حياة ميتة:
قصص من زمن غزة
(٭)

 

عاطف أبو سيف


لوحة قديمة

كانوا يحملونه ملفوفاً بالأبيض، وكانت الطريق الطويلة مكتظة بالآلوف يهتفون مثل تلاميذ المدارس في طابور الصباح. وكانوا يسيرون به فوق أكتافهم بكبرياء. وكان قرص الشمس شديد الوهج، والنسوة خلف الرجال يسرن بجلال ولكن بغصة، يلتفون حول امرأة ( ربما كانت أمه) لم تفق من صدمة الفقد بعد. التلاميذ لا بدّ أنهم تركوا مقاعدهم الدراسية. سيارة الشرطة تحيط بالرجل السمين وهو يتقدم الجمع. بضعة فتية يلفون الكوفية حول أعناقهم، وآخرون يرفعون الرايات المزركشة.  مكبرات الصوت تصدح بالأغاني، وصوت رجل يدعو إلى الغضب، والناس تركض من بيوتها لتلتحق بالركب المهيب. صحفي أجنبي يقف مع شاب يرفع أربع رايات كأنه يسأله عن مشاعره. الشاب يترك الصحفي دون أن يجيب على السؤال. وجه الصحفي بدا شائباً. مصورو وكالات الأنباء يتنقلون بكامراتهم بين الجسد المسجى على الأكتاف وبين النسوة النائحات والفتية الغاضبين والرجال الذين يتعالون على الألم والحزن، ينقلون الصورة بسخاء. لا أحد انتبه إلى تلك الفتاة التي تطل من نافذة بيتها على طرف الشارع وتبكي وهي تُقبّل صورة صغيرة، ربما كان أعطاها إياها قبل أيام من رحيله، من يعرف!

مضت المسيرة الطويلة، وأتمت الطريق الطويل، وبدا المكان فارغاً إلا من شابة تطل من نافذة صغيرة، والدمع يتساقط من عينيها على الصورة الصغيرة مثل حبات الثلج، كأنها لوحة قديمة تركها الجميع.

زيارة الخميس

يذهب للمقبرة كل خميس، مثل عادة الناس في المخيم لزيارة أمه وأخيه وصديقيه وعمته وجدته وجاره والطفل، الذي كان يلهو خلف نافذته كل صباح.

مضى الزمن الجميل الذي كان يرى فيه كل من يحب. ذهب الذين يحبهم وصاروا صناديق من رخام مزينة بكلمات جميلة عن البطولة أو عن اليوم الآخر، أو عن الوطن والتضحية، ولا شيء عن حزنه.

حين يعود للبيت تكون طفلته تلعب في الزقاق الذي يحتضن ظلال الجدران، ما أن تراه حتى تقفز مثل فراشة بين يديه. يضحك ويخبئ بين عينيه دمعة كادت تفضحه.

منع تجول

علمتني الوحدة أن أحب التفاصيل، أن أستطيع التحديق في فنجان الشاي، وأرى كيف يتصاعد البخار، وأرى كيف يتلاشى مثل غيمة خلف زجاج النافذة، وأن أعتقد أن صوت الطائرة يشبه صوت الحسون.

وأن زامور سيارة الإسعاف ليست إلا غلطة إصبع عازف البيانو في البيت المجاور، وأن الشجرة التي لم تعد تطل من طرف الشارع ذهبت في نزهة مع صديقاتها، وأنني أعبث في أوراقي القديمة لأنني أبحث عن عنوان صورتي حين كنت طفلاً، وأن لدي فائضاً من الوقت للحديث مع صورة أمي المعلقة على الجدار، لابد أنها تفتقد صوتي (وأنا كمان أفتقد صوتها)، وأنني لا أعرف كيف أُزجي هذا الوقت الطويل حين أكون أسير الجدران الأربعة، لا أقدر على الخروج إلى الشارع.

غزة!

هدأ كل شيء!

صارت غزة مثل امرأة عجوز أنهكها الزمن، تجلس عند الاشارة الضوئية، لا ترى شيئاً إلا الوميض الذي لا تميز لونه!

بين الفترة والأخرى قد يند عنها صوت يقترح أنها ما زالت حية، أو قد تبدر عنها حركة توحي بأن الدم بالكاد يصل محركات جسدها.

أما المارة والسيارات والشاحنات الكبيرة وصوت المذياع من نافذة الشقة المرتفعة على الطابق الثامن فلا تقترح أكثر من أن أحداً لا يبالي بهذه العجوز الهرمة!

هكذا هدأ كل شيء!

مبالاة

شرب القهوة على عجل. هناك ما يقترح أن في الضجيج الوافد من خلف النافذة شيئاً يستحق الإنتباه. كان الناس يلغطون بأحاديث كثيرة، بالكاد يسمع منها أول كلمة أو ربما كلمة تائهة في منتصف جملة لم يفهمها. اقترب أكثر من النافذة. فنجان القهوة مازال في يده. الإغراء للخروج إلى الشارع لا يقاوم.

كان من السهل تخيل أن كل سكان المخيم قد خرجوا لأمر جلل، لكن إغراء قهوة الصباح لا يقاوم أيضاً. قال إنه لابد أن يشرب قهوته على عجل ثم يخرج لعمل قليل إلى الشارع، على عجل أيضاً.   

لم يكد ينهي الرشفة الاخيرة في الفنجان حتى كانت الجلبة قد انتهت، وكان الهدوء يبسط ذراعيه في النواحي خلف البيت. خرج على عجل إلى الشارع الفارغ إلا من ظلال جدران البيوت المرتمية بين الأزقة.

قسوة

قاسٍ جداً هذا الصباح!

نشرة أخبار الجزيرة على الريق تحمل صور القتلى والجنازات الليلية والموت المفاجئ.

صوت الـ٥٠١M  يأتي بأغانيه القاسية، أيضاً، عن الأم التي تودع طفلها وتبكي، ثم يأتي صوت المذيع الجهوري يقول إن للموت طعما عظيما (مش مهم ماذا يقصد).

سيارة الشرطة تملأ الدنيا زعيقاً بين الفينة والأخرى، كذلك صوت الشاحنات والعربات الضخمة تعبر الشوارع الضيقة. همس الجارة والجار الشابين (يتجادلان) سرعان ما يتحول إلى صراخ وزعيق، يلم عليهما كل سكان الحارة (يقولون إن الأمر على غير المتوقع لم يقد للطلاق)!

صوت المرأة العجوز وهي تدندن بأغانيها عن الزمن «اللي كان» ذهب في الزحمة.

أيضاً كان اليوم مّرهقاً، فيما الشمس تبدو مثل كرة لهب بالكاد تقوى على الاشتعال!

الدكانة

كانت دكانته الصغيرة آخر شيء بقي في الشارع من زمن الطفولة. كل شيء تغير. البقالة ذات الرفوف الخشبية صارت سوبرماركتاً لا يخلو من أناقة وحداثة. الرجل، الذي يبيع السجائر في صندوق من الكرتون ، صار له كشك خشبي يتسع لعشرات الماركات العالمية. البيت المهجور، الذي كنا نلعب فيه، جاء أحد ورثته وبناه عمارة من طابقين. ورشة الحدادة أغلقت لأنها تزعج الناس، وقام مكانها محل للأثاث وآخر لألعاب الكمبيوتر، حتى الشاب، الذي ورث المقهى من والده، وضع في أحد أركانه خمسة أجهزة كمبيوتر وصارت   «كافيه نت»!

دكانته الصغيرة .. حيث كان يجلس على عتبتها يصلح البوابير وأدوات المطبخ بصوت مطرقته الفولاذية مثل صدى يرجع بنا إلى زمن الطفولة. منذ ثلاثين عاماً، وحين قفزت من بين ذراعي أمي للمرة الأولى وصرت أخطو في الطرقات، وأنا أراه يجلس هناك بشاربه، الذي كان يتغير لونه مع الزمن، بعض الشحبار قد يغطي شعره، يداه دائماً مشغولتان، وعيناه تردان تحية المارة في الشارع، تختلف ابتسامتهما باختلاف درجة معرفته برامي التحية.

وكان يبتسم لي بعمق ينم عن محبة قادمة من زمن الطفولة.

٭ جزء من مجموعة قصصية ستصدر للكاتب.


تصميم الحاسب الشامل