القرية الظالمة

 

سعيد الدرمكي


خمس سنوات أمضيتها في أمريكا بعيداً عن كل شيء.... بعيداً عن زوج والدتي ذاك الجلاد الأحمق .... وليَّتُ هارباً محاولاً غسل كل ما لدي من ذكرى تذكرني بعمي وبأهل قريتي التي كانت الخرافات والنميمة كل ما يلوذون.

لو تروا الخربشات التي خلدها ذاك المارد في جسدي .... لا بأس يا أحبتي هذه المرة فقط سأترك جسدي للريح أن تلسعه ولعيونكم أن تحملق كيفما تشاء لتتبينوا حقيقة ما أقول ولتكونوا شهداء صدق على ما رأيتم.... فلكم أن تروا ظهري وما يدس من خرائط ورسومات وأشباح نائمة .... لو رأى ليوناردو دافنشي تلك الخربشات الجاثمة على جسدي ، أشكال هندسية - دائرة، شبه دائرة، مثلث، مستطيل، مكعب، معين ، منحنى -  لقال:إنها أعظم لوحة فنية رسمت على وجه الأرض ، أو لربما فضَّل الاحتفاظ بي شخصياً كلوحة في متحف اللوفر...لا أعتقد بأنه سيكتفي بهذا الحد بل لا ريب أنه سيقوم بنسب جسدي هذا إلى أعماله الخالدة.

لقد عدت إلى البلاد محاولاً بكل ما لدي من قوة أن أنفض كل الغبار الذي هالته القرية على جسدي.... وبعد سبعة أشهر من العمل في العاصمة بكفاءة واجتهاد لاقت رضا المسؤولين وإقناعهم بتلك العبقرية الفذة التي أمتلكها وحدي دون سائر أقراني في الشركة .. بيد أن هذا الأداء المتميز ربما دفع الرئيس التنفيذي للشركة إلى ترشيحي خلال هذه المدة الوجيزة لأكون مديراً بأحد الفروع بالمناطق الإقليمية.

وصلت إلى الموقع بيْد أن أول ما شدَّ انتباهي كانت (الغافة).... شجرة فارهة الطول.... مهشمة الأغصان والأركان كأنها خروف أجرب ... ممتدة الجذور حتى أن جدران المكتب قد تشققت إلى الحد الذي يمكن مشاهدة ما بداخله .... غير أن تلك الصورة البائسة لم تمنع أهل القرية من تبجيلها فستروا عريِّها بملابسهم الذي هم يلبسون ، ووهبوا لها المال الذي هم يملكون وأذاقوها من الحلوى والطعام الذي هم يأكلون وإذا ما مروا من أمامها شرعوا يحيونها بسلام أحر من سلامهم لبعضهم ... تلك الشجرة الملعونة لا ريب بأنها (السفينكس) جاء متخفيا هذه المرة على هيئة شجرة .... لعمري إنها ذلك الوحش بكل صفاته: رأس امراة ... جسد أسد .... جناح طائر .... سأقتله غير مكترث بما سيسوقه القدر لي فأنا لست أوديباً لأقتل أبي أو أتزوج أمي تلك التي أقسمت أن لا تموت إلا صامتة ، قد باغتها الموت على حين غرة وهي نائمة على فراشها ، ووالدي الذي خلَّف لنا ميراثاً كبيراً من المصائب والهموم وجلاداً يدعي بأنه عمَّنا فقد وافته المنية دون أن تقر عيناي برؤيته.

اليوم نفسه أقمت اجتماعاً مرحبًا فيه بالعاملين مستغلاً تلك الفرصة بالحديث بشأن قطع الشجرة والتي أسميتها شجرة إبليس: نريد أن نعمل بكفاءة وإتقان بروح الفريق الواحد ليكون هذا المكتب بمستوى عصري مشرف ، علينا أن نبذل المزيد من الجهد والاجتهاد لتحقيق هذا الطموح وأن نزيح كل ما يعيق طريقنا .... علينا أن نبعد أي مؤثر يشوش على طاقتنا العملية لا سيما تلك الشجرة - شجرة إبليس- والتي بلا شك العثرة الأولى لما نريد أن نصبو إليه ولأن الوقت عدونا اللدود لزم علينا التصرف في قطع دابر تلك الشجرة في أقرب وقت ممكن وليكن في مساء هذا اليوم».

هذا القرار كان الدافع الأقوى لإقامة اجتماع آخر برئاسة سالمين.. هذا المارد الذي يحاول العبث في كل شيء ... فكان العقل الجبار والزعيم غير الرسمي ، و المسير الحقيقي لأعمال المكتب في الأمد الغابر حيث أنه يعتقد من نفسه بأنه الخلف الشرعي بعد تقاعد المدير السابق: إن قرار الإدارة جاء مجحفا لي ولكم في ترشيح أحمق كهذا يدعي الكمال في كل شيء.... أراد أن يشل هذه الشجرة التي هي روحنا .... تحرسنا وتحرس أبناؤنا وأحفادنا عرفناها مذ نعومة أظافرنا فهي عمود هذه القرية وقنديلها الذي لا يمدَّنا نوراً ولكن يمدنا راحة وطمأنينة... فعليكم أيها الأخوة والأحباء أن تحترسوا ولا تجعلوا أقدامكم تزل بخطيئة ستودي بهلاككم.

  اقترب نفر من العاملين مؤيدين ومؤكدين ما قال سالمين : لقد أشفقنا على حاله واعتبرناه ضيفاً كريماً فكنا له من الناصحين فأنذرناه بأن لهذه الشجرة روحاً إن غفرت بسطت وإن غضبت سخطت ، فهي تبارك رزقنا في المال والعيال وفضلها جارٍ كجريان ذلك النهر الممتد إلى أقاصي البلاد وما يتوجب علينا هو المحافظة على كرامتها فكم من عاقر أنذرت لهذه الشجرة أعطاها الله نسلاً طيباً ، وكم من محتاج ضاقت به الدنيا بما حملت فكانت له مجيباً وكم من مريض التمس السند والهند فلم تكن إلا تلك الشجرة لتمنحه دواء الشفاء لعلته المزمنة...... فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ودعِ الشجرة لربها كما أحياها سيميتها.

لم يكن ما قيل بالنسبة لي سوى هراء بل ربما زادني عزماً على قطع دابر تلك الشجرة العجوز بنفسي ... كيف لا وأنا القادر على فعل كل شيء، أما قادر على قطع شجرة حقيرة كتلك. سأطلق لفكري العنان ليدبر الطريقة التي تشل أدبارها إلى الأبد....قررت أن يكون هذا الواجب في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل .... تلك الساعة ستكون الساعة الحاسمة.   

٭ ٭ ٭

  ما لهذه القرية الظالم أهلها أن لا تستهدي قبس هذا العلم الذي جلبته لها من أقاصي القارات .... من أمريكا .... أرض الصناعة .... أرض الحرب والسلام .... أرض المعجزات الغابرة واللاحقة...أمريكا هذا الحلم الجميل الذي حققته وحدي دون سائر أقراني في المدرسة .... تلك المدرسة التي ضيعت سنوات عمري في وحلها .

في البداية شعرت بأنني أقوى من كل شيء .... صلباً كصلابة ذلك الجبل الجاثم هناك..... لم يرهبني ذلك الصمت المميت ، ولا حلكة الليل الخانقة.... بيد أن رنين الساعة الكبيرة المعلقة على جدار المكتب منذ سنين غائرة وهي تشير إلى الثانية والنصف دبت في قلبي القلق والتوتر والاغتراب والوحدة القاتلة.......... حاولت أن لا أعطي الأمر اكتراثاً فقلت في نفسي ما هي إلا شجرة زائلة. ..... تناولت كتاباً من حقيبتي باللغة الإنجليزية «الإدارة الذكية: Intelligent leadership » وشرعت القراءة فيه عل فكرة عبقرية يمكن تطبيقها في هذا المكان البائس..... وبينما كنت في السطر السابع من الصفحة الأولى أخذ النعاس يدب في عينيني المتعبتين التي ذاقت من السهد ما يكفيها.

 رفعت ساقاي على طاولة المكتب ، استشعرت بأني على حافة سفينة لم أر في ضخامتها مثيل حتى في أمريكا القادرة على خلق كل شيء.... لعلها سفينة نوح بطبقاتها الثلاث خالية من كل شيء....خالية من الوحوش والناس والطيور لم أكن إلا وحدي أقود الليل في حلكته ... ربما ضاعت كل الأزواج في وحل الطوفان... لماذا كل شيء يسوده الهدوء المميت.

   ثمة مشاهد كثيرة أخذت تستعرض أمامي تمر كشريط سينمائي لا أتذكر إلا القليل منها وفي كل مرة تظهر الشجرة وعجوز من الغابرين.  

المشهد الأول

   ما خطب تلك المرأة الحاملة رضيعها كأنه صليب تارة تودُ أن تهبه لتلك الشجرة ومرة أخرى تضمه على صدرها وكأنها أحن أم خلقها الرب على وجه الأرض؟

كانت تلك المرأة عاقر وقد بلغت من الكبر عتياً فأمسكت بجذع الشجرة تلك سائلة أن تلد طفلا يكون فلذة كبدها وقرة عينيها ، وغطاء لها في يوم مفعم بالسواد فها هي ، وقد أنجبت هذا الطفل المبارك جاءت به مقدمة الشكر والولاء.

المشهد الثاني

وما لهؤلاء القوم الآتين من مكان قصي يغنون ويرزحون نساءً ورجالاً أطفالاً وشيباناً يتوسطهم شاب  أظنه عريسهم؟

لقد قدم القوم ومعهم هذا العريس يحتفلون به وأرادوا أن تشاركهم هذه الشجرة فرحتهم وتكون شاهداً على عرسهم تباركه ، وتحجب عن عريسهم أيدي الأشرار والعابثين.

المشهد الثالث

وما هذه المرأة وهذا الرجل ومعهم أولادهم يحومون على تلك الشجرة ، وكأنهم يتربصون شيئاً فقدوه منذ سنوات مديدة في جوف هذه الشجرة؟

ان تلك المرأة وزوجها وأبناءها يقدمون إلى تلك الشجرة كل عام ، وما هو إلا الولاء والشكر معتقدين بأنها تحرسهم وتأمن عيشهم.  

المشهد الرابع

ما بال هذا الفتى يمدُّ ذراعيه بكل ما لديه من قوة حتى تقدمت إحداهما على الأخرى؟

هذا المجنون خلفان ....كان خلفان أعقل عقلاء القرية .... أخذت القرية تستأمنه على عطاياها من المال والثياب والحلوى لتقديمها إلى هذه الشجرة المباركة فخان خلفان الأمانة غير مدرك أن لهذه الشجرة ولياً يحرسها ويتدبر أمورها... ها هو مجنون فمن يشفي جنونه.....صار يمد ذراعيه غفراناً لذنوبه حتى شلت يده اليمنى .

٭ ٭ ٭

ثمة حزن ينحدر من هذا القلب المكسور ، ومن هذا الرأس المصدوع بحوافر تلك المواكب البشرية التي جعلت منه جسراً تلتقي فيه قارات العالم......صدى أصوات أهل القرية يتردد على مسمعي «جئت يا غريب غريباً ورحلت عنا غريبا» .... سالمين بملابس تشبه ملابس الساحرات في أفلام الرسوم المتحركة لم أكد أكشف عن هويته لولا ذلك الوشم الذي يملأ رقبته ، وكان بصحبته نفر لا أظنهم من الأنس ربما كانوا جناً أو شياطين ....كانت وجوههم تغمرها فرحة مستفيضة.... رأيت أقداراً تغلي لا يملؤها إلا الماء فربما كنت أنا تلك الأضحية المرتقبة... رأيت صورة أمي وهي على فراشها ترتدي نفس الملابس التي ودعت بها هذا العالم المحوم حتى أن المرض كان يهرس عظامها وبجوارها كان أبي وهو يرتشف الغليون قائليْن : لقد رحلت من القرية التي ضمتك إلى صدرها فكنت ابناً عاقاً فمن يؤنس اليوم وحشتك ..... بعدها أتى عمي يترنح على حمارة عرجاء: لقد قلت عني بأنني جلاد، لقد نشرت هذه القصة بين العالم فجعلتهم يمحقونني جميعاً... حاولتُ أن أواري سوءة عملي تلك بقناع لا يعرفني فيه أهل القرية لكنهم جميعهم احترفوا لبس الأقنعة.

أخذتنني غفوة لم أدرك مقدارها إلا بعد حين حينما هوت نجمة اخترقت فضاءات المكان العارية أضاءته فاحترقت ... ظللت واجماً : «ماذا . هل تعود المعجزات ... هل تعود المعجزات»،  المكان يلتهب ..... نجمات تعقبها نجمات ...ذرعت المكان طولاً وعرضاً علِّي أجد مخرجاً يمكن الانسلال عبره ولكن بدون جدوى كل المنافذ غدت موصدة... خامرني ذلك الشعور البائس بأن سحابة قاتمة من الحزن العميق قد خيمت على قلبي فسلمت حينها بأن شمسي غاربة لا محالة .... قد حاولت مرة أخرى استجماع ما تبقى من جسدي الضائع في هذا الجوف الساخط بيد أن محاولاتي لم تكن أكثر من محاولات لإيقاف العاصفة .... عندها وقفت مكاني جامداً بلا حراك.

آواه كان كل شيء يلتهب يتحول عدماً أسود ..... إذ لا عاصم اليوم ينجيك من هذا الهلاك لا مدينة المعجزات ولا جبال القرية الحالمة.


تصميم الحاسب الشامل