أسئلة الشعر ومغالطات الحداثة


 

محمد لطفي اليوسفي  (ناقد تونسي واستاذ جامعي)


يوهم مسار الحداثة الشعرية في الثقافة العربية بأنه مجرد استنساخ للحداثة الغربية التي أنبنت على فكرة التخطي والتجاوز وحتمية التطور والسبق . فلقد تشكل خطاب الحداثة الشعرية في الثقافة العربية مأخوذا بضرورة الانقطاع عن القديم العربي والتغاير معه دون أن يتمثل ما طال ذلك القديم من تشويه وتدجين واحتواء قام به المنظرون العرب القدامى أنفسهم لحظة قراءتهم للنصوص الابداعية.

لم يقع التفطن ، لحظة صياغة شعار التجاوز والهدم ،الى حجم المسافة الفاصلة بين النص الابداعي القديم والقراءة المرافقة له أي قراءة القدامى لذلك النص . لم يقع التفطن الى أن تلك القراءة كانت قراءة وظيفية أيديولوجية يحركها حرص مضمر مسكوت عنه على احتواء النصوص وتدجينها والحد من اندفاعاتها، قصد لجم المتوحش فيها وترويضها وتحويلها عن مقاديرها،بتغييب ما من متخيلنا يعلن عن نفسه فيها. لذلك تحركت هذه القراءة بين حدي الاحتواء والاقصاء. احتواء النصوص التي صارت تحت مفعول التدجين والترويض ،أليفة. وهي تشغل من تراثنا مركزه الرسمي (نصوص امريء القيس /المتنبي / المعري . .الخ ) واقصاء النصوص التي استعصى عليهم فعل احتوائها (الف ليلة وليلة/النص المه وفي / النص الاباحي . .الخ). لأنها الموضع الذي ينكشف فيه ما من متخيلنا

لا يقبل الترويض والتدجين ،وإنها الموضع الذي تنكشف فيه الذات بكل أبعادها: بنزواتها وأهوائها، برغائبها وميلها العاتي للوقوف ضد كل الممنوعات

والمحرمات والمتعاليات . بايجاز: لم يقع التفطن الى أن قراءة القدامى قد شوهت النصوص ودجنتها وغيبت ما من متخيلها ظل متوحشا بكرا.

تبعا لذلك تشكل خطاب الحداثة الشعرية مأخوذا الى حد الهوس بفكرة المحو والابتداء. جاء التحديث الرومانسي فأعلن الخروج على النمط الاحيائي وعلى الشعر العربي القديم الذي تتكيء عليه جماعة الأحياء،وحرص على انجاز فعل الابتداء. يقول الشابي معبرا عن القانون الذي أدار رؤية التحديث الرومانسي . "لقد أصبحنا نتطلب أدبا قويا عميقا يوافق مشاربنا ويناسب أذواقنا في حياتنا الحافرة (. .. ) وهذا ما لا نجده في الأدب العربي ولا نظفر به لأنه لم يخلق لنا نحن أبناء هذه القرون بل خلق لقلوب أخرستها سكينة الموت " (1). ثم يجزم بأن الخيال العربي الذي انتج الشعر القديم خيال "أجدب كالصحارى التي نما فيها وتدرج " (2).

ثم جاءت قصيدة التفعيلة مسكونة بالهاجس نفسه وتحركت داخل حدي الثنائية نفسها. ألغت التحديث الرومانسي وأعلنت الابتداء. فلقد انطلق أصحابها من قناعة مضمرة عبر عنها أدونيس قائلا. " لا تنشأ الحداثة مصالحة بل تنشأ هجوما. تنشأ اذن في خرق ثقافي جذري وشامل لما هو سائد"(3).

داخل هذا الرحاب ذاتها افتتحت قصيدة النثر مجراها محملة، هي الأخرى،بالأهواء نفسها، حريصة على التخلص مما تعتبره قديمها (قصيدة التفعيلة). يعلن فاضل العزاوي ،معبرا عن رؤية جماعة قصيدة النثر: "القصيدة الجديدة هي التي تخلق قوانينها الخاصة بها حيث لا توجد قوانين مقررة سلفا اطلاقا " ( 4 ) .

هذا هو المشهد الشعري اذن .

تاريخ مليء بالجراحات والتصدعات .كل حركة تنشد التخلص مما تعتبره قديمها، وتهفو الى محوه كي تشرع في الابتداء. تاريخ طافح بالسجال والرغبات والأهواء.

هذا التماثل الظاهر بين الحداثة الشعرية الغربية والحداثة الشعرية في الثقافة العربية سيؤدي الى بروز نوع من الوعي الشقي يحول دون الشروع في مساءلة خطاب الحداثة لأطروحاته ومنجزاته .والثابت أيضا أن الاندفاعة التي شهدتها قصيدة النثر مشرقا ومغربا، ستزيد الوعي شقاء (5) وتجعل عملية المساءلة تكف عن كونها قراءة للنصوص واستكشافا لما طال حدث الكتابة من تحولات وتغييرات ، وتصبح مجرد مراجعة متوترة تحكمها الأهواء وتديرها الرغبات ، مراجعة تتخذ أكثر من مظهر وتتزيا بأكثر من قناع . فترد في شكل تبرؤ من منجزات حركة التحديث الشعري يقوم به شعراء الحداثة أنفسهم ، تبرؤ يصل الى حد اعتبار الحداثة فعل تدمير طال الشعر العربي في العمق . يقول محمود درويش: أدان تجربة الحداثة قد دمرتنا جميعا فأصبحت القصيدة العربية قصيدة واحدة تألب على كتابتها آلاف الشعراء (6).ثم يجزم معلنا:

 " نحن محتاجون الى العودة الى الأصالة (7).

تتحول هذه المراجعة ، أحيانا أخرى، الى موقف يلح في نبرة طافحة بالنوح عل الذات والندب على الثقافة العربية ، على تراجع الشعر وتلاشيه وتوغله عميقا في عتمة الأفول . يقول أدونيس في بيان الحداثة: " ليست الحداثة وحدها غير موجودة في الحياة العربية، وانما الشعر نفسه هو كذلك غير موجود"(8). وهذا ما يذهب اليه الخطاب النقدي أيضا. يقول خليل النعيمي مثلا، في نبرة طافحة بالتشفي، " كما صنعنا الفن الشعري قديما حين كنا بحاجة اليه ،فنحن في سبيل تشييعه الآن . ويأتي موته

دليلا على نمونا(9).

لكن الالحاح على أن حدث الكتابة الشعرية في الثقافة العربية يحيا، اليوم ، أعتى مأزقه انما يتم ويأخذ حجمه ومداه دون أن يقع التفطن الى أن المأزق يوهم ، في الظاهر، بأنه مأزق الشعر في حين أنه يطال الكتابة بمختلف أجناسها. انه ضارب بجذوره عميقا في بنية الثقافة العربية المعاصرة .

ان الحديث عن المأزق وتفخيمه على هذا النحو انما يتم دون وعي بأن العلاقة التي فتأت تحصل بين النص الابداعي المعاصر والخطاب النقدي المرافق له ليست علاقة تعاضد بل هي علاقة تعارض يصل ، أحيانا، الى حد التنابذ. فلقد ظل الشاعر والناقد يناديان ، منذ العشرينات ، بضرورة تخطي القديم وهدمه وتجاوزه. وظل الخطابان ، النقدي والتنظيري، يكرسان هذه المغالطة الى اليوم . فيما كان النص المنجز، النص الابداعي (الشعري والروائي معا) يشير الى أن التأسيس الحقيقي لا يمكن أن يتحقق ويكون الا بتحرير الذات الكاتبة . وتحرير الذات الكاتبة مشروط بتحرير ذاكرتها. كما أن تحرير الحديث العربي مشروط ، هو الآخر، بتحرير القديم العربي مما طاله من تدجين وترويض واحتواء.

من هنا ندرك أن الحديث عن المأزق أنما يشير، صراحة ، الى أن النص المعا هو يحيا بيننا غريبا. أننا نوهم بأننا نقرأه فيما نحن نستبيحه بواسطة مناهج ونظريات نجريها عليه عنوة وقهرا واغتصابا. لذلك يظل هذا النص يبادلنا مكرا بمكر. ولذلك أيضا سيظل هذا النص يصرخ في ليل وجودنا منتظرا أن نقترب منه ونستكشفه . اننا نوهم بأننا نقترب منه فيما نحن نمعن في الابتعاد عنه معلنين ، في نوع من التشفي، تراجعه وانكفاءه وتلاشيه .

انها المارقة.

وللمفارقة بيننا تاريخ ومدى. ولها أيضا سلطان هو الذي يجعلنا نطرح على أنفسنا من الأسئلة ما يحول دون تمثل ما يجرى في نصوصنا وذواتنا من تغييرات وتحولات وصراعات . تنبرا من قصيدة النثر(10) دون ان نقترب من لحظات قوتها واندفاعها. او نركز على لحظات وهنها (11) لنجزم بموت الشعر وتلاشيه.

صحيح ، مع ذلك ، أن قصيدة النثر توهم بأنها لحظة انقطاع وتصدع في مسار الحداثة الشعرية العربية . ولكنها ستولدة عنه طالقة من صميمه . فلقد جاءت تكرس ما انبنى عليه خطاب الحداثة من تسليم بأن الكتابة فعل تخط دائم ، فعل هدم وتجاوز وابتداء. شرعت بداياتها في التشكل مع حركة التحديث الرومانسي بالمشرق العربي (12). ثم شهدت اندفاعة مع أنسي الحاج ويوسف الخال والماغوط . معنى هذا أنها بدأت قبل قصيدة التفعيلة ..ورافقت حدث خروج الكتابة على نظام الشد ين . لكنها ظلت تشغل من المشهد الشعري هوامشه . حتى لكأنها انما تمثل أفق انتظار.

والناظر في مسار الكتابة الشعرية اليوم ، يلاحظ أن الكتابة قد توغلت في هذا الأفق: ان قصيدة النثر تكرس وتعمم بالمشرق والمغرب . لكنها تطرح هنا وهناك من منظور أيديولوجي. ويقع الكلام عنها من وجهة نظر سجالية متحمسة . والحال أن التسمية في حد ذاتها، قائمة على مفارقة مذهلة .

إن كلمة " قصيدة " تدرج الكلام في دائرة الشعر. أما كلمة " نثر" فتخرجه من تلك الدائرة . فاذا مارسنا قراءة التسمية من اليمين الى اليسار (قصيدة / نشر) نجد التسمية ذاتها ترسم أمامنا الشعر (قصيدة ) وهو يتلاشى، تحت مفعول عملية الاسناد، في النثر. أما اذا قرأنا عكسيا (نثر/قصيدة ) فإن التسمية تضعنا في حضرة النثر وهو يهفو الى الترد على منزلنه ينشد التحول إلى شعر.

لكن هذه المفارقة كانت قد حسمت في الماضي على أيدي المنظرين العرب القدامى (13) . فلقد ميز العرب القدامي، في تلك الأز مان ، بين الشعر / النثر/الشعرية . وألحوا جميعا على أن الشعرية تقع في الشعر وتندس في النثر. فتجعل الحدود الفاصلة رجراجة . وتعتصر المسافة الممتدة بين النمطين ، تكاد تلفيها أحيانا. لذلك نلاحظ أن الحدود بين النثر الفني والشعر، في الثقافة العربية ، واقفة هناك على الشفا الخطير. تكاد تمحي ولا تمحى.

مهنا بالضبط يأتي الوزن ليضطلع بمهمتين في غاية الخطورة . تتمثل الأولى في كونه ينهض بدور تمييزي. انه بمعنى آخر، عبارة عن عتبة واقعة في " المابين "، عتبة تقي النوعين من التلاشي . فالوزن يقي الشعر من التلاشي في النثر. وبذلك تصبح الشعرية صفة حاضنة لهوية الشعر. والوزن أمارة مانعة لنوعه . انه الخيط الدقيق الواهي الذي يحفظ النوع ويقيه من التيه والتلاشي في غيره . وتتعكر المهمة الثانية في كون الوزن يضطلع بدور تعميم الايقاع ودفعه نحو الذرى التي تميز الشعر عن سواه .

هكذا يصبح الوزن عبارة عن أرضية على أديمها تنغرس بقية المكونات الايقاعية. ومن تضافر الوزن مع بقية المكونات يتولد الايقاع باعتباره لحظة واقعة في تلك المكونات والوزن ، مفارقة لها في الآن نفسه . ذلك أن الايقاع ليس مجموع مكوناته بل هو محصل تفاعلها. انه ناتج عنها مفارق لها.

والمقصود بالوزن هنا ليس البخور الخليلية (هذه مغالطة تمتلك بيننا حضورا فاعلا). ان المقصود بالوزن عند القدامى - وهو ما لم نتمثله -(14) يمكن أن يتجلى في شكل تفعيلات او مقاطع أو نبر. المهم أن الوزن مكون ايقاعي يرد بمثابة أرضية على أديمها تنغرس بقية المكونات الايقاعية سواء كانت صوتية أو دلالية أو صوتية دلالية فيجريها ويديرها وفق نسق ، بموجبه يضمن الكلام حدا من التناغم الداخلي لا يمكن أن يطاله أن هو عدم تلك الأرضية .

يعني هذا، ضمنيا، أن اقصاء الوزن المتعارف مغامرة لا يقدر عليها إلا من تمرس بالشعر تمرسا يمكنه من استبدال هذه الأرضية (الوزن ) بما ينوب عنها، وينهض بدورها. ووقتها فقط يستل النص من مكوناته البانية لجسده ما به يبتني له ايقاعا خاصا يضمن له البقاء في دائرة الشعر. ووقتها فقط أيضا، يكف النص عن كونه يرفض ما ليس له عليه اقتدار أي الوزن ويهفو الى ما ليس له عليه اقتدار أي ما ينوب عن الوزن .

إن قصيدة النثر، بما يثيره حضورها بيننا من تصدعات ، إنما تضع الخطاب النقدي في حضرة ما داخل أطروحاته ومسلماته من مغالطات جعلته عاجزا عن الاحاطة بما يعتمل في صميم النصوص وأصقاعها من صراعات وتحولات . فلا يتمكن تبعا لذلك ، من الاحاطة بسؤال الشعر. والحال أن الشعر المعاصر، بمخلف - تقاطعاته وخطاطاته ، قد تمكن من الاضطلاع بأشد الأدوار خطورة وأهمية في مسار الثقافة العربية المعاصرة . بل إن سؤال الشعر هو الموضع الذي تتلاقى فيه كل أسئلة الراهن الثقافي العربي وتنحدر منه . لأنه سؤال يخص الثقافة العربية عبر مجمل عصورها وما شهده تاريخها من انقطاعات وتصدعات خطيرة مفجعة جعلت العلاقة بين التراث الرسمي وهوامشه المقموعة معطلة في ذواتنا ونصوصنا. وأدت الى تعطيل ساكل فيما يخص تمثلنا لعلاقة النص الابداعي المعا هو بالقديم العربي.

ههنا بالضبط افتتح الشعر المعاصر هجراه . ومهنا بالضبط نهض بأشد الأدوار عنفا ومضاء. ان الشعر كما يعلن عن نفسه في ديران الشعر العربي المعاصر، هو نداء الحرية . والكتابة فعل تحرير أ يظل مصادرا مغيبا في ذواتنا ونصوصنا كما سنبين . لكن فعل التحرير هذا لا يتجل فيما تقوله النصوص فقط ، بل فيما تتستر عليه أيضا. ولا يتراءى فيما يعلن عنه الشعر فحسب ، بل فيما يتكتم عليه أيضا. وهذا الذي تتكتم عليه النصوص ولا يخبر عنه الشعر تصريحا، لا يمكن للقراءة الوظيفية النفعية أن تطاله . لأنه يرد مندسا في بنية النص عالقا بطرا ثق تشكل الكتابة وكيفيات تعالق الملفوظات وتشابك الصور وتوالد الرموز.

لذلك رشحنا، كي نكشف عن هذه الظاهرة ، تجربة محمود درويش لأنها تجربة ظلت تتشكل مأخوذة بفكرة الحرية مسكونة بها الى حد الهوس . وهذا ما جعل الدراسات النقدية التي تناولت هذه التجربة تعمد الى تمجيد السياسي وتعليه على نحو، بموجبه ، تصبح القراءة افقارا للشعر بتغييب منجزه الفني وحجب أسئلته ، وافقارا لمفهوم الحرية باختزاله في الآني الظرفي العابر. ذلك أن أغلب الدراسات التي عنيت بهذه التجربة كانت وظيفية ايديولوجية يحركها حرص مضمر مسكوت عنه على احتواء الشعر وتدجينه والحد من اندفاعاته وهديره قصد لجم المتوحش فيه وترويضه بتغييب ما من متخيلنا يعلن عن نفسه فيه .

إن الشعر، كما يعلن عن نفسه في هذه التجربة هو نداء الحرية كما قلنا. لكن الحرية هنا ليست مجرد مفهوم ينشد ويقع التفني به واستنهاض المتلقي لطلبه . بل هي فعل ينجز في الكلمات وبالكلمات على نحو، بموجبه ، يصبح النص موضعا تسترد فيه الذات حويتها. وتصبح الكتابة وقوفا ضد المتعاليات . ويصبح الشعر إقامة في الرحيل نحو دروب تضمن للكتابة شروط الابداعية . ذلك أن الشعر لا يكون في هذه الحالة ، فعل هدم للقديم وتجاوز له ، ولا يكون فعل محو وابتداء. بل يرد بمثابة حلقة نامية في مسار الابداع مطلقا. انه لا يلفي ذاكر ته بل يستدعيها. ولا يتملص منها بل يستكشفها.واذا الكتابة حفر في الذاكرة وغزو لما احتمى بالنسيان ولاذ بالظل .

هكذا تضعنا الكتابة في حضرة العلاقة التي ما تفتا تتم بين اللحظة الحاضرة وتلك التي أمعنت في المضي، بين النص الابداعي الحديث وذلك الذي علق من ذاكرتنا بقاعها. وهي، بذلك ، تشير، إيماء، الى أن تحرير الذات الكاتبة ودفعها على درب التأسيس الحقيقي لا يمكن أن يتم الا مرورا بتحرير ذاكرتها المحجوزة ، ذاكرتها المليئة بالشروخ والتصدعات ، بالتعطيل والانقطاعات. لأن جراحاتنا مثل أحزاننا ليست وليدة اللحظة الحافرة، بل هي آتية من بعيد. وتغريبتنا لم تبدأ هنا والآن ، بل رافقت جميع مراحل تشكل متخيلنا الذي ظل هو الآخر،محجوزا مصادرا مغيبا في تاريخ الثقافة العربية عبر مجمل عصورها.

يعلن هذا الحدث ، حدث تحرير الذاكرة وتحرير المتخيل عن نفسه وفق طرائق متعددة تتبع مسالك ملتوية، مواربة، تجعل الاحاطة بها متعلقا يكاد يطال ولا يطال. وهذه بعض تجلياته:

أ - مكر التاريخ ومكائد الكتابة

ما من شاعر، تحت الشمس ، إلا وهو يحيا مأخوذا بالكلمات ، مفتونا بهديرها واندفاعاتها، منشدا الى الأشياء، مشدوها أمام الفوضى، الفوضى العارمة. وببراءة طفل يشرع في اللعب بالكلمات والأشياء. واللعب هنا فعل وجود. انه أعظم

فعل ما رسه الانسان على الاطلاق . ذلك أنه لا وجود للكائن خارج ما تسمح به الكلمات لأن الكلمات هي ميدان المواجهة. وهي ميدان صنع ما يبقى من الأفعال والأحداث .

والناظر في شعر درويش يدرك ، بيسر، أن الكتابة واللعب صنوان . بل أن اللعب قانون عليه جريان الشعر ومتصرفه . وهو الذي يجعل الكتابة تواجه النظام بالفوضى. والمتأسس بالتفكيك والبعثرة . وتعلن عن نفسها في شكل مساءلة لا تكل

ولا تهدأ. لذلك تتعلق بالتاريخ . لا لتسايره . بل تنشد إليه لتخاتله . وتشرع في خلخلة قيم صارت - وهما - جزءا من ذلك التاريخ .

يكفي هنا أن ننظر في نص "مأساة النرجس ملهاة الفضة" حتى نجد اللعب يتخذ حجمه ومداه ويرد بمثابة مرتكز عليه مدار الكتابة وجريانها. لكن للعب أقنعة يتزيا بها .

*يرد في شكل سخرية تتخذ أكثر من مظهر. تتجلى مريحة أحيانا:

- لو كان ذو القرنين ذا قرن

- لو كان قيصر فيلسوفا

- تاريخنا تاريخهم

لولا الخلاف على مواعيد القيامة

  •   سنزرع فلفلا في خوذة الجندي ( 1)

ثم ترد خفية تعلن عن نفسها في شكل اقامة علاقات نصية بين أشد الرموز دلالة على المقدس والقداسة (آدم ) وأشدها دلالة على الأرضي الحيواني المدنس

(الديك ):

وصب آدم في رحم زوجته على ديك لاينام

مرآى من التفاح لأن في الدنيا

شهد الشهوة الأولى

دجاجات

نر يتجلى اللعب أيضا في شكل بعثرة للأزمنة والأمكنة على نحو، بموجبه ، يصبح النص موضعا تتعاصر فيه الأزمنة جميعها. وتلتقي ، في رحابه ، الأمكنة كلها. لذلك تتوالد الرموز الدالة على تلك الأزمنة اذ أن كلا منها ينتمي الى زمن خاص "دم / قلقا مش / هرقل / أوليس / مريم / ها جر / ذ و ا لقرنين / . .

الخ ). وتتوالد الأسماء الدالة على الأمكنة أيضا (روما / أثينا / قرطاج / صور / دمشق / آسيا الوسطى / أورشليم / 00 الخ ).

* يرد اللعب أيضا في شكل مزج بين الغرائبى الخارق:

رجال أصبحوا شجرا

من المرجان في قيعان البحار

يستطيع بريدنا المائي أن يأتي على منقار هدهد

وغزالة الأبد التي زفت الى النيل الشمالي الصعود

والعادي المتعارف:

بقر ينام

ويمضغ الأعشاب

(قوم )

عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم . . .

ويزوجوا أبناءهم لبناتهم . . . ويعلقوا بسقوفهم

بصلا ، وبامية، وثوما للشتاء

وليحلبوا أثداء ماعزهم

* يطال اللعب أيضا مستوى التصرف في الكلمات وتعالق الملفوظات . ويشمل مستوى الاستعارة . فتصبح الكتابة قائمة على الاضمار والقصد اضمار تحريف الكلام عن مواضعه وتحويله عن مقاديره . نذكر تمثيلا هذه الاستعارات:

- عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم

- عادوا على أطراف هاجسهم

- مضرجا بثيابهم

وهي جميعا استعارات تتولد عن تحريف جرت في الكلام مجرى العادة فصارت متعارفة تدخل في باب العادي من الاقاويل . ( 16 )

الاستعارة كما وردت في النص الاستعارة كما ترد في الاستعمال

  •   عادوا ليحتفلوا بماء

  •    عادوا ليحتفلوا بماء

وجودهم وجوههم

  •   عادوا على أطراف هاجسهم

  •    عادوا على أطراف

أصابعهم

  •   مضرجا بثيابهم

  •    مفرجا بدمائهم

وبالاضافة الى ذلك يطال اللعب مستوى الكلمات من جهة المستوى الصوتي والدلالي . نذكر تمثيلا:

- ما سوف يحدث للصقور اذا استقرت في القصور.

- فتنة أو محنة .

- غاض أم فاض

- خذني الى سفر / خذني الى وتر / خذني الى مطر

كما يطال مستوى التلاعب بالكلمات والضمائر:

- تاريخنا تاريخهم / تاريخهم تاريخنا

- نهايتنا بدايتنا

- بلادنا هي أن تكون بلادنا

وبلادنا هي أن تكون بلادها

- مستقبلين مودعين

- أقصى الوضوح هو الغموض

ثم يتحول اللعب الى نوع من اللامبالاة والعبث بأفانين الوصف والاخبار كما جرت في الاستعمال . وهذه ظاهرة تتخذ أكثر من شكل منها مثلا:

* وصف الشيء بذاته ؟

- الرمل رمل

- البحر بحر

- الليالي كلها ليل

- الجحيم هو الجحيم

*وصف الشيء بضده:

- السؤال جواب

هكذا يعول النص على مكوناته البانية لجسده . ومن صميمه يستل ما به يبتني شكلا خاصا ونظاما خاصا وبنية خاصة، أنه يستدعي مكوناته (الكلمات / البنى التركيبية النحوية /  الاشتقاقات الصرفية / الأزمنة / الصور / الرموز . .

الخ ).. يبعثرها حينا، ويستجمعها جينا آخر ليبني بها شكلا جديدا. يشرع في بعثرته من جديد"حالما يفرغ من تشكيله واقامته وابتنائه .

وبذلك تصبح بنية النص نفسها دالة على العبث واللامبالاة والتيه الكوني الشامل . ان الشعر يقول ما يتكتم عليه التاريخ . بل ان الشعر يفضح ما لا يقوله التاريخ . فالرموز تشترك في الدلالة على الخروج والتيه في رحلة عذاب لا تنتهي (قلقامش الذي خرج من أروك / أوليس الذي أقام في الرحيل / آدم الذي طرد من السماء وشرد في براري الفناء / هاجر التي هاجرت في هجرة لا تنتهي .. الخ ). أما الأمكنة فانها ترد، في النص كما لو أنها مكان واحد يتراءى على أديم مرايا متناظرة. لذلك تلتقي قرطاج / وصور / وروما / وأثينا / والساحل السوري /

والأندلس / وطروادة / وآسيا الصغرى. . الخ . حتى لكأن الأمكنة نفسها تشرع ، حين النص يبعثرها