|
يعتبر
ايفو
اندريتش أحد
أهم كتاب هذا
العصر، نظرا"لما
انجزه في
مجالات
القصة
والرواية
والشعر، ثم
كتاباته
لتأملية
والفنية
التي تعبر عن
فلسفته ،
وتعكس وجهات
نظره في
الحياة
والفن
والتاريخ . كما
تبرز أهمية
اندريتش
أيضا لأنه
استطاع
ببراعة وصدق
تقديم لوحة
بالفة
التفاصيل ،
شديدة
الثراء،عن
بلده
،البوسنة،وما
تتصف به هذه
المنطقة من
تنوع وغنى،
ولكونها
تشكل نقطة
تماس بين
ثقافات
وحضارات
وديانات ،
وما يعنيه
ذلك من
امكانية
التفاعل
والتأثر
المتبادل ،
وبالتالي
لخصب
المتبادل ،
أو بداية
الصدام
والعنف
والكره ثم
الحرائق
والحروب . أما
المرحلة
التاريخية
التي عالفى
اندريتش
خلالها،
فكانت
منعطفا من
المنعطفات
الكبرى في
تاريخ
البشرية، إذ
تخللها
انهيار
الامبراطوريات
القديمة،
والحروب
العالمية،
وتغير حدود
الدول وتغير
الانظمة
الاجتماعية
لكثير منها،
وبروز
احتمال
وامكانية
انتقال
البشرية
بأسرها من
حال وأوضاع
الى أخرى
ختلفة، حيث
تنتفي
الهيمنة،
ويسود العدل
، وتتآخى
الشعوب ،
تتفاعل
الثقافات ،
ويزول
التعصب
والحقد
والثأر، لكن
هذا لحلم
الذي دفع من
أجل تحقيقه
الكثير لم
يلبث أن سقط
، وعادت ، من
جديد
الغرائز
والمصالح
الأنانية
والتعصب
القومي
والتطهير
العرقي
والاضطهاد،لتتحكم
وتسيطر،الأمر
الذي جعل
عملية
الانتقال
باهظة،
قاسية،مؤجلة،
وقد لا تتحقق
في فترة
منظورة . أما
حياة
اندريتش
ذاتها، وما
تمثله من
معاناة
ومصاعب
وتحديات ،
فانها صورة
للعصر الذي
عاشه وشهادة
على هذا لعصر
الذي لا يعرف
الرأفة
والعدل
والمنطق.
وليس من
المبالفة
القول ان
حياة هذا
الكاتب كانت
من أبرز
مصادر
روائعه
الفنية القصة
والرواية،إذ
سجل الكثير
مما عاشه
وعاناه
،وقدم الات
وأماكن
وشخصيات
عرفها عن قرب
،وما كان لها
ان كتسب هذه
الحياة
والغنى
والاستمرار
لولا
المعرفة
الوثيقة
والحب
الغامر الذي
دفعه الى
تسجيلها. . لقد
كانت
المنعطفات
التاريخية
دوما، وفي
أمكنة
معينة، ببا
في خلق حالة
يمكن أن نطلق
عليها "المازق
الأن هذه
الحالة مزج
بطريقة فذة
عوامل
التاريخ
اجغرافيا،إضافة
الى عناصر
أخرى، ما كان
لها أن تمتزج
بهذا
المقدار
لولا الخواص
التي ميزها،
ولولا
اللحظات
التاريخية
التي تجعلها
ممكنة،
وبالتالي
يتولد عن ذلك
العبء
والضريبة،
عبء المكان
وضريبة
الاختلاف . فان
يولد ايفو
اندريتش في
العقد
الأخير من
القرن
الماضي ،أي
عام 1892، وفي
مكان مثل
البوسنة،حيث
كان العالم
عيش أحد
منعطفاته
الكبرى، إذ
بلغ التوتر
أقصى حالاته
، تشابكت
القوى
والارادات
والطموحات
في صراع
محتدم ، كما
كانت
الامبراطوريات
القديمة :
العثمانية
والنمساوية -
الجرية
والروسية،
تتهيأ لتخوض
معاركها
الأخيرة،
فيما
بينها،ومع
لقوى
المنافسة،
كما مع
الشعوب التي
تسيطر
عليها، في
ذلك لوقت
الذي كانت
البشرية
تودع قرنا "حافلا
"بالصراعات
والتنافس
والدماء،
وتستعد
لاستقبال
قرن آخر
لاتعرف ماذا
يمكن أن
يتمخض عنه ،
في ذلك الوقت
بالذات يولد
اندريتش ،
ابوين
فقيرين .
ورغم صعوبة
الحياة لا
يلبث الأب ان
يموت ، اركا
الصغير الذي
لم يبلغ
السنتين لام
فتية لا
تستطيع أن
تعول نفسها،
الأمر الذي
يحمل العمة
لأن تتكفل
برعايته
،بعد أن
تنقله من
ترافنك التي
ولد فيها الى
فيشيغراد،
وستكون
هاتان
لمدينتان
مصدر الهامه
، ومحورا
لأهم ما
سيكتب . لقد
مات الأب
بمرض السل ،
وسيطارد هذا
المرض الابن
في سني شبابه
، بحيث تتبدى
له ذكرى
الموت التي
لن تفارقه
أبدا، ستطبع
نظرته الى
النهاية .
أما الام
التي اضطرت
لمغادرة لمدينة،والانتقال
الى س
اييفو،لتعيش
في غرفة
فقيرة
بائسة، سوف
تبقى صورتها
راسخة في
ذهنه ، وسوف
تتأكد هذه
الصورة
الحزينة حين
يلتحق بها
ويعيش معها
لكي يتابع
راسته
الثانوية إذ
بمقدار
الرغبة في
التعلم
والتعطش
للقراءة، م
يكن قادرا
على شراء
الكتاب ،
يكتب
اندريتش عن
تلك الفترة
الحزينة
الصعبة،أي
عام 1902 مايلي : "
في أوقات
الأصيل
الممطرة،
كنت أغادر
غرفتنا
البائسة
والأزقة
المنحدرة
وحفرها
حجارتها
الناتئة،
واهبط الى
المدينة،
الى ذلك
الجزء
المنبسط
لأجمل ،شأن
بقية الصبية
المتلهفين
الى غذاء
روحي والى
التخيل ، ثل
تلفهم الى
الخبز
والماء. فلم
يكن ذلك
متوفرا لا في
البيت ولا ي
المدرسة ولا
في المجتمع .
كنت أتوجه
مباشرة الى
محل بيع
الكتب ، واقف
مقابل
واجهته
الزجاجية
المحفورة في
ذاكرتي ، اذ
نت الاحظ كل
تبدل يطرأ
عليها، مهما
كان هذا
التبدل
ضئيلا، وكنت
أسعد لذلك ،
وكأنه
يعنيني
بالذات . كنت
أغادر
المكان أعود
إليه مرا. ت
عديدة، الى
أن يهبط
الظلام
الخريفي
وتضاء
المصابيح في
واجهة المحل
، وينعكس
نورها على
الرصيف
الندي ، لم
يكن بوسعي
حينها الا أن
أعود أدراجي
الى غرفتنا
لحزينة،الى
حياتي ، الى
واقعي . لكن
صورة
الواجهة
المضاءة لم
تكن تغرب عني
.. كنت أراها
في أحلامي
،أثناء نومي
وسهادي ، يف
تشع ، كيف
تبدل
أشكالها،
لقد كان
نورها يتحول
من واجهة
مضاءة لعرض
الكتب في أحد
أحياء
المدينة،
الى نور
فضائي ، كبرج
من بروج
السماء،
أصبو إليه
بكل كياني ،
رغم قيني
باستحالة
نيله . لقد
أحسست
بالفقر، بكل
ما تعنيه
لكلمة، في
وقت مبكر
جدا، وأدركت
ماذا يعني
اليسر
والعسر. لقد
لمست ذلك
الجدار
الشاهق
الحائل بين
الانسان وما
يهواه . تجلى
ذلك ، أكثر
ما تجلى،
أمام واجهة
الكتب ، وفي
حاجتي لماسة
ورغبتي التي
لم تتحقق في
اقتناء تلك
الكتب أو
قراءتها". أما
في
فيشيغراد،
حيث أمضى
طفولته الى
جانب نهر
رينا، وغير
بعيد عن
الجسر
الحجري الذي
بناه أحد
الولاة
لعثمانيين
الذي حكم هذه
المنطقة،
فسوف يتكون
ايفو
اندريتش ،
وسيكتسب
الكثير من
الملامح
والصفات
التي تجعله
أحد شهود
العصر
الكبار، بما
سوف يدونه عن
هذه لمدن ،
وناسها
وحجارتها
وتاريخها
والآلاهم
التي عانتها
خلال قرون
متيوالية : عن
درب
فيشيغراد،حيث
قضى هناك
طفولته يكتب
: "على
جميع الدروب
والطرقات
التي
اجتزتها،
أثناء حياتي
،فيما بعد
كانت تحملني
سعادتي
المتواضعة
وأفكاري لتي
تكونت في
فيشيغراد
حول غنى
وجمال
الخليقة،
لأن الدرب
الفيشيغرادي
الوعر، الذي
لا يراه ولا
يشعر به سواي
،كان يمر
باستمرار،
منذ أن
غادرته وحتى
الآن ، تحت
جميع بل
الأرض . كنت
في الحقيقة،
اتحقق من
خطواتي
وأكيف سيري
تبعا لهذا
الدرب الذي
لم يفارقني
طيلة حياتي ". ولادة
الانسان
،اذن ، في
تلك
المرحلة،
وفي ذلك
المكان ، وان
يسمع ، ثم
يشهد، الدوي
المكتوم ،
أول
الأمر،ثم
الصاخب ، قرن
يوشك أن
ينتهي ،
امبراطوريات
تتقوض ، ثم
ان يعاني
مرارة الفقر
وسطوة
الأحلام
التي رافقته
في سراييفو
خلال سني
التحول
الجسدي
والنفسي ،
وبداية
الاحتكاك ثم
الصدام مع
العالم
المحيط ، وما
يمثله من
مفاهيم وقيم
وعلاقات ،
وحتى الحرب
العالمية
الأولى،
فيحاول بما
يملك من
رغبات قدرات
المساهمة في
بناء عالم
جديد، أقل
عذابا وأكثر
انسجاما مع
حقائق
الحياة
وعدالة
المنطق ،
لابد أن
يدفعه كل ذلك
الى الاسهام
في تأسيس
منظمة، والى
الكتابة لكي
يحاول ن طريق
هاتين
الوسيلتين
إقامة عالم
جديد. ""البوسنة
الفتاة" و "صوت
الجنوب "
كانتا
الأداتين
اللتين بدأ
بهما
اندريتش
محاربة
القهر
والظلم
،ومحاولة
الوصول الى
بناء العالم
الذي حلم به
، وحين تجد
المنظمة
التي ان
يرأسها ، أن
الكلمة لا
تكفي ، وان
الوقت قد حان
لاستبدالها
بوسيلة أكثر
فعالية،
تلجأ الى
اغتيال ولي
عهد لنمسا في
سراييفو،
الأمر الذي
سيفجر الحرب
العالمية
الأولى،
سيقود عددا
كبيرا من
أنصار
البوسنة
الفتاة الى
السجن ، وسوف
يكون
اندريتش أحد
هؤلاء
السجناء. في
السجن ، وبعد
أن قضى داخله
سنوات ،ينظم
الشعر، الذي
كان يراوده
من قبل ،وقد
نشر بعض
القصائد،
وسيكون رهان
حياته ،لكن
المرض الذي
أودى بحياة
أبيه سوف
يداهمه ي هذه
المرحلة،
حتى يكاد
يقضي عليه ،
الأمر الذي
يضطر
الإدارة
لاطلاق
سراحه . وما
إن يغادر
السجن حتى
يصدر
جموعتين
شعريتين ،
وتكفي
عناوين
هاتين
المجموعتين
اعطاء فكرة
عن المناخ
النفسي الذي
كان يعيشه .
فمن عناوين
لمجموعة
الأولى : "في
الغسق " ""ظلام
" ، ""قلق "،
""الغريق "،
"(أغنية من
الماضي ". أما
عنوان
المجموعة
الثانية
فكان . "القلق
". حين
يتذكر
اندريتش
مرحلته
الشعرية
ويقيمها،
يقول : "....
كان كل ذلك
يشتمل على
شيء غامض ،
غائم ، مظلم
قريبا"،
وربما صوفي .
لقد كنت شابا
أحمل في نفسي
بذرة
سوداوية،
استقطبت كل
كياني ،
ودخلت في
جميع مسامي ،
هيمنت . .
لكنها مرحلة
الشباب ، فهل
ثمة شباب لم
تفتنه هذه
السوداوية
ولم ب! عر بها
في داخله ؟". لكن
قبل
الاسترسال
في الحديث عن
اندريتش
الكاتب
،تجدر
العودة الى
الفكرة التي
أشرنا إليها
قبل قليل :
عبء المكان
وضريبة
الاختلاف .
فهذه الفكرة
لم تقتصر على
نفر محدود،
أكثر حساسية
من الآخرين ،
وانما شملت
لبوسنة
كلها، بتنوع
سكانها. كما
أنها لا
تتحدد
بالمرحلة
لبالفة
الحساسية،مرحلة
التغير
والانتقال ،
إذ هي تمتد
الى فترة
أسبق ، حين
اعتنق عدد
كبير من سكان
البوسنة
لاسلام ،
بحيث أصبح
الدين أحد
العناصر
الذي يعطي
هؤلاء
السكان
ملمحا
اضافيا،
علاوة على ما
يجمعهم مع
لآخرين من
حيث الأصل
واللغة
والمصالح
المتشابكة،
وهكذا خذ
التاريخ
مسارا سوف
يظل يتفاعل
ويؤثر،
وسيولد
نتائج
لفترات
طويلة لاحقة
. لذلك
وبعد أن
ارتحل
اندريتش
مضطرا، في
مدن البوسنة
وعرفها عن
كثب ،خلال
فترة
الطفولة
وأول الشباب
، وأحس
بمعاناة
الناس
وهمومهم ،
ولمس النبض
الحي لما
عتمل في
قلوبهم من
أحلاهم
ورغبات ، لم
يكونوا
قادرين على
تجسيدها، أو
حتى قولها،
نظرا لما
يحيط بهم من
مخاوف شكوك ،
بدأ رحلته
الثانية :
الى ماضي
البوسنة-وتاريخها،
وما عرضت له
من مصاعب
وسوء فهم ،
وتاليا ما
تتعرض له من
داء المحيط ،
الذي كان
أغلب
الأحيان
قاسيا وغير
مبرر، بحيث
صار الدم لغة
الحوار بين
بمثر يعيشون
متداخلين
ومتجاورين .
ليس ذلك فقط
بل تحول
الحقد،
نتيجة
اختلاف
الدين ، أو
المذهب ، الى
رغبة في أن
يحذف الواحد
الآخر، وكل
ما يمثله من
تاريخ
وعراقة
وجمال . لقد
أحس اندريتش
، في وقت
مبكر، بهذا
المناخ ،
الأمر الذي
جعله يمتليء
حزنا ولوعة
على ما تعيشه
البوسنة،
وما نتظرها
أيضا من
ويلات ، حيث
يراد حذف
ذاكرتها
التاريخية
واستبدالها
بأخرى. يكتب
الى معلمه
عام 1919 ، ذلك
المعلم الذي
فتح عينيه
على حقائق
الحياة
والتاريخ ،
والذي رعى
خطواته
الأدبية
الأولى،
يكتب إليه
اندريتش " .. .
يحزنني مجرد
التفكير ان "بوسنانا
" العريقة"
العجيبة،
تنقرض مع
مرور الأيام
، ولا من أحد
يدون أو يصون
رونق اضيها
الحزين . لدي
مشاريع ،
ولكن أنى
لانسان في
مثل ضعي
الصحي ان
يقوم بعمل
عظيم
؟ويحزنني
أيضا، مجرد
التفكير ، ان
مع كل امرأة
مسنة تمضي
يمحى بيت من
الشعر، ومع
كل راهب يغيب
تدفن مرحلة
من التاريخ ". هذا
التعلق
بالبوسنة،وبتاريخها،
وخصوصيتها،
والذي يبلغ
حد الوله ،
ليس صادرا عن
تعصب أو رفض
للآخر، و
إنما عن رغبة
في حماية
وصيانة لكل
ما هو جميل
وعريق في هذه
البقعة،
وتعريف
الناس به ،
وجعله جزءا
من تراثها . يكتب
إلي معلمه
نفسه ، بعد
سنة من
رسالته
السابقة،
وبعد أن غادر
البوسنة،
وأخذ
يتأملها من
بعيد: ". . ان
أعظم
المؤرخين
والفلاسفة
وعلماء
الآثار لا
يسعهم الا
التكهن
بعظمة
العصور
القديمة،
وبالجهد
الهائل الذي
بذل في عصر
النهضة، لأن
الاستنتاجات
لا تتكون
دفعة واحدة،
وانما على
مراحل ،وعلى
وجه التقريب
كجهد انسان
يبتغي جمع
بقايا هيكل
عظمي محطم ،
ليعيد بناءه
، وليبعث فيه
جمال ذلك
الانسان
عندما كان
حيا. انني
أعرف أمرا
واحدا،ولا
أعرف سواه :
إن أية قطعة
حجر تغمرني
بجمال وسلام
، وتهبني
القوة، حتى
لأشعر
بالسعادة
والاعتزاز
بأن الوعي
البشري
يحتوي على
هذا القدر من
الجمالية
وبأن اليد
البشرية
كانت قادرة
على اعطائها
شكلا معينا.
". انه
وهو يكتب هذه
الكلمات ،
وبقدر ما
تبدو عامة،
ويمكن أن
تنطبق على
أية حضارة
إنسانية، في
أية بقعة،
وفي أي تاريخ
، إلا أن
البوسنة
بالنسبة له ،
هي
الماثلة
في الذاكرة،
وهي التي
تشكل الدافع
والغاية في
آن واحد. اذ
يتابع ويقول
: "اني
أرقب ، عن
كثب ، بلدنا
البوسنة
التي
تفاجئني
دوما بعجائب
جديدة! " . بعد
هاتين
الرحلتين في
أنحاء
البوسنة وفي
الذاكرة
التاريخية،
ينتقل
اندريتش الى
العالم
الفسيح ،
يدرس وينقب
ويتأمل ،
بهدف ان
يتعلم كيف
يستطيع
اكتشاف
البوسنة من
جديد، هذه
الأرض
الحزينة
الواقعة على
تخوم رافضة
وقاسية،وأيضا
خطرة. إذ بعد
أن انخرط في
السلك
الدبلوماسي
، وتنقل بين
عواصم
عديدة، انكب
على قراءة
الوثائق
التاريخية؟
في محفوظات
الدول التي
خدم فيها،
وفي غيرها،
المتعلقة
بالبوسنة،
والبلقان
عموما
فتكونت لديه
رؤية واضحة
وواسعة حول
هذه المنطقة. كتب
يصف ذلك ،
أول الأمر. "ان
أحدا لا يعرف
مايعانيه
امرؤ يولد
ويعيش على
الحد الفاصل
بين عالمين
يعرفهما
ويفهمهما،
وليس بوسعه
فعل شيء
ليجعلهما يتصارحان
ويتقاربان ،
فهو يحبهما
ويكرههما،
ويمضي حياته
وهو متردد،
يعيش في
وطنين لا
يملك أيا
منهما. يشعر
في كل مكان
وكأنه في
بيته ، ويبقى
غريبا الى
الأبد ،،
جماعة من
البشر تعيش
على الحدود،
حدود فكرية
وطبيعية،
حدود دموية،
نشأت نتيجة
سوء تفاهم
عبثي بين بشر
يعبدون الها
"واحدا"،
حيث لا ينبغي
، ولا يجوز،
أن توجد
بينهم حدود"
ويضيف أخيرا:
"هذا هو
العالم الذي
انصبت عليه
جميع
اللعنات
بسبب
انتسابه ثم
انقسامه الى
عالمين ". أما
كيف يمكن
مواجهة هذا
الانقسام ،
والغاء لغة
الدم ، فقد
افترض
اندريتش انه
من خلال
التسامح
والاعتراف
المتبادل
والرغبة في
العيش
المشترك ،
يمكن بناء
صيغة جديدة،
وكان رمز هذه
الصيغة ؟
الجسر. لقد اهتدى
اندريتش الى
فكرة الجسر/الرمز
منذ مرحلة
الطفولة،
حين كان في
حضانة عمته
في مدينة
فيشيغراد،
إذ كان نهر
درينا يقسم
المدينة الى
جزءين ، وكان
الجسر
يجمعها
ويوحدها.
واكتشف أيضا
أن أعظم
انجازات
الانسان ،
على مر
العصور، في
إقامة الصلة
والفهم
والحب ، هو
الجسر، إذ هو
الوسيلة
الوحيدة،تقريبا،
للقاء
والحوار
والفهم ، ومن
ثم الى الحب
، لأنه يوحد
ويقرب ويجعل
الأشياء
ممكنة . يقول
اندريتش : ". . .
ان كل ما
تتكون منه
الحياة. الأفكار
والجهود
ووجهات
النظر
والبسمات
والكلمات
والزفرات . . .
ان كل ذلك
يصبو الى
الضفة
الأخرى،
باعتبارها
الهدف
والموطن
الذي يمكن أن
تكتسب فيه
مغزاها
الحقيقي .. ان
آمالنا كلها
تكمن في
الضفة
المقابلة". في
وقت لاحق ،
وحين يكتب
اندربتش
روايته
الكبيرة
الهامة،
والأولى
أيضا، سوف
يكرسها لجسر
نهر درينا،
لأنه
الرابطة
والمفتاح ،
ولكي يعرض من
خلال هذه
الرواية،
تاريخ
البوسنة
القاسي
والعبثي ،
وليؤكد في
نفس الوقت ،
ان هناك امكانية
كبيرة لكي
يصبح الجسر
لقاء بين
مجموعتين ،
بمقدار ما
يباعد
بينهما
الدين ، فان
الروابط
الأخرى من
القوة
والضرورة
بحيث تستطيع
أن تجمعهما،
وأن تقرب
بينهما، اذا
لم تستطع أن
توحدهما. إن
البوسنة هي
قلب البلقان
، وهي الصلة
بين عالمين ،
وأن مدينة
فيشيغراد
مركز لقاء
وحوار بين
الشرق
والغرب ؛
وهذا ا لمركز
تلتقي فيه
وتتفاعل
ثقافات "حدودية"
مختلطة يمكن
أن تتجاوز
الحدود فيما
بينها،
الأمر الذي
يعطي أهمية استثنائية
للتعددية
الثقافية،
ويعطي
للجسور
أفضلية على
كل ما عداها
من المنشآت
التي يقيمها
الانسان ، "لأن
الجسور، كما
يقول
اندريتش ، هي
بنظري أفضل
وأكبر من كل
ما تشيده يد
الانسان ،
فهي للجميع ،
وتؤكد قدم
المساواة
وأهميتها.
كما أن
الجسور تقام
لتلبية
احتياجات
أكبر عدد من
الناس ،
وتدوهم أطول
من أي صرح
آخر، كما لا
تخدم أمرا
خفيا أو شرا
مضمرا. لا
فرق بين جسر
وآخر، من حيث
الجوهر، لذا
فهي جديرة
باحترامنا
دون تمييز
بينها،
لأنها تشير
الى المكان
الذي واجه
فيه الانسان
عقبة فلم يقف
عندها، بل
تجاوزها
وتغلب عليها..
حتى يتجنب
الانقسام
والخصام
والفراق " . ورغم
الجمال الفذ
الذي يتميز
به جسر
درينا،
والذي يتبدى
في كل قسماته
، وفي جميع
مراحله ، فان
أفواج البشر
التي عبرته
خلال تاريخه
الطويل ،
كانت تمتليء
بالأحلام
والأفكار
والأحقاد،
وانتقلت من
ضفة الى أخرى
لأغراض لا
حصر لها، مما
يفترض أن
يصبح الجسر
مجرد صرح
أولم شاهد
على بطولة
بعض الذين
مروا فوقه ،
لكنه تحول
الى البطل
الأساسي ، ان
لم يكن
الوحيد، في
هذه
الرواية،
وأصبح
الآخرون
شهودا على
هذه البطولة. لم
يكتف
اندريتش
بتمجيد
بطولة جسر
درينا وحده ،
اذ كتب عن
جسور أخرى في
البوسنة،
ولعل قصة "جسر
على من جيبا"
تؤكد هذه
العلاقة بين
اندريتش
والجسر -
الرمز. ولكن
كيف وصل
اندريتش الى
القصة ثم
الرواية بعد
أن بدأ شاعرا
وسياسيا
محترفا؟ بعد
انكسار
أحلامه
الأولى من
خلال "البوسنة
الفتاة"،
وبعد أشعار
السجن ، وجد
أن القصة، ثم
الرواية
الوسيلة
التي يستطيع
من خلالها
التعبير،
وايصال
أفكاره الى
الآخرين ،
كما يستطيع
أن يقول
أحلامه
ورغباته ،
وما يجببن في
صدره ، وعما
يضطرب في
عقله من
مشاريع ،
وهكذا يتوجه
الى القصة،
وقد حصل ذلك
عام 1920، ثم الى
الرواية. ولأن
النظام
السياسي
المسطر بالغ
القسوة،
شديد العنف ،
يلجأ
اندريتش الى
الرمز، والى
استعارة
أحداث
التاريخ ،
فيكتب أول
قصة بعنوان :
"حكاية من
اليابان "،
ورغم أن
القصة
تتناول
مكانا
بعيدا،
وحقبة سحيقة
في تاريخ ذلك
البلد، الا
أنها تعني
البلدان
الأخرى، بما
فيها
البوسنة،
بنفس
المقدار.
وتلخص موقف
اندريتش
السياسي . ففي
ظل حكم
امبراطورة
يابانية
قاسية
متجبرة،
ومختلة
العقل أيضا،
يلقى القبض
على عدد كبير
من الثوار
المناوئين ،
يكون ببنهم
شاعر، وتصبح
مهمة الشاعر
في السجن
الهاب حماس
الثوار
والجمهور
وتحريضهم ضد الامبراطورة،
ونتيجة
الصمود
والمقاومة
يستطيع
الثوار
الاستيلاء
على السلطة،
ويتقاسمون
المناصب
فيما بينهم ،
أما الشاعر
فيغادر
السجن ،
ويغادر
رفاقه بعد أن
يكتب لهم
الرسالة
التالية : "أشكركم
أيها الرفاق
، مؤكدا على
ما كان
مشتركا
بيننا من
معاناة
وعقيدة
ونصر، وأرجو
أن تعذروني
لأني لا
أستطيع أن
أتقاسم
السلطة معكم
كما تقاسمت
معكم النضال
. فالشعراء
خلافا
للآخرين ،
مخلصون
لرفاقهم أوقات
المحن ،
ويتخلون
عنهم أيام
النعيم .
اننا معشر
الشعراء
انما ولدنا
من أجل
الكفاح .
اننا مولهون
بالصيد،
لكننا لا
نأكل من
طرائدنا. ان
الحاجز الذي
يفصل بيني
وبينكم رفيع
رقيق ، لا
يكاد يرى.
أليس حد
السيف رفيعا
رقيقا. وهو،
مع ذلك
قاتل ؟ لا
يمكنني أن
أتجاوز نفسي
لكي آتي
إليكم ،
لأننا نتحمل
كل شيء الا
السلطة . لذا
فإنني أتخلى
عنكم يا
رفاقي ،
وسأمضي
باحثا عن
مكان آخر لم
تتحقق فيه
فكرة أو صبوة
. احكموا
بتعقل ،
وليكن الحظ
حليفكم . أما
اذا تعرضت
جزرنا السبع
للفقر
والمحن ، مما
يستدعي
الكفاح أو
المواساة،
فأرجوكم أن
تبحثوا عني !
". هذه
القصة -
الرسالة،
التي كتبها
اندريتش عام
1920 تحدد ا
لموقف
الفكري الذي
يصدر عنه ،
والثوابت
التي يلتزم
بها، أو كما
قال سارتر في
وصفها: "انها
بمثابة
وصية، لو
قرأها تشي
غبفارا لما
كان يتردد في
أن يضع
توقيعه
عليها.". ويغرق
ايفو
اندريتش في
وظيفته
الدبلوماسية
متنقلا من
مكان الى
آخر، مهتما
بتعلم لغات
أخرى،
والاطلاع
على آدابها
وفنونها،
ومنقبا في
وثائقها عن
كل ما يتعلق
بتاريخ
البلقان ،
حتى اذا
انفجرت
الحرب
العالمية
الثانية
يعتزل العمل
الدبلوماسي
، وينصرف ،
بصمت ، الى
الكتابة
الأدبية،
وما تكاد
الحرب تنتهي
حتى يصدر،
دفعة واحدة
رواياته
الثلاث
الشهيرة :
جسر على نهر
درينا،
وقائع مدينة
ترافنك
والآنسة . بصدور
هذه
الروايات ،
وبقيام
يوغسلافيا
الجديدة،
تتبدى بارقة
أمل
لاندريتش في
أن رحلة
الكراهية
والعذاب
توشك على
الانتهاء،
وان الصيغة
الجديدة
تشكل نهاية لمأساة
استمرت
قرونا
متوالية، اذ
اعترف
المجتمع
الدولي
بيوغوسلافيا
الأتجادية،
واعترفت
يوغوسلا فيا
بجمهورياتها
الست ، وبدأ
عهد من
البناء
والوفاق ،
لكن . . بشكل
ظاهري ومؤقت
، اذ أخذت كل
فئة تسعى
للالتحام
بوطنها الام
، معتبرة ان
الصيغة
الحالية
هدنة بين
حربين .
فالصربيون ،
أيا كان مكان
اقامتهم
ينظرون الى
صربيا،
وكذلك
الكرواتيون .
أما
المسلمون
فإلي أي وطن
ينضمون ؟ انه
السؤال الذي
كان يتردد
بصوت خافت
منذ أن نشأت
يوغوسلافيا
الحديثة،
كان يتردد في
صربيا، وفي
كرواتيا،
وكان
المسلمون
يعتبرون أن
وطنهم انما
هو الأرض
التي يعيشون
عليها،
الأرض التي
انبتتهم
وترعرعوا
فوقها، وليس
هناك بديل
آخر أو أرض
أخرى. هذه
الحقيقة
الحافرة -
الغائبة،
والتي
أدركها
اندريتش
بعقله وقلبه
، ومنذ وقت
مبكر، حاول
ان يكتمها،
أن يراوغها،
لعل شيئا
جديدا يحصل ،
خلافا لمرات
كثيرة سابقة
. "اذ في
أعقاب
الحروب
الدامية
التي كانت
تقع في
السابق ،
وبعد أن يتعب
المحاربون
أو يملوا،
كانوا،
بطريقة
تراجيدية،
يقفون فوق
الأنقاض
التي هيأوها
بأنفسهم
جيدا
ليتعانقوا
ويتعاهدوا،
والدموع
تنهمر من
عيونهم ، على
الوفاق
والاخاء
والوحدة الى-
الأبد" . لقد
عثر بين
أوراق ايفو
اندريتش على
صفحات تمثل
جوهر رأيه
فيما يتعلق
بالصيغة
التي قامت
عليها
يوغوسلافيا
في أعقاب
الحرب
العالمية
الثانية . اذ
رغم تأييده
لصيغة
الوفاق
والتكامل ،
الا أنه كان
يخشى من
الهيمنة
والفرض
وتهميش
الطرف
المقابل ،
تمهيدا
لالغائه
وهذا ما يشكل
، برأيه ،
الوباء الذي
يمكن أن يقضي
على الكثير،
وربما على كل
شيء . جاء في
تلك الأوراق
: . . . لم تتوافر
لهم القدرة
على تحقيق
العالم الذي
كانوا
يحلمون به ،
ويتحدثون
عنه ، فاخذوا
يطالبون
الآخرين أن
يحلموا نفس
حلمهم ، وان
يرددوا نفس
أقوالهم . "انهم لم بفتقروا الى القدرة فحسب ، بل كانت تعوزهم أيضا الرؤية الواضحة |