الشعر العماني في العصر النبهاني

سعيدة بنت خاطر  (كاتبة وشاعرة عمانية)


يشكل العصر النبهاني علامة مفارقة كبيرة في أذهان العمانيين من حيث كونه أزهى عصور الأدب والشعر في تاريخ الأدب العماني وفي نفس الوقت غذ من عصور الظلام والفساد والانحطاط ووصف حكامه بالجبابرة،وإذا كان الأدب في عمان لم يحظ عبر عصوره المختلفة باهتمام مؤرخي الأدب في الوطن العربي ، بل كان نصيبه الإهمال والتجاهل الكبير، ولأسباب متعددة، فلقد قام المؤرخون العمانيون بسد هذه الثغرة، واهتموا بتسجيل تراثهم الثقافي ،وحفظوه من الضياع ، ولكن هؤلاء المؤرخين أسقطوا من حسابهم واهتمامهم عصرا أدبيا زاهيا امتد في عمان ما يقارب الخمسة قرون (من القرن الخامس الهجري الى أوائل الحادي عشر الهجري ) هو العصر النبهاني .

بل إن الأمر تجاوز عدم الاهتمام والتجاهل الى طمس المعالم وتشويه الحقائق الواضحة فيه ، ونظرا لهذا التجاهل وتلك المفارقة بالاضافة الى جدة الموضوع وعدم تناوله من قبل في دراسة علمية منهجية، اخترت هذا الموضوع لهذه الدراسة العلمية.

والكلام للباحثة التي نستل هذا الجزء من كتابها حول شعر النباهنة الذي قدمته كأطروحة لنيل درجة الماجستير.

الصورة الشعرية   لعله لا يوجد مصطلح نقدي اختلف حوله النقاد وتعددت فيه المفاهيم كمصطلح الصورة الشعرية. وكان هذا الاختلاف سببا في حيرة بعض الدارسين ومتاهتهم بين المصطلحات والمسميات المتعددة للنوع الواحد من تصنيفات الصورة الكثيرة .

ومن التعريفات الواضحة للصورة رأى د. القط الذي يرى أن الصورة في الشعر هي الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن نظمها الشاعر في سياق بياني خاص ليعبر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة مستخدما طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز، والترادف والتضاد، والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني ( 1 ).

ويرى الناقد (ازرا باوند) Ezra Pound"أن الصورة الفنية" ذلك الشيء الذي يقدم تشابكا عقليا وشعوريا في لحظة من الزمن " (3) .

ونظرا لأهمية الصورة فقد اعتبرت هي وحي التجربة الشعرية فلقد قام الشعر منذ

القدم على الصورة كوسيلة وأداة من الأدوات الفنية بيد الشاعر تساعده على الابتكار والابداع في عملية الخلق الفني ولم يختلف النقاد قديما وحديثا على هذه الأهمية.. "وإنه خير للمرء أن يقدم صورة واحدة في حياته من أن ينتج أعمالا وافرة غزيرة " (3) .

ولسنا في معرض لسوق آراء النقاد المختلفة والمتعددة حول مفهوم الصورة وأهميتها، فهي من الكثرة، بحيث يصعب حصرها حصرا دقيقا، ولذا فسأتناول بالدراسة منابع الصورة ومصادر استمدادها، وطريقة بناء الصورة - روافدها ووسائل تشكيلها في العصر وذكر بعض الظواهر الفنية التي ارتبطت بلها آنذاك .
منابع الصورة ومصادرها:
أجمعت الدراسات النقدية تقريبا بأن الخيال هو المصدر الأساسي
لتشكيل الصورة
الشعرية وصياغتها، كما أن هذا الخيال يستلهم مادته من الواقع المادي المحيط بالشاعر والملموس بالحواس ، ويرى جون مدلتون مري "أن مصطلح الصورة "
lmage يمكن أن يتصل من قريب بالكلمة التي اشتقت منها وهي ,lmagination" أي ملكة التصور والتخيل بصفة عامة ؛ ويقول: إنه يمكن أن نخلص الكلمة من اقتصارها على الدلالة البصرية ا لمحدودة ونوسع آفاق هذه الدلالة فهي يمكن أن تكون "أقوى وأعظم آلة في يد ملكة التصور" (4) .
ويرى د. شفيع السيد أن أبسط دلالة لكلمة "الصورة" وأقربها الى الأذهان هي دلالتها على التجسيم أو على الأشياء القابلة للرؤية البصرية .. فقد استخدمها القرآن الكريم بهذا المعنى في قوله تعالى إالذي خلقك فسواك فعدلك ؟ في أي صورة ماشاء ركبك ".
وقوله: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن
صوركم ).
 
ومن هنا نرى أن مصدر الصورة الأول هو الحواس التي تقوم بتحويل تلك الصور الى الخيال المبتكر الذي يلتقط إشارات الحواس بعدسته الذهبية الخلاقة فيعيد تشكيل تلك المادة الخام في صورة فنية جمالية..
"فالشاعر وإن كان يبدأ من الواقع المادي المحسوس ليستمد منه معظم عناصر صوره الشعرية ومكوناتها؟ فانه لا قل هذا الواقع نقلا حرفيا، وإنما يبدأ منه ليتخطاه ويتجاوزه ، ويحوله الى واقع شعري لا تمثل العناصر المادية فيه سوى المادة (لغفل التي يشكلها الشاعر تشكيلا جديدا وفق مقتضيات رؤيته الشعرية الخاصة"(6) .
ولهذا تستأثر الحواس بالنصيب الأوفى من الصور الفنية، وإن كان هذا لا ينفي وجود الصور الذهنية ودور ملكة التصور والتخيل العظيم في توليدها كما ذكر "مري "، وكما قال الإيطالي بنديتو كروتشه (1866 -1952 ) "إن أساس الفن هو القدرة على تكوين الصور الذهنية أما
إبراز الصور الحسية، فعملية صناعة ومهارة" (7).
"وفي رأي بعض النقاد أن كل صورة، حتى أكثر الصور تمخضا للعاطفة أو العقل لا تخلومن أثر للحس فيها" (8).
ومن الواضح ان الحواس هي النافذة التي يستقبل بها الذهن مواد التجربة الخام ، ولعلنا نجهد النفس عناء إذا ما حثنا في الشعر عامة والشعر العربي القديم خاصة عن لصورة الذهنية الخالصة من شوائب الحس "افالذهن محتاج ي كثير من اعتمالاته الى الحواس لترجمة تلك الاعتمالات ، تكون الحواس أهم وسائل الذهن في الاستقبال والبث " (9).
ولأن الصورة في الشعر العربي القديم - وكذلك الذوق لنقدي البلاغي - كانا يتسمان بالنزعة الحسية، كما يقول د. زالدين اسماعيل ، وكما يرى أغلب الباحثين والنقاد.. فإننا . نحاول دراسة منابع الصورة لدى شعراء العصر النبهاني ،ومدى علاقتها بالحواس ، وتصنيفها طبقا لهذا. وقبل أن ندخل ، ي التفاصيل ، سنعد جدولا يوضح أنواع الصور الحسية ونسبة رتيب شيوعها في العصر، ونسبتها لدى كل شاعرمنهم ، وقد أخذنا عينة عشوائية تتمثل في عدد خمس قصائد من نتاج كل شاعرمن شعراء العصر.
وكانت القصائد المختارة متنوعة الأغراض ، ما بين الغزل والمديح والرثاء، - وهي الأغراض المتواجدة في تجربة كل منهم - واستبدل المديح بالفخر عند النبهاني ، كما استبدل مديح لملوك والأمراء بالمديح النبوي ، والغزل الحسي بالغزل الإلهي ند اللواح وكان توزيع القصائد ما بين 2مديح ، 2غزل ، إرثاء.
كما راعينا أن تكون القصائد متقاربة الطول على وجه التقريب ، وعلى نفس القصائد الخمس أجرينا إحصائية تقريبية رقم .(2) لمدى ذيوع الصورة التشبيهية وصورة الاستعارة بنوعيها التصريحية والمكنية في شعر شعراء العصر النبهاني.
ا - الصورة الحسية:
أ - الصورة البصرية: وهي أغلب الصور الشعرية، عند شعراء العصر، وخاصة عند الستالي الذي استأثرت حاسة البصر لديه بأغلب الصور
الفنية.. حتى ليندر أن نجد له صورا تشكلها الحواس الأخرى ث
وسنجد أن مفردات البصر كثيرة كثرة تبعث على الدهشة، ومن هنا جاء
احتفاء الستالي بالألوان ، الورود حمراء ، بيضاء ، صفراء ، زرقاء ،
وا لنباتات خضراء نضرة، وشعر الحبيبة وعيونها سوداء حالكة ووجهها
أبيض وجسدها مصفر كالزعفران .. وكأن الستالي يرسم لوحة فنية
لطبيعة غنية باللون . .

من أبيض يقق وأصفر فاقع

ومورد بهج وأحمر قافي ( 10 )

وقوله واصفا شجاعة ممدوحه وعدته التي أعدها للحرب وقد كنى عن تسميتها بالألوان:

معد ليوم الروع أبيض صارما

وأسمر خطيا وأشقر سلهبا ( 11)

ويبدو أن الكناية بالألوان ظاهرة تستهويه فها هو يصف تمنع الحبيبة:

ويمنعني منه بأسود فاحم

وأحمر وردي وأبيضى أشنبا ( 12 )

وحينما تنفر منه الغواني بسبب الشيخوخة وبياض الشعر ووهن القوى يرصد لهن الشاعر العديد من الصور المثقلة بمفردات البصر، وسنرى مفردات الرؤية تكثر عند وصف الناقة والممدوح . فمن صور المشيب قوله واصفا شعر أسه بعد المشيب وقد أبيض وخضبه ملونا ومغيرا لون البياض ، لكن طبيعة الشعر الأبيض القاسية لم يستطع الخضاب أن يغيرها فظلت شعيرات رأسه يابسة كالنصل ، ونلاحظ أن هذه الصورة تحمل وراءها بعدا نفسيا ولو من جهة خفية، فقد شبه كرهه لهذا المشيب ، كأن شعره نصال السيوف سلت على رأسه .

وأبيض مخضوب كأن نصوله

نصال على رأسي من البيض سلت (13)

يقول واصفا الممدوح وكرمه مشبها هيئته وهو يهتز نشوان مسرورا حينما يجود على العفاة كما يهتز الغصن بالحمامة الورقاء:

وقد يهتز جودا وارتياحا

كما يهتز بالورق القضيب ( 14)

وهذه الصورة بصرية حسية الأطراف ، إلا أنها من الصور التي ليس لها نصيب من التأثير في النفس ،ولا ريب أن الانطباع الذي تتركه لا يتجاوز انطباع عدم الارتياح من مواءمة عنصري التشبيه بعضها البعض .
ولنشعر بمدى انطفاء عاطفة المتلقي لهذه الصورة، نقارنها بالصورة
التالية والتي يصف فيها الستالي كرم  لممدوح أيضا واهتزازه طربا
وسرورا حينما يعطي
الآخرين:

تهزهم عند الندى أريحية

وجود كما يهتز في النشوة الشرب ( 1)

إن العلاقة ما بين الشاربين والاهتزاز والترنح نشوة، موجودة وهي علاقة واقعية غير متكلفة وتشبيه اهتزاز الممدوحين ونشوتهم عند العطاء بهؤلاء الشاربين أوقع - والصورة تصور دواخل هؤلاء ومشاعرهم وتصف ما يجول في نفوسهم . . وهي أفضل بكثير من تلك الصورة السابقة التي لم تحصد إلا التشابه الحسي المادي فقط وبشيء كبير من التكلف والتصنع لأن الصورة الثانية تقارن ما بين الانتشاء النفسي دى الطرفين ، الطرف الأول منتش من السكر، والطرف الثاني

منتش من الأريحية ، وليس الغرض تصوير الاهتزاز في الشكل والهيئة فقط . وهي أفضل كذلك من تشبيه هذا الاهتزاز بالسيف والرمح كقوله:

فذاك الذي في أي حال سألته

تهلل مثل السيف واهتز كالرمح (16 )

والحق أن هذه الصور تذكرنا بمقولة العقاد الشهيرة حول التشبيه والعناصر المتقابلة "... التشبيه أن تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك ، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان فإن الناس جميعا يرون لأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل لشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس الى نفس ، وبقوة لشعور وعمقه واتساع مداه ونفاذه الى صميم الأشياء يمتاز لشاعر على سواه ..." (17).

وقد لا يذكر الستالي اللون ، وإنما يكتفي بدلالة المفردة التي توحي باللون . نحو السراب - الشيب - الغيم - الإدلاج - ا لدم - ا لشروق - الغراب - العندم - الخضاب ، ويقول واصفا الحسن المزيف مشبها لها بالشيب الذي صبغ لكن سرعان ما ينتهي الخضاب وتنكشف حقيقة الشعر الأبيض ، وكذلك الزينة الزائفة سرعان ما تنكشف وتظهر حقيقة الأمر. . ونلاحظ أن لصورة عادية تقليدية لكنها ليست كذلك حينما نربطها بالبعد لنفسي لتجربة الستالي وكرهه للمشيب .. يقول ..

والحسن في الأمر المزور زائل الشيب ينصل بعد حسن خضابه (18)

كما نلاحظ مساهمة الحكمة الذهنية التقريرية في رسم هذه الصورة، ونلاحظ تأثير كلمة ينصل في تكثيف المعنى . لأن الشيب والمشيب هو الخيط الرئيسي في تجربته نلاحظ أن الستالي يدور حول هذا المعنى دور انا متكررا ستمرا:

ماذا ألم بلمتي فأشابها

وخضبتها فنضا البياض خضابها (19)

ويتتبع الستالي دلالة المفردة التي توحي باللون ، ويعددها في تموجات توحي بكثافة هذا اللون

 طيف انسدل الظلام ألم بي

بعد الهدو طروق سار مدلج ( 20)

نلاحظ المفردات التي توحي باللون الأسود، وبالليل:  انسدل ، الظلام الهدو، طروق سار، مدلج ، وكلها مفردات توحي بأن الحدث تم بالليل المظلم .

ولا يعني كثرة الصور البصرية لدى الستالي قلتها لدى غيره من شعراء العصر، فالصور البصرية دائما لها التفوق على غيرها من الحواس ، وإنما كانت هناك حواس أخرى لديهم شاركها في الظهور؟ أما عند الستالي فكانت الحاسة البصرية

أوضح تلك الحواس على الإطلاق ، بحيث سيطرت على تشكيل الصورة لديه كما ذكرت . وكما هو واضح من جدول رقم 2 .

وإذا أطلعنا على الصور البصرية لدى النبهاني نجدها كثيرا ما ترتبط بالأفعال والحركة، فالأفعال ذات الدلالة البصرية مثل: خب ، ركض ، كبا، خاض ، فر، ركب ، وثب ، كر، قاد، رقص ، قذف ، لطم ، طعن . . . الخ وهي مفردات تتواءم وأبعاد تجربته الشعرية المفعمة بالحركة وتوالي الأحداث . . . يقول

النبهاني واصفا فعله بالأعادي في صورة كلية:

وقدنا الخيل للأعداء رهوا

كما تسطو الذئاب على النقاد

وصبحنا الطغاة بعنقفير

تجرعهم افاويق النكاد

وأرعفنا القنا الحظي خعا

وأرهبنا المخاتر والمعادي

وأوردنا الطغاة حياضى ذل

تجرعه الى يوم التنادي

قسمناهم فنصف للعوسي

ونصف للمهندة الحداد

قذفنامم ببحر من حديد

تلاطم فيه أمواج الجياد

وأرغمنا انوف سراة قوم

وكل غضنفر صعب القياد

بضرب ترقمى الأكباد منه

وطعن مثل أفواه المزاد

وألبسنا المذلة كل قرم

عزيز قاهر عالي العماد

وأنشائا سحابا من عقاب لم

يصب على العدى مطر النكاد(21)

ونلاحظ أن أفعال الحركة قد استمرت واستقطبت القصيدة من مطلعها الى نهايتها، وهذه الأبيات التي اجتزأتها من القصيدة يكاد لا يخلو بيت فيها من فعل أو فعلين من الأفعال التي تضج بالحركة .

ونظرا لقرب الكيذاوي من الستالي في تجربة شعر المديح ، فإن صوره البصرية التي تصف الممدوح والحساد المتربصين زاخرة بالصفات الحسية، فالممدوح كريم جواد لكن صور مدحه بالكرم مختلفة عن الستالي:

لو طبع انمله يحل بجلمد

يوما لأورق منه ذاك الجلمد (22)

إن صور الكيذاوي فيها من المجاز والخيال ما يرسم صورا ناطقة متحركة فمن

المبالغة الجميلة قوله: لو طبع أنمله ، ليست أنامله وإنما اكتفي بطبع أنمله لوحل على جلمد، ليست رضا خصبة قابلة للزراعة وانما صخرة صماء جلمود ومع

هذا سيورق هذا الجلمد من فيض كرمه وسخائه ، ويقول في ورة أخر ى:

أمواله لا تستقر ، كانما

فيها دعا للبين صوت غرابها (33)

كأن أموال هذا الممدوح وكل عليها غراب يحرسها ولذا فهي لا تستقر في مكانها لأن هذا الغراب دائما يدعو للفراق ويصوت عليها لذا فهي لا تتكاثر وانما تنفد دائما قبل أن تتجمع .

وفي صورة ثالثة يقول:

في كل يوم من الدنيا يمر به

في ماله غارة للجود شعواء (24)

ولا ريب أن صور الكيذاوي الثلاث في وصف ممدوحه بالكرم نستطيع أن نطلق عليها صورا خاصة بالشاعر صاغها من موهبته واستخلصها من بيئته الخاصة أي أنها صور مبتكرة جديدة، بينما لاحظنا أن صور الستالي تقليدية متداعية ن الذاكرة فهي صور جاهزة، مستمدة من التراث .

أما اللواح فلأنه شاعر جوال رحال يسعى الى ترجمة تجربته الشعورية من خلال الفقد والوجود، والوجد والتواجد، فإن حواسه مستنفرة كاستنفار الطبيعة وكائناتها في الصحراء، وإن خياله يلتقط صورا كثيرة مختلطة تمتاز الاكتظاظ والكثافة، فالصور عنده كثيرا ما يشارك في تجسيمها أكثر من حاسة، فهي صورة مركبة تركيبا ذات خصوصية في كثير من الأحيان . .

ومن صوره البصرية قوله:

اناظر دب النمل والنمل أسود

بليل كعين الظبي أسود قد دجا ( 2)

ويا رازق الفرخ الذي في عشاشه

وحافظه في العيش من حيث أدرجا

ويقول في صورة من وحي تجربته في حب ليلى الصوفي .

كأن فؤادي كان بالشمع جامدا

وتوديع ليلى كان جمرا أماعه (26 )

ويصف نحول جسمه وثقل قلبه بالهموم في صورة بالفة التقليدية جديدة الإيحاء:

وإني لذو جسم كخصر عتيه

وقلب كمثل الردف في الثقل أو أقوى (27)

ولأن اللواح شاعر ذو رؤية ذاتية، وإخلاص فني ، فها هو يصور لنا بعض الصور الكونية التي تموج بها نفسه فيقول واصفا الحياة الفانية ومشبها لها بالحب الرطب لكنه مختلط بالسوس - مظهرا التحسر فهي حياة جميلة لكن للأسف بعدها

موت . . . وكذلك هذا حب رطب لكنه للأسف مختلط بسوس:

حياة عندها سكرات موت

كرطب الحب مختلطا بسوس

إذا ضحكت لك الأيام فاحذر

هجوم النائبات من العبوس (38 )

الصورة السمعية: وهي تقوم على تصور الأصوات وفعلها في النفسى بالاضافة ان الايقاع .

"وقد قيل إن الكلمة تحاكي في ايقاعها معناها كما يحاكي الهديل صوت الحمامة والخرير صوت الماء، (29) فايقاع الكلمة يساعد المعنى في رسم الصورة، والصورة السمعية تنتشر في أشعار العصر وتأتي في انتشار بعد الصورة البصرية راجع جدول رقم 1 . ومن المفردات ذات الدلالة السمعية المنتشرة في

دواوينهم:" الصراخ ،  القول ، السماع ،  اللسان ، اللائمة ، الضحك ، الصوت ، الغناء، الأذن ، الآلات الموسيقية .

أما المفردات ذ ات الدلالة الإيقاعية فهي:

الحد و، الزجل ، النهيق ،  النعيب ،  العزيف ، البغا م ،  النشيج ، الرنين ، الأطيط ،  الصلصلة . . . الخ .

فالصحراء في الليل البهيم يسمع فيها عزيف الجن ، ودوي الرياح ونسمع للناقة الثغاء، وللحمير النهيق وللنعام البغام وللغراب النعيب . وفي مجلس الطرب تترنم القيان وتغني ، ويسمع وت آلات الطرب والقصيدة تنشد وتغني على مسمع من

الحضور، وفي ميدان القتال تحمحم الخيول وتصهل وتتقارع السيوف فنسمع صليلها وقراع الدروع ، والمحبوبة ترحل فنسمع نعيق الغراب ، وهديل الحمائم التي تهيج أشواق المحبوب ، فتسجع الورقاء بما يشجي النفس ، ويومض البرق فنسمع قصف الرعود، وهدير السيول . . الخ .

والصور السمعية كما ذكرت كثيرة متنوعة بتنوع العادات والحياة الاجتماعية والطبيعية، ومن نماذج هذه الصور، يقول الستالي متأسفا على شبابه وذكرياته متأسيا من ذكر الأحباء الأصفياء الذين جمعته بهم أيام الشباب ورونقه:

وإذا ذكرت الأصفياء كان في

قلبي قطاة وما تضم جناحها ( 30)

ولعل هذه الصورة لا تشي بصوت واضح ، أو إيقاع صاخب ، لكنها تحمل إيحاء بأن في قلب الشاعر قطاة ترفرف جناحيها في حركة دائبة لا تهدأ، وأن صوت هذه الرفرفة، كلت خفقان قلب الشاعر.

وهذه الصورة من الصور المعروفة والمشهورة في الشعر العربي وقد اقتبسها الستالي من قول الشاعر الأموي نصيب: (31)