وجهاً لوجه

 

شربل داغر


- ماذا لو أنتقلُ إلى حيث تقف وتتكلم؟

- لماذا؟

- أأكون أنا أم أصير أنت؟ أأصير، ولكن هناك؟

- ماذا لو حملتُ «هناك» معي ورحلتُ؟

- أأبقى يتيماً في أول السطر؟

- أنا متكلم أساساً...

- ... وأنا أيضاً.

- أنت تلعب بـ«الضمير».

- ما أبشع هذا اللفظ في معناه!

- ما أجمَلُه في أدواره!

- فعلاً.

- ها نحن - أخيراً - اتفقنا على أمر!

- يا للصدفة!

- لا، لم نقل الشيء عينه.

- فعلاً، بدليل أنك تمعن في المماحكة.

..

- هل آمل في أن أتكلم كما لو أنني أنتَ؟

- هل آمل في أن تستمع إلي كما لو أنكَ تتكلم لوحدك؟ 

- هل آمل في أن أكتب كما تتكلم؟

- هل آمل في أن أتكلم كما تكتب؟

- هل آمل في أن تكتب ما جرى بيننا؟

- لا حاجة لي، ولا لك، به.

- قد تكون لثالثنا حاجة به.

- ما له؟

- لا يتوانى عن توديعنا فيما يمعن في القول: «أهلاً بكم كلكم».

- ذلك أن المتكلم، بدل أن يفعل، يقول: «ماذا لو أفعل كذا أو كذا...؟».

- أما أنا فأختار - إن كان لي أن أختار - طريقة بريشت.

- وماذا كانت؟

- كان يدعو ممثليه، في التمارين، إلى نقل أدوارهم إلى ضمير الغائب، وفي صيغة الماضي.

- وماذا كانوا يفعلون إذ يخرجون من الخشبة؟

...

- أستسيغُ ما قلتَه للتو.

- إلا أنني لم أقصده، بل وصلتُ إليه.

- لا يهم، طالما أنه أقنعني.

- إلا أنه انبثق من دون أن يكون راجحاً.

- لا يهم، طالما أنه أخرجني، وجعلني أقف حيث أقف، مليئاً ومبثوثاً في آن.

- غير أنني قد لا أتبناه.

- في أسوأ الأحوال هو لقيط، ولكنه كامل الهيئة.

- ألكَ أن تبرزه لي من جديد؟

- تأخرتَ. أنا آسف.

- هل سألقاه؟

- ربما.

...

- لماذا لم تدعُني إلى حيث ذهبتَ؟

- كنتَ معنا، أينما حللنا.

- أعود فأكرر السؤال: لماذا لم تدعُني؟

- لستَ - في هذه المرة على الأقل - من يقف فوق الخشبة، ولا في كواليسها.

- إلا أنها لم تكن لعبة.

- ربما.

تحاسبني، اليوم، فيما كان في إمكانك فعلُ ما قمنا به، أنا وهو.

- كان في ظني القيام بذلك.

- لهذا عمدتُ إلى الحوار، لا إلى الكتابة.

- غير أن له شكلاً كتابياً بدوره. ماذا ستفعل به؟

- لقد حصل.

- إلا أن فيه أموراً ووقائع...

- ... لكَ أن تُصدر تكذيباً، أو تصويباً، إن شئتَ.

- ها أنت تعاود الحوار من جديد. أما من سبيل إلى استعادته؟

- هذا يعنيكَ. ما عاد يعنيني.

- إلا أنك عدتَ إلى تواريخ، وصور فوتوغرافية، وشهادات... يصعب استعادة ذلك كله، وتوجيهُه في وجهات مختلفة.

- أنتَ أعلمُ بهذا مني.

- ماذا لو نعاود المسار عينه، ومعاً؟

- لن نعاود الخطى ذاتها أبداً. لعلك نسيتَ ما كنتَ قد كتبت.

- ماذا بإمكاني أن أفعل؟

- هذا كان هيناً في التصوير الزيتي «النهضوي»: مرممو اللوحات والمنقبون في الطبقات اللونية يتوصلون، اليوم، إلى معرفة «ضربة» ريشة «المعلم» من ضربة تلميذه.

- أأنتَ معلمي؟ أأنا تلميذكَ؟

- لم أقصد هذا.

- ماذا أفعل؟

- يمكنكَ - إن شئتَ - أن تعيد نقر الحوارات بنفسك، بأصابعك، على الحاسوب.

- بماذا يختلف ما فعلتَه أنتَ على حاسوبك عما سأفعلُه أنا على حاسوبي؟

- صحيح. لكنني لن أخط الحوارات بيدي، إن كنتَ تشير إلى ذلك بكلامك.

- ماذا أفعل، إذن؟

- يمكنكَ أن تتبنى الحوارات، وأن تتكفل بها.

- أأنتَ موافق؟

- ...

- أيمكنني إجراء لعبة حسابية معكَ؟

- إن شئتَ.

- إن جمعتُ الواحد إلى واحد آخر، ما يكون الحاصل؟

- قد لا يكون واحداً، ولا اثنين، بل ثلاثة... بل أكثر من ذلك ربما.

- لعبة أخرى؟

- لا، الآن دوري: ماذا يحصل إن كتبَ عدة مؤلفين لدور مسرحي واحد؟

- قد يحصل ما يحصل لكاتب يتكلم بألسنة مختلفة، فيما لا يتوانى كل واحد منها عن القول: أنا، وأنا، وأنا...

- لقد وقفتُ على الشباك قبل قليل، بعد علمي بمجيئكَ، وانتبهتُ إلى أنك تمشي مشيتي نفسها.

- ما أزال أتجنب العملية الجراحية.

- غير أنك تتأخر في المشي.

- لأنني كليل النظر، كما تعلم.

- لا، لأنك شديد الحذر.

- ألا يعني هذا الشيء نفسه؟ لعلك تطلب المماحكة.

- لا، أطلب شيئاً آخر.

- ما هو؟

- ما جرى.

٭ ٭ ٭

- ها أنتَ تتهرب مني... من جديد.

- أقولها مرة أولى وأخيرة: أتكلم وإن في الهذر كمن يملي وصيته الأخيرة.

- أبالتصميم عينه الذي لا يقبل في لحظتها أي تأجيل أو استسهال؟

- أعملُ وفق قاعدة قديمة: لا تؤجل شيئاً ليوم غد، واعملْ كأنك تموت غداً.

- مثل الجاحظ؟

- لا، لم يقل هذا، غيره قاله. الجاحظ - على ما يقولون - وقعتْ الكتب عليه فقتلتْه... لم يكن جاهزاً.

- لكنها استعارة من دون شك.

- لستُ مثل الجاحظ، بل مثل من يؤدي واجبه بالحزم عينه، وإن كان يعلم حق العلم أنه مصاب بمرض عضال سيودي بحياته في أية لحظة.

- ألهذا عليه أن يكون مستعداً ومصمماً في آن؟

- نعم.

- أهو واجبٌ فعلاً؟

هذه جسامة مريعة، لا يتكفل بها حتى الأنبياء!

- لا، هذا منتهى اللعبة وسحرها.

كيف لك أن تغوي غيرَك بها إن لم تكن مقتنعاً بما تقوم به. أتريدهم أن يقتنعوا بها من دونكَ، أو بعدك؟

- أتظن أنك سهَّلتَ الحوار؟

- ومن قال إني أحاوركَ!

- وهذا الذي يجري بيننا؟

- لا تتظاهر بأنك لا تعرف ماذا يجري. لستَ أقل براءة أو إثماً مني.

- ربما. لكن الكلام يغري بسطوته.

- على من؟ أعلى المستمع؟

أتريد أن تسبقني إلى مستمع؟

- ربما.

- هذا لا يفيد، إذ نصل معاً.

- ربما.

- لا، هذا أكيد.

- إلا أن لكل منا قولَه، وفي القول ما يغري أو ينفر.

- أتريد أن تقاسمني عائد الكلام؟

- ...

- هذا ما لن أسمح لك به.

- ...

- أيعقل هذا؟ أن يسابقني غيري إلى ما هو لي؟!

- أأنتَ تكلمني؟

- لماذا لا تجيب؟

- لأنك ترسل الكلام صوبي، ولكن ليس لي.

- وماذا تقول في ما لم أطرحه عليكَ؟

- أقول بالحماسة نفسها التي لكَ إذ تطرح هذا السؤال...

- ... أو غيره.

- طبعاً، طالما أننا نتبادل الجُّمل.

- أستحسن الحديث عن كلام.

- لا عن «تكالم»، مثلما قلتُ ذات يوم.

- ولكن، هل هذا اللفظ موجود؟

- لا أعرف، إلا أن العربية تتيحه بصيغها الصرفية، و«عليها العماد»، كما كانوا يقولون.

- ولكن أَرِحْنا من فصحاك! لماذا تريد التأكيد على «التكالم»؟

- لأن فيه ما يقيمني، ما يقيمكَ، في وضعية أنسب.

- كيف ذلك؟

- الحوار يفترض وجود طرفين أكيدين، معلنين...

- ... وهناك غيرهما.

- ربما. من تقصد؟

- قد يكون جالساً في عتمة، أمامنا، أو خلف باب.

- ماذا يتغير؟

- قد تُطلِق الكلمات صوبي فيما تتوجه إليه بها.

قد تخطب فيَّ فلا تحادثني.

قد تناديني كما لو أنني أقف على مبعدة عشرات الأمتار منك...

- أليس هذا أجدى من «حوار الطرشان»، مثلما يقولون؟

- لا أعرف، ما أعرفه هو أن الحوار يؤدي في أحسن أحواله إلى تسويات...

- ... إلى تسويات لفظية؛ وهي لا تعني سوى استمرار الخلاف بألفاظ أخرى، أو في سياقات متبدلة بعض الشيء.

- أضعتَني، فما عدتُ أدرك ما أقول.

- هذا أفضل من أن تقول ما لا تقصده بالضرورة.

لقد انتبهتُ قبل يومين إلى أحدهم، في قاعة عمومية، في وضعية مريبة: كان يمسك بميكروفون ولكن كمن يمسك بقوة أكبر منه، ولها طاقة جذب خفية لا تظهر إلا إذا لاحظنا إلى أنه كان يتبعها، ويلوي جسمه تبعاً لتموجاتها. وأقول الآن إنه كان منقاداً مثلما يقود كلبٌ صاحبَه. أما رأيتَ ذلك ذات يوم: كيف يصبح الكلبُ المطيع لصاحبه متحكماً به وبحركاته؟

- أتعني إن الكلام هو الذي يتلفظ في فمه؟

- أو أقول إن الميكروفون يثير شهوة الكلام فيه.

- أهذا ما تفعله معي، أليس كذلك؟

- لا، أبداً، وإنما أستقصي في الكلام ما يمكن له أن يرتبه ويطويه ويتجنبه.

- هكذا لا تقف في مكان بعينه.

- أليس لكل مقام مقال؟ ألا يعني أن الكلام ينقاد أو يميل؟

- ألا يكون تمريناً؟

- ولما لا؟ أليس في التمرين ما يُسَخِّن عضلات الحكي؟

- بلى، وفيه ما يبدو تجريباً غير مقصود...

- ... وهذا هو المقصود.

- لن أتابع، إذ أنك استدرجتَني.

- وما الضرر من ذلك؟

- الضرر هو أنك تعتاد على الكلام فوق خيط دقيق فيما أكتفي بتنبيهك.

- افعلْها.

- في مناسبة أخرى.

- وما الذي جرى بيننا؟

- من سأل؟ ومن أجاب؟

- هل ما أقوله يخصني أم يخصك؟

- هو تمرين، ليس إلا.

- أهي «مناخات الثقة»؟

- ماذا تعني؟

- أما كان السفيران يعملان على بنائها للخروج من الحديقة، والجلوس معاً فوق طاولة؟

 - ...

٭  ٭  ٭

- هذا أنسب.

- أأنتَ مرتاح، على الرغم من هذه الجلبة؟

- على الأقل يمكنني أن ألمسكَ إذا شئت.

- هذا يفسد لعبتك. يجب أن تبقى مسافة بيننا.

- عن أية مسافة تتحدث، وأنا أكاد أن أمسك بأصابعك عند نقرك على الحاسوب!

- يعنيني أن أختفي إذا شئتُ. أو أن أظهر في هيئة جانبية. أو أن أتجنب الجواب المباشر...

ولو كان لي أن أختار لقلتُ من جديد: يصعب علي الكلام، أحب أن أرى.

- إلا أنك تخسر عائد الكلام.

- عائده الشخصي، عائده الاجتماعي، فقط.

- وماذا تربح؟

- متعة التنقل... ما يعدد المتعة ويشعِّبها ويبددها كذلك.

- أأنتَ تتوزع في ذلك؟

- أريد منه أن يهتم بما يقال، بالتبادل نفسه، ليس إلا.

ألم تشارك أبداً في حفل تنكري؟

- التشبيه جميل، لكنه متوقع.

- أتريد أن تخبركَ شريكتُك في الرقص بهيئة قناعها قبل وصولها إلى الحفل أم أن تراقصها على أنها غيرها؟

- لماذا لم تعتمد اسماً مستعاراً؟ أما كان ذلك أفضل؟

- ربما. لكن ألم تنتبه إلى ما أصاب علي أحمد سعيد إسبر؟

- ما أصابه؟

- بات اسمه المستعار أشهر من اسمه العائلي.

- غيرُه استطاع التخفي، مثل رومان غاري...

- ... وغيره.

هنري ميشو منع جريدة «ليبراسيون» من نشر صورته الفوتوغرافية.

- هل أنت متمسك فعلاً بهذه الصورة المنزهة؟

- لهذا السؤال إجابات متعددة، منها شخصي ومنها ثقافي، ما يلتقي وما يختلف، وفي آن.

- إلا أنك تجيب مثل أديب! كما في لقاء ثقافي لمجلة أسبوعية!

- ألستُ بدلاً عن ضائع، كما أطلقتَ علي؟

- أنتَ قلتَها عني.

- أما من جواب إذن؟

- عن ماذا؟

- ها أنتَ تقطع مع التكالم، مثلما كنت قد طالبت!

- هذا نوع من التكالم، عدا أن الصمت أو إبداء بعض الحركات والتصرفات إسهام فيه أيضاً.

- أعود إلى السؤال عينه: هل أنت متمسك فعلاً بهذه الصورة المنزهة؟

- أنا متمسك بهذه الرغبة التي لي في التحريك، وهي لغيري أيضاً، إلا أنني أستحسن التأكد منها، من احتمالاتها التي تسبقني إلى الحاسوب، أو التي تتدافعني فيما أظن أنني أدفعها أمامي؛ وهي أسرع من خطوي، من نَفَسي بالأحرى.

- أين نحن الآن؟

- في هذا المقهى الذي أحب.

- أأنت تكتب أم تتكلم؟

- لعلي تورطت من حيث لا أدري.

- ولما لا؟

- هل يفيد القرار؟ هو قسر وإجبار أحياناً، طالما أنه لا يشتمل على ما يمكن تسميته بمَيَلان الكلام.

- أهو «المركب السكران»؟

- لا، ربما يكون المركب السهران.

- على ماذا تحنو بعينيك؟

- على خشيتي.

- ممن؟

- ها أنت تدفعني إلى حيث لا أريد، إلى حيث أخشى.

- أنسيت أن فعل «خشي» لا يستقيم من دون ذكر ما يستدعيه؟

- أنسيتَ أن أنسي الحاج وضع نقطة بعد فعل «أخاف» من دون خوف من ناصيف اليازجي؟

- تعود إلى المجلة الأسبوعية... تتدبر دوماً حلولاً للخروج... أليس هذا خروجاً لفظياً؟

- لا، بل خروج نفسي مرتبك.

- أنحن حول طاولة صفراء مخططة أم أمام حاسوبين متصلين؟

- ما الذي قلتَه أنتَ وما الذي قلتُه أنا؟

- ألا يخل هذا بالعقد الذي بيننا؟

- عن أي عقد تتحدث؟ أنتوقف؟

- لم أُنهِ شربَ قهوتي بعد.

- لكنها باردة، من دون شك.


تصميم الحاسب الشامل