قصائــد للشاعـرة النمساويـــة أنغبـورغ باخـمان :  (٦٢٩١-٣٧٩١)

 

ترجمة : خالد المعالي


اشرح لي الحب

قبعتك تطيرُ ببطء، تحييّ، تحلّق في الريح

رأسُك العاري أثار إعجاب الغيوم

قلبكَ مشغولٌ بمكانٍ آخر

فمُك يضمّ لغات جديدة

العشبُ الخفيف صارَ في كلّ مكان

الصيفُ يتنفّسُ زهوراً نجميةً

ترفعُ وجهك معمياً من النُدف

تضحكُ وتبكي وتدمّر نفسك

ماذا يُمكن أن يحدث لك بعد ذلك.

اشرح لي الحبّ!

في خيلاءٍ احتفالي يفتحُ الطاووس ذيله

تنفشُ الحمامةُ ريشَ طوقها

مملوءاً بالهديل يتمدّدُ الهواءُ

البطُّ يصرخُ، البلادُ بأجمعها

تأخذ من العسل البري، حتى في

الحديقة المنظّمة، فكلُّ مربعِ زهور

مُحاطٌ بغُبارٍ ذهبي.

السمكةُ تحمرّ، تسبقُ السربَ

وتنزلقُ خلال الكهوف إلى سرير المرجان

وعلى موسيقى الرمل الفضيّة يرقصُ العقربُ بخجلٍ

الجُعلُ يشمّ حبيبته من بعيد

ولو كانت لي حاسته، لشعرتُ أيضاً

بأن الأجنحة تحتَ تبرقُ

ولأخذت الطريقَ الى شجيرة فراولة بعيدة.

اشرح لي الحبّ!

الماءُ يعرفُ أن يتحدّث

الموجةُ تأخذُ بيدِ الموجة

في حقل الأعناب تتورمُ العنبةُ، تنفجرُ وتسقطُ

هكذا بلا خوفٍ يخرجُ الحلزون من بيتهِ!

حجرُ يعرفُ أن يليّن حجراً آخر!

اشرح لي الحبّ، هذا الذي لا أستطيعُ أن أشرحه

هل عليّ أن أمضّي الوقت المكّار

بالاهتمام بالأفكار ووحيدة

لا أعرفُ شيئاً عن الحبّ ولا أفعله؟

هل على المرءِ أن يفكّر؟ وهل يُفتقد؟

تقولُ: روحٌ أخرى تُحسبُ عليه؟

لا تشرح لي شيئاً. أرى السمندر

يسيرُ عبر كلّ نار

لا مطرٌ مفاجئ يطاردُهُ، ولا شيء يُؤلمه!

بلد الضباب

في الشتاء تصير حبيبتي

حيواناً بين حيوانات الغابة.

الثعلبةُ تدري بأني أعود

قبل الصباح، وتضحك.

كيفَ ترتعشُ الغيومُ! وعلى

ياقتي المتجمدة تسقط طبقةٌ

من الجليد الهشّ.

في الشتاء تصير حبيبتي

شجرةٌ بين الأشجار، تدعو

الغربان المشؤومة

إلى فروعها الجميلة. تدري

بأن الريح، عندما يطلعُ النهار،

ترفع ثوبها المسائي المحمّل بالصقيع

وتطردني إلى وطني.

في الشتاء تصير حبيبتي سمكةٌ

خرساء بين الأسماك،

التي هي ملكٌ للمياه التي تحرّك

زعانفها من الداخل،

أنا أقف على الشاطئ وأنظرُ

حتى تطردني قطعةٌ ثلجية

كما تغطس وتلبط نازلة حبيبتي.

وثانية أصابني نداءُ الطير

صائد الأسماك

الذي يهزّ جناحه فوقي، أسقط

في حقل خالٍ: ينتفُ ريشَ

الدجاج ويرمي لي بترقوةٍ بيضاء.

أضعها حول الرقبة،

وأمضي بين الزغب المُرّ.

أدري بأن حبيبتي غير مخلصة،

تحلّق أحيانا

مرتدية أحذية عالية نحو المدينة،

تقبّل في المشرب بالشفاطة

الكؤوسَ بعمق على الفم،

وتأتيها كلماتٌ لكلِّ شيء.

لكني لا أفهم هذه اللغة.

بلدَ ضبابٍ رأيتُ

قلبَ ضبابٍ أكلتُ.

الزمن المؤجّل

ستأتي أيامٌ أقسى.

والزمن المؤجّلُ حتى إشعار آخر

سيتراءى في الأُفق.

عليك أن تشدّ قريباً حذاءك

وتطاردَ الكلابَ حتى بيوت الفلاحين في السهول

لأن أحشاء السمك

بردتْ في الريح.

يشتعلُ ضوءُ الترمس الباهت.

نظرتك تتحسّس في الضباب:

من خلال الزمن المؤجل حتى إشعار آخر

تتراءى في الأفق.

هناك تغرق حبيبتُك في الرمل

يصعدُ من حولها شعرُها الهابّ

ويقاطعُ كلامَها

ويأمرها بالصمتِ،

يجدها فانية

وتريدُ الوداعَ

بعد كلّ إحتضان.

لا تلتفت الى ما حولك

شدّ خيط حذائك.

وطاردِ الكلابَ لكي ترجع

إرمِ الأسماكَ في البحر

وأطفئ الترمس!

ستأتي أيام أقسى.

كلُّ الأيام

لم تعد الحرب تعلن

إنما يُستمر بها. الفضيحة

أصبحتْ واقعاً يومياً. البطلُ يبقى

بعيداً عن القتال. الضعيفُ

يتقدّم الى خطوط النار.

زيُّ الأيام الموحّد هو الصبر،

وسام نجم الأمل المسكين فوق القلب.

سيُمنحُ

حينما لا يحدثُ شيء بعد

حينما تصمت طبولُ الحرب

وحينما لا يعود العدو مرئيا

وظلالُ التسلّح الأبدي

تغطّي السماء.

سيُمنح للهرب من الخدمة

وللوقفة الشجاعة إزاء صديقٍ،

لخيانة الأسرار غير المشرّفة

وعدم الامتثال

لأي أمر.

مُناداة الدب الكبير

أيها الدبّ الكبير، إصعد أيها الليل المهلّب

حيوان الغيوم الفروي بالأعين العتيقة.

عيون النجوم،

خلال الأدغال تخترق لامعة

أقدامَك مع أظلافها

على شكل نجوم

نحرسُ القطيع بيقظةٍ

لكننا مشدوهون منك، ولا نثق

بجنبيك المتعبين ولا بأسنانك الحادّة

المكشّرة

أيها الدب العجوز.

سدادة: عالمكم

أنتم: الأصداف فيه

أطاردها، أدحرجها

من أشجار الصنوبر التي في البداية

إلى التي في النهاية،

أشمّها، أمتحنها بالفم

وأقبضها بالحوافر.

خافوا أو لا تخافوا

ادفعوا في الكيس واسمعوا

الرجلَ الأعمى كلمةً طيبة،

لكي يمسكَ الدبّ بالحبل،

وتبّلو الخرفان جيدا.

ممكن أن الدبّ هذا

يُفلت نفسه، ولا يعود مهدداً

ويطارد السدادات كلها، التي سقطت

من الصنوبرات، الكبيرة، المجنّحة

التي طُردت من الجنة.

اللعبة انتهت

أخي الحبيب، متى نبني لنا طوّافة

ونرحلُ باتجاه السماء؟

أخي الحبيب، قريبا سيكون  الحمل كبيراً

وسنغرق.

أخي الحبيب، نخطّط على الورق

بلداناُ كثيرة وقضباناً

كن حذراً، من الخطوط السوداء هنا

وإلا ستنفجر مع الألغام.

أخي الحبيب، ثم إني أريد أن أكون

مربوطة إلى العمود وأن أصرخ.

لكنك خرجت من وادي الموتى

راكباً وفررنا سوية.

يقظى في مخيّم الغجر، ويقظى في خيمة الصحراء

يسيلُ الرملُ من شَعرنا،

عمرك وعمري وعمر العالم

لا يُقاس بالأعوام.

لا تدع الغراب المكّار، يد العنكبوت اللزجة

والريشة في الشجيرة، تخدعك

أيضا، دع الأكل والشرب في جنّة التنابلة

إنها ترغي بالظاهر في المقالي والأباريق.

فقط، الذي يعرف الكلمة، عند الجسر الذهبي

إلى جنية الياقوت، يكون قد ربح.

يجب أن أقول لك، انه

ذاب مع الثلج الأخير في الحديقة.

من أحجار كثيرة، كثيرة، جُرّحت أقدامنا

أحدُها يشفى. نريد أن نقفزَ به

حتى يأخذنا ملكُ الأطفال، مفتاحُ

ملكه في الفم، وسنغني:

كان وقتا جميلا، عندما نبتت نواة النخيل

كلُّ من يسقط، عنده جناح

كبستان أحمر هو، الذي يلفّ للمساكين الكفن

وحبك يسقطُ على خاتمي.

يجب أن نذهب على أطراف

الأصابع وننام أيها الحبيب،

اللعبةُ انتهت. القمصان البيض منفوخة بالهواء

البيت ممتلئ بالأرواح، قال الأب، قالت الأم


تصميم الحاسب الشامل