مقاطع من قصيدة الجدات(من السيرة الشعرية للطفل ـ الفتى)

 

عمر شبانة


جدتي..

أنت.... ربيتني.

شخصُ عتمة أنا

كل هذه العتمة في داخلي

كل هذا الخوف من الضوء..

من رباه فيّ؟

هذا الغموض البارد في المرايا

الصمت أمام النهار

والصراخ في قلب الظلمة

أنت ربيتني

فأجيبيني قبل أن يجن القلب

وتشيخ المسافات بيني وبين شخص الضوء

كيف:

صرت أقف أمام المرآة

فلا أعرف من فيها

ومن هو فيها لا يعرفني

يصرخ بي:

من أنت؟

أصرخ به: أيها المهجن الضائع، من أنت؟

نظل نصرخ حتى يطلع فجر الشعر

فيكشف عن خبايانا!

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

آه..

أيتها الجدة

كم أود لو كانت لي شجرة

لا لأتباهى بأغصانها وجذورها

لا لأسرق ظلالها وتفاحها

بل..

لأعرف من أنا في هذه الغابة:

غصن أم قشرة

جذع أم..

نسمة أم..

 رائحة عابرة

٭  ٭  ٭

 

عاشق السيسبان أنا

ورفيق الدوم

صاحبت طويلاً دفلى النهر

وماء الشريعة

صديق المغطس والمسيح

حلمت بعينين فصيحتين

ولكن..

جاهلتين أميَّتين ظلت عيناي

وفي طفولتي

رأيته وأحببته

ذلك المصلوب

وكم كنت أدعوه أن يفتح قلبي وعينيّ

ثم »رأيت« من قال لي

 إن المسيح بلا بندقية أو سيف

وكنت أعشق حاملي البنادق والخناجر

العـابريـــن الشريعـة بالقنـــابل والبنـــادق وبالأغاني

من يَعِدونني، ويُعدُّونني، لقطع مياهها معهم

إلى أريحا

وكنت عاشقاً لأريحا

لذلك اليوم الفريد في شوارعها

لأول شاشة فضية وغناء وحب لم أفهم البكاء فيه

٠٠٠٠٠٠٠٠

كم من الحقول قطعت

كي أصل إليهم..

وأحمل،

مزدهياً وطائراً ،

سلاح الرجال..

أولئك الرجال!

كم من الرجال التقيت

وكم خسرت من أولئك الذين لن يعودوا..

كل من قد حمّلوني بنادق أطول من قامتي

كل من شاركتهم شاي المعسكرات

في علب السردين

وقاسمتهم البسكويت العسكري الشحيح

والأوامر العسكرية الدموية السوداء

كل من قال عنهم جدي

وجدتي وعمتي وعمي

قالوا:

إنهم الملحدون

الزناة بمحرماتهم

أصحاب الشيطان الكفرة

٠٠٠٠٠٠٠٠٠

لا.. يا جدي.

من حرضك

وأوعز لتخطب على منبر زاوية الدراويش؟

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

كل من وعدوني بأن أرافقهم

أن أقطع النهر معهم ليلاً

لأرى،

عن كثب..

بالقلب،

تلك الأضواء المتلألئة في جبال أريحا،

كل من رسموا لي صورة تلك الجبال

وصوروا بيوتها المعلَّقة كالقناديل

أو كالنجوم

كل من حاول أن يتسلل بي

بين أشجار الموز وأشواكها

بين العلِّيق والأبصال والنخيل

لأرى أجداد أجدادي هناك

لأرى بقاياهم في الخيام

وما فعلت سيوف يوشع وأتاتورك وإللنبي

حتى آخر عسكري من عساكر الإنجليز

ومن تبعهم من عساكر وعصابات

ومن أبناء الميتة

المجلوبين من جهات الأرض بالبواخر العملاقة

٠٠٠٠٠

لا يا جدي

ما كان أولئك الرجال،

وقد خسرتُهم جميعاً على أي حال،

من شذاذ الآفاق

ولا من شواذ البلدات والقرى والمخيمات

أولم يكن الشيخ عطاء

 الجليل الطويل

بدشداشته ولفَّة رأسه الخضراء

بمسبحته أم تسع وتسعين

ورشاشه الكارلو القصير

أما كان معهم في الحقول؟

وحده من بينكم..

كان الدرويش الوحيد معهم!

٭  ٭  ٭

لماذا يا جدتي

أعود إلى ذلك الجرح

وأوغل فيه؟

لا.

لست أعود

منذ تلك الأيام لم أنم جيداً

أبداً لم يندمل جرحي

كل أحلامي

كوابيسي كلها

وأوهام روحي المشتعلة

تقودني إلى هناك

إلى بداياتي

بدايات التكوين الكنعانيّ

وصعود جبل الزيتون والحمائم

٠٠٠٠٠٠٠٠

هؤلاء يا جدتي من ربَّوا أحلامنا

وبعدهم كان الخراب

بعدهم لم تعد أريحا هي أريحا

أقدم بيوت من طين السماء

وأقدم مائدة مدت للبشرية

.........

جدتي

جدة الحزن والمطر

جدة الريف والقرى والنهر

جدة الصبّار المشاكس

منذ ماء الشريعة

حتى هواء أريحا

منذ حزيران الهزيمة

حتى آذار المعجزة

خيول ورعاة ومحاربون

عراقيون ومغاربة و..

موت معطر

وشاحنات وجثث تحترق

يلتقي المحاربون

 في جزيرة الموت والانتصار

جدتي:

هل تذكرين ما كنا؟

محاربين شرسين

وطغاة

ومغامرين صغاراً.. كنا

وبيننا..

ليِّن العريكة كنت أنا

 ليِّن الصوت والشكيمة

 ولصمتي صراخ يغري الفجيعة لتتقدم

والحقول لتبكي احتراقاً

ومواساة

وندماً

ودماً.


تصميم الحاسب الشامل