|
|||||
|
إنّ المتأمّل في مدوّنة الشاعر عبدالوهّاب البيّاتي يلحظُ ارتدادَ قصائدها إلى نُصوص عديدة تشرّبَتْ رموزها، واستدعتْ صورها، وألمَّتْ بأساليبها، وربّما ضمّنَتْ بضْعةً من مقاطعها، وحوّلتها إلى عُنصر مكين من عناصرها. فنصُّ البيّاتي ما فتئ يتأسّس على أنقاض نصوص أخرى يستدعيها ويتغذى منها ويسترفد طاقاتها الرّمزيّة والتخييليّة... بل لعلّ مغامرةَ هذا النصّ تتجلّى في الحوار الذي عقده مع النّصوص الغائبة... تتجلّى في تمثّل تلك النّصوص واسترجاعها حينًا، وفي نقضها والخروج عليها حينًا آخر، في تزكيتها وتوكيدها مرّة، وفي تخطّيها وتجاوزها مرّة أخرى.
على هذا كان نصّ البيّاتي فضاء تتجاوب فيه أصداء عديدة، وهواتف كثيرة تؤول إذا تأمّلناها إلى أزمنة شتّى، وقارّات شعريّة مختلفة. أوضح «رولان بارت» أنّ الكتابة وترٌ مشدودٌ بين الحريّة والتذكّر، بين الإتّباع والإبداع، بين الاسترجاع والاستباق... فالكتابةُ، على حدِّ عبارته «حرّية تتذكّر» لهذا يكتبُ الشاعرُ وهو يمحُوـ يخطّ وهو يطمسُ... غير أنّ الذي يمحوهُ ويطمسُهُ يظلّ واضحًا بيّنًا تشي به الكلماتُ التي يستخدمُها والرّموز التي يوظّفها. وقصيدة عبد الوهّاب البيّاتي أنموذجٌ لهذه الكتابة التي تتذكّرُ فيما تستشرفُ، وتسترجع فيما تستبقُ، وتستعيد فيما تتقدّمُ مأخوذة بفتنةِ المغامرة، وبهجة الاضطراب في المجهول. لاحظ النّاقدُ احسان عباس في دراسته الموسومة بـ«عبد الوهّاب البيّاتي والشّعر العراقي الحديث»التي أنجزها سنة ٥٥٩١ ظاهرة تداخل النّصوص وترافدها في مدوّنة الشاعر، وانعطف عليها بالتأمّل والنّظر، وربّما أومأ، في تضاعيف دراسته، إلى ارتباط حداثة نصّ البياتي باسترفاد النصّ الأوربيّ الذي قام، في نظره، على أصول ثلاثة: - الجنوح إلى اللّغة اليوميّة يوظّف إمكاناتها التعبيرية الكبرى بعد أنْ فقدتْ البلاغة التقليديّة كلّ نضارتها من أثر تكرار بعد تكرار. - التعويل على الصورة من حيث هي المخرجُ الذي لا يُنال بغيره... لكنّها الصّورة التي لا تتناثرُ حولها أطيافٌ من الرّموز قد تُطوّحُ بالقارئ بعيدا، وتنأى به عن جوهر القصيدة ودلالاتها الأصليّة. - وصل علائق قويّة بينَ تجربة الإيقاع وإيقاع التجربة... فالشعر الحديثُ لا يتلقّى الإيقاع جاهزًا وإنّما يبتكره في لحظة الكتابة، ينشئه إنشاء وهو يحاورُ اللغة، ويسُوسُ اللّفظ... هذه الأصول الثلاثة تجلّت بوضوح في التيّار التصويريّ (mouvement imagiste) الذي كان، في نظر إحسان عباس، مصدر قصائد البيّاتي ونبعها البعيد. غير أن احْسان عبّاس سُرعان ما استدرك قائلاً «إنّ الاتّجاه إلى الشّعر الحُرّ وإنزال الشّعر منزلة الحديث العاديّ ليسَ من الضّروريّ أن ينشئهما التّقليد وإنّما هما يمثّلان حاجة تدعُو إليها طبيعةُ الشّعر العربيّ نفسُهُ.(١) لكنّ هذا الاستدراك لا ينْفي انعطاف البيّاتي على الشّعر الغربيّ يتأمّل نماذجهُ العُليا، ويلقّف صوره ورموزه، ويحتضن أساطيره وأقنعته وهذا ما أثبتَهُ إحسان عبّاس نفسه حين عقد مقارنة بين قصيدة «سوق القرية» البيّاتي وقصيدة «حي مكسيكي» لـ«فلتشر» Fletcher مبرزًا شواجر الأرحام التي تجمع بينهما جمع تآلفٍ بل تماثل بل تجانُسٍ حتى لتبدو قصيدة البياتي وكأنّها منحدرة من قصيدة «فلتشر» انحدار الوليد من الوالدة. (٢) لقد أفاد البيّاتي من آراء «ألْيوت» القائلة: إنّ على الشاعر أنْ يكون وريث كلّ الموتى وصديق كلّ العصور. فالكتابة هي وعيُ الماضي على هيئة تفوق وعي الماضي لذاته... على هذا تنكّبَ «أليوت»عن كل النظريّات التي تعُدّ «الانفعال» مصدر الشعر، واعتبر التّراث، التراث على وجْه الإطلاق والحقيقة، أصل الإبداع ومصدره الأول.. فالشاعر لا يَمتَحُ قصيدتهُ من بئر الرّوح وإنّما من ذاكرة الاسلاف «من كاتبي الحوليّات والمترجمين المجهولين، والمعلّمين المنكفئين إلى الظلِّ والمنسيّين والمهملين» على حدّ عبارة عزرا بأوند. وقصيدة أليوت «الأرض اليباب» تُعدّ خير تمثيل لهذه النّظريّة النقديّة، فقد أورد فيها الشّاعرُ تضمينات من خمسة وثلاثينَ كتابًا، وبستّ لغات غير الانجليزيّة، وأردفها بجملة من الهوامش والحواشيّ تُثبتُ المصادر التي اقتطفَ منها صورهُ ورموزه.(٣) اقتداءً «بأليوت» فتَحَ البيّاتي قصيدته على نُصوصٍ عديدة مُتحدّرةٍ من مصادر ثقافيّة شتى التقتْ، على تباين أساليبها، في حيّز القصيدة لتؤسّسَ رموزها، وتنتجُ دلالاتها. وفي هذه الدراسة سنسعَى إلى تأمّل الطّرق التي تجلّت بها هذه النّصوص الغائبة في مدوّنة الشاعر، ونبحثُ في مختلف التغييرات التي طرأتْ عليها وهي تنتقل من أثرٍ إلى آخر، ومن زمن إلى زمن ثانٍ. ١. تجلّيات النصّ الغائب في مدوّنة البيّاتي يعسر على الباحث أن يُحاصر مختلف تجلّيات النصّ الغائب في مدوّنة الشاعر. فهذا النصّ لا يتجلّى على هيئة واحدة مرّتين، وإنّما يتعدّدُ التجلّي بتعدّد النّصوص... وقد جنحنَا، لغايات إجرائية، إلى تقسيم النّصوص الغائبة إلى قسمين اثنين كبيريْن: - قسم أوّل يضمّ النّصوص الغائبة التي ذابتْ في تضاعيف القصيدة بعدَ أنْ راضها الشاعر وطوّعهَا لمساقات جديدة. - قسم ثان يضمّ النّصوص الغائبة التي لم تنخرط في إيقاع القصيدة، ولَمْ تلتحمْ بعناصرها الفاعلة بل ظلّت ناشزة، طافية على السطح، تشيرُ؛ بطرائق شتّى، إلى منابتها الأولى. أ. اندراج النصّ الغائب ضمن سياق القصيدة: تعدّدت قصائد البيّاتي التي استدعت نُصوصًا غائبة، وحوّلتها إلى خيوط في نسيجها المعقّد بحيث باتَ من العسير الفصلُ بين النصّ المستدعي والنصّ المستدعى، فقد أصبحا نصًّا واحدًا متلاحمة أجزاؤه، متداخلة عناصره، متشابكة صوره ورموزه. ففي قصيدة «موتٌ في المعرّة«٤ يُلمُّ البيّاتي ببيْتِ المعرّي: صاح هذى قبورنا تملأ الرَّحْـ ــب فأين القبور من عهد عادِ ويديرُ عليه أبياتَهُ: صاح هذي أرضنا من ألف ألف تتنهّد وعليها النّار والعشبُ عليها يتجدّد صاح إنّا أبدًا من عهد عاد نتغنّى والأقاحي والقبور تملأ الأرض ولكنّا عليها نتلاقى في عناق وقصيدة... وفي قصيدة «كتابة على قبْر عائشة«٥ يستدعي الشّاعر بيتَ مالك بن الريب: فيا راكبا إمّا عرضتَ فبلّغن بني مالك والريب أن لا تلاقيا ويُجري عليه أبياته فيقول: يا راكبًا نجرانْ بلّغْ نداماي إذا ما طلع النّهار واقتحمت مدينة الموتى طيور النّار وشطّ بي المزار أن لا تلاقيا ولا لقاءْ وفي قصيدة «والموت والقنديل»(٦) يهيب البيّاتي ببيت المتنبّي: وسوى الرّوم خلفَ ظهرك رومٌ فعلى أيّ جانبيك نميل ويعيد صياغتَهُ فيقُول: الرّوم أمامي كانُوا وسوى الرّوم ورائي وأنا كنتُ أميل علــى سيفــِي مُنْتحــرًا في هذه النماذج الثّلاثة(٧) التي اخترنا، من جملة قصائد عديدة، تتداخل لغتان لغة القصيدة القديمة ولغة القصيدة الحديثة تداخل التعمية والتسوية والتشابك لتفضيا، في آخر الأمر، إلى لغة واحدة هي ثمرة تزاوج تينك اللّغتين على تقاذف المسافات بينهما. إن البيّاتي لم ينقل النصّ الغائب نقلا ساذجًا غفلاً وإنّما عمدَ إلى تعديله وتغييره بحيثُ انتهى جزءا من سياق القصيدة وأصلا من أصولها الأولى. ب. انسلاخ النصّ الغائب عن سياق القصيدة: لكنّ البيّاتي عَمَد في قصائد أخرى إلى اجتثاثِ بعض النّصوص من مصادرها الأولى وأقحمها في نصوصه من غير أنْ يُحدثَ فيها صفةً، أو يُكسبها فضيلة على حدّ تعبير النقدة القدامى. وهذه الظاهرة، ظاهرة اجتثاث النّصوص من منابتها، واقحامها قسْرًا في القصيدة هي بظاهرة السّلْخ أمسُّ رحِمًا... والسّلْخ، في كتب النّقد القديم هو تأدية المعنى بعينه على الوجه الذي كان عليه في كلام الأوّل حتّى لا تعقل ههنا إلاّ ما عقلتهُ هناك. وظاهرة السّلخْ نُلفيها مُتواترةً في عدد كبير منْ قصائد البيّاتي، وتأتي، في الأغلب الأعمّ، على هيئتين اثنتيْن: - فإمّا أنْ تأتي على هيئة «سلخ جُزئي»، بحيث يقتصرُ الشاعر على التقاط بعض الأبيات من الأدبين العربي أو الأوروبيّ ويدفعُها إلى الاندراج ضمن نصّه من غير تحوير أو تطوير. - وإمّا أنْ تأتي على هيئة «سلخ كلّي» حيث يعمد الشاعر إلى استدعاء نصٍّ بأكمله يورده في قصيدته من غير أن يفجّر امكاناته الرّمزيّة أو ينحرف عنْ دلالاته الأولى. السلخ الجُزئي: قام الشاعر في العديد من قصائده بتضمين أبيات استقاها من مصادر عديدة دون أن يثبتَ مراجعها، أو يحيل على أصولها كما يتّضحُ من الجدول التّالي:
هذه بعض الأمثلة القليلة نُوردها للتدليل على هذه الظاهرة، ظاهرة السلخ الجُزئي. فالبيّاتي اقتبس هذه السّطور والمقاطع الشعريّة من الأدبيْن العربيّ والأوربيّ وأقحمها في فضاء قصائده دُون تعديل إلاّ ما فرضه الإيقاع من تقديمٍ وتأخير، وحذف وإضْمَارٍ... فتحوّلت الكتابة، بسببٍ من ذلك إلى ضربٍ من المحاكاة والمحاذَاة... واللاّفت للانتباه أنّ البيّاتي تكتّم عن مصادر هذه النّصوص فأوردها دُون علاماتِ تَنْصيصٍ، رغِبَ عنْ ذكر أصحابها مِمَّا استوجب الإهابة بالذّاكرة لردّها إلى مصادرها. السّلخ الكُلّي: إذا كان السّلخُ قد انحصَرَ، في هذه القصائد، في تعالُقِ بعض الصّور والأبيات فهو، في بعض القصائد الأخرى قد اتّخذ شكل استعادةٍ لنصّ بأكمله وهذا الصّنفُ من السَّلْخ هو الذي سمّينَاهُ «السّلْخ الكلّي». ٭ يقول الشاعر عبد الوهّاب البيّاتي في قصيدته «سيرة ذاتيّة لسارق النّار»(٨) مُرْتديًا قناع «برومثيوس» قال: «فمن يحرسُ الأنهار في عرس نَهَارِ الموت» «من بالغضب الشّعريّ سَيُلْقِي بالمصابيح» «عِظَامُ الزّمنِ الجديدِ للأرْض هُنا أسمعُها تنمُو» هَلْ ناديْتَني يَا أيّها الرّعْدُ؟ أرَى عاصفةً شعريّة تجتاحُ هذا الكوكبَ الموغِلَ بالأرْهابِ والعُنْفِ أرَى الشاعرَ في صَبيحتِهِ يَحْرثُ أرْضَ الحُلْمِ هَلْ ناديْتني؟ «سأطْرِدُ المنْطِقَ مِنْ حظَيرتي مُسافرًا في النّار والأقْوالْ»(٩) هذه الأبيات إنّما هيّ في الحقيقة استعادة لبعض أبياتِ الشاعر الفرنسيّ «سان جُون بيرس» مقتطفة من دواوين له مختلفة والمتأمّل في هذا المقطع يلاحظ أنّ الشاعر عبد الوهّاب البيّاتي قدْ أثْبَتَ علامات التّنصيص حينًا وأهملها حينًا آخر. ثُمّ إنّ ما أثبتهُ من هذه العلامات ظَلَّ ملتبسًا لأنّنا لا ندري. ويَهُمّنا الآن أنْ نُقارنَ أبيات الشاعر عبد الوهّاب البيّاتي بأبيات الشّاعر «سان جون بيرس» ونحن نتأمّل هذه الأبيات نُلاحظُ أنّها جمعتْ، عن وعي عامدٍ، أمشاجًا من الصّور متنوّعة، وحاولتْ أنْ تؤلّف من مضطربها نظامًا، ومن مفترقها وحدةً... لكنّ هذه الأبيات ظلّتْ، مع ذلك، مزقًا متنافرةً، وظلّت صورها، خارج مسافاتها التي انتزعت منها، وحدات مفكّكة. صحيحٌ أنّ النصّ الغائب قد يأخذ شكل «تضمين» فيأتي، داخل القصيدة، في مساقٍ جديد، تعدّل مسارَّهُ، ويشحنُهُ بدلالات جديدة، وصحيحٌ أنّ النّصّ الغائب قد ينهضُ أحيانًا بالتعبير عن التجربة متى وجدَ الشّاعر أنَّ ذلك النصّ أقدر على تأدية المعنى من عباراته وصوره... لكنْ صحيحٌ أيْضًا أنّ النصَّ الغائب قد ينتهي، كما هو الشأن هنا، عبئا على القصيدة يطوّقها ولا يحرّرها، يكبّلها ولا يطلق طاقاتها المضمرة. إنّ النّصوص الغائبة، مثلما أوضحَ بارت، ينبغي أن تَتّبع في كلّ عمليّة إبداعيّة مسار التبدّل والتحوّل وذلك حسب درجة وعي الكاتب بعمليّة الكتابة، وحسبَ تأمّل الكتابة ذاتها... هذا «السلخ الكلّي» قد نصادفه في بعض القصائد الأخرى. يقول عبد الوهّاب البيّاتي مرتديًا قناع الخيّام: رأيتُ رؤيَا كانتِ السَّماء تُرْعدُ فاستجابت الأرض لها - سحابة من نارٍ نسرًا بلا أظفار أخمد أنفاسي وعَرَّاني من الثّياب كسا يدي بالرّيش والأصداف فأصبحتْ يدي جناح طائرٍ، مجدافٌ مددْتها فقَادَني النّسْر إلى حارسةِ الأموات حيث الملوك نُزعتْ تيجانهم وكدّسَتْ وحيث الأبواب تُفتَحُ أو تغلق حيثُ أسَدُ التّراب طعامُهُ الطّين وقوت يومه اليبابْ... هذا المقطع إنْ هُوَ إلاّ استعادَة لأحد نُصوص الملحمة السّومريّة «جلجامش»... فالشاعر لم يكتفِ باستلهامِ بعض الرّموز، واقْتناصِ بعض الصّور وإنّما عَمَدَ إلى استدعاء النصّ. كامل النصّ كما تُوضّحُهُ المقارنة التّاليّة: ْلقد نبّه الناقد محسن اطيمش في كتابه «دير الملاك» إلى هذا السّلخ الذي لا ينهضُ له سببٌ يُزَكّيه ويسندهُ، والحال أنَّ النصّ الغائب ليسَ استعادة للتّراث وإنّما هو ولادةُ جديدةٌ لهُ، فهوَ يزيد من سوانحنا في إدراك لبّ التجربة المعبّر عنها، ويمكّننا من تمثّلها من خلال زوايا عديدة، ولاَ يتحقّقُ ذلك إلاّ إذا حرّر الشاعر النصَّ منْ سياقه القديم، وأقحمهُ في سياق جديد. فالنصُّ الغائب إذا استعرنَا صورة «سارتر» خذروفٌ غريبٌ لا يُوجد إلاّ بالحركة ولا بُدَّ لإبْرازه إلى حيّز الوجُود من فعل ملموس، وهذا الفعل هُو القراءة من حيث هي خلقٌ جديدٌ للنصّ. إنّ الانعطاف على نصِّ البيّاتي بالنّظر انعطاف على نصوص متواشجة، وأصوات متوالجة، وتواريخ متحرّكة في كلّ اتجاه، لهَذَا تصبحُ قراءة هذا النصّ سفرًا في شبكةٍ من الدّلالات يسلمُنا خلالها النّصّ إلى نصٍّ، والرّمزُ إلى رمز، والقناع إلى قناع فتنتهي بذلك القراءة تيهًا لا يقفُ عند مركز محدّدٍ أو محورٍ ثابت. لقد جمعت قصائد البيّاتي تعبيرات ثقافيّة مختلفة، وتيارات شعريّة متباينة، وأزمنة أدبيّة متعاندة، عاشتْ كلّها، داخل هذه القصائد، في كنف العافية... لكان قصيدة البيّاتي اختزال لتاريخ الشّعر، اختزالٌ لتاريخ الرّوح.
الهوامش ١- د. احسان عبّاس: عبد الوهّاب البيّاتي والشّعر العراقي الحديث -دار بيروت للطباعة والنشر- بيروت 1955 ص ص ٧-٨. ٢- ربّما ذهبنا لى أنّ قصيدة «سوق القرية» لعبد الوهّاب البيّاتي هي حصيلة تأثر الشاعر بقصيدتين اثنتين قصيدة فلتشر «حيّ مكسيكي» وقصيدة السيّاب «السّوق القديم» التي كتبتْ سنة 1984. ٣- للتوسّع انظر: د. عبد الواحد لؤلؤة: من قضايا الشّعر العربيّ المعاصر -التناصّ مع الشّعر الغربيّ- مجلّة الوحدة، عدد ٨٢/٨٣، ١٩٩١. ٤- عبد الوهّاب البيّاتي -الدّيوان- دار العودة- بيروت ١٩٧٩ ج ١ ص 365/366. ٥- نفسه. ٦- نفسه ج ٣ ص 446. ٧- يُمكن أيضًا ان نحيل على قصيدة صورة للسهروردي. في شبابه التي ألمَّ فيها بالآية الكريمة «قُلْ لَوْ كان البحْرُ مدادًا لكلمات ربّي لنفد البَحْر قَبْلَ أنْ تنفد كلمات ربّي ولو جئنَا بمثله مَدَدًا» حيث قال: لو كان البحرُ مدادًا للكلمات لصَاحَ الشاعر يا ربّي، نفَذَ البحرُ وما زلتُ على شائطه أحْبو... كما يُمكن أن نحيل على قصيدة مرثية عائشة التي استدعَى فيها بيت المتنبّي: يموتُ راعي الضأن في جهله ميتَةَ جالينوس في طِبّهِ حيث قال: يموتُ راعي الضأن في انتظاره ميتة جالينوس... يأكل قرص الشمس أورفيوس تبكي على الفارتِ عشْتَرُوت
٨- سان جون بيرس -الفلك ضيّقة ترجمه مصطفى القصري الدّار التونسيّة للنشر-تونس 1973. ٩- الديوان ج ٣ ص 369 وما بعدها. 10- ديوان بستان عائشة/مرثيّة إلى عائشة. ١١- ملحمة جلجامش -ترجمة طه باقر- بغداد 1975. |
|||||
|
|||||