بائع القناديل

 

محمود الرحبي


كان الدكان يبدو كنقطة مضيئة وسط بحر من الظلام، حيث يجلس هو وزوجته وقد رفع عينين سارحتين الى حيث تتلاشى أضواء النجوم البعيدة وينتهي نورها الضعيف على أكمات النخيل وأسطح البيوت النائمة :

- كما ترين، فسوف نبحث. عن قرية أخرى، انها المرة الرابعة، التي أهرب فيها من الكهرباء، وهكذا سيكون مصيري أن أبحث في كل مرة عن ارض جديدة لم يصلها الضوء الكبير بعد .

- سنذهب الى القرية المجاورة، فهي مازالت تحتاج الى قناديل، ولن يصلها ذلك الضوء قريبا.

- ولكنه سيصلها يوما، وسنضطر يوما أن نحمل ابناءنا وبيتنا الى قرية اخرى وحين سيمتد بنا العمر لن نجد القوة لفعل ذلك.

- وماذا سنفعل في رأيك.

طير نظرته فوق جسده المرتخي، حيث تتوزع القناديل المضاء نصفها في السقف بين الرفوف، وبعضها معلق فوق أشجار قليلة حول الدكان، كان حين يجثم الظلام على القرية، يشعل قناديله، فضوؤها هو من سيجذب مشتريا جديدا، ويطرد كتل الوحشة عن بيته مقطنه النائي.

 بقيا هناك يتسامران هو وزوجته الى أن باغته النعاس، فأفضى لها وهو يغمض عينيه:-

- سأذهب للعمل في الميناء.

 بقيت الزوجة تتأمل عبارته بصمت قبل أن تتفوه بعبارة سمعها ولم يستطع إكمالها :-

- ولمن ستتركنا

وفي الفجر حين تنادي الديكة، وأشعلوا الصباح بأصواتهم المتناسخة ، نهض من نومه وأخذ ينفخ مطفئا ماتبقى من فتائل مشتعلة في القناديل.

بعدها أعطى ظهره لمشهد الدكان والقناديل المعلقة في الرفوف وسيقان الشجر. ثم أخرج إحدى يديه من بين الأغصان ولوح لزوجته الغارقة عيناها في الدمع، و أسلم ظهره المنتصب للقدر وابتعد راجلا في طريق طويل.

مشى كثيرا، تتمايل في ظهره صرة مربوطة من عنقها وذيلها. وحين سمع صوت الحوافر وراءه التفت مفزوعا قبل أن تشرق في وجهه ابتسامة حملها معه فوق ظهر حصان يركض زاحفا فوق الهضاب. وهناك دار حديث طويل مع مالكه :

- سأوصلك بدون أجر.

ثم أكمل :

- على أن تتزوج من أختي.

-...................

- هي خرساء وستنفعك في سفرك الطويل، وسأعطيكم حمارا قويا وثمارا تحملها معك، عندي مزرعة خلف هذا الجبل، تعال وامكث عندي عدة ايام ، لقد أخبرتها هذا الصباح بأني لن أعود إلا ومعي الزوج.

- أليس لكم أقارب..

- خلف ذلك الجبل لايوجد غيرنا وصوت الذئاب، أنا أعيش مع هذه الأخت، وهي التي رعتني بعد أن ماتت زوجتي، ولابد لي من أسدي لها جميلا وأزوجها، سأعطيك أكياسا من التمر والليمون وماء الورد.

- هل تنوي الزواج من امرأة أخرى.

- إن امرأة من الجن تزورني كل ليلة، وهي ترفض ان تقترب من جسدي، دون زواج.

هنا بدأت صورة الهلع ترتسم على محيا بائع القناديل، الذي أخذ يتلفت كمن يبحث عن حبل يتعلق به أو جدار يتسلقه هاربا من هذه الورطة المباغتة. فقد كان الشاب الذي أمامه فوق ظهر الحصان، تفور من جسده المتماسك علامات الرجولة والقوة، وهو طويل وكتفاه مكتنزان، لذى فإن الحذر الشديد بدأ يتملكه بقوة.

- ولماذا لا تتزوجها؟

- لايمكن أن أتزوج مرتين وأختي عانس، وهي تكبرني، سوف أذكر خدمتك هذه، وسأزورك الى حيث تذهب، لم أسألك الى أين أنت ذاهب؟

- الى مطرح للعمل.

- هل هي بلاد بعيدة.

- نعم....انها قرب البحر.

- هل ستحمل معك ماء للشرب؟

- يوجد منه الكثير هناك، فأنا أعرفها ذهبت اليها اربع مرات لشراء القناديل.

- هل تبيع القناديل وتتركها مشتعلة في الليل؟

- نعم، ولكن الكهرباء بدأت تزحف الى القرى.

- وزوجتك لاترغب في أن تتركها. أليس كذلك؟ وتقترح عليك الذهاب الى قرية أخرى لن تصلها الكهرباء قريبا.

- نعم. ولكني سأعيش بذلك كالمطارد من هذا المارد، وقد قررت أن اقطع هذه التجارة التي غدت غريبة، وأذهب للعمل في الميناء، فهم يعطون العامل المال كل ثلاثين يوما وماعليه سوى أن ينهض باكرا .

بدأ مشهد المزرعة يلوح من بعيد، والحصان يغذ الخطى فوق الصخور المسننة كالأنياب، وحين اقترب من البيت رفع الحصان قائمتين وصهل، فسقط بائع القناديل فوق صرته التي هوت قبله الى الأرض .

- لاعليك، فهكذا تفعل دائما حين تقترب الفتاة مني، فالأحصنة ترى بأعين لانرى بها.

- أدخله من بوابة سور المزرعة ، وكانت دهشته كبيرة، حين رأى تلك الجنة المترامية والتي لاتحدها الأطراف. كان بستان ضخم تتقاطر منه الثمار ويرتسم في سمائه قوس من الألوان ، اختفى الشاب لحظات، واذا بفتاة وكأنها ريشة تسقط من وجه القمر تقترب منه، وهي تثبت عينين ساطعتين ناحيته.

استفاق من نومه على هزات من يد زوجته، طرد أفكارا مازالت ملتصقة في رأسه قبل أن يجيب على سؤالها الذي علقه في الليلة الفائته :

- سأترككم للرب. سيرعاني هناك وسيرعاكم هنا.

ثم شرد بذهنه، متذكرا تفاصيل الحلم العجيب الذي رآه فطلب زوجته في سره أن تسمعه ، ولكنها بدت وكأنما سمعت نداءه قاقتربت ناحيته :

- لقد رأيت حلما عجيبا.

كانت قسمات الدهشة تتشكل وتكبر رويدا في وجه زوجته التي فتحت فاها وألصقته مرات عدة، وهو يسرد لها ببطء تفاصيل الحلم الطويل.

- اذا كنت تحب أبناءك فاترك عنك فكرة الذهاب الى مطرح.

- لاعلاقة لذلك بما رأيت.

- سنغادر هذه القرية صدقني، ونبحث عن قرية بعيدة، وسنجدها وهناك سيأتي من يشتري قناديلنا.

- يا امرأة. كلما ابتعدنا من هنا، ستكون مطرح بعيدة عنا كذلك، وفي آخر زيارة اليها ، لم أر قناديل كثيرة، فلم يعد يأتون بها الى السوق، ومن أين سآتي بالقناديل، ثم انه لا بد للكهرباء من أن تزحف الينا في كل يوم، واذا هرمت وامتلأت الدنيا بنورها، فماذا سأعمل بعدها

- لعنة الله على الكهرباء ونورها .

- ولكن لامفر من التفكير بالعمل في مطرح، هناك الميناء الكبير، وسأجد عملا، انهم يمنحون العامل أجرا كل ثلاثين يوما، وما علي سوى أن أعمل وأحرك يدي، أما هنا فإني سأنتظر قلقا دخول هذا الجني الى قريتنا، وبماذا ستنفعني القناديل حينها .

- وماذا سنفعل بالقناديل اذا ذهبت عنا.

- اتركيها معلقة فوق الأشجار..... وفي الليل ستأتي الفراشات، بشارات الخير، وسيمر التائهون تحت ضوئها ويروا سبيلهم.

قال كل ذلك وهو ينهض باتجاه الحقل والساقية التي أيقظتها قطرات الندى المنزلقة من حواف الأشجار.

وحين بدت طلائع مطرح، تشرق من سماء الجبل، الذي كان يتسلقه خطوات ثقيلة برجليه ويديه ، فاستقبله الليل وهو على مشارفها،أسند رأسه برسغه وهو ينظر بعين الظمأ للمشهد النائم للمدينة، وقد هبطت أضواء النجوم الى ساحلها الذي ارتفعت منه أضواء السفن والبيوت النائمة،تلاقى الضوءان كموجة أمام عينيه الناعستين، أكمل نومته فوق ذلك الجبل المطل، وقد رفع رجليه المنهكتين بسبب المشي الطويل وشرعهما في وجه تيار الهواء البارد.. وغفا.

٭ ٭ ٭

كان المنادي يذيع بين الناس جهرا وخفية، بأن الساحة سوف تحول الى مطرح، ولكن الكثير منهم استقبل الخبر بسخرية، وآخرون لم يبالوا بالأمر، وسكنت الحيرة بعضاً منهم، خاصة طباخي المسجد.

كانت خطة المنادي تقتضي، أن يبدوأ ببناء السور من الخلف، أي من المكان الذي يتواجد في العادة أحد بجانبه، استطاع أن يجد الصياد، وقبله الرجل العجوز، ولكن عليه قبل أن يشرع في العمل، أن يبحث عن رجلين أو ثلاثة، لأنه لايحتمل أن تكون وضيفته في الأمر أكثر من مراقبة العمال، فهو لم يهيئ نفسه لحمل أي حبة رمل.

الرجل العجوز اقترب من حيث يقف المنادي، وأخبره بأنهم يستطيعون أن يبدأوا من الآن، فالصياد في عجلة من أمره، وكذلك هو، وأي يوم يمضي هباء فليس من صالح أحد.

- سوف أذهب غدا الى مطرح، وسأقنع التاجر بأن يرسل إلينا عدة البناء.

قالها المنادي، وهو يرسل نظرات حائرة الى العجوز وكأنه يتساءل أي قوة تكمن وراء هذا الرجل.

٭ ٭ ٭

استفاق بائع القناديل، فقد أيقظته الشمس فور هبوطها الى الجبل، ومن هناك رأى قرب المكان من عينيـه، كـان ميناء مطرح يربض فوق مياهه، والصمت يحيطه من كل الجوانب، وحركات غير مسموعة للعتالين وقائدي المراكب، وارتال من النوارس تحلق فوق الصواري المشرعة وجهها بتحد للريح.

تقدم وعيناه تنظران الى الأسفل ثم تستويان حين يبلغ الأرض، ثم ترتفعان حين يقترب من الميناء، حيث ترتفع الالواح والمراكب، ويعم الضجيج الميناء. مسح المكان بعينيه، قبل أن يرتكن بالساحة التي يجتمع حولها الناس تدور بينهم صحون التمر والقهوة، سلم بصوت مسموع، ثم قرفص بجانب احد الجالسين، الذي بادره بسؤال مفاجئ:

- لم أرك من قبل في مطرح.

- أنا جئت الآن ماشيا من قريتي.

- من أين جئت؟

- من طيوي.

- جئت ماشيا من طيوي؟!

قالها وهو يعلي صوته ليسمعه الجميع :-

- اسمعوا يقول أنه جاء ماشيا من طيوي.

امتلأ المكان بالسخرية :-

- كم ذئبا صادفت في طريقك؟

 قذفه احدهم من بعيد بهذا السؤال، ولكنه لم يجب، وحافظ على هدوئه، خفض عينيه صوب صحن التمر، الى أن تبدد حديث الناس من حوله ونسوا أمره، ولكن الرجل الذي بجانبه لم ينسه فسأله مرة أخرى.

- وماذا جئت تعمل هنا؟

- أبحث عن عمل.

كاد الرجل أن يعيد تلك الكلمات صارخا لكي يسمعه الجميع، ولكن بائع القناديل أمسكه من خناق دشداشته، وفتح في وجهه عينان تقدحان بحمرة التعب، وقرب احدى اذنيه من فمه وهمس فيها بصوت واثق :

- اذا تفوهت بكلمة أخرى فسأمسخك ثعبانا وأجعل أصحابك هؤلاء يدوسونك بأرجلهم.

ارتعدت فرائض الرجل، ورفع جسده وولى هاربا، فأكمل بائع القناديل طعامه، ثم صب لنفسه جرعات متوالية من القهوة. ثم اقترب رجل مسن، وسلم بصوت مسموع، فوقف الجميع لتحيته، فعرفه بائع القناديل، لقد كان من قريته وهو يقيم في مطرح منذ زمن طويل ، فدار بينهما حديث طويل واسئلة.

- سأذهب بك الى تاجر أعرفه وسيجد لك عملا بحول الله.

٭ ٭ ٭

حين وصل المنادي الى مطرح،التقى بمندوب التاجر الذي اشترى الساحة، فطلب منه أن يرسل شحنة البناء فقد وجد رجلين مستعدين للعمل سريعا، وسوف يبحث عن آخرين.

- لدي شخص مستعد للعمل معك، وعليك أن تأخذه في طريقك الى الحمرية.

- من هو؟

- رجل كان يبيع القناديل في قريته، جاء هذا الصباح الى التاجر طلبا للمساعدة في ايجاد عمل.

- هل يستطيع بائع قناديل أن يعمل معنا؟.

- لك أن تتصور رجلا جاء ماشيا على قدميه من طيوي الى مطرح.

- هذا ما نبحث عنه بالفعل.

- سيأتي بعد قليل، فقد طلبته للغداء هنا

- متى ستصلنا الحجارة والرمل؟.

- غدا صباحا سوف أرسل معك قافلة من الحمير الى الساحة، هذه الأشياء جاهزة في المخزن، سأعطيك المفتاح وحين تحتاج الى المزيد تعال وخذ ما تشاء دون مشورتي.

- ورواتب العمال؟

- في بداية مطلع كل شهر ستجدني في هذا المكان.

- كم سأعطيهم من أجر؟

- عشرون قطعة للفرد، واذا زاد عددهم عن خمسة، فستخفض قطعتين عن كل واحد.

- مبلغ جيد، فسيعملون بجد، وانا كم ستعطونني

- سنعطيك ثلاثين قطعة

- ألا يمكن ان تجعلوها خمسينا؟

- لا تخف، فسوف نكافئك جيدا بعد انتهاء بناء السور، وربما ستعمل معنا بعد ذلك.  

اقترب منهما بائع القناديل، وحياهما ثم جلس صامتا.

- هذا الرجل، يعمل مناديا، وهو من سيحملك الى الحمرية، حيث ستساعده في بناء سور للساحة، هل تعرف ساحة السوق هناك.

- سمعت عنها ، ولكني لم أرها من قبل.

- اذن سوف تعرفها جيدا فستعيش هناك حتى يكتمل بناء السور.

حين قربت الصحون، خيم الصمت للحظات على الجلسة، فقد انكفأ الجميع منحنين وهم يمضغون، وعينا بائع القناديل، ارتفعتا ودارتا في وجه المنادي قبل أن تنتقلا الى صحن المطعم متفرسة الوجوه الغريبة وحركاتها.

٭ فصل من رواية ستصدر قريبا تحت عنوان ( سورة العطش )


تصميم الحاسب الشامل