عمود النور بجانب شجرة معمرة،
  هل عذبكِ ضميركِ؟

 

حسين سليمان


 كان التلفزيون على «السي ان ان» يعرض أخبار الحرب في منطقة الشرق حين رن الجرس.

رن الجرس فسأل: مين؟

فقال الطرف الآخر: هل الست في البيت؟

فدمدم، نعم. ثم نظر نحوها يقول: خذيه يا حبيبتي.. التلفون.. أظنه هو.

- فتصاب بلوثة ثم تصمت أوتنتظر. ولا تجد نفسها إلا قائلة: شكرا يازوجي العزيز!

تجيب: هلو...اهلا...سوف أنزل بسرعة، لن أدعك تنتظر مثل المرة الماضية. أوكي!

تميل نحو التلفزيون وتغلقه ثم تذهب إلى زوجها وتقبله، كل هذا التشويش انطفأ وخلصنا، خذي وقتك وتمتعي، فهو يحبك ايضا، احس أنه يحبك كثيرا.

ثم تسمعه يقول لها وهي عند الباب: لا تدعي ضميرك يتعالى ويوسوس في نفسك كي يخرّب، ثم لا تفكري أثناء ذلك كثيرا. ترعاك السلامة.

تنزل ببطء حيث لا تريد أن يخرب الهواء شعرها ولا تريد أن تشعره أنها متهافتة فهي ببطء وبدرجات متساوية وعلى مهلها وعندما تلمحه ينتظر في سيارته تبتسم له. لقد سكت التلفزيون في رأسها ومضى يصعد الدرج نحو الشقة الخالية وزوجها لن يشعله مرة أخرى فهو يكره مناظر السي ان ان. يرفع لها أصابعه بتوتر كأنه يريد أن يلتقطها ولا تفلت. وتنزل وتقترب اهلا بك يفتح لها الباب او يدعها تفتح الباب فهو في السيارة ومن المفروض ان تفتح الباب بنفسها فهو السائق أو من المفروض أن يقوم بواجبه كعاشق فيخرج من مقعده ويتهيأ كي يفتح الباب لسيدته تفضلي يا حبيبتي. ولا يعرف أي من الواجبات سينفذ؟

حين رن جرس الهاتف كانت تفكر به وأحست بتوافق الأفكار وبتهافتها معا، لهفتها.. التلباثية..أنه هاتفه، رنته التي تعرفها، حتى لو لم يقل لها زوجها إنه هو.

لكن الرنين في رأسها، هل سمعت زمور السيارة؟ فقال لها الزوج إنها سيارته فهو يعرف زمورها. ثم يستدرك: لا أحد يزمر هنا سوى العاشقين.

تنزل الدرج وتفكر إن كان يحبها عن جد أم أنه يودها ويريد ضالته منها؟!

لقد سمعت رنينا ما، الجرس. هل كان الجرس هو جرس الباب يازوجي؟ يمكن تشويش السي ان ان؟ لا ... لولا السلالم التي لا يحب صعودها لقلت إن الجرس هو جرس الباب. زوجها ينتبه إلى طريقة رنين الجرس فيقول لها: إنه هو، لقد حضر كي يأخذك، انتبهي من الناس.

في قلبها قلبان أو ثلاثة قلوب ويبقى الله وحده العليم. فلنقل قلبان إذن، تشعر بهما، كل منهما يعزف القصة التي تناولتها مرات ومرات.

 وتفكر أكثر... في حبه لها: لو قلتُ لكَ ألف مرة أن تأتي وتسكن معنا، فزوجي لن يمانع، فلن تقبل لأنك متكبر ولا تريد الاعتراف مع أنني أحسب أن الحب يقطع كبدك ويشغل كل وقتك.  

ثم تقترب منه: كم أنا سعيدة. مع أن ضميري يعذبني، يردد لي دوما إنه لا يحتمل قصتين معا، ولايحتمل قلبين. رغم أن زوجي يقول لا تنتبهي إلى صوت الضمير لكنني لا أقدر أن انساه كليا.

قبل أن تدق الجرس كنا نشاهد التلفزيون ونتحدث في مواضيع لا على التعيين. فقطع رنين جرسك كلامنا وتنبهنا فسكتنا.

أدار مقود السيارة نحو المكان الذي تفضله. اجتاز الطرق الفرعية وهو يقول يجب أن نتعشى أولا، سوف اختار لك مطعم «ريد لابستر» فأنتِ تحبين السمك وتحبين الشريمب، ثم نذهب كي نشاهد فيلما جديدا احضرته البارحة.

لمست يده بامتنان ورضا. فسرت قشعررة فيه. كان يسوق على مهل، أراد أن يسألها عن موسيقى مفضلة كي يضعها. لكنه شرد حين لمست يده، لم ينتبه الى شارة الضوء الأحمر فعبر الشارع. كانت هناك سيارة مسرعة، قادمة نحوهما من الجانب الآخر، لقد مرت بالقرب منهما وتنحت كي لا تصدمهما. ذهبت ناحية الرصيف كي تصدم عمود الضوء وهناك بالقرب كانت شجرة معمرة أغصانها مقصوصة بانتظام وأوراقها متناثرة على الأرض. لقد خمد المحرك حين اصطدمت السيارة وتصاعد منه بخار، والعجلات الأمامية انكسرت وتدحرجت في الشارع، وانحشر السائق بين المقود وبين مقعده. من الصعب أخراجه سالما.

رأت ماحدث بلمح البصر، كأنه خيال. هل مات؟! فهي لا تصدق أن تكون سببا في موت أحد. وشدت كتفه تقول: توقف يجب أن نعود ونرى ما حدث للسائق المسكين. فأجابها: إن الأمر ليس باليد، بعد قليل ستأتي سيارة الاسعاف وسيهتم الأطباء بحالة السائق المصاب.

لكنه توقف بإلحاحها، لقد صارت تبكي بكاء حادا.

نزلا من السيارة. لم يصدقا ما رأيا. السائق الذي علق بين المقود والمقعد بدا لهما كأنه صديق أو معرفة قريبة! هل من الممكن أن نكون السبب في موت صديق؟ اقتربت منه بخوف وهي تتملى ملامحه، فزعقت حين تأكدت. ألتفتت وقالت: أنظر، أنظر، لقد تركته قبل قليل في المنزل. فأجابها بمشاعر غير واضحة: هل من المعقول؟ تأكدي، الله يخلق من الشبه اربعين!

إنه هو، ملابسه، ذقنه، أنظر إلى شفته العليا فيها نفس العلامة.

هل من الممكن أن يكون هو، تأكدي مرة أخرى؟!

نفضت يدها قائلة: تأكدت، هو بعينه.

لتدع سيارة الاسعاف تمر إذن.

في السيارة خيم صمت، كانت تفكر كيف تركته وحيدا ونزلت، كان عليها أن تسأله الذهاب معها.

والخطأ... خطأ، كان يجب أن تنبه حبيبها أن تدعه يقود السيارة دون شرود. حين وضعت يدي على يدك أصابك شرود أيها المجنون أدى الى ماجرى. كيف ستفعل الآن؟

كانا قد اقتربا من مطعم «ريد لابستر» رأت سلطعانا أحمر كبيرا معلقا على لوحة المطعم. فقال: كلما أمر به أتذكر وأشعر أنني أكثر قربا منك. مد يده ولمسها فتحركت قليلا كأنها جاءت من عالم آخر ذلك لأن الحادث جعلها تتعطل وتحلم.

 قبل أن يدخلا المطعم نظر في عينيها، زم شفتيه يسألها السؤال المكرر الذي سألها إياه مائة مرة: ماهو الحب، أريد إجابة سريعة. فغمزته، إن الحب هو أن نظل على قيد الحياة. ثم فكرت: ماذنب زوجي المسكين كي يذهب بهذه الطريقة؟

وهو يرفع شوكة الطعام نحو فمه قال لها مطمئنا: أنا واثق مائة في المائة أنك سوف ترينه هناك ينتظر عودتك. الرجل الذي صدم العمود هو رجل آخر.

لقد جرت موسيقى عذبة نحو أذنيها متناغمة مع عزف غريب. كأس النبيذ فتح شهيتها، فراحت تأكل بانتظام مطمئنة مرتاحة. رآها كما لم يرها من قبل. تذكر فرص الحب الأولى بينهما، لماذا لم تنجح تلك الفرص وخرب الحب الأول؟

وقتها كنت مصمما على حيازة قلبك مهما كلف الأمر...

أراد أن يروي القصة التي تعرفها والتي رواها مائة مرة لكن النادلة اقتربت من طاولتهما، كانت طويلة تصبغ شعرها أشقر تحكي الانكليزية بلكنة ألمانية، كي تسأل إن كانا يريدان شيئا آخر.

شكرها بحنان ورأى في عينيها طيف حبيبته. سألها عن اسمها فأشارت الى لوحة صغيرة معلقة على صدرها. لم يستوضح الاسم لكنه قال: أوه اسم جميل، أحب هذا الاسم. كنت أحب واحدة بهذا الأسم. أشارت «أوكي» ثم تركته وذهبت غير مبالية. فتحرك قليلا في مقعده، ماذا سيفعل بأمر هذه المدينة وبأمر هذه الحياة؟ فتقول له بغيرة: أنت تهتم بهن أكثر مني، انا دوما معك ولا أتركك وأنت عيونك مرة هنا ومرة هناك.

أنهيا الطعام وقاد سيارته نحو شقته كي يشغل لها فيلما اسمه «نوتة حب» قال لها يشرح: الفيلم يحكي الحب بين رجل مسن وامرأة مسنة.

اقترب منها أكثر فتململت وراحت تتذكر الحادثة: كان يجب أن تنتبه إلى الشارة الحمراء، شرودك كان السبب في مقتل زوجي.

لم يمت، أراهنك على ذلك، سأتصل معه الآن ونرى.

رفع السماعة وراح يضغط على لوحة الأرقام. فقامت على عجل وأغلقت خط الهاتف، لا أريد الآن خربطة، من الأفضل أن نبقى في شك. ماذا لو كان الآن ميتا؟ لا أريد أن أجازف وأعرف الحقيقة.

فمنذ البداية كان معرفتها مشكلة.

ولو كنت أريد أن أتملى وجه الحقيقة او الواقع أو الحياة لِما نزلت إليك وتركته وهو زوجي وحبيبي من أجلك أنت ومن أجل ذكرى واحدة لحب ميت لا يترك رأسك الصغيرة.

في طريق العودة خشيت وضع يدها على يده، ابتعدت عنه والتصقت بنافذة السيارة، قالت له: أخاف، يجب أن تنتبه الى الطريق فهو خطر. ولاحظت حين مرت من مكان الحادث أن المكان مازال رطبا يحمل أثر الاصطدام.

وصلت السيارة. نظرا سويا إلى الشقة في الطابق العلوي، الضوء مشع ونافذتا الشرفة مشرعتان. فقالت: هذه عادته، يحب تهوية الشقة حين أكون بعيدة.

نزل من السيارة كي يوصلها إلى شقتها ويؤكد لها أنه حي لم يمت، ولم يكن الرجل الذي صدم العمود.

صعدا الدرج على مهل. كانت تصعد درجة ثم تقف كي يقترب منها ويسكن، يمسد ظهرها ويدع يده تربت على كتفها. قال لها، يتمنى لو يظلا هكذا يصعدان دون أن يصلا إلى مكان. يمارسان الحب الغامض- حب الدرج- الذي يتخللهما بين فترة وأخرى. فالحياة ليست ذات قيمة من دون حب!

الباب مفتوح، لقد فتحه لها، فدخلت متلهفة أو متعبة من صعود الدرج. كان التلفزيون مفتوحا أيضا، يعرض دعاية عن الميتافيزيقا.

سألها: كيف كانت الليلة؟

ثم نظر بعينين تحملان معنى ليسألها: هل عذبك ضميرك؟

لم ترد عليه، جلست متعبة على الكنبة تنظر صامتة وتفكر كيف تلم هذه الشقة. كانت تفكر كيف نسيت أن تطفئ التلفزيون قبل الخروج. «نو» لقد اطفأته لكنه انفتح بنفسه. ذهبت نحو النافذتين كي تغلقهما. وقفت قليلا على الشرفة تنظر الى المشهد العام. تنظر الى السيارات والى حركة الناس. رأته ينزل على مهل ويتجه نحو صف السيارت ثم يرفع رأسه مرة أخرى ليسألها هل ستنزلين. «نو» فهي تفكر الآن في تنظيف الشقة، منذ زمن لم تقم بذلك، النوافذ تغطيها خيوط العناكب، الصورة المعلقة على الجدار تغطيها طبقة سميكة من الغبار. كلما تهم في تنظيفها تأتيها موجة وساوس فتتطير من المتابعة.

وزوجها لا يعترض ولا ينبس ببنت شفة. تفهمه، فتقول في نفسها: كأنه يقول خلها على راحتها الآن، كل سنوات العمر كانت تنصت إلي. خلها على راحتها، والذي تريده تفعله.. تأكدت من اطفاء التلفزيون قعدت امامه تنتظر إن كان سينفتح بنفسه كما فعل حين نزلت. ربما سينفتح على «السي ان ان». قامت كي تغلق النافذتين تنتظر مرة أخرى حدوث الجرس والنزول فهي تحب كثيرا «الريد لابستر» لكن هذه الليلة الشجرة المقصوصة بانتظام وعمود الضوء شوشا السهرة ونظرت نحو هناك وفي رأسها مايزال تشويش- يمكن تشويش الشجرة أو تشويش التلفزيون، ليست واثقة. فأغلقت النافذتين كان زوجها صامتا يكفي أن يرفع مرة أخرى التلفون ويقول لها إنه حبيبك. كيف تنتهي الحياة لا تدري.. فهي صامتة وفي رأسها وساوس، لا تعرف معناها.


تصميم الحاسب الشامل