غادة السمان و" القمر المربع"

عبداللطيف أرناؤوط  (كاتب سوري)


لم تكن المجموعة القصصية بعنوان (القمر المربع ) بعيدة عن اتجاهات الكاتبة المبدعة "غادة السمان " فهي في مجمل نتاجها الأدبي، تسعى الى الوقائع المتفردة، والمدهشة، وهي حتى في قصصها التي تعالج فيها الواقع الحسي تجهد في إسباغ لون من خصوصية الواقعية النفسية على أعمالها، إنها تسلط اهتمامها على الشخصية الانسانية، فنماذجها تعاني بصورة عامة من شتى فروب الحصر والكبت والعقد النفسية، إنها شخصيات غير سوية أو تفتقر الى التوازن النفسي بسبب أنواع الصراع التي تعاني منها، وهو صراع يتم بين الشخصية ومطامحها، أو بينها وبين المجتمع، فمن البدهي أن تكون عناية "غادة السمان " منصبة على العوامل النفسية التي تجري في لا شعور الشخصيات، وعلى تجسيد عالمها الداخلي اللاواعي من خلال تصوير الأحلام والهذيانات والكوابيس التي تفصح عن  العالم الداخلي المضطرب للشخصية، والتوتر النفسي الذي يهزها، وفقدان الرقابة على الذات.
وقصص " القمر المربع " محاولة من " غادة " لولوج باب الأدب الغرائبي الماوارئي واللامعقول، لكنها قصص لا ينفصل فيها الواقع عما وراءه، وإنما يندمجان معا من خلال تصور الحياة الخارجية والنفسية للشخصيات التي رسمتها، غير أن الشعور يعمل لدى هذه الشخصيات عملا ضئيلا جدا إذا ما قورن بنشاطها اللاشعوري المسيطر، حتى ليحس القاريء أن أبطال قصص " القمر المربع " لا يحيون حياتهم العادية، ولا يخضع تفكيرهم لمنطق الحياة، وإنما تستولي عليهم الأحداث، وتقودهم عقدهم وكبتهم وعدوانيتهم الى نسج أوهام وعوالم غريبة يتصورونها، وهي التي توجه سلوكهم، إنهم يعيشون بيننا في وضع يشبه وضع النائم، مع فارق أن النائم لا يستطيع أن يتصرف في المناهم، في حين أن تصرفاته اللاشعورية في اليقظة تشبه السائر في نومه.
وإذا كانت " غادة السمان " في هذه المجموعة، تقدم نماذج بشرية يمكن دراستها وفق معطيات علم النفس، وردها الى محاور نفسية معروفة كانفصام الشخصية، وتوهم الأشباح والجنون، فإنها تتناول مسائل غرائبية أكثر وعورة، لم يجد لها علم النفسى أو العلوم الأخرى تفسيرا - حتى الآن - كالتخاطر وقدرة الفكر على تحريك الأشياء، والتقمص،وهي مسائل كانت الكاتبة قد أوفتها حقها من الدراسة في كتابها " السباحة في بحيرة الشيطان " وتعود لتثير بعضها في قصص "القمر
المربع " عبر هاجس قصصي.
وقد نخطيء حين نظن أن " غادة " جنحت الى الغرائبية لغرض إدهاش القاريء فحسب، وتوفير جو من الخصوصية لقصصها، فوراء كل قصة رؤية تضعنا في مواجهة حضارتنا وعصرنا اللذين بضغطهما العنيف على الانسان، أفقداه توازنه ودفعاه الى الاضطراب النفسي، فكان لابد للقصة أن تعكس ذلك القلق النفسي المعاصر، وما سببه من انهيار عصبي،وقردية قاتلة، بعد ما كان الانسان في العصور السابقة أكثر نزوعا الى التواصل، وانسجاما مع المجتمع، حيث كان تكيفه ونزوعه الاجتماعي يمتصان قلقه وانحرافاته النفسية، ولا يتيحان للأزمات المترسبة في لاشعوره أن تسيطر على قدراته النفسية، ويبدو أن للكاتبة من هذه القصص أبعادا بعيدة، فهي تطمح أن تتابع آثار المأساة اللبنانية على المغتربين من أبناء لبنان وتدين الحرب. مثلما تسعى أن تحدث في القاريء لونا من التطهير ينجم عن الآثار التي تخلفها قراءة هذه القصص، فيعود الى إنسانيته وتوازنه فيما إذا كان يعاني من عقد التغرب النفسي التي يعاني منها أبطال القصص، ويمكن القول إن هذا اللون من الأدب هو أدب وقائي من حيث الصحة النفسية، وهو أدب
ملتزم من حيث تحليل الأسباب التي تجر الانسان المعاصر الى الانهيار، وتحمل المؤسسات الاجتماعية مسؤولية الأمراض النفسية المتفشية، والدعوة الى إعادة النظر في جميع المشكلات التي تثير الأعصاب، ومنها مشكلات جنسية وبيئية وعائلية يؤدي كبتها انفعاليا في اللاشعور الى اختلال الشخصية الانسانية، وإن دعوة الكاتبة "غادة " الى إقامة علاقة متناغمة بين الانفعالية والغريزة والشعور هي لون من العلاج النفسي، تغدو فيه القصة بديلا عن الصدمات الكهربائية أو  الأنسولين في معالجة الفصام أو الهوس الاكتئابي أو الخلط العقلي.
ولا أزعم أن الكاتبة تطمح أن تقدم دراسات نفسية في قصصها بالمعنى المجرد، ولكن في هذه القصص ما يصلح أن يكون مادة للتحليل النفسي الذي لا يملك القدرة على القيام به سوى المحلل النفسي المختص، وبهما يكن.. فليس من مسات الأديب أن يقيم تصوراته على أسس ومباديء نفسية علمية موضوعية، لأنه ينطلق من الذات في رسم معالم شخصياته فإن هو رسم توتراته الداخلية الخاصة به، وصدر في عمله عن دافع ذاتي، عد نتاجه حالة نفسية ذاتيه يمكن تحليلها.. وإن جرد ذاته، وجهد أن يجسد بحدسه الأوضاع النفسية للشخصيات المحيطة به، وهو أمر عمتي على التحقيق، عد عمله محاولة منهجية لرسم عوالم النفس المجهولة،ومقاربة للتحليل النفسي الذي يقوم به الباحث المختص.
وإنني ألاحظ أن أعمال "غادة السمان" مما مزيج من الأمرين اللذين سبق ذكرهما معا، فلا يمكن تنحية قصصها عن ذاتها، ولا سيما أن كثيرا من المحللين يرون في عملية الابداع الفني ظاهرة سيكوباتية، وهي محاولة من المبدع للتعويض عن الاضطراب النفسي، وبا لمقابل فان كثيرا من القصص في المجموعة تعكس الوسط الحياتي الذي تعيش فيه الكاتبة.. فالشخصيات كلها في المجموعة القصصية هي شخصيات متغربة. وضعت في غير بيئاتها الأصلية، فالقصص تعالج الضغط والتوتر النفسي الذي تعاني منه هذه الشخصيات بسبب فقدان توازنها الناجم عن اغترابها، وقد اعتمدت " غادة " على حدسها لرؤية الحقيقة دون الاستناد الى براهين، حيث تفاعلت أناها الواعية بالهو والأنا العليا اللذين يشكلان
اللاوعي، ومدار هذه القصص أنها تطرح السؤال التالي:
لماذا يسلك الانسان سلوكا لا يقتنع به في أعماقه.. ؟؟؟
وماذا يترتب على سلوكه من نتائج تتجمع في لاوعيه حتى تؤثر في حياته النفسية..؟
وتدرك الكاتبة " غادة السمان " جيدا أن الحرية الانسانية التي تدفع بالانسان الى الخروج عن الأعراف الاجتماعية لتحقيق ذاته، تفرض عليه أن يقوم أعماله بصورة مستمرة، وفي هذا التقويم المتواصل، تكمن معاناة الانسان وعذابه النفسي،  وصراعه المضني بين طموحه وواقعه.
" قطع رأس القط " عنوان القصة الأولى من المجموعة.. وهو مستمد من المثل الشعبي " اقطع رأس القط من أول ليلة " تضع الكاتبة بطلها " عبدالرزاق " في دوامة الصراع بين عالمين متغايرين، فهو لبناني مغترب يريد أن يتزوج،وهو يدعى "عبدالرزاق "عند معارفه وأهله من اللبنانيين في باريس.. لكنه - يدعى "عبدول " في فرنسا، ويحمل في أعماقه إرثا شرقيا من العادات والتصورات عن الزواج والمرأة التي يريد أن تكون زوجا له. لكنه يتمزق بين نمطين من النساء، نمط المرأة الشرقية التي تمثلها أمه، وعمته العزباء، اللتان يحبهما ويرى فيهما مثالا للمرأة المرغوية في أعماقه، المرأة التي ارتسمت صفاتها في لاوعيه منذ الطفولة (لها فم يأكل، وليس لها فم يحكي، ما قبل فمها غير أمها، لا تغادر البيت دون استئذان، ولا تلد الا الصبيان، خادمة في النهار وجارية في الليل ). يقابلها في خياله (المرأة العصرية المتمثلة بالفتاة اللبنانية " نادين " التي هربت أسرتها من الحرب وهي في العاشرة، فكبرت في باريس وتوهجت مزيجا من سحر الشرق والغرب معا) وهي فتاة عصرية تمارس الرياضة وترتدي الشورت، وتمارس هوايات القفز من فوق الجسر الى ماء النهر، وتؤمن بحريتها الشسخصية الى أبعد الحدود، وتتحلى بالواقعية والثقة بالنفس في اتخاذ القرار، كان "عبدول " يطمح الى الزواج منها، ويخافه في الوقت ذاته، فقد أرعبته شخصيتها العصرية المسيطرة التي تضاءلت أمامها شخصيته التقليدية، لأنه تربى على القيم الشرقية وفي أحضان امرأة شرقية مغايرة، وأكثر ما آلمه أن " نادين " لم تكن عذراء، فهي لا ترى في العذرية شرطا لازما للوفاء لأن الخيانة النفسية في نظرها أخطر من الخيانة الجسدية، ولأن "عبدالرزاق " قد تجاوز قناعته بالمرأة الشرقية، وبالمقابل لم يصل الى القناعة الراسخة بقيم المرأة الغربية، فقد ضاع في أمر زواجه، وانهارت أعصابه حتى أسلمه وضعه الباش الى نوع من الفصام أو الجنون، فكان يخيل إليه أنه يرى شبح عمته العزباء،التي كانت تمارس دور الخاطبة على الطريقة الشرقية، والتي ماتت منذ طفولته، يراها أو على الأصح يرى شبحها في شقته أو مغادرة البناء الذي يسكنه.. تتنقل بين السيارات في الشارع حتى ليخيل إليه أنها تعرضت لحادث صدام، فيؤكد له حارس البناية أن أوهامه هي التي توحي إليه بما يرى، ويعود الى غرفته فيستعرض صورة عمته المعلقة على الجدار، وسوط أبيه المعتق " كراية منكسة لم تعد لها قدرة على الانتصاب ". ليطالعه شبح عمته مجددا، ويراها تجتاز الشارع وسيارات باريس تدهسها تعبيرا عن رغبته المكبوتة في تصفية نظرته الموروثة الى المرأة الشرقية وأعراف الزواج التقليدي، ويقرر أخيرا أن يتزوج " نادين " ثم يتراجع، لأن شبح عمته يطارده وسبحتها الموروثة في جيبه، لقد سقط في بؤرة العجز الإرادي، وقاده لاوعيه المسيطر الى لون من الكبت، وفقدان عضويته توازنها فقدانا عاما دفعه الى استحضار خيال عمته، وهي رمز الى الحواجز الأخلاقية التي تعترض زواجه من الا نادين " ورغبته العارمة في قتلها دهسا بوسيلة عصرية مسيطرا ميوله المكبوتة على الوازع الأخلاقي، وتستغل الكاتبة " غادة " القصة لتحليل واقع المرأة الشرقية البائس، بالمقارنة مع الصحة النفسية التي تتمتع بها المرأة العصرية، مؤكدة بعض القيم الجديدة التي تتبناها المرأة اليوم، وهي قيم لم يتهيأ للرجل الشرقي بعد أن يتقبلها، كتجاوز مسألة العرض والنظر الى المرأة على أنها ند للرجل، والى الزواج على أنه عملية تكافؤ بين الزوج والزوجة، وليس استلابا لحرية أحدهما، تقول نادين لعبدالرزاق ". هذه أنا امرأة لا تشعر بالذنب لمجرد أنها ولدت أنثى، ولا تعتذر حتى عن نزواتها كأي رجل، وليس بوسعك أن تمتلكها إلا اذا أحبتك.. ".
وفي قصة " التمساح المعدني " نلحظ تشابها في موقف " غادة السمان " من الحضارة الغربية، فالشرطية الزنجية التي تعمل في سلك البوليس الفرنسي تصرعها جزافة تحت تأثير قوى سحرية خفية يملكها الساحر " دونجا " ولعل التمساح المعدني عنوان القصة يرمز للحضارة الغربية التي تلتهم بقسوة الحضارات التاريخية الأخرى، وتحول مدنيات العالم الى نسخ عنها، فبطل القصة "سليمان " لبناني مهاجر من القصف يفر الى باريس، وكان والده في " بيروت " يمارس ألعاب الخفة في الملا،هي، فاقتبس عنه الكثير، ومارس عمل المنجم في باريس حيث يفد إليه الشرقيون الذين مازالوا يؤمنون بالسحر لقراءة حظوظهم ومصائرهم، كان بصارا وفلكيا وساحرا ومنجما، فجنى الربح الوفير، لكنه كان يدرك في أعماقه أنه لا يملك أي قوى سحرية خفية، غير أنه قانع أن بعض الناس يملكونها، الى أن التقى في المطار زنجيا يقف في طابور المنتظرين لتصفية جوازات مرورهم، فأحس إحساسا مبهما بأن هذا الزنجي يملك قدرة سحرية خارقة بجمجمته الضخمة ونظرته المرعبة من عينين تشبهان كرتين نافرتين، ينظر الزنجي الى كلب ضخم مرعب يقف في الظلام ويعوي، فيهدأ نباحه، يعزو سليمان هدوء الكلب الى قوة سحرية في عيني الزنجي، وينظر الزنجي الى نافذة مفتوحة تتسرب منها الريح، فتنطبق درفتاها من تلقاء ذاتها، فتتعزز قناعة سليمان بأن هذا الزنجي الذي قذر أن يكون اسمه "دونجا" يتمتع بقوة سحرية غامضة، ويحاول أن يعزو أوهامه الى آلام يشعر بها في ضرسه، لكن طفلا في حضن أمه يطلق صرخات بكاء فيحدق فيه الزنجي فيهدأ ثم تقبل شرطية زنجية فتنادي " دونجا ".. فيذهل سليمان لأن حدسه كان صادقا، فقد قدر في ذهنه أن يكون اسمه.. وتزجر الشرطية الزنجي فيغضب. ثم يغادر سليمان القاعة من الباب المخصص للخروج، وهو يتوقع في أعماقه أن الساحر " دونجا " سينتقم من الشرطية السوداء، ويتابع سيره باتجاه محطة المترو، فيخيل إليه أنه يسمع لونا من قرع الطبول الغاضبة، طبول افريقية توقع رقصة التام تام.. ويرى " دونجا " في ثياب ساحر، وتجتاز الشرطية السوداء الشارع، فيذهل سليمان للمفاجأة إن سيارة الشرطية المتوقفة تتحرك بلا سائق وكانت تقف قرب الرصيف وتتجه صوبها متسارعة، وتصدمها، فتطير في الهواء وتتلقاها جرافة واذا بها وقد تعلقت جثتها بأنياب الجرافة، ما أغرب هذه الحادثة... أيكون " دونجا " هو الذي حرك السيارة بقدرته السحرية ؟ ويثبت التحليل أن كابح سيارة الشرطية لم يكن مشدودا. وأن الحادث قد وقع مصادفة، أما سليمان فيعتقد جيدا أن " دونجا " وراء مصرعها، لكنه لا يجرؤ أن يقول الحقيقة، بالرغم من أن صوت دونجا يهمس في أعماقه قائلا "نعم.. قتلتها، هذا عقاب أمثالها عندنا".
تقدم القصة حالة مرضية سببها فكرة ثابتة تحيا في عقل سليمان بصورة طفيلية، فهو يعتقد بقوى سحرية يملكها بعض الناس، ويفسر بها كثيرا من الحوادث التي تمليها المصادفة، وربما من رابط حقيقي بين صمت نباح الكلب أو انغلاق النافذة أو سكوت الطفل الباكي ووجود الزنجي غير أن وساوس سليمان المحصلة من ظروف حياته، جعلته يؤمن بقوى خفية قادرة على التحكم بما حوله... وسليمان إنسان مرهق انفعالي، يعاني من عدم رضاه عن عمله لأنه يكذب على الناس، وهو يدرك أن محاكماته المرضية للأمور باطلة لكن المصادفة تزيد من تشبثه بصدق حدسه، وبهوسه الجنوني، وحالته الجسمية والنفسية تسمح بتقبله الايحاء مثلما يساعد على ذ لك عامل وجداني محصل من ممارسته مهنة لا يؤمن بها، ورفضه اللاواعي للنظام والنزعة العقلية السائدة في الحضارة الغربية، واستلابها روحانية الانسان، كما تجذ ذلك في انتقام الساحر الإفريقي " دونجا " من بنت جنسه، لأنها خانت قيمها وتنكرت لجنسها.
الظواهر البارزة التي تعالجها الكاتبة في القصة هي مسألة التخاطر وتحريك الأشياء عن بعد أو توقع حدوث الأشياء قبل وقوعها وهي ظاهرة عجز العلم عن تفسيرها، وردها الى قوى روحية خاصة.
ونلاحظ شخصية بديع المغربة في قصة (المؤامرة..) ذلك التاجر اللبناني الذي مارس طفولة سعيدة في مدينة " بيروت ". ثم تبين له أن أمه كانت داعرة تقيم علاقات مريبة مع عدد من الرجال لتجمع ثروتها في فترة الحرب التي طحنت زوجها، ويطلعه رفيقها الذي كان يراوده، وهو طفل على حقيقة أمه، فكان أول ردة فعل له أن قام بخنق قطة المنزل تعويضا عن خنق أمه التي يحبها ويكرهها، ثم تقتل أمه برصاصة من أحد عشاقها، ويشق بديع طريقة في الحياة، فيصبح ثريا لكن ماضي أمه حوله الى مريض نفسي مصاب بالشيزوفرينيا فهو يتوهم أن مؤامرات تحاك ضده، فلا يأكل من المعلبات خشية أن تكون مسممة، ويشتري خضرته بنفسه، ويعقمها مرات، ولا يشرب في الحانات لئلا يدس له أحد سما في الشراب، ويخاف النمل والصراصير ويحرص على إبادتها ويجفل كلما رن جرس الهاتف، وهو موسوس من جهة النظافة، يغسل يديه عشرات المرات كلما صافحه مخلوق، ويحتفظ بثياب معدة للهرب، وبجواز سفره احتياطا من مداهمة أعداء وهميين، فقد يضطر الى الهرب من لندن حيث يقيم ويعمل، بعد أن احتفظ في بيته بضريح أقامه لأمه في غرفة مخصوصة، وادعى أن صاحب البيت الذي اشتراه منه هو الذي أقامه.
وكان يعاني من عجز جنسي مع حبيبته " اليزابيث " لكنه كان يعوض عجزه بالهرب الى المومسات حيث يمارس رجولته " وحين سألته إحداهن عن أمه كتم أنفاسها بمنديله، ويصاب بانهيار من الفصام بل من هذيان الاضطهاد، ويعود عقله الباطني الى الانتقام من الطبيب الذي يتوهم أنه يخونه ويريد الزخ به في مصح عقلي بالاتفاق مع ابنة عمه اليزابيث، فيقرر قتلها، ويزورها في بيتها ويخنقها بربطة عنقه ولم يترك خلفه بصمات، وحين تقبل الحسناوات لتعزيته لا يعيرهن اهتماما، لأنهن جزء من مؤامرة تستهدف حياته، ثم نكتشف أن هذه الأعمال مارسها ""بديع " دون أن يدري لأنه مصاب بأزدواج الشخصية، وكان يحوكها عقله الباطن وتقوم بها شخصيته الداخلية التي سماها (عيدب ) وهي مقلوب اسم (بديع )، وقد سيطرت هذه الشخصية الباطنية على شخصيته الضعيفة الخارجية، وأخذت تناقشها، انه مجنون مصاب بالشيزوفرينيا يعاني من رواسب طفولته التعيسة وتحكمه.
نلاحظ أن القصة تحليل لأوهام مريض مصاب بالفصام، تربط بين دواعي مرضه (عقدة أوديب )، ومن مظاهر هذه العقدة تعتقه بمحبوبته التي تمثل الجانب النقي من أمه، ومع ذلك فهو يعجزعن ممارسة الجنس معها، لكنه يقوم به مع البغايا لأنه غير ملزم باحترامهن، فهو قادر على أن يترك لغرائزه الحرية معهن. ويريد أن تظل أمه ملكا له، وأن تبقى رمزا للنقاء فيصبح عشاقها غرماء له، مما خلق لديه عدوانية تجاه الآخرين، مع إحساس عميق بعدم الأمن والخوف والعجز.
أما " رئيف " بطل قصة " زائرا الاحتضار " فهو ابن مزارع فقير من لبنان، داهمته الحمى وهو يكدح في حقله، وأشرفت أمه على تعليمه بعد أن باعت كل ما لديها إلا تلك الاسورة التي احتفظ بها، وقد دفعته مرارة الفقر الى أن يمارس كل الأعمال الخارجة عن نطاق القانون، فجمع ثروته من بيع الأسلحة والتهريب وا لمخدرات، وابتنى قمرا في النوفوش الشهير بشارع الشانزليزيه في مدينة باريس. فلم يتحمل عقله هذه النقلة السريعة "من زقاق الشحار الى أرقى حي في باريس عاصمة الدنيا" أولع بالنساء محظيات وزوجات، فطلق الكثيرات منهن، لكنه لم يحظ بحب واحدة منهن، لم ينجب ولدا، وكانت آخر مطلقاته " كارولين " تنحدر من أسرة فرنسية عريقة، ومن قبلها " تريسي " وقبلها " ميرنا " التي هجرها متهما إياها بالعقم في حين كان هو العقيم، يضاف الى قائمة محظياته سكرتيرته "ناهد! التي غزر بها وتخلى عنها، واحدى الراقصات التي أسلمها لرجل اخر مقابل صفقة تجارية.. لقد تحلل من قيمه الانسانية بعد أن جمع ثروته وقضى حياته في دوامة من الاجرام دون أن يؤنبه ضميره بالاخلال لحظات احتضاره.. وانهماكه بالملذات سبب له مرضا في قلبه جعله يترقب الموت في كل لحظة.
يعود " رئيف " الى قصره منهكا، فيلجه.. وبعد أن يطمئن الى أن أجهزة الأمن فيه تعمل بانتظام، يغلق بابه، ويصب قدحا من الويسكي، لكنه يشعر بإرهاق شديد وترتفع فربات قلبه المتعب، يذهله أن جرس الباب يقرع في تلك الساعة المتأخرة، ودون أن يفتح للطارق، تجتاز بابه سيدة ملفعة بالسواد، إنها " كارولين " زوجته التي سعى الى إغراقها في نهر السين بعد أن أهداها سوار أمه الذي يحتفظ به للذكرى. ويتوالى قرع الجرش، ويتوالى دخول نساء متشحات بالسواد، هن زوجاته ومحظياته اللواتي عذبهن وبينهن من ماتت من زمان، يجلسن حوله في حلقة من السواد، كأنهن يقمن بمحاكمته، في حين كان ألم قلبه يتزايد ويخيل إليه أن " كارولين " تغمد خنجرا في صدره، وتنشى كل امرأة وتطبع على جبينه قبلة الوداع، وهو يصرخ مستنجدا، ثم يغادرنه دون كلام، وتخلع " كارولين " سوار أمه الذي غرق معها وتضعه فوق صدره ثم يلوح له شبح امرأة يتوهم أنها (أم أنيس ؟ سائقه الذي عذبه وقتله، وماتت أمه حزنا عليه، غير أنه يرى فيها حين تقترب شبح أمه، فيستنجد بها راجيا، لكن الشبح يبصق عليه ويتخطاه.. يدخل الحراس والسائق مرتاعين لصوت جرس الانذار، فيجدون رئيف مطروحا في حالة الموت وعلى صدره سوار أمه، وباب القصر مفتوحا على مصراعيه، ويؤكد الطبيب أنه مات بالسكتة القلبية، لكن أحدا لا يعلم من الذي أطلق جرس الانذار أو فتح الباب، وتعجب والدته حين ترى سوارها على صدره، وهي تعرف أنه كان على معصم " كارولين " حين أغرقها في السين. كان " رئيف " الذي تشبه شخصيته أحد شخصيات رواية (ليلة المليار) ضحية يقظة الضمير، فأناه العليا استطاعت أن تحاكم سلوكه وتجره الى الندم والعذاب، ولكن شخصيته الداخلية المنحرفة لم تستسلم حتى آخر لحظة، كان ضميره الواعي يحاكم الشيطان الذي في داخله عبر كابوس عنيف دفعه الى التفكير في الانتحار، ثم جاءت النوبة القلبية لتضع حدا لعذابه، إن شعوره بدونيته ما زال يقترن بلون من الخيلاء والتحدي، إنه يعاني لونا من السيكلوتيميا أي التقلب الانفعالي الذي ذهب ضحيته.
وفي قصة "جنية البجع " يتقاسم العمل الفني شخصيتان هما الزوج والزوجة، مهاجران مطرودان من جحيم الحرب في لبنان، الزوج كان غنيا قبل الحرب، فغادر بيروت تاركا ثروته لمهب الريح، وعجز في باريس عن الانسجام مع واقع فقره، كانت الزوجة أقدر على التكيف مع واقعها الجديد، عملت ودبرت شؤون الأسرة، وذاقت مرارة الفقر بعد العز، إلا أنها تذوقت مع زوجها أيضا لذة حياة البسطاء في جلساتها الممتعة في الحدائق. يطعمان الحمام، ومتعة الحصول على الرزق بالجهد والعرق، هذه الأمور الصغيرة كونت عالما من العذاب والمتعة بالنسبة لها، وتنتهي الحرب فجأة، وتعود للزوج أملاكه وثروته، فيطلب من زوجته التخلي عن العمل، والتمتع بمباهج الثراء الذي عاد لينقلهما مجددا الى الماضي السعيد، لكنه ماض زائف في نظرها، فأصحاب زوجها الأثرياء الذين هربوا أموالهم من لبنان تخلوا عنه ساعة المحنة وتلذذوا بشقاء زوجته وكدحها، ولمست الزوجة طيبا في الفقراء وغنى في النفس لم تجده لدى الموسرين،  إنها لا تريد أن تعود امرأة ثرية تافهة أفقها لا يتجاوز مربعا ضيقا كطابع البريد، ويريد زوجها أن يلغي تسعة أعوام من الحياة المشتركة المضيئة، يلغيها بما فيها من مرارة ولذة، وبما فيها من إرادة مشتركة للبقاء وتحدي الفناء، وفي اللحظة التي تجمع أمرها على رفض العودة مع زوجها الى لبنان، وما يترتب على قرارها من نتائج مؤلمة، يقبل إليها الزوج ويخبرها أنها سيعودان الى لبنان ولكنه سيفتح في بيروت فرعا لدار الأزياء التي تعمل فيها زوجه، فيأتي قراره حلا للأزمة، فتفرح الزوجة وكانت قبل ذلك مستسلمة الى هلوساتها حيث يتراءى لها أن جنية البجع، حولتها وزوجها الى تمثال جامد الى حد أنها أحمض أن صبيا عابثا في الحديقة التي تجلس على أحد مقاعدها خدشها بمسمار في ساقها، وقض جزءا من طرف منديلها الحريري وأن صلتها بالعصافير والنوارس التي كانت تحلق فوقسا في الحديقة ليست صلة عابرة، إذ تبين لها أن هذه الطيور تنشد الكرامة والحب والألفة بمقدار ما تبحث عن رزقها وتتخلى عن كرامتها، فتنحني لالتقاط قطعة خبز تقدمها لها أيد قذرة. إننا جميعا أحوج ما نكون الى عصفور ما كي نخترع الحب، والى جنية من البجع تقرأ لنا مستقبل حياتنا.
إن قصة "جنية البجع " هي أروع قصص المجموعة مضمونا وشكلا، حلقت فيها "غادة السمان " الى أفق من الابداع، فمزجت الواقع بالأسطورة في أفق انساني رائع مثلما ألفت بين الحلم والحقيقة في تركيب بديع معجز، ولم يكن الغرائبي فيها مصطنعا، بل كان جناحا لخيال عذب يغني القصة ويمدها بمشاعر إنسانية عميقة وثرة، تخدم الحياة وتفصح عن عظمة الوحدة الزوجية التي تعزف الكاتبة على وترها، ثم تأتي خاتمتها السعيدة الموفقة محطة استراحة للقاريء يستشعر منها ثقته بالحياة وروعة الانسجام النفسي الذي يجمع بين زوجين في دوامة الفقر، اضافة اق حسن استغلال الكاتبة للرموز وتساوقها مع الجو الطبيعي للقصة.. على أن أروع ما فيها عبقرية الكاتبة في السرد الذي بدت اللغة من خلاله عالما من الجمال، وتعبيرا ناجحا عما يعجز القلم عن تمثيله بسهولة ويكعر.

وفي قصة "ثلاثون عاما من النحل ا تتابع " غادة السمان " رحلتها في أغوار النفس ا