الزهو بالمنطقة العمياء

 

حلمي سالم


مأمورية

عندما قالت ان أباها أطيبُ الخلق،

أدركتُ أنها ليست من مخاليق هذا العصر،

حيث لا ترى الأهل متورمين ذاتياً،

ولا تفخرُ بالتفكك

وساعة اعترفتْ بأنها أحبته بعد أن مات،

خمّنتُ أنه اختفى لكي تطيل وصف الدم

على فراش قرحته،

وترصد الجمود على وجوهٍ

تعاملتْ مع دفنه كمأموريةٍ

تقتضي بعض صفقاتٍ سريعةٍ،

لا مكان فيها لسوائل العواطف،

ولا للدموع التي انهمرت في شمِّ النسيم،

من غير أن تكون المناديلُ الورقيةُ كافيةً،

لإخفاء الحقيقة التي اكتشفناها:

مات لأنه لم يدرك التغيُّر،

مات لأنه لم يكن متورماً،

مات لأنه لم يكن فخوراً بالتفكك،

الذي يتباهى به المتماسكون.

إيليت

لم يكن هناك كافافيس

تحدث الفتى عن سلامة الروابط بين الريف

والحداثة،

وتحدثتْ فتاةٌ  عن صعوبة التنفس

وحينما أشعلت العجوزُ

شمعةً متبقيةً من قصيدته عن الشموع،

مر طيف كافافيس على الثّغر،

فمسحت العجوزُ التراب عن خطِّ يده،

وضمِّتْ الفتاةَ في حنان الأم.

لتحميها من خشونة البرابرة،

الذين راحوا يلوحون خلف زجاج المحل.

إيليت ثانيةً

كان كافافيس يطلُّ على الساهرين،

وهو يعلم أن الصبية التي خصَّها بالغزل،

تدخل عامها التسعين بطقم أسنانٍ من الذهب،

الشابُ احتسى قهوته وحيداً

عندما انزلقتْ الدنيا من قرن الى قرنٍ،

بدون أن يخبره السقاةُ أن الحكومة المعاصرة،

منعتْ النبيذ عن ساكني صفية زغلول.

رجل وامرأة يتحدثان عن المصير

بينما الطراطيرُ فوق الرصيف،

ويُحصيان خصائص الخوف

بينما السرور متقنٌ على الشاشة الفضيّة،

ويقلبان الحريّة على وجوهها

بينما الماءُ يسقطُ من الأدوار العليا.

وحينما دقتْ الساعةُ التي تفصلُ القرون،

كان بورتريه كافافيس فوق كل رأس

حزيناً،

لأنه موقنٌ أن هؤلاء الذين يقلِّدون زوربا،

سيظلّون نسخاً ركيكةً من الأصل.

ويقول لنفسه:

كيف ينتظرون البرابرة،

بينما البرابرةُ تحت كلِّ جلدٍ.

الحمَّام

كيف حاور عمره وهو يغسلُ ملابسها الداخلية بينما الزوجُ والأهلُ وطاقمُ التمريض بالخارج؟ النزيف أخرج الأفعال البشرية من قضبانها، النزيفُ الذي كان مزيجاً من دمٍ ينتمي لارتطام جسدين ليس جسده أحدهما. كانت هناك امرأةٌ من تلاميذ جرامش مستعدةً لدفع حياتها ثمناً لأن تعرف ما الذي كان يتهشَّمُ داخل رجلٍ مثبتٍ بمترينِ في متر.

أعناق

أن نطيَّب خاطر المخطئين،

أن ننطلق من نقطة الضعف،

أن نزهو بالمنطقة العمياء،

ربما نفهم الأسلاك التي حرقها ارتفاع الفولت.

لسنا يا شبيهة أمي متكيفين،

والأعناقُ التي خلقها اللهُ،

من أجل أن ننسى عليها الشفاه

مرتْ لحظةُ اقتطافها.

لن نستدعي من القاع الحقيقة كلها،

فنحن حائرون:

ماذا نفعل بأعناقنا الليلة؟

كرم

نشخصُ الماضي على طريقة البانتومايم ونأكله،

نضعُ الذنوب تحت أقدامنا

كما أوصى شيخ الطريق،

ونواصلُ المشي.

منتجو الورع ليسوا من أصحاب المنزل،

سيدارون سوءاتهم بالطيوب،

لكن ندى الصبح سوف يزيلُ الصباغة،

عندئذٍ: لن نبخل عليهم بالمشورة.

فاقة

جميعنا في حاجةٍ الى النظافة،

وفي ليالٍ تخفُّ فيها عن جسمها

علامةُ العضِّ،

لن تندم الأنا العليا على اعترافها

بفقر الذراع للذراع.

ستحطُّ الوزْر عن كاهلها،

تاركةً للمريض أن يمرَّ بظفره

على التاج والتويج،

وهو يحكي عن طرائف الحبْس.

الأبيض

العفو: ضالةُ المحبّ،

إذا وجدها حلَّق مثل صقرٍ،

وإن فقدها طال ليله،

وهو بين الوجود والفقْد:

أبيض كرمش العين،

أبيض كبنطالك،

أبيض كعفوٍ.

طائرات

البيوتُ

تأكلها الرطوبة،

لذلك يطلقون الطائرات الورقيّة،

على السطوح

لكي يثبتوا بها المنازل

على الأرض.


تصميم الحاسب الشامل