فلاش باك

 

رياض بيدس


اسمع صوتا انثويا ناعما ، وكمن يصحو من حلم يقظة الملم الكلمات ببطء واجيب بعفوية وتمتمة :

- اجل ، اجل . المقعد شاغر. تفضلي على الرحب والسعة...

ورأيت نفسي اقتعد مقعدا في مطعم ال «بالمن هاوس» وامامي مباشرة حديقة عامة كبيرة شديدة الخضرة فاعجب بذلك اعجابا يصل حد النشوة، وكيف لا وقد اخترت مكانا جميلا لا بل اجمل مكان بنظري، ونظرت الى نفسي فوجدتني اقلّب صفحات الجريدة وانا منغمس اشد الانغماس في امور اخرى مطوّفا بعيدا، هل لاحظت السيدة ارتباكي، وماذا يعني ان رحبت بها ترحيبا حارا صادقا، اكتم ضحكتي التي كادت تجلجل في داخلي مجيبا نفسي ان هذا المكان ليس بيتي كما اني لا اعرف هذه السيدة، واذن، احاول ان لا اثقل على حالي، كلمات الترحيب فلتت مني وهل هذا امر سيء، اختلس نظرات محكمة الى السيدة لأرى اذا ما كانت جميلة تستاهل كل هذا الترحيب والاضطراب فأرى امامي تماما سيدة في الثلاثين اقل او اكثر بقليل ذات بشرة برونزية تضع نظارتين سوداوتين على عينيها، وكيف لي ان اعرفها بدون ان ارى عينيها يستحيل ذلك، ربما كانت تخفي عينين جميلتين، استأت ولعنت في سري النظارات الشمسية التي تجعل المرأة الجميلة غير مرئية، وتحاملت على تلك الاغاظة ونظرت اليها فرأيتها تسحب اوراقا من جزدانها، وحركت بصري على نصفها العلوي مباشرة لعلني ارى اذا ما كانت جميلة وهوّنت على نفسي الامر قائلا ان الجمال لا يكشف عن نفسه مرة واحدة، ثم تظاهرت بالانشغال بقراءة عناوين الجريدة فيما كنت افكر بالطريقة المناسبة للحديث مع هذه المرأة التي ربما تكون عادية جدا، وجزمت يجب ان لا اطحش معها طحشا بل آتيها بمنتهى اللطف مع سبب جيد للحديث لكن اين هو ذلك السبب، على اي حال يجب ان لا انضغط فهذا من شأنه ان يقلب الموضوع رأسا على عقب، اتأملها خطفا مرة اخرى انها تعيد الاوراق الى الجزدان وتبحث عن شيء ما بعفوية تصل حد البرود، او ربما كانت لامبالاة اكثر منها برودا او مزيجا من كليهما، واحتار ننعجق نحن الرجال فيما يجلسن وهن على اشد ما يكون  تماسكا وهدوءا، علي ان اجاريها في هدوئها، واتكأت على كرسيي وتوسلت انضباطا كان بامكاني استحضاره ونظرت اليها متأملا وادركت ان هدوءها صار يوازنني وحرجي يخف ونظراتي تسقط عليها وهي تتجاهل الامر بلباقة وخفة، هذا ما يجب، وامازح نفسي عدوى البرود او الهدوء تنتقل الي، واسرح لماذا المرأة هنا امرأة حقيقية كاملة لها حضورها الخاص المتوهج، ولا ابذل ادنى جهد للوقوع على جواب لهذا السؤال، اعاود تصفّح صور الجريدة متظاهرا بلامبالاة، علي ان لا اغزوها بنظراتي المتواصلة، هذا قد يثير ضيقها، احتسي قهوتي، تأتي الجرسونة وتسألها ماذا تطلب، عصير التفاح تقول بصوت ضامر، احتمي انا قدر الامكان باحدى المظلات المنشورة في الساحة بينما هي تتصيّد الشمس، الشمس عزيزة وغالية هنا، تنشر نفسها وتسترخي على كرسيها وربما كانت تستغرب لبحثي عن الظل واحتمائي من الشمس اي مخلوق هذا لا ينشر نفسه في الشمس حتى لو لم يكن موجودا على شاطيء بحر، اكاد اسخر منها من اني قادم من بلاد الشمس واتذكر ان اجمل ما في بلادنا هو الطقس وما عدا ذلك لا يطاق وحتى زبالة، حياة زبالة، على الاقل هنا اجد مقهى واجلس فيه محترما تماما كبقية خلق الله، كل شيء يجعلني عرضة للمقارنات بين هنا وهناك ويجعلني مشحونا بغضب كبير قابل للانفجار باشكال مختلفة، تأتي الجرسونة بعصيرها وتغيب، ماذا اقول، كيف ابدأ، البداية هي مربط الفرس هنا وفي كل مكان في الدنيا، اتذكر ما رأيته في طريقي الى هنا في ال) «(U-Bahn اعلانات عن معرض ل «ال جريكو»، ربما كانت تحب ال جريكو مثلي، اسألها بصوت اجتهد ان يكون محايدا وببسمة خافتة :

- العفو...

وكما لو كانت هي الاخرى تستيقظ من انغماسها في الشمس وفي عالمها فانها تحركت في مكانها ببطء واقتربت مني لتسمع ما سأقول. اسألها : هل تعرفين اين يقع متحف الفنون؟

تتحمس وتقول لي وانا الذي اعرف اين يقع بالضبط متحف الفنون الذي زرته كذا مرة :

- انه قريب جدا من هنا. تستطيع ان تصل اليه خلال دقائق سيرا على الاقدام. وتشرع في الشرح لي وانا استغل فترة الاصغاء لاتأملها. انها ليست جميلة بل هي عادية، لكن طريقة حديثها مشوقة جدا.

وعندما فرغت من الشرح لي عادت الى سابق قعدتها كأن الحديث لم يكن الا من قبيل السؤال والجواب. ولئلا تستسلم الى قعدتها قلت لها وانا اكثر ثقة من اني استطيع ان آخذ واعطي معها في الحديث :

- الطقس جميل جدا اليوم.

امنت على قولي باسمة : صحيح.

قلت : يعجبني الطقس هنا. امس كانت تمطر مطرا غزيرا مع ان الربيع صار على الابواب، واليوم صحو. هنا تتغيّر علينا الفصول.

قالت مبتسمة : في غالبية اوروبا الطقس هكذا. ونظرت اليّ كأنها تسألني من اين اكون.

وقلت لها قبل ان تفلت زمام الامور وتلجأ الى صمتها : انا من الجليل.

وبدت المرأة محتارة قليلا متحفظة من ان تستفسر اكثر، فاردفت موضحا : فلسطيني من  الجليل. وبدوت كعادتي شديد الاعتزاز عندما رددت كلمة (الجليل).

وارتسم على وجه المرأة المحايد شبح اهتمام طفيف لوّن وجهها بلون جميل وسألت وهي تتفحصني باهتمام وفضول احكم ضبطهما جدا :

- من الضفة الغربية ؟

قلت : لا، من الجليل.

واستقر ارتباك واضح على وجهها، فقلت لنفسي لم اغلّبها بامر لا تفهمه تماما، سأخبرها باللغز الذي يعصى على الفهم احيانا، فقلت : الجليل كان يقع ذات يوم في فلسطين، اما اليوم فصار يقع في اسرائيل. تغيير بسيط جدا ! واطلقت ضحكة ساخرة مؤدبة ! اجل مؤدبة. مع النساء، يجب ان تكون الضحكة الساخرة مؤدبة جدا حتى في اقسى الظروف !

وفغرت المرأة فاها وظلت صامتة لثوان تحاول ان تستوعب ما دار، الى ان ابتسمت وهي تحاول ان تفقه معنى ضحكتي :

- سمعت عن ايلات... قالوا لي ان الشمس هناك لا تغيب... (وتوقفت عن الكلام، كما لو انها لا تريد ان تتدخل او توجّع رأسها بما لا يعنيها.)

... القطع يكاد يكون حادا، هكذا الامور تجري الآن، لا ضابط لها او تواصل، الغريب اني ارى نفسي والآخرين بمنتهى الوضوح وانتقل من مكان وزمان بسهولة، كما لو كنت مخرجا، اسير بعيدا عن ساحة ال «بالمن هاوس»، الى اين تقودني خطاي في هذا الطقس الجميل، لا اعرف، انظر الى نفسي فارى الى حالي استقل الباص الذي يسافر، كيف ولماذا استقليت هذا الباص فلا اجد جوابا، الباص يخرج من فيينا، يا الهي هذا امر غريب جدا، هل سأقوم بزيارة احد، وابحث في خبايا ذاكرتي لعلني اقع على من اقصد فلا اقع الا على خواء، ذاكرتي خارج فيينا خالية من الاسماء والمعارف، اتكئ على حافة شباك صافنا ينتابني قلق خفيف، لو كنت في البلاد لقلقت جدا، هنا لا اخاف او اقلق كثيرا، مجرد كنت احاول ان اعرف الى اين اذهب، اتساءل لم ازعج نفسي بهذه الاسئلة التي لا جواب لها، وكما لو ان المرأة اللطيفة التي كانت تجلس الى طاولتي والتي كنت استكشفها تغيب عن بالي تماما كأنها لم تكن، ما الذي يحدث، اهذا يعقل، ما الذي يجري لي، اطمئن نفسي ان لكل شيء نهاية، لم ارهق نفسي بهذه الاسئلة التي لن استطيع جوابا عنها قبل ان يصل الباص الى محطته الاخيرة، وماذا اذا كان الباص مسافرا الى سالزبورج، انها مدينة جميلة، امد يدي الى محفظتي واتنفس الصعداء ما من داع للقلق، في محفظتي ما يكفي من الشلنات حتى اعود في باص من هناك، لن اعلق هناك كما اني لن اقاد الى منطقة معسكرات وجنود ومعتقلات، فطيلة اقامتي هنا لم ار جنديا واحدا وعندما رأيت سيارة عسكرية في فيينا وبدوت منذهلا آنذاك قالت زوجتي مبتسمة هنا ليست بلادك، كل البلاد هناك تمتليء بالجنود والسيارات العسكرية في حالة استنفار دائمة لدرجة يخيّل لك معها انه لا يسكن تلك البلاد الا الجيش، ورفعت رأسي عن الشباك، كنت ارى نفسي بوضوح شديد انا الذي يسافر الى مكان ما لا يعرفه في النمسا وكانت حالة من الاستغراب تسيطر علي، كنت استغرب جدا لماذا لا ابدو مضطربا او خائفا، لو كنت في البلاد لانتابني قلق او خوف حتى لو كنت اعرف اين اسافر تماما، لكن الامر يختلف هنا مع انها ليست بلادي، انظر الى السائق، ربما كان يعرف الى اين نسافر، هل اذهب اليه، اتشجّع لم لا، اتقدّم منه واسأله عن وجهتنا، يفتح السائق عينيه مندهشا ويعلّق بلطف شديد ان ما هذا السؤال، استحي من حالي ربما سألته سؤالا سخيفا، يجيبني السائق بصوت واثق ما اعرفه هو اننا الآن نخرج من فيينا اما المكان الذي نقصده فلا يعرفه احد من المسافرين في هذا الباص، لا اتمالك نفسي واضحك، هل كنت سأضحك لو كنت مسافرا هناك ربما كنت سأموت رعبا، السائق يستغرب لضحكي ولا يعلّق واعود الى مقعدي، ما الداعي الى القلق، انها رحلة او اننا ذاهبون الى عيد ميلاد شخص ما ربما كنت نسيت تاريخ ميلاده وهناك تكون المفاجأة، اجل ربما، اعياد الميلاد الشخصية هنا مهمة جدا، وحتى لو لم يكن هذا هو السبب فلاسترخي، ما الداعي الى كل هذا الانفعال الزائد مع اناس يتحكمون في انفعالاتهم غاية التحكم، وانظر الى نفسي فارى حالي خارج البلاد اذا لا يوجد اي سبب للقلق او الخوف، اتأمل وجوه ركاب الباص انها وجوه مطمئنة واتفرّس فيها هل اعرف احدا منها فلا اتعرّف على احد، انظر من الشباك لم لا استغل هذه السفرة حتى النهاية ربما كانت بدون مقابل او انها رحلة وقعت فيها مصادفة واجلت بصري على الخارج، يا الهي كلما امعنا خروجا من فيينا وسفرا كلما ازدادت الاماكن جمالا، لم لا اغسل عينيّ بهذه المناظر الجميلة، واستغرق في النظر الى الخارج، وفجأة تنط الى رأسي فكرة السفر في بلادنا والتنقل فيها والرعب الذي يتملكني فانزعج جدا وارى الى نفسي متكدرّا، اهدّيء نفسي قائلا انه ليس باصا اسرائيليا حيث تكون فيه عرضة لنظرات جارحة تدفع بك الى خارج الباص او تشعرك انك ماذا فاعل بيننا وفي هذا الباص، هنا اخف واهون بكثير والفرق بين المكانين كبير جدا، على الاقل هذا الباص اشعر فيه اني مسافر بكامل الحقوق ككل المسافرين الآخرين فيه لا فرق بيننا، اليس هذا امتيازا عظيما، ثم لماذا تقتحم سيرة البلاد المقرفة هذا الباص وتلاحقني حتى هنا، اللعنة، هل تفسد علي ذكرى البلاد رحلتي هذه الى خارج فيينا الا يمكن انتزاعها من رأسي والتخلّص منها نهائيا، كيف يمكن بترها من جذورها سيرة البلاد تسم البدن وتسمم الاجواء، ليس البلاد تحديدا بل هم الذين قلعطوا حياتنا وشوّهوها، اتشاغل عن هذا التفكير وانظر الى الركاب فاراهم صامتين لماذا لا يتجاذبون اطراف الحديث هل يعرفون اين نقصد لم لا اسأل احدهم، اتقدّم من عجوز واسألها بالمانيتي الركيكة عن الوجهة التي نقصدها، تستغرب الا تعرف، اجيب لا، تقول ان هدف هذه الرحلة ان لا يعرف احد هدفها ومكانها وزمانها، تقول بعد ان ترى دهشتي وقلقي لا تقلق كنت امازحك فقط وتضحك وتضيف لا احد يعرف اين مستقر هذه السفرة حتى السائق نفسه، السائق هو الآخر لا يعرف اسألها منذهلا اشد الذهول ثم كما لو ان الله فتحها معي استوضح لعلني اقع على جواب شاف هل هذا تقليد نمساوي اجهله تضحك المرأة من قراقيح قلبها وتقول ربما وترفع نظارتيها عن ارنبة انفها وتمسح زجاجتها على مهلها وتسألني بمنتهى الدماثة من اين انت اجيب فلسطيني، تضع نظارتيها على عينيها وتبتسم ابتسامة حفاوة وتقول لي يجب الا تقلق لا شيء يخيف هنا، وابتسم اجل لا شيء يخيف او يدعو الى القلق هنا مجرد كنت اتساءل، واعود الى مقعدي، انظر الى المقعد الشاغر الى جانبي، اين زوجتي وكيف اسافر بدونها، هل من المعقول ان اسافر لوحدي، واصفن هل يمكن ان تكون زوجتي هي التي رتبّت لي هذه السفرة او الرحلة كمفاجاة، واعملت ذهني لثوان في الامر واستبعدت ذلك لو انها هي التي فعلت ذلك لعرفت ثم كيف سترّتب لي هذه المفاجأة مع الجميع وهم لا يعرفون الى اين نسافر حتى السائق نفسه الذي يبدو عاديا وهادئا كباقي المسافرين، وفجأة لمع في ذهني اسم ابو العلاء المعري ودانتي وتذكرت صورهما التي كنت اراها في الكتب، هل هما هنا، وعقلت الدهشة تفكيري لاتركز بهذه التقطة بعينها، هل هذا باص الآخرة، ايكون دانتي هنا الآن، اذن اين هو، انه ليس بيننا، هل نحن في الطريق اليه، انحن احياء ام اموات، وهززت رأسي غير مرة لاتأكد من اني ما ازال على قيد الحياة مسافرا...

انظر الى المرأة التي ربما شبعت شمسا واصغي اليها وهي تقول:

- كثير من المشاكل في بلادكم.

اضحك قائلا : بالاحرى كلها مشاكل.

ثم اقطع الصمت الذي قد يدفع بالمرأة الى المضي في عالمها : هل زرت بلادنا ؟

تومئ ان لا.

اقول لها مشجعّا : الطقس هناك يجنّن.

تسألني : هل انت في زيارة ام تقيم هنا ؟

اقول مهتما لاهتمامها : اقيم هنا منذ اكثر من سنتين.

تسألني : هل تعجبك فيينا ؟

- اجل انها جميلة جدا صيفا (ونضحك معا) لم اعتد على ثلجها واعتقد اني لن اعتاده ابدا. الثلج خبيث ولئيم. انه يخترق العظام وينخره نخرا.

لا يعقل ان اظل مسافرا في هذا الباص، يجب ان اعرف الى اين نسافر، اذا كان القلق بعيدا عني حتى الآن فستقلق زوجتي لغيابي الفجائي، واذا ما تأخرت في العودة فستساورها الشكوك اين كنت خاصة في رحلة لا اعرف وجهتها الى اين، من سيصدق هذا الا اذا كانت زجتي هي نفسها التي رتبّت لي رحلتي هذه، ونظرت الى الوجوه مرة اخرى فلم ار اثر اي قلق على الوجوه المسافرة، ما هذا لا يريدون ان ينطقوا بكلمة توضيح، واخذت نرفزة خفيفة تثور في داخلي، لا يعقل ان يظلوا على هذا الصمت الثقيل ثم ان هذا السائق الذي يقود الباص بمنتهى الحذق والهدوء لم لا يفتح المذياع، غريب امره وامرهم، وخاطبت نفسي يجب ان اتروى ستكون الرحلة مملة ومتعبة على هذا النحو، الا يوجد احد غيري يستبد به الفضول الذي يشتعل في داخلي لنعرف الى اين نيّمم، يبدو ان لا احد هناك ينوي ان يسأل او يظهر انه يهتم، انهم يركنون الى تلك السفرة كما لو انهم يسافرون في اجازة غير مخططة سلفا، قلت لنفسي هذا امر رائع لكن هل يعقل ان النمساويين يقومون بمثل تلك الاجازة وهم الذين يخططون ويرتبون كل شيء قبل الاقدام على اي سفر او عمل، وراقت لي الفكرة، ربما كانوا قد ملّوا من البرمجة والتخطيط فعزموا على كسر ذلك الجو القاتل للروح والخروج منه برحلة لا يدرون اين ستصل، وماذا انا فاعل معهم في رحلتهم هذه، لماذا لا اقبل ما يجري هنا كما هو دون ان اغلّب نفسي، استرق بعض النظرات الى الخارج فافاجأ فهانذا ارى مقبرة، مقبرة هل هذا فأل سيء ام جيد، وبعيدا عن الاجابة انظر الى المقبرة جيدا فاعجب بورودها وترتيبها ونظافتها، ولا املك الا ان اضحك في سري، نحن نستطيع ان نشم الهواء في هذه المقابر هنا انها جميلة جدا، واتساءل لماذا لا يعتنى بمقابرنا لكي تكون بمثل هذا الترتيب وهذه النظافة والورود، ربما هكذا يغدو الموت اقل رهبة ورعبا وفجائعية وحتى قد تفتح نفس الواحد على الموت واضحك دون ان يسمعني احد، واتساءل ماذا كان سيقول دانتي لو رأى قبر زميله ابو العلاء، ربما كان سيحدثه عن مدى جمال العالم الآخر الذي يعيشان فيه لكي ينسيه ما آل اليه قبره،

وبدت المرأة معنية بالحديث، فقالت وهي تبتسم : لماذا قررت العيش هنا اذا كنت لا تحتمل الثلج ؟ وبدت محرجة قليلا اثر سؤالها هذا.

هل اقول لها ان كل ثلج العالم يهون امام البلاد التي اعيش فيها ولا احتملها بالمرة، لا يجب الا اقول، قد تهرب من مصائبنا، فامسكت عن القول. كنت اعرف تماما انه ليس لطيفا بالمرة ان تضع جعبة مشاكلك امام شخص لا تعرفه تماما، وبالذات اذا كانت سيدة لطيفة كهذه المرأة. ربما ستضيق ذرعا او تختنق انزعاجا، فقلت لها وانا احاول ان اجيب جوابا معقولا : بلادي ليست احسن (وكدت اقول لها اذا بقي لي بلاد فامتنعت) هنا على الاقل اعيش. وحرّكت يدي حركة لاعبّر لها عما يجيش في داخلي وسكت.

- هل تعيش في قرية ام مدينة ؟

فلت لساني الذي حاولت ضبطه : في جيتو. لا يوجد هناك شيء معمول لاجلنا الا الجيتوات والموت. وحتى هذه بشق النفس !  

تحاملت المرأة على جوابي الذي بدا لها قاسيا جدا :

- وهل انت مرتاح هنا... وتوقفت المرأة كما لو كانت تبحث عن الكلمة المناسبة لها، فقلت :

- تقصدين اكثر من بلادي ؟ اجل انا مرتاح اكثر. فمع كل الصعوبات هنا اشعر اني بني آدم كامل. وتوقفت حالا، لئلا اقع في خطأ جسيم : يجب ان لا ازيدها مع هذه المخلوقة لئلا تصاب بالضيق او الالم من مصائبنا وبلاوينا وتهرب. المشاكل تمرّر بالقطّارة وليس دفعة واحدة في جلسة واحدة. وعلى اني كنت لا انوي ان لا ازيد العيار لئلا اثقل عليها، الا ان الامور اخذت تفلت من زمام قلبي. فمن الصعب، لا بل من المستحيل، ضبط الالم وهندسته احيانا ليتناسب مع الظرف او الحالة ليغيّب في الاعماق كي لا يتحول الى مركز القعدة ومخرّبها. لا يمكن للالم ان يكون جميلا، انه متعب ومضن ومؤزّم جدا كدمل، وها هو يخرج على مشحات ليكون من حظ هذه المرأة، فما ذنبها ؟! وما ذنبنا نحن لكي نعيش هذه الحالة وننقلها الى الآخرين ؟!

كنت اريد ان اخفي جعبة همومي، فعاجلت مغيّرا الموضوع : هل تحبين ال جريكو ؟

اجابت : جدا. انه فنان عظيم.

وما انتظرت طويلا، فسألتها : هل معك وقت لنذهب معا ؟

واعتذرت : لا وقت لدي، فانا مدرّسة ويجب ان اعود الى تلاميذي بعد نصف ساعة.

اذا كنت قد استقليت هذا الباص بمحض ارادتي فمن المؤكد اني كنت سأتردد، وذلك بسبب طول الرحلة وعدم توقف الباص في احدى الاماكن الجميلة، فالريف هنا ساحر وقد ندخل احد المطاعم لنأكل لقمة، ويتملكني فضول ممزوج بغضب خفيف، ومع كل هذا كان يجب ان اعرف او آخذ فكرة ما حول طول الرحلة ومدتها، هكذا كنت سأستعد واحضر زوادة معي، لا يكفي ان ارتاح في وسائل النقل وفي اي مكان عام هنا، يجب ان اعرف التفاصيل، فالتفاصيل المتعلّقة بسفرة طويلة هامة جدا، وشكرت ربي لاني خارج البلاد، فحالما اغادر المطار وادخل الى الطائرة اشعر اني تحررت من كوابيس كبيرة وصغيرة تستمر ليل نهار، لقد خنقونا هناك في بلادنا، كيف لهم ان يفعلوا ذلك لنا، والقيت نظرة الى الخارج فرأيت المقبرة اياها التي كنت رأيتها او انها كانت مقبرة اخرى تشبه الاولى، ما هذا، لماذا يقع نظري كثيرا على هذه الاماكن، على كل حال انها مقابر جميلة جدا، ونظرت الى ساعتي ففوجئت ان ساعات كانت قد مضت، لقد طالت السفرة ويجب ان انزل، فهل استطيع النزول، امد يدي الى كبسة التوقف واكبسها فتضيء، يلتفت السائق الينا متفحصا من يكون فعل ذلك فاشير له الى اني اريد النزول بالرغم من ان رفقتهم جميلة وسهلة ولن انساها او انسى لطفهم ابدا، لا يمانع السائق او المسافرون ويتوقف في اول محطة وانزل، يودعونني بلطف وسلام وتمنيات قلبية طيبة واتمنى لهم جميعا مثلها واحسن منها، فمن تطلّع عليك بعين يجب ان تتطلّع عليه بعشر عيون، ويغيب الباص عن نظري وانا اشعر بشيء من الحسرة لخسارتي لربما كان في هذه الرحلة خلاصي وانتصاري،

لا اعرف كيف تجري الامور، ففي الحال اجد نفسي في ساحة ال «بالمن هاوس» ناظرا الى النساء الجميلات مثل طرابين الحبق وهن يجلسن على المقاعد باسترخاء، ما هذا الجمال، الصيف يجعلهن اكثر تحررا ويتخلصنّ من اثقال ملابس الشتاء التي تخفي تحتها اجمل الحدائق، حدائق غنّاء فوّاحة، والروح والجسد والقلب يهفو، واتأمل ساحة المقهى والمطعم واشكر ربي لاني هنا ولست في تلك البلاد النتنة، كل شيء يختلف هنا تفاصيل صغيرة تغدو كبيرة جدا جدا، والا كيف، يطول عمر الواحد هنا، فعلى القليلة تدخل المقهى هنا وتخرج منه مرتاحا ولا احد ينظر اليك شزرا لانك عربي دخيل عليهم وعلى عالمهم، تحتل مكانك هنا بمنتهى الهدوء والاحترام كما لو كانت بلادك واكثر وتنطلق، وقد تجاذب امرأة حديثا منعشا، واذا مشي الحال قد تنشأ علاقة، تفاصيل تجعل منك انسانا آخر، يغمرني تيار من الفرح واتمالك نفسي، فتفاصيل الحاضر اجمل بكثير من تفاصيل الماضي التي لا تكف عن نشب مخالبها في رأسي وكياني وعالمي لتفسد كل ما هو جميل وطيب ومنعش، انظر الى المرأة التي تشاركني الطاولة فاراها ما تزال تشرب عصيرها على مهل، انها ليست جميلة لكنها كلها على بعضها جميلة، واتساءل هل يفكر كل الرجال في الخيانة حين تتوفر الظروف مع امرأة جميلة يشتهونها، واخذت راحتي وصوّبت نظراتي عليها وسألتها :

- ماذا تدرّسين ؟

قالت : فنون ورياضيات.

اذن ال جريكو هو احد اقربائها اللزم، واستغربت هذا الجمع بين هذين الموضوعين وقلت وانا احاول ان اقع على علاقة بين الموضوعين :

- هل تحبين الرياضيات ؟

- موضوعي المفضل.

اذن، الا يوجد اي وقت او حتى مكان لصديقنا الطيب ال جريكو الآن ؟ كان يبدو انه لا. ووجدت نفسي اعرّفها على نفسي بمنتهى العفوية : انا ادعى ديار.

قالت : تشرّفنا. انا اليزابيث.

- هل تأتين الى هنا من حين الى آخر ؟

- اذهب الى مقاه اخرى. هذا المقهى قريب من مدرستي، لذلك انط الى هنا احيانا.

وساد صمت قصير الى ان سألتني : ما هو اكثر ما يعجبك او يجذبك في فيينا ؟

اعجبني جدا سؤالها لا بالاحرى فاجأني، اذ انها مقارنة مع الفييناويين الذين يميلون غالبا الى التحفظ والانغلاق والحفاظ على بعد الى ان يتعرّفوا الى الشخص جيدا بدت هذه المرأة اكثر انفتاحا. واول جاذب جاء على بالي هو زوجتي، فلولا زوجتي ربما كنت لن ادخل فيينا بالمرة، الا اني دفعت هذه الفكرة جانبا فربما كانت هناك امكانية لمغامرة بسيطة، فلم اقحم زوجتي، وشعرت بعد هذا بانزعاج او بذنب، لم هذا التفكير بالخيانة، واستصغرت نفسي وعزيتها في آن واحد مؤكدا انه مجرد تفكير عابر ولا غضاضة في الامر، ويجب ان ابقى مع هذه السيدة ولا اوبّخ نفسي على ما عبر في رأسي. قلت لها بصدق :

- لا شك ان هناك اشياء جميلة جدا كثيرة، لكن... واخذت ابحث عن تلك الاشياء التي هي مقارنة ببلادي ليست جميلة فحسب بل عظيمة، لكنني بدلا من ذكر امر قلت بعفوية : هناك صعوبات طبعا...

قاطعتني مبتسمة : اعرف. كأنها تريد ان تسمع اجابتي كأجنبي.

قلت لها وانا احترس لئلا اسحب مشاكل بلادي من الجعبة الكبيرة التي احملها معي اينما توجهت او عشت : انت تعرفين المشاكل التي اعيشها في بلادي.. انا فلسطيني واعيش...

قاطعتني باستعجال : لهذا اسألك.

قلت : مرات، يعني، كوابيس هذه البلاد اريح واحسن من جنة بلادي (وضحكت) على افتراض ان هناك شيئا من قبيل الجنة الممسوخة في بلادي !

خرجت المرأة عن تحفظها وضحكت مستغربة، فبدت ضحكتها جميلة جدا، كما لو انها اضفت عليها مسحة من الطفولة العذبة كانت خبيئة فيها : لماذا بالذات كوابيس ؟!

قلت لها وانا اشعر بضيق : لا اعرف. هذا ما يحدث لي واراه. (واردفت) هنا انظّف نفسي من كل مشاكل وشوائب وتشويه تلك البلاد الكريهة. قد يحتاج هذا التنظيف الى وقت طويل جدا وصبر عظيم، وحتى ان حياة واحدة قد لا تكفي لهذا المشروع الطويل.  

قالت مهوّنة : احيانا نضيق ذرعا ببلادنا. اعرف الكثيرين من هذا النوع. هذا شيء طبيعي جدا. انا مثلا احب ان اعيش في اليونان.

كدت اضحك من شدة الالم وانا اقول : اولئك الناس حين يضيقون ذرعا ببلادهم تكون لهم بلاد حقا. وهنا يكمن الفرق الكبير لا بل الفجائعي. اما انا فلا بلد لي. خواء. هذا ما اعرفه واشعره واعيشه. اولئك الاشخاص الذين يتدللون على بلادهم ويبتعدون عنها غاضبين او شاتمين او ما تشائين يستطيعون فيما بعد ان يحنّوا اليها ويعودوا. انها بلادهم ومطاراتهم وامنهم وكل ما تريدين. من يمنعهم ؟ اية ظروف ستحول دون ذلك ؟ اما انا، فاين سأعود ؟ هل احن الى بلادنا التي صارت بلادهم وكل شيء يعمل فيها لكي لا تكون بلادنا ؟!

وبدت المرأة محتارة كمن تجد صعوبة في تجميع كافة خيوط الوضع الذي كنت احدثها عنه.

اغذ سيري، مرة اخرى اشرف على مقبرة، ما هذه المقابر الجميلة التي تطلع لي في كل مكان هنا يا ربي، لماذا تركت الباص، اتامل المقبرة انها مرتبّة وجميلة وهي اشبه بحديقة عامة لا يسكنها الا الهدوء والصمت، كم تختلف القبور هنا، هل يختلف شعور الموتى هنا عن شعور موتانا هناك في القبور المهملة، انهم هنا يستغرقون في موتهم هادئين لكانهم يصيخون السمع الى صوت موتهم الجميل الذي لا نحسن نحن سماعه، اقترب لادخل الى المقبرة لكني اتراجع في اللحظة الاخيرة واتابع سيري، الى اين، هل ابتعدت كثيرا عن فيينا، استوقف شخصا واسأله عن المسافة التي تفصلني عن فيينا فيضحك ويقول انت بعيد جدا ما الذي احضرك الى هنا اجيبه باص ما، يستغرب الرجل اي باص هذا، ولماذا اقول له عن باص،  ما الذي يعنيه، ويمضي الرجل في حال سبيله مستغربا،

تلملم المرأة اغراضها وتبتسم ابتسامة عريضة : بالتوفيق.

واشعر بأسف لانها تترك ساحة ال «بالمن هاوس» : ولك ايضا.

تقول : ربما ستشتاق الى بلادك ذات يوم.

اجاملها : ربما. واستغل الفرصة واسألها : هل نلتقي مرة اخرى ونشرب فنجان قهوة معا ؟

ترفض الامر بلطف، ولا اعرف كيف اوحت لي انها امرأة متزوجة، اذ نسيت تسلسل الامر. تودعني بلطف واشيّعها بانظاري التي تلاحق مشيتها الجميلة،

... تختلط الامكنة وحتى الازمنة، ادخل الى مكان لا اعرف ما هو بالضبط، اتنقّل في غرفه المرشوقة باللون الابيض لعلني اجد المخرج واخرج من كل ذلك المكان، انه ليس متاهة بيد انه يضيّق الاخلاق فماذا يوجد لي في هذا المبنى، في الطابق الاول وفي غرفة من الغرف يجلس عجائز، يجتمعون في غرفة واحدة، هل هم من جماعة الباص المسافر الى مكان لا يدريه احد، اقترب واتأملهم واحدا واحدا فلا اتعرّف احدا منهم، انهم غرباء او بالاحرى انا غريب عليهم، ما الذي يفعلونه هنا وفي جلستهم هذه، يثيرون فضولي، مجموعة عجائز في هذا المكان، يضعون كعكة كبيرة بدون شموع نقشت عليها كلمتي Dear ourselves ، هل هم جماعة معينة، وحاولت ان اترجم Dear ourselves ترجمة ركيكة خرقاء ومضحكة ب «عز نفسك تجدها» او «يا روحي ما قبلك ولا بعدك روح»، ربما لو سمعوا ترجمتي هذه لشعارهم او ما لا ادري من شأن هاتين الكلمتين على ذلك النحو لربما خرجوا من عجزهم وطاردوني وكعشوني وادبوني على الخطأ الجسيم المهول الذي ارتكبته ربما بحق اجمل كلمتين بالنسبة اليهم، وقلت لنفسي مفترضا ان Dear ourselves  هذه قد تكون من قبيل Happy birthday اجل قد تكون كذلك، والا ما معنى ترديدهم تلك الكلمتين على نحو مألوف جدا، هذا قريب الى ان يكون معقولا مع انه ليس الا افتراضا ومن اين لي ان اتأكد، ورحت استغرق في تأملهم من وراء زجاج وانا على مقربة منهم، من يكونون يا هل ترى وما الذي يفعلونه الآن، هل هم افراد صف وكدت اقهقه من هذا الخاطر الغريب، لكن اي صف عجائز هذا، افتح عينيّ مندهشا ربما كانوا صفا فها ان احدهم يرفع يده وربما كان يجيب عن سؤال ما، على كرسي تحت لوح اسود كانت تقعد عجوز شمطاء، ربما كانت هي المعلّمة او القائدة او انها تحمل مسطرة بيدها، الله ماذا يكون كل هذا، وانسى كل شيء واتجمّد في مكاني في انتظار ما سيكون منهم، ترتفع ايد اخرى، هل يجيبون عن اسئلة، ما الذي يفعلونه، وفجأة يقفون جميعا ثم يأخذون يرددون بصوت اشبه بالغناء Dear ourselve ويتصافحون بعدها مبتسمين ويرقصون، تبدو رقصتهم اشبه برقصة فالس، حتى المرأة التي تتوكأ على عكاز ترقص على مهلها ما شاء الله، بعد زمن قصير يتوقفون عن الرقص ضاحكين، ويعودون الى مقاعدهم متعبين من الجهد الكبير الذي بذلوه في الغناء والرقص، انهم مسنّون على حافة قبرهم، هل يمكنني الدخول وسماع ما يقولونه، هذه حفلة خاصة او ربما اجتماع او عيد ميلاد احدهم، ما الذي اوصلني الى هنا، انا هنا وهذا هو لا مكان للاجوبة، تستطيع ان تسأل ما تشاء الا ان الغموض سيكتنف كل شيء، غموض عادي رهيف وليس مخيفا مرعبا، غريب امرهم، انظر حولي ربما كان احد اقربائي معهم، كلا لا يوجد، واستغرب من نفسي اي اقرباء لي سيكونون حاضرين هنا، اتجول لوحدي، لو كانت زوجتي معي فلربما فهمت حقيقة ما يجري هنا، اينها، ولماذا انا هنا لوحدي اراقب هؤلاء الناس بالذات هؤلاء الناس عنوة عن كل خلق الله، اسئلة اسئلة، اركز نظراتي، المرأة التي تجلس على المقعد الامامي تقتطع الكعكة وتوزّع على كل منهم قطعة، انهم يلتهمونها بسعادة وقبل ان يفترقوا كل الى حال سبيله يرددون معا مرة اخرى اغنية Dear ourselve ذات الكلمات القليلة التي وصلتني متقطعة لا معنى لها ويغيبون ببطء شديد كمخلوقات اثيرية،

انظر امامي، فافتقد المرأة التي كانت تجلس الى الطاولة معي، هل غابت هي الاخرى، انها لطيفة، لماذا كان عليها ان تتركني وحيدا في ال «بالمن هاوس»، وانتظر الى ان تحتل اخرى مقعدها، هنا دفق بشري بالذات في النهارات المشمسة، وانظر الى الباص فلا ارى نفسي  فيه، اين ركابه، لقد تفرقوا هم ايضا،

وفي الصباح افتح عينيّ واخرج من حلمي مسافرا في فيينا صوب ال «بالمن هاوس»، لعلني التقي تلك السيدة الجميلة، وكيف لا، لا بد ان تكون هناك !


تصميم الحاسب الشامل