حديث مع غويا


ترجمة: زهير خوري  (مترجم سوري مقيم في يوغوسلافيا سابقا)


يوم  دافيء هاديء ، أرخى أول ظلال الأصيل على الطريق .كنت على بعد عشرين كيلومترا من مدينة بوردو. وحين مررت في "كروا دي وان"  لفت نظري على الجانب الأيمن للطريق منظر الأعمدة الشاهقة لمحطات البرق اللاسلكي .. أبراج معدنية كشباك العنكبوت ، ناعمة مثل الدانتيل عتيدة كالمدن .

أثناء الطريق كنت أفكر باستمرار، بالشبه بين أبراج الكاتدرائيات من قديم الزمان ، وبين هذه ا لأبراج  الفولاذية للبرق اللاسلكي . ثمة من يخدم هذه الأبراج باستمرار، مثلما يخدم الكهنة معابدهم . وتضيئها مصابيح حمراء أو خضرا  تحذيرا للطائرات  شبيهة بالشموع والقناديل في الكنائس . على أن أبراج البرق قد شيدت على أساس عقلاني ، لكي تكون بخدمة هدف عملي محدد واضح ، بينما باتت أبراج الكنائس اليوم ، مجرد كماليات ورمز. أفلم تشيد، يا ترى، أبراج الكنائس فيما مضى لضرورة ما وعلى أساس عقلاني ؟ لكن هذا الأساس العقلاني قد ارتحل وضاع الهدف وصار منسيا.

رافقتني فكرة التشابه هذه ولم تتخل عني لحظة واحدة طيلة الطريق . وترابط في ذهني ، ترابطا واضحا ومقنعا، ما ندعوه بالقريب وما ندعوه بالبعيد، و"بالممكن " و "اللاممكن ". ولئن لم يفارق عيني منظر هذه الكنائس العصرية، التي تحدث

فيها العجائب كل لحظة، فقد شعرت أن فكري وخيالي قادران على سبر الزمن الماضي واحياء موتاه .

فلقد استحوذت على تفكيري ، قبيل المساء، إذ وجدتني جالسا في مقهى بإحدى ضواحي مدينة النبيذ الكبيرة، وكنت منهكا من طول تجوالي فيها، هذه الكاتدرائيات المعاصرة، الضخمة، غير المنجزة تماما، التي شاهدتها في أصيل هذا اليوم في "كروادي وان ". إن لجميع مدن الدنيا أريافا ما تزال مجاريها بدائية، وطرقها ا لمزفتة نادرة . وشوارعها تحمل أسماء شعراء وأطباء محليين لم يسمع بهم أحد خارج هذه الضواحي . ففي هذه الأحياء التي ماتزال في طور النشوء ولم تكتمل ولم تتخذ شكلها النهائي بعد، تسرح الأفكار حرة، طليقة، وهذا ما يلائم غريبا ينشد الراحة والتأمل .

بالقرب من المقهى وعلى فسحة واسعة، جانب المواد المتبقية من أعمال البناء الأخيرة، كانت تنصب خيمة سيرك ، وتسمع فربات المطارق وأصوات العمال ، وبين الفينة والفينة عواء ضبع أو زئير السباع في أقفاصها.

إن هذه المقاهي الصغيرة هي بسيطة الأثاث وبدون زخارف ، متشابهة ولا تواكب العصر. ولقد إعتادت أجيال وأجيال من رواد هذه المقاهي ، على منظر الطاولات والمقاعد، وعلى شكل القوارير الزجاجية واسعة الفوهات والكؤوس من الزجاج المضبب ، وعلى هيئات أصحاب المقاهي المشمرين عن زنودهم ، وعلى أزرهم النيلية . ففي إطار هذه الصورة، يمكنك استحضار الأشخاص والأزياء والعادات من مختلف الأزمان ، دون أي إخلال بالصورة ودون مفارقات تاريخية قد تؤذ ي المشهد أوتجعله غير قابل للتصديق .

- وهو كذلك . . .

قال هذه العبارة رجل كان يجلس قبالتي ،مؤيدا أفكاري ، وكأنني أفصحت عنها بصوت عال . رجل مسن ، صوته أبح خفيض ، متدثر بعباءة خضراء داكنة غريبة الزي ، وعلى رأسه قبعة سوداء يتدلى من تحتها شعر أبيض متفرق ، وعيناه متعبتان لكنهما ما تزالان تشعان بالحياة كان يجلس قبالتي الدون فرانسيسكو دي غويا لوسينتس ، الرسام الأول الأسبق للقصر الاسباني ، الذي استقر في بوردو منذ 1819 .

- اي نعم ..

واصلنا الحديث الذي كان في الواقع حوارا أحاديا لغويا حول نفسه وحول الفن وحول قضايا عامة تخص مصير البشرية . فإذا بدا لكم هذا الحوار، للوهلة الأولى، مفككا وغير مترابط ، فكونوا على يقين بأنه ينطوي على تلاحم داخلي ، تربط بين أسديته حياة غويا ولوحاته .

- إي نعم أيها السيد! إن البيئة البسيطة والفقيرة هي صرح العجائب والأمور الكبيرة . فالمعابد والقصور الغارقة في عظمتها ورونقها، ليست في الحقيقة إلا احتراق ما كان يشتعل وإزهار ما كان ينبت ، في ظل البساطة والفقر. ففي البساطة تكمن بذرة ا لمستقبل ، وفي الجمال والبريق يكمن الأفول والموت .

لكن البشر بحاجة الى البريق والى البساطة على حد سواء. إنهما وجهان للحياة ، يتعذر إدراكهما معا. فعندما ينظر المرء الى أحدهما، لابد أن يفقد الآخر من مجال النظر. ومن وهب القدرة على رؤيتهما معا، يصعب عليه ، إذ يرى أحد الوجهين ، أن يتناسى الوجه الآخر.

أنا شخصيا، كنت في أعمق أعماقي ، الى جانب البساطة، الى جانب الحياة الحرة والصعبة الخالية من البريق والشكليات . وبصرف النظر عما جاء على لسان الناس ، وعما كان يجول في رأسي من خواطر، وعما كان يبدر عني من كلام ، في وقت ما، في عنفوان الشباب ، فهذا ما كان ، وهكذا أنا، وهكذا هي "أراغون "

التي أنبتتني .

كنت استمع الى حديثه ، ونظري لا يحيد عن يده اليمنى المستلقية على الطاولة، ككائن منفصل يعيش بذاته ، يد عجيبة مثل جذر سحري ، مثل تميمة، يد رمادية مليئة بالعقد، قوية، جافة كأكمة في صحراء. إن هذه اليد تحيا حياة حجر غير مرئية، إنها ليست يدا للمصافحة أو للمداعبة، أو للأخذ أو العطاء. إنها يد لا يجري فيها دم وإنما مادة أخرى لا تعرف خواصها. ويتساءل المز مذعورا إذ ينظر إليها: هل كانت هذه اليد يد إنسان ؟

لم أستطع طيلة الفترة التي استغرقها حديثه ، أن أغض الطرف عن يده المستلقية بسكون على الطاولة، كبرهان محسوس على صحة ما يبوح به الشيخ بصوته الأبح الصادر من أعماق صدره ، الذي كان يصل على دفعات الى حنجرته ،

كلهب يأبى الخمود والإختباء.

وهكذا واصل حديثه عن الفن وعن الناس وعن نفسه ، متنقلا بين موضوع وآخر، براحة ودون تكلف ، بعد فترة صمت وجيزة، لم أقطعها إلا بنظرة تنم عن سؤال ، إذ كنت أخشى أن تتبدد صورته ويغيب فجأة، كما تغيب الأطياف .

- لاحظ ! إن الفنان هو "شخص مشبوه " انسان مقنع في وقت الغسق مسافر يحمل جواز سفر مزورا. الانسان المقنع صورة رائعة، مكانته أرفع بكثير مما هو مكتوب في جواز سفره . ولكن ما أهمية ذلك ؟ إن الناس لا يرتاحون لهذا الابهام

ولهذا التحجب . ولهذا السبب يدعون الفنان شخصا مشبوها، منافقا مرائيا. ومتى ولد الشك ، فإنه يستفحل ولا يعرف الحدود. وحتى ولو استطاع الفنان ، بشكل أو بآخر، أن يكشف للناس عن شخصيته الحقيقية ولقبه الفعلي ، فمن سيصدق أن

كلمته هذه هي كلمته الأخيرة بخ وفيما إذا أبرز جواز سفره الحقيقي ، فمن سيصدق أن ليس في جيبه جواز سفر ثان وثالث ؟ وفيما إذا نزع قناعه ، رغبة منه في أن يبتسم ابتسامة صادقة وأن يطل بنظرة حقيقية، سوف يوجد من يطالبه بأن يكون صادقا وأمينا بمنتهى الصدق والأمانة وبأن ينزع هذا القناع الأخير الذي يشبه شبها كبيرا وجها بشريا. إن مصير الفنان ، كما ترى، هو أن ينتقل من حالة نفاق الى أخرى، وأن يجمع ما بين التناقضات . فمن يتيسر له إخفاء ذلك بقدر أو بآخر، فإنه ينعم بهدوء وسعادة، مع أنه يعيش صراعا داخليا مستمرا من أجل الجمع بين حدين لا يمكن لهما أن يجتمعا البتة .  أثناء إقامتي في روما، قال لي صاحب (هو رسام صوفي الميول ) في إحدى المناسبات إن بين الفنان والمجتمع بونا هو نفس البون الكائن بين العالمين الإلهي والأرضي ولكن على نحو مصغر وأن البون الأول هو رمز للثاني ، ليس إلا.

لاحظ ! هذه هي طريقة تعبيره ، ومع أنه يمكن التعبير عن الحقيقة بطرق شتى، لكن الحقيقة واحدة وأثرية.

هكذا عبر "باولو" عن فكرتنا المشتركة مستخدما صورة خيالية .

وأسائل نفسي أحيانا: ماذا هو هذا اللقب ؟ (أنه لقب حقا. وإلا كيف تسنى له أن يملأ حياة إنسان بكاملها، وأن يجلب له كما هائلا من الرضا والعذاب ؟) وما هي هذه النزعة النهمة التي لا تقاوم ، والتي تدفعك لأن تسلب من ظلمات اللاوجود أو من ذلك السجن الكبير الذي يكونه ترابط كل ما في الحياة . . أن تسلب من ذلك العدم ومن تلك الأغلال ، قطعة تلو القطعة من الحياة ومن حلم الانسان لكي تعطيها شكلا تثبته ،(الى الأبدا بتمرير طبشورة هشة على ورقة عابرة) ما قيمة بضعة آلاف من الأيدي والعيون والأدمغة، مقارنة بالملكوت الذي لا حدود له ، الذي ننهش منه إربا صغيرة بجهد غريزي متواصل ؟ ومع هذا، فإن هذا الجهد، الذي يبدو لمعظم الناس ، مسعورا وغير مجد، يحتوي على قدر من الإصرار الغريزي الهائل الكائن لدى النمل عندما تنشيء كثيبها على قارعة الطريق . إن قدره محتوم سلفا: سوف يداس وينهار.

في هذا العمل المضني اللعين ، والممتع الى حد لا يضاهى، ندرك إدراكا واضحا باننا نسلب من مكان ما، نسرق من عالم مظلم ، لنعطي ما س قناه لعالم آخر لا نعرفه ، لننقل من اللاشيء شيئا لا ندري ما هو. لهذا السبب يعتبر الفنان خارجا على القانون ومرتدا من الدرجة الأولى، حكم عليه ببذل جهد يفوق طاقة البشر، جهد ميؤوس منه ، لكي يكمل صفا أعلى غير مرئي مخلا بالصف الأدنى المرئي الذي يفترض أن يعيش فيه بكل كيانه .

إننا نخلق أشكالا وكأننا طبيعة ثانية . نوقف الصبا، ونجمد نظرة، تكون قد تبدلت أو إنطفأت في "الطبيعة" بعد دقائق ، إننا نلتقط ونعزل حركات سريعة كلمح البصر، لا يمكن لأحد أن يراها، وندعها، بكل ما تنطوي عليه من معان مستترة،

لكي تراها أعين الأجيال القادمة وليس هذا وحسب . إننا نعزز كل حركة وكل نظرة تعزيزا لا يكاد يلحظ ، بخط أو بلون إننا لا نبالغ ولا نزيف ولا نبدل جوهر الظاهرة عندما نعرضها، وإنما نرفقها ببرهان دامغ ، دائم ، لا يلحظ ، على أن هذه الظاهرة قد حدثت للمرة الثانية من أجل حياة أطول وأهم ، وعلى أن المعجزة

قد حدثت في ذاتنا نحن . ففي هذا الفائض الذي ينطوي عليه كل عمل فني ، كآثر للتعاون الخفي بين الطبيعة والفنان ، يلوح المنشأ الشيطاني للفن . ثمة أسطورة تحكي بأن المسيخ الدجال عندما يجيء الى الأرض سيخلق كل ما خلقه الرب ، ولكن بمزيد من المهارة والكمال . فنحله لا يلدغ ، وأزهاره لا تذبل بنفس

السرعة التي تذبل بها في طبيعتنا. وعلى هذا النحو سيغري الشرهين والطماعين وضعيفي الايمان . قد يكون الفنان هو البشير بالمسيخ الدجال . أو لعل الآلاف والآلاف منا تلعب دور المسيخ الدجال ، كما يتلهى الأطفال بألعاب الحرب في وقت السلام .

إذا كان الإله قد خلق الأشكال ورسخها، فإن الفنان هو الذي يخلقها لحسابه ويثبتها من جديد. إنه مزيف ، مزيف غير مكترث بالفطرة ولهذا السبب فهو خطر. وهكذا يخلق الفنان ظواهر جديدة، متشابهة، لكنها ليست نسخا عن بعضها البعض ، وعوالم مخادعة تتملاها أعين البشر بمتعة وزهو، وما إن تقترب منها حتى تسقط من خلالها في هاوية العدم .

هذه هي نظرية "باولو" وهو إيطالي في عروقه يجري دم سلافي . إذن ينبغي أن تكون ميالا الى التخيل والصوفية كما كان هو لكي تستطيع التعبير بطريقته . وقد استحوذ على انتباهي ، أن أحدا يستطيع أن يخلق عوالم ويلاشيها، فوق وتحت المستوى الذي يعيش فيه . فأنا ، كما أنا عليه ، وأنا من عجينة مختلفة، لم أستطع أبدا سبر عالم مشاعره وطريقة تعبيره . لأنني كنت آنذاك أيضا، أشعر كما أشعر الآن ، بأن كل ما هو موجود، هو الواقع الوحيد الذي لا واقع غيره ، وأن غرائزنا وردود فعل حواسنا، تجعلنا نرى في الظواهر المتعددة  التي يتجلى فيها هذا الواقع ، عوالم منفصلة مختلفة من حيث ملامحها وجوهرها. لا شيء من ذلك كله . ثمة واقع واحد، له بدون شك قوانين ثابتة على الدوام ، لا نعرفها الا جزئيا، خاضعة لمد وجزر أبديين .

لو أردت أن أرتكب خطأ، بأن أستبدل بشكل اعتباطي الأسباب بالنتائج ، لاستطعت إيجاد براهين جديدة وذات أهمية لنظرية "باولو" حول تسمية الفنان - الخلاق بالمسيخ الدجال . إلا أنني لا استخلص من هذه الحقائق استنتاجات مشابهة الاستنتاجاته ، وبالأحرى، أنا لا أكون أية استنتاجات بل أرى الحقائق . لقد قال ،"باولو": الفنان هو لعين ، لأنه كيت وكيت . إنني أقتصر على القول بأن الفنان هو كيت وكيت ، وهنا أتفق معه كلية .

- كانت هناك بنية صغيرة تعيش مع أمها في منزلي ، تدعى "روساريتو". (عندما ذكر اسمها، خفض نظرته الحادة، ومر حول أهدابه المطبقة ما يشبه الضباب ) ذات يوم ، وكانت في الخامسة من عمرها، سمعت حديثا دار بينها وبين صبي ، لم تمض إلا أيام معدودة على دخوله المدرسة فكان يتباهى أمام البنية بمعارفه الجديدة - أتعرفين من خلق البشر؟

- البشر ؟ العم فرانسيسكو.

أجابت الطفلة وهي تشير الى لوحاتي ، صور أشخاص في مرسمي .

أما الصبي فقد استمر في تباهيه وهو يتلعثم:

- الله . . . الله هو خالق البشر.

لكن نظره لم يحد عن اللوحات التي كانت الطفلة تشير إليها الواحدة بعد الأخرى ، مركزة على الوجوه المرسومة عليها، مكررة عند كل وجه بإعتزاز:

- العم فرانسيسكو .. العم فرانسيسكو. كانت أصوات البوق والطبل تعلو من السيرك المجاور للمقهى. فتوقف الشيخ عن الكلام برهة من الزمن ، وأصغى

السمع ، ولم تبد عنه بادرة تأفف أو امتعاض . غابت الأصوات إلا صوت بوق ناعم . فتابع العجوز حديثه بصوت خفيض:

 إن السيرك في نظري هو أليق أشكال المسرح . إنه يمثل الحد الأدنى للبؤس في هذا الشقاء الهائل . إن الظهور أمام الجمهور ينطوي على أشياء محرمة ومخجلة. ففي أيام الشباب كنت كثيرا ما أحلم بأنني أمثل دورا على خشبة المسرح ، أمام جمهور غفير صارم ، وكنت أتساءل مذعورا، كيف صعدت على خشبة المسرح دون دعوة ودون تحضير مسبق ، كان على أن أمثل دورا لم أقرأه من قبل ولا أعرف كلمة واحدة منه .

يستحيل في وصف العذاب الذي كنت أعانيه أثناء الحلم . وقد تكرر الحلم نفسه مرات ومرات .

كنت أثناء حياتي على اتصال بالمسرح والممثلين . وكنت في كل مناسبة ازداد قناعة بأن المسرح هو أعقم الجهود التي نبذلها. ومن خلال تماسي بالمسرح والممثلين كان صدري يجيش بمشاعر اليأس والعبث وأتساءل: أليست تفاهة المسرح مجرد صورة لما ينتظره جميع البراعات آجلا أم عاجلا؟ عندما أرى

قرص عسل مصنوعا من ""الكرتون " ومرسوما بطريقة بدائية، يستخدم في أوبرا ما، لتقديمه الى حورية الغاب ، فانني أفقد في اليوم التالي ، شهيتي للطعام والرغبة في الرسم . وتلاحقني طيلة أربع وعشرين ساعة صورة ذلك الشيء الميت ، وياليته ميت ، إنه شيء لم يولد وليس له علاقة لا بالوهم ولا بالحقيقة. وإذا كان

على إيجاد رمز لفن المسرح ، فإني أختار قرص العسل من "الكرتون ". فهو عبارة عن أداة تعيسة حاولت مئات المرات أن تغدو في أعين ا لمشاهدين عسلا، وأعيدت مئات المرات الى صندوق لوازم المسرح ، موسخة، خائبة لا ضرورة لها.

وفي أفخر المسارح ، كل شيء مغبر ومتسخ . إن مهنة التمثيل أصعب المهن وأتعسها، لذا فالممثلون بحاجة الى حياة اللهو والمجون والأكل والشراب ، كالمحكوم عليهم بالاعدام دائما وأبدا .

كانت لي علاقة بممثلة .. (هنا، همهم العجوز بشيء وكأنه يردد اسمها لنفسه وحسب ، وإنطبقت أهدابه وتموج الضباب حول عينيه مرة ثانية).

كانت امرأة رائعة، جريئة رحبة الصدر في كل الأمور، ما خلا الأمور المتعلقة بالمسرح . كنت أرتاد المسرح من أجلها مع أنني كنت أعاني كل العذاب حين أراها على خشبة المسرح . ذات يوم كنت جالسا في الصف الأول . فرأيت كيف علق طرف ثوبها الطويل الأبيض بمسمار على الأرضية، أثناء تأديتها لدورها.

شعرت بأنها تعثرت . لكنها واصلت إلقاءها وحاولت بحركة نزقة من قدمها تحرير طرف ثوبها. إن هذه الحركات اليائسة التي كانت تقوم بها مثل حيوان وقع في الفخ ، وهي تلقي أبياتا حماسية والعرق البارد يبللها، والذعر يتطاير من عينيها شررا، خشية حدوث ""زلة" وفضيحة بينت لي في لمح البصر، لا جدوى هذا الفن . ولقد أفسد عين ذلك ، لفترة طويلة السعادة التي كانت تفيض بها علاقتي بهذه

المرأة الرائعة التي لا أنساها.

- كانوا يقولون لي مرارا وتكرارا، يقولون ويكتبون بأنني ميال الى حد مفرط ومؤذ، الى الموضوعات الكئيبة والى مشاهد العنف والغموض ، كانوا يكررون ذلك شفاهة وكتابة، ببرودة أعصاب وبدون تفكير ، كما يقوم الناس بمعظم الأمور.

في فترة ما ، في مدريد، قبل اندلاع الحروب ، كان الناس رجالا ونساء، أثناء الحديث ، يسترقون النظر الى يدي كي يتأكدوا هن أن هذه اليد هي تلك اليد التي ترسم ، أثناء الليل ، بعون إبليس . هكذا كانوا يعتقدون ، وكانوا يقولون إن أثامي

التي لا يعرف ما هي اسماؤها وماهيتها إنما هي من فعل الشيطان . في ذلك الزمان ، ما كان لك أن تجد في اسبانيا كلها. انسانا أكثر مني تواضعا وتخوفا واستواء. إي نعم ، إستواء. ليس المهم أظن الناس بي كيت وكيت ، أو قالوا عني كيت وكيت ، إنما المهم هو أن ظنونهم وأقوالهم دليل على عدم فهمهم للفن . ولا يصعب قي شرح ذلك .

إن جميع الحركات التي يقوم بها البشر، تنبع من حاجتهم الى الهجوم. أو الدفاع . وحاجتهم هذه ، هي المحرض الأساسي والفعلي والوحيد، لكنه ينسى في معظم الحالات . والفن بطبيعته عاجز عن تصوير آلاف الحركات الجزئية. فإن عزلت عن حركة عن الأخرى، لما كان في هذه الحركات كأبة أو شؤم . ولكن على

كل فنان يريد أن يصور ما صورته أنا، عليه أن يقدم لنا حركة تجمع وتلخص جميع تلك الحركات التي لا تحصى. إن هذه الحركة المتراصة. لابد لها من أن تتضمن ، بالضرورة، وبالحتم ، منشأها الحقيقي ة الهجوم والدفاع ، والغضب والخوف . وبقدر ما يزداد عدد الحركات التي تنسج وترص في هذه الحركة، فإنها

تزداد تعبيرا، وتزداد الصورة قوة على الاقناع . هذا هو منشأ المسحة الكئيبة على شخوصي وعلى مواقفهم وحركاتهم ، وهي في الغالب مرعبة ومروعة. لأن ليس هناك ، في الواقع ، حركات مغايرة.

ويمكن القول أن هناك رسامين اقتصر تصويرهم على مناظر من حياة الريف والرعاة، التي يفوح منها الرضا، وعلى وجوه سلة خالية من الهموم وهذا واقع موجود. فلقد سبق لي أن صورت أحيانا عين هذه المناظر. لكن كل موقف من هذه المواقف المتحررة من الخوف والحذر الغريزيين ، يتطلب ملايين الحركات القلقة، الدموية حتى يتسنى لنا دعم هذا الموقف والدفاع عن جماليته المصطنعة وحريته العابرة . إن الجمال محفوف دائما، اما بظلام مصائر البشر واما ببريق دماء البشر. وينبغي ألا ننسى بان كل خطوة إنما تقود الى القبر. وهذه الحقيقة كافية لتبرير سلوكي ولا يمكن لأحد أن يدحضها.

ذات مرة، كنت أتسلى، فرسمت سطحا مائيا تؤلقه أنوار المساء، وعليه زورق ، ووراء الزورق أثره المتموج على الماء. فإذا نظرت الى الرسم من بعيد، لا يتضح لك أي شيء ، لا ترى  التفاصيل ، أعطيت هذا الرسم لصديق ، بشوش ، مرهف الحس ، وتركت له مهمة إيجاد اسم له . وبدون تلكؤ، أطلق عليه: "الرحلة الأخيرة " ، مع أن الرسم لا يوحي بذلك لامن قريب ولا من بعيد.

إن مهمة رسم الأشخاص ، مهمة شاقة للغاية، عذاب مرير بالنسبة للرسام ، عندما يعزل الشخص عما يحيط به وعما يربطه بالآخرين وبالبيئة. إن " تحرير" هذا الشكل ، هو على حد تعبير صديقي "باولو" نوع من أعمال المسيخ الدجال . . عملية غير خلاقة . إن الطريق الطويلة التي يقطعها الانسان - "الموديل "، إنما نجتازها نحن مرة أخرى، ولكن باتجاه معاكس ، الى أن نخرج الشخص الذي ، " صطادته " أعيننا ا&#