لغــات الجـنـة
موريس أولندر

 

ترجمة : محمد أيت لعميم


 هل كان آدم وحواء والآلهة والحية يتكلمون في الجنة بالعبرية أو الفلامانية أو الفرنسية أو السويدية؟

 ألا توجد جنة عدن، التي تسقى بنهر يتفرع إلى أربعة روافد، في الغرب وليس في الشرق؟ هل توجد بجانب الفرات أو على ضفاف نهر الغانج؟ من خلال السباق الذي أجراه علماء اللاهوت،والفلاسفة والفيلولوجيون لمعرفة اللغة التي كان يتم بها الحديث في الجنة، ما هي الحدود التي يمكن أن نرسم لجغرافيتها العجيبة؟ بالطبع ستكون فيها تشعبات عديدة، لم ننته بعد من اكتشاف سبلها المباشرة وغير المباشرة.

إذا كان القديس أغسطين يبجل الرواية الرسمية لعبرية هي بمثابة «لغة بشرية» لزمن البدايات، فإن العصر القديم قد عرف معارضين للقضية العبرية.

هكذا يراهن «تيودور دوسير» (٤٦٦-٣٩٣) على السريانية كورقة رابحة ضد العبرية،ويؤكد «كريكوار دونيس» (394-٣٣٠) بأن اللغة العبرية ليست هي اللغة القديمة جدا، مدققا بأن الرب ليس «معلما في مدرسة» كما قد يتخيل، يعلم الأبجدية للأجداد الأوائل للبشرية.

 ابتداء من عصر النهضة، سيزدهر النقاش حول لغات الجنة في كل أرجاء أوروبا. ومن بين الشهود، وهم كثر، على هذه النقاشات الوطنية، التي يسعى كل واحد منها أن يتعرف في الجنة على اللغة الخاصة التي ينسبها لأجداده، سيؤلف كاتب سويدي محاكاة ساخرة، ففي سنة ١٦٨٨، نشر Andras Kempe  (1689-1622) في همبورغ كتيبا بعنوان «لغات الجنة»، وذلك أثناء إقامته، مكرها، في المنفى من طرف الكنيسة اللوترية في بلده، كان يتلهى مسجـلا في سلسلة من المحادثات بين شخصيات عديدة فالمظاهر المضحكة لهذا السباق نحو جنة عدن الآهلة باللغات.

 فبعد أن ذكر الخطابات المدققة والمحققة لمواطنيه المشهورين Georg Stiernhielm (1672-1598)، وOlanss Rudbeck (1702-1630). سيحكي Kempe كيف أن «حواء المزلة» تضعف أمام حية حيث يستعير الإغواء الشيطاني الكلمات من اللغة الفرنسية. تتابع فصول هذه الحكاية للخطيئة الأولى في حديقة، حيث بالقرب من حية تتحدث الفرنسية، ويتكلم آدم باللغة الدانماركية، والآلهة باللغة السويدية.

 سيعرض Leibniz  بعد ذلك بسنوات قليلة، في مطلع القرن الموالي، الأشكال الجديدة للدراسات اللسانية المقارنة التي ساهم في تأسيسها، ليقتسم وجهة النظر مع أولئك الذين يحيون منذ عصر النهضة الفرضية القديمة لقارة سيتية Seytiques لأصول اللغات الأوربية. وفي هذا السياق تبلورت فكرة الهندو-أوروبية، وفي الوقت نفسه تم التعبير عن الرغبة في «إضاءة أصل الأمم».

 يتحدث Leibniz  في صفحات كتابه عن «عالم طبيب» من مدينة أنفير البلجيكية Jan Van Gorp الذي لم يقترف خطأ كبيرا حينما زعم أن اللغة الجرمانية والتي يسميها سمبريكية Cimbrique تتضمن الكثير من سمات شيء بدائي أكثر من العبرية نفسها.

 وهو يلعب بالكلمات، ويقرب بين بعض الصيغ، ويقترح اشتقاقات عجيبة يكتشف في فلامانية طفولته بعض ذكريات اللغة الآدمية.سيساهم Van Gorp بمعية آخرين، في بلورة منهج مقارن لن يتوقف أبدا عن تحريك العلوم الإنسانية.إن فكرة لغة أسلافية مشتركة بين اللغات الأوروبية مقترنة باليقظة الوطنية التي تحفز، هنا وهناك، تنافسا للغات الأصلية، تثير، بين القرن ٦١ و٧١، مفهوم نموذج أصلي مجرد، سيجد في القرن الموالي، شكله النهائي في فرضية الهندو-أوربية،فهذه الأخيرة، ستتابع منذ الآن مجراها، ولا تتوقف في إحداث نقاشات مرتبطة بالأشكال البدائية للغات الهندو-أوروبية، ويهيج أيضا المناقشات الأركيولوجية بخصوص الساكنة الأولى للهندو-أوروبية.

 تمكن البحث عن لغة خاصة أصلية أن يتميز عن الخطابات حول لغة الجنة. إنها طريقة جيدة لكي لا نخلط الصراعين القائمين تحديدا في رفض مطابقة العبرية لجنة عدن. إنه تقليد انفصالي طوره ريتشارد سيمون (1638-1712) حينما استحضر Grégorie de Nysse مستهزئا «بأولئك الذين يعتقدون بأن الرب هو المؤلف الأول للغة التي تكلم بها آدم وحواء [...]، كما لو أن الرب، كان معلما للنحو [...] )). فباتخاذ المسافة مع بعض اللاهوتيين لم يعد Simon  يعتقد أبدا بأن «السعداء سيتحدثون العبرية في السماء». وبعد أن ذكر ببعض الصراعات حيث كانت «اللغة الأولى في العالم» موضوع مباراة، يتعرف Simon على البعد السياسي الذي تثيره هذه السجالات،فمن آباء الكنيسة إلى معاصريه في أوروبا، «تتصارع الأمم من أجل لغاتها»، لكن حول هذه النقاشات، تسهر الكنيسة بعين غاضبة، تحمي رأي «اليهود، الذي يؤكد بأن العبرية هي لغة آدم». ومن خلال تحفظات ليست بمراوغات بلاغية، ينتهي Semon  بأن ينظم دون اقتناع إلى صنف العبرية:

 «بكلمة واحدة، فاللغة العبرية أسهل من اللغة العربية والكلدانية، وهاتان الأخيرتان أسهل من الإغريقية واللاتينية، ولهذا فإذا ثبت أن آدم قد تكلم بإحدى هذه اللغات فإنه بلا شك سيتحدث العبرية».

 سيصوغ J.G.Herder (1803-1744)، في العشريات الأخيرة من القرن ٨١، مشكلات ويتبنى حلولا مساهما في وضع خطابات مستقبلية للآرية-السامية ستخترق العلوم الإنسانية طيلة القرن ٩١. وإذا كان Herder لا يزال يعترف للعبرية بوضعية خاصة معتبرا هذه اللغة «كإحدى البنات البكر» للغة الأصلية Ursprache فإنه يقلب وجهه شطر قمم «الجبال الهندية»، فنظرة واحدة على «خريطة العالم» مكنته إذن أن يطابق بين نهر الغانج و«نهر الجنة».

 فبمشاركة Herder، في تقليد المئويات المتعددة، للمختصين في التوراة، الذي يربط الفيلولوجيا بجغرافية الجنة، سيبتعد مثله مثل Simon، مركزا على المظهر الوطني لهذه النقاشات. فبعد طرحه للسؤال التقليدي لمعرفة «أين توجد الجنة» حمى Herder، منذ الوهلة الأولى، القارئ ضد أخطار أركيولوجيا لاهوتية-سياسية:

 «لأن كل أمة قديمة تحب كثيرا أن تعتبر نفسها بمثابة الأمة الأولى، وتعتبر بلدها بأنه هو الموطن الأول الذي ظهرت فيه البشرية».

 يفضل Herder، وهو يستلهم ذلك من R.Louth ( 1758-1710)، أن يكتشف في بنيات اللغة العبرية العلة الشعرية لجنة ذات حدود عجيبة،مكتشفا في موسى مرتكزا نفيسا. يقول Herder، كم مرة يوحي سفر التكوين بتأويل، حيث الديانة تغوص في خيال التسامي. لقد جعلنا نلاحظ بأن الحكاية التوراتية لزمن البدايات ترسم بالكاد جغرافية الجنة، والتي تظهر منذ الآن مثل «بلد الحكايات». فعدم التدقيق الموسري يعطي أولا «الحجة على حقيقة» هذا الوصف، في أنه لم يعبر أبدا هذا البلد المدهش الدقيق، فهو لا يريد أن يؤكد ما لا تسمح به الحكاية. فحتى لو أنه زار هذه المنطقة الأصلية، فإنه لن يجد فيها أي «أرشيف للجنة». ينصح Herder معاصريه أن لا يلعبوا دور الأبطال لأركيولوجيا المستحيل، ومنقذي تاريخ الجنة. فمن الآن يجدر بهم «ترك التقليد يحلق كأسطورة للعالم الأصلي من أجل فحص تأثيرات هذه الحكاية» في جذور الشعر «العبري».

 بالنسبة لهردر، تعتبر الحكاية العبرية نموذجا شعريا للغة قديمة،وتتحول عندRenan  (1892-1823) إلى أرشيفات للبشرية حينما يكتب: «إنه بواسطة العبرية وصلتنا الأرشيفات البدائية لهذا الجنس [ السامي] فأصبحت بقدر ملحوظ أرشيفات الجنس البشري».

 إن الخصومات حول أصول لغة الحديث واللغات، لم تتوقف عن تشكيل تمثيلات اللغة البشرية. تتمثل في خلفية خطاب Herder تتمثل إحدى هذه المفاهيم التي تجعل من اللغة، شبكة مبنينة للفكر وعاكسة لطبائع الأمم.

 كثيرة هي التنويعات حول اللغة باعتبارها مرآة تنعكس فيها الصور المشكلة لروح الشعوب. هكذا يعتبر Herder اللغة كشاهد مفضل على تطور العقل البشري، وأنها مخزن اكتشافات الحضارة. ألم يثبت Leibniz هذه الذاكرة المزدوجة، الفردية والجماعية، في برنامج اللسانيات حينما أكد أن «اللغات هي أفضل مرآة للعقل البشري»، و«هي أقدم آثار الشعوب» ؟

 تتحول أرشيفات الجنة المنفلتة إلى تأملات حول اللغة، وهذا الشاهد المخلص يجعل الأجيال التي تمضي تتعالى.ففي دراسة تحليلية بعنوان «بعض من تـأثيـر الآراء حول اللغة،و اللغة حول الآراء»، كتـب J.D.Michaelis ( 1791-1717) في سنة 1759، أن «اللغة هي شكل من الأرشيف، حيث الاكتشافات البشرية في مأمن من الحوادث الأكثر إزعاجا: أرشيفات حيث الشعلة لا تدمر ولا تموت إلا في الدمار الشامل للأمة».

 منذ الآن، لن نتحدث أبدا عن الوطن ولا عن تاريخ الشعوب من دون أن نأخذ بعين الاعتبار ما يضمن هويتهم عبر الزمن، وما يضمن استمرارية نقل قيم الأسلاف: وهي اللغة. عمل Condillac (1780-1715) قبل Michealis بعشرات السنين على إعلان نقاش أكاديمي حينما طابق بين اللغة و«عبقرية كل شعب».

 «كل شيء يؤكد أن كل لغة تعبر عن طبع الشعب الذي يتكلمها،» لقد أصبحت اللغة وهي ملتحمة بالوطن معتبرة كأفضل ينبوع لمعرفة السمات المميزة لكل شعب.

 لقد أغنت أجيال عديدة بتأملاتها هذه الطرائق في كتابة تاريخ عقليات الأمم، حينما ألقى F.de Saussure (1913-1857) في بداية القرن ٠٢ نظرة استرجاعية حول اللسانيات، لاحظ قبل أن يصوغ اعتراضاته بهذا الصدد، أن الرأي القائل بأن «اللغة تعكس الخاصية النفسية لأمة من الأمم هو رأي مقبول بشكل عام».

 بعد العبرية جاء دور السكنسريتية:

 تبنت العلوم الإنسانية ، في السنوات الأخيرة للقرن ١٨ والنصف الأول من القرن الذي يليه، أدوات مفاهيمية جديدة مستعارة بالخصوص من علم النبات والبيولوجيا والجيولوجيا والحفريات، فأصبحت الموضة هي السنسكريتية التي زحزحت الامتياز القديم للعبرية.

 ساهمت المناقشات حول لغة «الفيدا» في الصالونات والأكاديميات في فرنسا وانجلترا وألمانيا في تسريع وضع الدراسة المقارنة للغات، مبررة ميلاد فرضية الهندو-أوروبية. فمن وجهة نظر التاريخ الرسمي للقرن ١٩، يعتبر ويليام جونس (1746-1794) هو الذي وقع شهادة ميلاد فكرة الهندو-أوروبية. فجونس، وقد اجتمع بأصدقائه في المجتمع الصغير لكلكوتا،وهو بالكاد لقن السنسكريتية، أعلن في دراسته الذائعة الصيت في فبراير 1786،عن التشابهات اللسانية بين السنسكريتية والإغريقية واللاتينية.

 «تتمتع اللغة السنسكريتية، أيا ما تكن قدامتها، ببنية مقبولة، هي أكثر كمالا من الإغريقية، وأكثر غنى من اللاتينية،وهي أكثر تهذيبا من كلتا اللغتين، ومع ذلك نعترف لها بقرابات عدة مع هاتين اللغتين،من ناحية جذر الأفعال والصيغ النحوية، وهذا ليس عن طريق الصدفة.إن هذه القرابة موجودة بالفعل، إذ لا يسع فيلولوجا فحص هذه اللغات الثلاث إلا أن يعتقد أنها خرجت من ينبوع مشترك، ويمكن أنه لا يوجد البتة. هناك سبب مشابه، لكنه ليس نصرا كاملا، لكي نفترض أن اللغة القوطية والسلتية لهما نفس الأصل السنسكريتي، ويمكن إضافة اللغة الفارسية لهذه العائلة: إن كان هنا مكان لمناقشة الأسئلة المتعلقة بالأصول القديمة للغة الفارسية».

 إذا كان وجود السنسكريتية معروفا منذ زمن بعيد من طرف البعض في أوروبا، وإذا كانت مجموعة من القرابات أنجزت في بداية القرن ١٦،بين كلمات هندية أو فارسية وأوروبية (إيطالية، جرمانية، إغريقية،لاتينية)، فإنه فقط في بداية القرن ١٩،تلقى الأدباء رسالة جونس. إن الجيل الأول للهندو-أوروبية تأثر بالأساس بكتاب «دراسة حول لغة وحكمة الهنود» الذي نشره (Fredrich Van Schlegel 1829-1772) في همبورغ سنة 1808. ففي باريس، أحدث أول كرسي بالكوليج دو فرانس «للغة والأدب السنسكريتي» عام 1814 ،من أجـل «أنطوان ليونارد دوشيزي» (1773-1832). سنتان بعد ذلك، سيشرع فراتر ( Bopp  1867-1791) في تأسيس «نحوه المقارن» (1833-1849).

  Bopp، بابتعاده عن تأثيرات أساتذته-مثل F.Schlegel ،و الذين كانوا أيضا هم مرشدو الرومانسية-سيبصم، الدراسات الهندو-أوروبية بإرادته المتمثلة في الصياغة النسقية لترددات أجيال المحققين الذين كان لديهم حدس بوجود لغة مشتركة مفتقدة، هي التي انحدرت منها جل اللغات الأوربية.

 بسرعة تجاوز الانقلاب، الناتج عن التعرف على الفعل اللساني الهندو-أوروبي، حدود الفيلولوجيا المقارنة.فكل العلوم الإنسانية، بدءا من التاريخ، ووصولا إلى الميتولوجيا، ومرورا بعلم الأجناس، تأثرت باكتشاف الهندو-أوروبية التي سميت أيضا بالآرية.

 يحكي F.Max Muller(1910-1823)، وهو أحد أهم رواد نشر الأفكار الآرية، عن بدايات مذهبه، باعتبارها نقطة انطلاق لعلم جديد لزمن البدايات:

 «فبفضل اكتشاف اللغة الهندو-أوروبية القديمة، التي تسمى السنسكريتية[...]، وبفضل اكتشاف العلاقة القريبة التي تربط هذه اللغة بلغات الأجناس الأساسية لأوروبا، والتي تأسست بفضل عبقرية Schlegel، وHumboldt وBopp وآخرين، ستنجز ثورة كاملة في طريقة دراسة التاريخ البدائي للعالم».

 هكذا،وبفضل التاريخ الجديد للغات واللغات الخاصة، بحيث جعلت منه الفيلولوجيا واللسانيات قضيتهما المشتركة، سيعتقد المحققون أنهم يستطيعون أن يجعلوا منه صورة محددة لمجتمعات ما قبل التاريخ. وبعضهم سيتمنى أيضا، بواسطة التحليل المقارن للجذور اللغوية الهندو-أوروبية، أن يرد أفعال وأقوال الأسلاف الأوائل للجنس البشري إلى أصلها.

 لم تأت السنسكريتية فقط بالشرعية العلمية للدراسات المقارنة السابقة، ولكنها جاءت مؤشرة على ابتكار العصر الهندو-أوروبي. لكن لغة الفيدا أمدت أيضا العلماء بسند حلمي لعطشهم الرومانسي للأصول. البعض الآخر، المعادون للكنيسة، باستمرارهم في تطلعات فولتير المفتون بالهند،أرادوا التعرف على الحكمة القديمة جدا للإنسانية على ضفاف نهر الغانج. والبعض الآخر يرغب في إعطاء منبع جديد للمسيحية التي شوهت في عصر الأنوار والثورة، واهبين للمسيح نفسا آريا جديدا.

 عارض بعض المفكرين رؤى جنة آرية تابعة لجنة عدن التوراتية، ومن بينهم الشاب F.de Saussure، الذي يعارض، من أوروبا، بعض العلماء المفتونين بعشق الأصول، وهو يتتبع آثار عمل أستاذه Adolphe Pictet (1878-1799) كتب عام ١٨٧٨ «[...] بالتأكيد هناك، في عمق الأبحاث حول الآرية،وفي هذا الشعب من العصر الذهبي الذي أعيد النظر فيه من خلال الفكر، الحلم الواعي تقريبا بإنسانية مثالية».

 سيوضح (Salomon Reinach)، في الحدود التي تجمع بين الخيال والعلم»، التطلعات نحو الجنة محركا بذلك دراسات عديدة هندو-أوروبية، سيحلل Reinach في كتابه حول «أصل الاريين-تاريخ سجال»، من بين ما حلل، أعمال أولئك الذين سيطورون مع Pictet اختلافات غير متناهية حول الوضعية البدائية للآريين. «يبدو أن جنة أرضية جديدة وجدت تحت طبقات الأحفورات اللغوية». وقد كان للمستشرق J.Darmesteter نفس رد الفعل ضد المتخصصين في الهند، الذين يتمنون أن يجدوا في «الفيدا» «شعرا بدائيا لشيوخ روحيين موهوبين جدا». يذكر Darmester في رثائه Abel Bergaique (1888-1838) بان هذا السنسكريتي الناجح، لم يتبع «التقليد العلمي الذي تماهى مع البحث عن فلسفة آرية للأصول».

 فالعلماء الأوروبيون، وهم مثل لعبة في يد الوهم الميتولولجي الهندي، اعتادوا أن يدفعوا بالفيدا في الماضي السحيق، ليس فقط فيما يتعلق بالتاريخ، ولكن أيضا فيما يتعلق بالفكر الإنساني. فقد زعمت الأورتدكسية البرهمانية إنها وصلت من خلال تلك الكتب إلى الوحي الأول للفكر الديني في الجنس الهندو-أوروبي. وكتب الفيدا أصبحت من خلال هذا كالكتاب المقدس للأصول المدينية للجنس، التوراة الآرية».

 تتخذ هذه القصة ذات الرهانات المتعددة، حيث تتواجد بعض الأسئلة الكبرى المؤسسة للمعارف الجينالوجية للغرب، دورا غير مسبوق في نهاية القرن ١٨، حينما تركت العبرية المهددة في مركزيتها منذ زمن بعيد، المكان للسنسكريتية. لم يقلص إبعاد العبرية، بما فيه الكفاية، الاستمرار المفضل الذي يوليه الغرب لها، وهو يبحث عن الامتدادات. لأنه، وإن كان العديد من المؤلفين في القرن ١٩ استطاعوا أن يجدوا الحل في التخلي-جزئيا- عن إيمانهم بسفر التكوين في التوراة، فإنهم لم يقوموا، بما فيه الكفاية، باقتصاد جينيالوجيا الإنسانية المفكرة. فلمثل هذه التوراة سمح الاستعمال أن يفهم في مدة دون خسارة، غير متقطعة منذ الجنة الأصلية، وسيتبع نصوصا أخرى بسرعة الأبدية حينما أعاد فيلولوجيو القرن ١٩ بناء الأرشيفات الجديدة للهندو-أوروبية. هذه الأخيرة، مثلها مثل المكتبة العبرية سابقا، ستخضع بسرعة إلى تفسيرات عديدة، وإلى تساؤلات ملحة.

 سيشهد هيغل (1770-1831)، المعاصر للغليان الرومانسي في بداية القرن، على هذا النقل للأرشيفات من جنة لأخرى، حينما سينتقد أولئك الذين يعتنقون النزعة البدائية. إن اعتبارات هذا المفكر مسجلة في كتابه «فلسفة التاريخ» (1822-1831)، حيث سقوط الرجل الأول يعني- في الآن نفسه -إمكانية المعرفة الكلية،

 ونهاية حالة البراءة التي تميز الحالة الحيوانية. إذا كانت أسطورة الخطيئة الأصلية، التي تستدعي سقوط آدم، تصف المصير الإنساني لجد البشــــر، «فالجنة هي حديقة يمكن للحيوانات -فقط- أن تسكنها، وليس البشر».

 حينما تناول هيغل، في كتابه «العقل في التاريخ» (1830)، الكتاب الذين يدافعون عن فكرة انحطاط حضارة، مفترضة ومكتملة في فجر الإنسانية، فإنه كان يقوم بمحاكمة رؤية الإنسانية الأولى المؤسسة على «شهادة عليا».

 «يتعلق الأمر- ثانية- بالحالة البدائية للإنسان في الجنة، والتي أولها علماء اللاهوت بطريقتهم الخاصة (....- مثلا- تحدث بالعبرية مع آدم) والتي نعيدها اليوم وفق صيغة ملائمة لحاجيات أخرى. إننا نؤكد على وجود شعب بدائي، نقل لنا كل العلوم وكل الفنون (شيلنغ، شليلغ، لغة وحمة الهنود)، وسيكون هذا الشعب الأول سابقا على الجنس البشري الذي يطلق عليه هذا الوصف والذي سيستمر في الأساطير القديمة تحت صورة الآلهة، من خلال ثقافته العالية، يمكننا العثور على الآثار المحرفة في أساطير الشعوب القديمة جدا. إن حالة هؤلاء الآخرين، كما يعرضها التاريخ، ستكون إذن هي انحطاط وضعية هذه الثقافة العالية. هذه النظرية، كما يقال، هي من مقتضيات الفلسفة،وترتكز على مؤشرات تاريخية. والسلطة العليا، التي نرجع لها هنا، هي أولا الحكاية التوراتية[...] فلا شيء يسمح لنا أن نتخيل أن الطبيعة في البداية عرضت مفتوحة وشفافة، كمرآة مجلوة للخلق الإلهي، أمام النظرة الواضحة للإنسان، وإنه، بالطريقة نفسها، وهبت له الحقيقة الإلهية [...] فتاريخيا كل الديانات سيكون لها أصل في هذه الحالة [...])).

خيالات تقنية:

 لغة مفقودة، شعب مجهول.لقد جمع مؤلفو القرن ٩١، من الشتات البعيد للهندو-أوروبية، الواقع في عصر أسطوري-شعري، الجذور اللسانية التي يفترضون أنها قريبة من «ميلاد اللغة، الذي هو بدوره قريب من خلق الإنسان». فكيف سنسمي قارة الأصول هذه، المدعوة للعب دور تأسيسي لمستقبل الغرب؟. فكيف سنسمي هؤلاء الأجداد الجدد الذين تتنازعهم أوروبا كلها؟ في هذا الصدد لا يوجد أبدا وفاق.

 يغير بعض المؤلفين، من فقرة لأخرى، بلا مبالاة، التسمية، فمرة لغات آرية، ومرة هندو-جرمانية ومرة هندو-أوروبية. سواء من أجل تحديد الشعب أو الجنس أو الوطن أو العائلة اللغوية-في توليفات مختلفة، حسب المحققين.

 هكذا يستعمل Renan، مصطلحات «اللغة الآرية، اللغة الهندو-أوروبية بطريقة متساوية. ويستعمل كولدزهير (1850-1921)» اللغة الآرية» أو «الهندو-جرمانية».ويختار بعض الدارسين في القرن ١٩ كلمات «يافثيون»، الأصل السنسكريتي»، «الهندو-كلاسيكية» «آري» «هندو-سيلت» «قوقازية» أو أسماء أخرى.

 أمام هذا العالم الذي يحتوي على تسميات متعددة، هناك مجموعة أخرى أولية: اللغات السامية سميت لمدة طويلة باللغات «الآرمية» أو «الشرقية»، هذه اللغات تستعير اسم «سام» -ابن نوح وأخو يافث (سفر التكوين ٥-٣٢) عندما أعلى Von Schôlez (1809-1735) وHerder تسمية «السامية».

 ما يتطابق مع تعدد اللغات الهندو-أوروبية، هو وجود شعوب تتميز بموهبة الهجرة، فالغزاة الكبار، بدأ شتاتهم من الهند إلى الحدود الغربية البعيدة لأوروبا. أما فيما يخص الساميين، الذين لبثوا في مواطنهم، فإننا نراهم متشبثين بلغاتهم،وثقافتهم، وديانتهم، ثابتين في الزمان والمكان، لايشاركون أو لا يشاركون إلا قليلا، في تطورات التاريخ العالمي كما وصفها القرن ١٩، فأمام الديناميكية الوثنية للآريين، نضع ثبات الديانة الموحدة للساميين.

 يمكن أن تكون الكلمات في العلوم الإنسانية أدوات مفاهيمية، مستقاة من تقاليد قديمة أو مسبوكة في المختبر، تشهد على فرضيات مسبقة ومشاريع بحث.: إنها تخيلات تقنية، فاختيار هاتين الكلمتين الوظيفيتين يحكي الفرضيات المؤسسة للمعارف الجديدة.

 لا تختزل السامية بالضرورة في العبريين. لكن إذا اعتبرنا العربية، اللغة،والإسلام، والديانة، كتعبيرات سامية أساسية، فالعبرية-اللغة المتماهية مع الديانة الموحدة-توجه غالبا في القرن ١٩ الأسئلة المطروحة في الفضاء السامي.    

 كثير هم المختصون الذين ينسبون لكل المجموعات السامية الخصائص التي أردنا أن نتعرف عليها عند العبريين القدامى.

 نتيجة لهذا التعميم، يطبق Renan وآخرون، في أوروبا العالمة في القرن الماضي،على من نسميهم آريين- أو هندو-جرمانيين، أو هندو-أوربيين-، الخصائص النوعية التي اقترضوا من اليونان. فإذا كانت دينامية وقدرات الذكاء المجرد لليونان تعلن عن عالم هندو-أوروبي في طور التكون، فالقطب الفيدي للعالم الآري يمثل قوى العالم البدئي.

 إن الموقف السلبي المعادي للسامية كلية، هو موجه بالأساس للعبريين فقط، أي اليهود، وليس لمجموع مستعملي اللغات السامية.

 إنه فقط في سنة 1870، ستفتح في أوروبا كلها، خارج حقل العلوم الفلولوجية والأنتربولوجية الفيزيائية التي تستمد شرعيتها غالبا من هذا الحقل، مسارات إيديولجية وسياسية جديدة تحت أسماء «آرية» و«سامية». إنها كلمات لا حدود فيما بينها، أنتجت آثارا محرقة، وقدتابعت هذه الكلمات مسارها حتى سنة ٥٤٩١، أي، حتى اللحظة التي سقطت فيها النازية.

 حينما كتب Bopp ، مقدمة الطبعة الثانية، لكتابه «النحو المقارن، أكد على ضرورة إبعاد» فكرة الوطنية» عن العلوم الجديدة للغة.

 «لا أستطيع تأكيد عبارة هندو-جرمانية، علما بأنه لا أرى لماذا سنتخذ الجرمانيين كممثلين لجميع شعوب قارتنا، عندما يتعلق الأمر بتحديد أسرة شاسعة بهذا الشكل [...]، أما في الوقت الحاضر، فلكي أفهم بطريقة عامة، سأستعمل اسم هندو-أوروبي، والتي سبق وأن منحت نوعا من القبول في الاستعمال في فرنسا وانجلترا».

 نحن الآن في برلين، في شهر غشت 1857. اليوم، وباستثناء جامعات العالم الجرماني والتي لم تسمع نصيحة Bopp، تم الوفاق حول مصطلح «هندو-أوروبي». كما كان يحب Dumezil أن يذكر بذلك. لأن الأمر يتعلق هنـا «بعنوان» غير مطابق:

 «لكن، وباعتبار كل هذا، فعدم تطابق التسمية لموضوعها هو بالضبط ما يوصي به: أن تخون ما يجب أن تكون عليه، يعني أن تكون علامة اصطلاحية [...] منذرا بأنها فرضية لمجموعة أصلية لإرث مشترك، والذي هو التفسير المحتمل جدا، للتطابقات التي نلاحظ بين هذه الأحداث التاريخية المشتتة جدا في الميدان».

 «هكذا هو الهدف المحدود الذي يقترحه المقارنون فيما بينهم: يعلمون أن إعادة البناء الحية، والتي كانت درامية بالنسبة للغة أو حضارة الأجداد المشتركين، هي عملية مستحيلة. لأنها لا تعوض الوثائق، وأنه لا توجد وثائق».

 نسيان التاريخ:

 في بداية الحضارة كان هناك توأمان. الآرية والسامية.اكتشفا في «مهد واحد»، وهما يشكلان زوجا بفضائل غير متساوية. افترقا منذ الصغر. فقد عرف الآريون والساميون مصائر خاصة. كل شيء يفرق بينهما. في مأساة إلهية تدور أحداثها في التاريخ العالمي. تسهر الإرادة الإلهية على الاحتفاظ لكل واحد بدوره الخاص. فإذا كان الآريون يضمنون للغرب التحكم في الطبيعة، واستغلال الزمن والفضاء، واختراع الأساطير والعلوم والفنون، فالساميون يملكون سر التوحيد.

 على الأقل حتى ذلك اليوم التاريخي الذي جاء فيه المسيح إلى العالم في الجليل. هذا الموروث العام المزدوج يستدعي إرثا ثنائيا. فالخصام بين اليهود والمسيحيين، منذ الساعة الأولى، حيث كلام حواري المسيح الجديد، يتعارض مع تقاليد العبرانيين، يجد صيغا جديدة في خطابات الآرية-السامية في القرن ٩١.

 وبطريقة صريحة، حسب المؤلفين، فالدور الصدفوي للزوج التاريخي يحدد فصول الدراسات الهندو-أوروبية والسامية. هكذا يمدد Renan  نظرية للحضارة المزدوجة، الآرية والسامية، حتى حكايته حول مشهد فلسطين حين تتعارض وتجتمع مع اليهودية السامية مع الجليل الأقل توحيدا، إذن الأقل سامية والأقرب إلى المسيح.

 في العلوم، علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، كل المدارس مدعوة لتبين بديهية أسرار الإرادة الإلهية Providence. إن دفع العقل الوضعي والنقدي في الاستغرافية لا يتحمل بالضرورة استعمال الحجة الصوفية المدعوة إلى تبرير مسار الأشياء.

 بين L.Von Rouke (1836-1795)، الذي يهيمن عمله على المدرسة التاريخية الألمانية لزمانه، بين بدقة هذا التحليل للطريقة الوضعية مع التفسير الديني للتاريخ عندما أكد أن كل فترة توجد في علاقة مباشرة مع الله.

 تمرن هردر بطريقته، قبل ذلك على جعل السببية التاريخية والغائية الإلهية يلتقيان.ووحدها هذه الغائية هي التي تعطي السببية معناها.

 إن E.Quinet (1875-1803) بتقديمه للقراء الفرنسيين للساحر الرومانسي، يقول أيضا إيمانه في التسلسل الصدفوي الذي يصفه التاريخ العالمي.

 هكذا استطاع العلم والدين أن يقتسما في القرن الماضي أكثر من مشروع. فالمسيحية الخارجة عن المعتقدات والحدوسات، منحت للنزعة الإنسانية العلمانية معناها المشترك. فإذا كان كل عالم يتبع سبيلا خاصة به، ويكون مدرسة مع آخرين، متعارضا مع آخرين، كثيرون هم من استعاروا بخطى ثابتة طرق الإرادة الإلهية. فمنذ R.Simon إلى Max Muller كان الرجوع إلى القديس أوغسطين مألوفا. ألم يكن بابا الكنيسة في كتابه «مدينة الرب»، قد رسم تمثلا قويا لماض بعيد، مدمجا في مقولات غير مسبوقة لنظام ديني حامل للمستقبل؟

 فهذا النمط من المسيحية،وهو يندمج في القرن، أراد أن ينتقل من «الخاص» إلى «العام»، مجددا بهذه الطريقة مركزية المسيح في التاريخ. فهذا هو السياق التاريخي الذي يجب أن نفهم فيه الخطابات الدائرة حول الآريين والساميين. إضافة إلى ذلك فهذه الخطابات تعيد إحياء الصراع القديم للموحدين. والذي حاول كولدزهير جاهدا التخفيف من حدته، كانت التقاليد المسيحية تتمنى مرة أخرى أن تحدد نفسها أمام اليهودية والإسلام وهي تعيد توزيع الأدوار، راسمة الحدود.

 في هذا العصر، حيث العلم والمسيحية يسعيان إلى أن يتخذا أشكالا جديدة للتعايش، ليس من النافل أن أذكر بأن أول مبحث علمي«علماني» قبلته الكنيسة، كان هو الفيلولوجيا. والذي نشأ من خلال مناقشات طويلة، فهذا العلم، الوارث لغنى التقاليد الكلاسيكية وللتفسير التوارتي، أثر بسرعة حاسمة حينما جعل معتقدا ما يوجد بفضل سؤال نحوي، أو جزئية فيلولوجية. فإذا كان صحيحا أن ([...] ميلاد الفيلولوجيا بقي في الوعي الغربي أكثر سرية من البيولوجيا والاقتصاد السياسي) فهذا المبحث العلمي طبع بدوره الرؤى التاريخية للغرب. وهذا لا يعني مباشرة أنها كانت علما مفتوحا للتاريخ.

 فالفيلولوجيا المقارنة، المحدودة دراستها في اللغات الهندو-أوروبية، كانت غالبا ناسية التاريخ. فاللساني، وهو يستلهم علم النبات، كان يتجول في حديقة اللغات، جانيا جذورا لغوية ستتحول بعد ذلك إلى بنيات ساكنة.

 في «النظرة حول تاريخ اللسانيات يقول سوسير في مفتتح كتابه «دروس» إلى أي حد كان النحو المقارن «دائما مقرونا بالضرورة بدل أن يكون تاريخيا» فسوسير وهو واع «بالمنطق القوي للواقع اللساني» يطلب من المنهج المقارن أن لا يقيم حدادا على التاريخ-لأنه، فيما يخص النحو المقارن، إذا كانت إعادة البناء التـاريخـي تهدف إلـى المقارنة-فهذه الأخيرة، وحيدة، لا تسمح بـأن «نستنتج» «والاستنتاج ينفلت أكثر من بين أيدي المقارنين، الذين يعتبرون تطور لغتين كعالم طبيعي يقوم بتنمية صنفين من النبات [...] هذا المنهج المقارن بطريقة حصرية يجر مجموعة كاملة من المفاهيم [...] كانوا يعتبرون اللغة ككوكب خاص، محكمة رابعة للطبيعة [...] واليوم لا يمكننا أن نقرأ ثمانية أسطر إلى عشرة كتبت في هذا العصر دون أن نندهش لغرابات الفكر والمصطلحات التي يستعملون من أجل تبريرها».

 إن النماذج الطبيعية وهي تساهم في توقيف لغات التاريخ سمحت أيضا بروسمة الحضارات.هذه الأخيرة تماهت بالكلية مع ما يمكن أن نعتقده في أنساقها اللسانية.

 بالنسبة للعبريين، سيستفيدون من بين الساميين، بمنطق «عال» يبرر إخراجهم من التاريخ الدنيوي: فالشعب العبري كحكم وحامل لحقيقة لا يستنفدها الزمن سيظل ثابتا ليكون شاهدا أبديا.

 سيفتح كولدزهير، باعتباره مختصا في الدراسات الإسلامية، ورش مقارنة للساميات المتفاعلة. فالعهد القديم-كما تمنى ذلك على الأقل-وجد نفسه في نفس المستوى مع نصوص أخرى. دعا كولدزهير، في العصر نفسه-أوروبا العالمية لحكاياتهم التوراتية بالحق في الشهادة، داخل الميتولوجيا المقارنة، من بين أساطير الشعوب الأخرى، المنصوبة في الجريان الكبير للمجتمعات التاريخية.

 في نظام آخر مختلف، هناك سبب آخر يفسر التأرجح الذي ما فتئ يخترق الدراسات الهندو-أوروبية. ممزقة بين البنية والتاريخ. إن مفهوم «عائلة اللغات» يتضمن، بالنسبة للمؤلفين الذين يستعملونه، بداهة القرابات بين مجموعات اللغة المختلفة. هذه القرابات اللغوية مبررة إما بالروابط التاريخية والجغرافية بين الشعوب (هذا يفترض نسقا من الافتراضات)، وإما بفكرة التسلسل (إذن افتراض أصل مشترك) مفسرا على هذا النحو عشرة لغوية للجذور اللفظية والبنيات النحوية. يجتمع هذان المبرران عند بعض المؤلفين، ويوجدان، بطريقة عامة، حتى اليوم تحت شكل توتر بين نموذج تفسيري تيولوجي وسبب تاريخي.

لا أحد يجهل...

 يتعلق الأمر هنا بهردر،ورينان،أوكلدزهير، فالصفحات التالية تود أن ترد للنصوص المقروءة شيئا من تعقيد الأعمال التي تنتمي لها هذه النصوص. فبالنسبة لمن أراد أن يحاول فهمها، من الأحسن أن يرافقها. «أن يتيه فيها» أحيانا، بدل أن يفرض منطقا غريبا يتعلق بزمانها:«يجب أن نقاوم الإغراء، الذي يسقط فيه الكثير من مؤرخي العلوم، أن نجعل الفكر الغامض، والأعوج وحتى المتلبس للقدماء مفهوما أكثر من خلال ترجمته إلى لغة حديثة توضحه وفي الوقت نفسه تشوهه».

 فربط النص التي أوحت به، ومتابعة السبل المستعارة بواسطة المشاكل، وتيقظنا لاختيار الاستعارات وتداعيات الصور المباغثة يسمح أحيانا بالإمساك بالفكر في ثباته.

 إذا أمكن التركيز هنا أو هناك على التشعبات، وإذا كان صحيحا أن الباشور R.F.Graw (1893-1835) يوضح بطريقة مدهشة الزوج الآري-السامي الذي يخترق القرن، فإن القرابات لا تمحو أبدا خصوصية هذه الطرائق. فجعل مظهر المتن الريناني بدهيا، لا يمكنه أن يغطي دينامية التناقضات التي تنظمه، فيمكن كتابات العالم أن تكون هي المكان الذي يثبت الصراعات وأن اتخاذ مواقف يبدو لنا ان من واجبها أن تزول يمكنها أن تشرح بطريقة ضمنية كل عمل المؤلف. فهردر ورينان بطريقة تناوبية، أثناء كتابتهما، استطاعا أن يمتلكا نظرة المؤرخ، بعد ذلك أضاعوها، وهم يدافعون أولا يدافعون عن وجهة النظر للوطني أو العنصري.

 فرينان الذي لا نجده هنا مسايرا للدور التقليدي كمعلم العقل العلمي العلماني، يمثل الوجه النموذجي، لكن مرافقة مؤلف تشمله الحساسية الثقافية لعصره، ومحاولة وصف متاهات الفكر لا يعني، اتفاقا معه ولا انتماء له، في هذا الصدد لا يكون التحديد سطحيا.

 تدعونا الوثائق، في هذا المقال، إلى اعتبار الآرية والسامية كزوج وظيفي،له أبعاد صدفوية كنظام تفسيري لأصول الحضارة-بالمعنى الذي يفهمه المؤلفون لهذه الكلمة. إلا نادرا. لن نجد فيها بداهة للروابط التي كان من الممكن أن توجد بين كتابة كهذه والاستعمال الوسخ الذي استعملت به، على بعد بعض السنوات إذا ما استحضرنا قضية Dreyfus.

 لا أحد-يجهل أن هاتين الكلمتين «السامية» و«الآرية» أصبحتا في القرن العشرين في قلب أوروبا، كلمتين تحددان -حسب تصنيفهما من هذا الطرف أو ذاك-موت أو حياة ملايين الأطفال والنساء والرجال. إن تاريخ العداء للسامية، هو بالخصوص تلك الأسطورة الآرية،التي أجهد Leon Poliatrio، وهو أحد روادها في الاستغرافية الفرنسية، نفسه لفهم هذه الخطابات القديمة في استعمالاتها الحديثة. فيما يتعلق بالأشكال المختلفة للعنصرية، أصبحت التأملات القديمة في استعمالاتها الحديثة. فيما يتعلق بالأشكال المختلفة للعنصرية، أصبحت التأملات كثيرة، من أجل توضيح الدور الذي كان لبعض التقاليد الفلسفية والتاريخية في تطور التيارات الإديولوجية والسياسية التي كانت، وفي بعض الأحيان ظلت حاملة للعنف.

 أمام هذه الأشغال، فالصفحات التالية لها مشروع محدود. فهي تقترح تطويق بعض النوابض التي تنشط الخطابات الآرية-السامية كما امتدت إلى غاية 1892، في اللحظة التي توفي فيها رينان، سنتان قبل إلقاء القبض على القبطان Dreyfus. إن محاولة اختراق هذه الخطابات في انسجامها الخاص يفترض مقارنة كل مؤلف في أسئلة حين يصوغ مشكلات ويأتي لها بأجوبة تبدو كافية.

 فالمؤلفون الذين يوجهون فصول هذا الكتاب احتفظت بهم، من بين آخرين ممكنين، لأنهم يظهرون لي-باستثناء R.F.Graw كانت أعمالهم مجددة ومؤثرة. لكن كتاباتهم لا تشكل قطعا متنا مغلقا. خصوصا وأن هذا الكتاب سيمنحك بحثا ما زال مستمرا حول لغات الجنة. فهذا العنوان الشعاري يؤكد على أهمية الموضوعات المتنقلة أثناء القرون من طرف الحكاية العالمة التي لها علاقة باللغات الأصلية. إن هذا الإهتمام بالأصلي لم يتوقف عن تطعيم تطور الأبحاث اللسانية الأولى، وخصوصا الدراسات الهندو- أوروبية.

 منذ زمن طويل استطاعت الصراعات حول أصول-اللغة والدين والمجتمع، والحضارة-المحصورة في الميادين اللاهوتية، معلنة لهذه الميادين، أن تثير صراعات كثيرة عندما بدأت تظهر العلوم الإنسانية في القرن ١٩.

 هيجل، وقد قرأناه، يصف هذه اللحظة حيث تبدلت تيولوجيا العصر إلى تاريخ للبدئي لكي تجيب على انتظار جديد، و«حاجيات أخرى».

 فالمؤلفون في القرن الماضي وهم رهائن للأسئلة التي يطرحون على أنفسهم كما هو الحال، بالنسبة لنا اليوم، وهم يخرجون من الأسئلة اللاهوتية القديمة، مرتبطين بنظراتهم لقصة صدفوية.

 فباستعارتهم للتقنيات الإيمانية للتحقيق، وباستلهامهم للمناهج التي وضعتها العلوم الطبيعية،وتبنيهم حسب التصرفات الجديدة للنزعة المقارنة ليسوا أقل خصوما لقبلياتهم التوراتية التي تمنح لأعمالهم معنى هادفا. فرينان وماكس مولر، وبيكتي، مع مجموعة أخرى من العلماء، وهم يربطون الرومانسية بالوضعية، يسجلون، بعيدا عن الاختلافات التي تميز كتاباتهم، ارتباطا مشتركا لمذاهب الإرادة الإلهية.

 في مشهد هذه القصة التيولوجية، سيقرب الاكتشاف المفاجئ للرابطة البديهية بين اللغات الأوربية والسنسكريتية الشرق الأقصى والغرب.

 من الآن فصاعدا، ستعثر في موطن السامية (الشرق الأوسط) على شرق هندي-أوروبي جديد. ولكي يصف الفيلولوجيون والميتولوجيون الماضي السحيق لإنسانية ذكية، اخترعوا الآريين والساميين ناسبين لهم أدوارا متعارضة دائما،وأحيانا متكاملة. في أساس الحضارة الوحيدة التي تليق بهذا الاسم، كثيرون هم من تخيل زوجا صدفويا يتعرف فيه الخلف: الساميون من خلال التسلسل الروحي، والآريون من خلال الدعوة التاريخية.

 لكن قبل أن نتأمل ذواتنا في مرآة الآرية، لم يتوقف المثقفون في الغرب المسيحي عن البحث في العلاقات بين العهد القديم والعهد الجديد، وبين العبرية والإغريقية واللاتينية.

 أسئلة كان رهانها هو ضبط إرث مستخلص من بعض الصوائت في معناها غير المتأكد منه. يقال إذن قصة صدفوية وجدت مكتوبة في ذلك الإرث حاملة مستقبلا مشرقا.

 فصل من كتاب:

                         Les langues du Paradis

                                 Maurice Olender

                                Editions du Semil


تصميم الحاسب الشامل