلنترك هذا. برؤيتك لقد.. سررت جدا» قالت شهلا: «لقد حرّكنا كثيراً من الرماد» حين خرجا من المطعم، قالت شهلا: «فلنعد، فأمي تنتظر، وقد أخبرتها أني سأعود بسرعة» قال مهران: «كنت أود أن نتمشى معاً، نأكل المثلجات، إلى باب الدار» قالت شهلا: «نستأجر سيارة أجرة» قال مهران: «المسافة أقدام قليلة، لا أكثر» قالت شهلا: «تأخرنا، لا بد أن يكون الأطفال قد اتصلوا، ومحسن قلق، أنا واثقة». قال مهران: «حسن»، واستوقف سيارة أجرة. عند وصولهما إلى الدار، نزلا. قالت شهلا:«لا داعي، اذهب فأنت مرهق» قال مهران: «سأعود ماشيا». أرادت شهلا أن ترن الجرس، لكن الرجل أمسك بيدها وقال: «أنا سأرنّه، ثم أردف: » ليتنا ركبنا دولاب الهواء معا». ضحكت شهلا، وسحبت أصابع يدها من يدي مهران، وقالت: «مرة أخرى». رنّت المرأة الجرس، فسألت الأم: «مَن؟» - أنا يا أمي. وقالت للرجل: «مع السلامة، السيد سليمي. كما ترى، أمي لم تمت بعد، وأنا لست معذبة الوجدان جدا». لم ينبس الرجل بكلمة، اكتفى بالاستماع إلى صوت الباب، وبحث في جيبه عن لفافة تبغ. نام عند وصوله إلى الفندق، ولم يستيقظ إلا مع برودة الصباح. لم يكن قد أغلق باب الشرفة. الستائر كانت تهتز. رحلته في العاشرة وعليه أن يعود. اغتسل، وحلق ذقنه، ثم استخرج من حقيبة سفره قميصاً ولبسه، وغيّر بقية ملابسه ووضع الملابس المتسخة في الحقيبة. سرح شعره أمام المرآة واتجه إلى الشرفة. الصباح كان قد انتشر في كل الأرجاء. السيارات كان بعضها مصفوفاً وراء بعض. ومن بعيد لاح أمامه دولاب هواء حديدي. لم يكن يدور. أغلق باب الشرفة. وضع زجاجة العطر وآلة حاسبة في الحقيبة، تاركاً الآلتين الأخريين على الطاولة المجاورة للمرآة، لأجل عمّال الفندق. نظر إلى نفسه في مرآة المصعد. ثمة سيارة كانت إلى جوار الباب. قال: «سآتي الآن»، وذهب ليدفع أجرة الفندق. هامش (١) «تخت جمشيد» من الآثار الإيرانية التاريخية المشهورة، وهذا الأثر ينسب إلى الملك جمشيد، ويقع في«إستخر» في شمالي شيراز ( المترجم). |
|||||
|
|||||