اللغــة الآراميـــة
والمكتبات القديمة
هـ. و. ف. ساكز

 

ترجمة: سعيد الغانمي


يكمن أهم تأثير بقي للآراميين في انتشار لغتهم الآرامية. وقد انتشرت هذه اللغة في أنحاء العالم وأثبتت قدرتها على البقاء بحيث إن بعض الأقليات ما زالت تستعملها حتى الوقت الحاضر. وقد أسهمت عوامل متعددة في هذا الانتشار. أحد هذه العوامل هو الامتداد الواسع للآراميين. فقد تركت هجرة هؤلاء الناس جماعات منهم على طول الخطوط الرئيسية في كل مكان مما وراء نهر الأردن في الغرب إلى المناطق القريبة من الخليج العربي في الشرق، وهذا ما أضفى على لغتهم مكانة عالمية وجعلها أداة مفيدة للاتصال عند التجار والإداريين.

 

 

 

 

وكان عامل آخر يرتبط بأنظمة الكتابة التي كانت مستعملة حينئذ: ذلك أنه حتى النصف الثاني من الألفية الثانية، كانت ممارسة الكتابة القياسية في كل مكان في الشرق الأوسط، باستثناء مصر وكريت، تعتمد كتابة الخط المسماري على ألواح الطين، وتتم في الجزء الأكبر منها باللغة الأكدية (البابلية)، لتُستعمل في الاتصالات والوثائق الاقتصادية في الغالب، وقد استُعملت في بعض الحالات في مصر نفسها. غير أن نظام الكتابة المسمارية البابلي كان نظاماً مرهقاً: إذ كان يتطلب تعلم عدد كبير من العلامات الصورية والعلامات المقطعية، وهذا ما تستغرق السيطرة عليه عدة سنوات. وقبل أن تنتشر الكتابة خارج نخبة الخبراء المحترفين، كانت هناك حاجة لشيء ما أبسط.

منذ أواسط الألفية الثانية كانت هناك محاولات متعددة لابتكار صيغة كتابية أبسط. وكان مبدأ هذه الأنظمة الكتابية الجديدة يتمثل في إهمال العلامات الصورية واختزال مئات العلامات المقطعية إلى عدد قابل للسيطرة، في أكثر الحالات بثلاثين علامة أو أقل. وهذا يعني بدلاً من امتلاك علامات مقطعية منفصلة، كما هو الحال في الكتابة المسمارية البابلية، لمقاطع صوتية مثل: مي، مَي، مو، ام، يم، وم، ابتكر الآراميون علامة مفردة يمكنها تأدية جميع هذه المقاطع. ونحن نؤول العلامة المبسطة الناتجة بوصفها حرف (م)، برغم أن مبتكري هذا النظام ربما كانوا يفكرون بأنها حرف الميم زائداً حركة أو علة غير محددة فصيرة أو طويلة قبلها أو بعدها.

وقد تمثل أنجح هذه الأنظمة الجديدة في الكتابة الألفبائية التي استعملها الكنعانيون، ثم الفينيقيون من بعدهم، وهي الصيغة التي طورها الكنعانيون منذ زهاء ١١٠٠ ق م. ولقد كانت هذه الصيغة أساس جميع الألفبائيات اللاحقة تقريباً. وقد استعار اليونانيون هذا النظام من الفينيقيين في وقت ما قبل عام ٠٠٨ ق م، وحوّروه ليصير الألفباء اليونانية، التي تطورت عنها بمرور الزمن مختلف الأنظمة الألفبائية المستعملة في أرجاء أوروبا. (يرى بعض الباحثين -اعتماداً في الأساس على صيغ أسماء الحروف اليونانية: ألفا، بيتا، جاما...إلخ- أن الإغريق لم يقترضوا الألفباء من الفينيقيين، بل من الآراميين، ولكن بما أن منطقة التجارة الإغريقية الرئيسية في الشرق الأوسط كانت الساحل الفينيقي، وليس الأراضي الداخلية التي انتشر فيها الآراميون، فإن ذلك يبدو غير مرجح).

وقد تبنى الآراميون أيضاً الألفباء الكنعانية-الفينيقية، بالتأكيد ليس بعد النصف الأول من القرن التاسع، ما دام قد تمَّ العثور على نقوش آرامية متعددة في سوريا ووادي الأردن. ومع حضور الآراميين في المنطقة بأسرها من سوريا حتى إقليم بابل، وانخراط بعضهم في التجارة العالمية، صارت اللغة الآرامية مناسبة على وجه خاص للوثائق التجارية والمراسلات الدولية. وكانت تتمتع بميزة إضافية وهي أن النظام الكتابي الآرامي يمكن السيطرة عليه في غضون شهور، بدلاً من السنين التي يحتاجها نظام الكتابة المسمارية. وحتى في الحلقات التي كان يطغى عليها استعمال الكتابة المسمارية دائما، كانت الكتابة الآرامية تستعمل كنظام إضافي بعد منتصف القرن الثامن بفترة وجيزة (انظر الشكل ٦٥). ويوفر نقش بارز لتغلات- بيلاسر الثالث دليلاً مباشراً على هذا: إذ يصوِّر كاتبين في أثناء عملهما، يكتب أحدهما المسمارية على لوح طيني، ويدوِّن الآخر الأحداث على رق أو بردية فيما ينبغي أن يكون الكتابة الآرامية (انظر الشكل ٦٦). وتشير بعض الوثائق المسمارية أيضاً إشارة مباشرة إلى الكتابة بالآرامية. هكذا ذكرت رسالة أرسلها أحد المسؤولين إلى ملك في صور زهاء عام 720 ق م أنها مصحوبة بـ«وثيقة آرامية مختومة»، لا بدَّ أنها كانت تقريراً مفصلاً تشكل الرسالة المسمارية مقدمة له. وتشير رسالة ملكية أخرى من الحقبة نفسها تقريباً إلى كاتب قصر تلقى لفافة من البردي، لم تكن تستخدم إلا لكتابة الآرامية. وقد بلغ استعمال الآرامية من الشيوع في ذلك الوقت، بحيث صارت حتى الأوزان تؤشر بالعلامات الآرامية، كما توضح النماذج التي عُثر عليها في نمرود (كالح القديمة). وعند منتصف القرن السابع، صارت الوثائق المسمارية تذكر كتبة آراميين بوصفهم شهودا، ويصف نقش مؤرخ بعام 697 ق م شخصاً يحمل اسماً آرامياً بأنه «كاتب القصر».

في العادة كانت الآرامية تكتب إما على الرقوق أو البردي أو كسر الأواني الخزفية، ولكون المادتين الأوليتين من غير المحتمل أن تواصلا البقاء في بلاد النهرين، فإن الدليل الوحيد على استخدامهما هو الإشارات إليهما في الألواح المسمارية. لكن الأواني الخزفية تبقى، ويتوفر دليل على استخدامها كسطوح للكتابة في الرسائل الباقية على الخزف بالآرامية، مثل إحدى الرسائل التي وصلتنا من منتصف القرن السابع وتعنى بأحداث جرت في إقليم بابل(١).

في القرن السابع انتشرت الآرامية المتأخرة كلغة منطوقة، في حين بقيت الأكدية تتأرجح رسميا، ومنذ ذلك الحين صارت تحضر الكلمات والصيغ النحوية الآرامية بأعداد متزايدة في الوثائق المسمارية من إقليم بابل. ولكن مرت قرون قبل أن تحل الآرامية محل الأكدية كلغة منطوقة رئيسية في كل من آشور وبابل، وظلت المسمارية لدى الدوائر الدراسية ضمن استعمال محدود لبعض الأغراض التخصصية، ولاسيما النصوص الدينية والفلكية، وصولاً حتى القرن الأول من الحقبة المسيحية.

يمثل الكتاب المقدس شاهداً آخر على انتشار الآرامية. حين حاصر الآشوريون القدس عام 701 ق م فقد قُبل بها كلغة للدبلوماسية، ما دام رؤساء اليهود قد رغبوا في استعمالها في المفاوضات، برغم أنها لم تكن مفهومة عند جماهير اليهود (الملوك الثاني ١٨: ٢٦). وفي عام 539 ق م، حين احتل الأخمينيون بقيادة كورش الفارسي إقليم بابل، كانت الآرامية تنطق وتكتب من حدود إيران حتى مصر، وقد أعطاها داريوس (485-521) زخماً جديداً باستخدام صيغة منها (الآرامية الإمبراطورية) كواحدة من اللغات الرسمية للإمبراطورية الفارسية. وحين نصب نقشاً مسمارياً بالفارسية القديمة والعيلامية والبابلية على وجه صخرة بيستون، فقد أعد ترجمات آرامية للنص أرسلت إلى ميادين قصية مثل جنوب مصر، حيث عثر على كسر منها في «ألفانتين». كما اكتشفت أيضاً نقوش آرامية من هذه الحقبة في مناطق شرقية بعيدة مثل أفغانستان. وظلت الآرامية «اللغة المساعدة» )acnarf augnil( للمنطقة برمتها من مصر إلى إيران حتى فتوحات الإسكندر في أواخر القرن الرابع ق م، حين بدأت الإغريقية تحل محلها في بعض الأماكن.

ولم تكن الآرامية مجرد لغة رسمية، في الإمبراطورية الأخمينية، بل حظيت أيضاً باستعمال واسع كلغة كلام مشترك. يسجل نحميا (١٣:٢٣-٢٥)، على سبيل المثال، حدثاً يبين أنه في أواخر القرن الخامس ق م كان نصف أطفال اليهود في القدس يعرفون الآرامية وحدها، وما كانوا يستطيعون التكلم بالعبرية. وقد كتبت أجزاء من الكتاب المقدس مثل دانيال (٢: ٤-٧: ٢٨) وعزرا (٤: ٨-١٦: ٨١ و٧: ١٢-٢٦) بالآرامية، وهناك سورة واحدة في أرميا (١٠: ١١)، وكلمتان في سفر التكوين (٣١:٤٧). وفي زمن المسيح، كانت اللغة الشائعة في فلسطين هي الآرامية الغربية، وتوجد ترجمات للعهد القديم، تدعى الترجوم، بهذه اللهجة. وشهد إقليم بابل زيادة في المراسلات باستخدام اللهجة الآرامية الشرقية في الكلام اليومي والوثائق على السواء خلال الحقبة نفسها. وكان اليهود في بابل يتحدثون بالآرامية الشرقية، وهذه هي اللهجة الطاغية على التلمود البابلي، الذي أُلِّفَ في الأساس بين القرنين الرابع والسادس ب م. وظلت صيغة من الآرامية الشرقية، تُعرف باسم السريانية، في الأصل لهجة أديسا بالقرب من حران، تُستعمل في الأدب المسيحي من القرن الثالث حتى القرن الثالث عشر، وقد أدت دوراً بارزاً في نقل التعليم الكلاسيكي إلى العرب. وما زالت الآرامية الغربية حية كلغة أقلية بالقرب من دمشق، وما زالت الآرامية الشرقية لغة تتكلم بها جماعات (من المسيحيين في الأساس) في الشمال الغربي من إيران، وشمال العراق، وجنوب شرق تركيا.

المكتبات

لقد شهد العقد الأول من التنقيبات الأساسية في منتصف القرن التاسع عشر العثور على آلاف مؤلفة من النصوص المسمارية في كوينجق، موقع نينوى القديمة. وهي الآن في المتحف البريطاني. وفي ظروف الحفريات التي كانت تجري في ذلك الوقت، لم يحفظ سجل دقيق عن الأماكن المستكشفة، لكن الدراسة اللاحقة لهذه النصوص أوضحت أنها لا بدَّ أن تنطوي على مادة تعود في الأقل إلى ثلاث مجموعات مختلفة. أولى المجموعات، وهي تضم رسائل إلى ملوك آشوريين، في الأساس من القرن السابع ق م، لا بدَّ أنها جاءت من أرشيف أو ديوان ملكي. وتتألف المجموعة الثانية من وثائق اقتصادية وقانونية تعنى بقضايا مثل قرارات المحاكم، وبيع العبيد والبيوت والأراضي، وغالباً ما تحمل طبعات أختام أسطوانية مصحوبة بالتاريخ (انظر الشكل ٦٧). وقد تكون بعض الألواح في هذه المجموعة الثانية قد جاءت من أراشيف أو دواوين خاصة. وقد كانت ألواح كلتا المجموعتين أصلية، ذات محتويات ترتبط ارتباطاً مباشراً بالزمن الذي كتبت فيه.

وكانت الكثرة الكاثرة من الألواح الأخرى تنطوي على سمات تنفرد بها عن هاتين المجموعتين الأوليتين. أولا، تحتوي أغلب الألواح التي لم تتعرض نهاياتها للتلف على تذييل، يذكر في العادة، ضمناً أو صراحة، أن اللوح قد نُسِخَ عن أصل أقدم منه. ثانيا، في كثير من الحالات، كان عدد من الألواح يحمل نسخاً طبق الأصل من النص نفسه. ثالثا، محتويات هذه الألواح لا علاقة لها بالظروف السياسية أو الاقتصادية أو القانونية التي كانت سائدة حينئذ، بل كانت على العكس من ذلك ذات طبيعة مدرسية أو أدبية. كان كثير منها يتألف من سلسلة من التكهنات والفؤول، وبعضها يهتم بمظاهر متنوعة من الدين والعبادة ومجمع الآلهة، وبعضها الآخر قوائم بالألفاظ والعلامات المسمارية. وكانت هناك أيضاً نصوص أخرى عُنيت بتدوين التقاليد القديمة في مختلف الأشكال: بعضها خرافات، وبعضها أثبات ملوك، وبعضها أخبار مرتبة ترتيباً زمانياً. وكانت فيها أيضاً أساطير وملاحم. ولا شك أن النصوص من الفئات الأخيرة كانت تمثل بقايا مكتبة قديمة. كانت ممارسة تقليدية أن يضيف الكاتب تذييلاً حين ينسخ لوح مكتبة، ومن شأن هذا أن يقدم معلومات لا تقدر بثمن عن النص، وكيف يتم نقله. فالكاتب يذكر اسمه، وتاريخه، والمعلومات المتعلقة باللوح. كانت هذه المعلومات في الحقبة الأولى وجيزة جدا، لكنها صارت تميل إلى التوسع فيما بعد. وهي في العادة تشير إلى السلسلة، وعدد السطور في اللوح، وتنطوي تقليدياً على صيغة من نوع: «نُسِخ وروجع ودُقِّق حسب الأصل». كما يشير التذييل، حين يكون النص المكتوب مقتطفا، وليس نسخة كاملة. وقد يحدد التذييل أيضاً مصدر الكتابة، فيسمي الموضع الذي جاء منه الأصل (سواء أكان مدينة معينة، أو معبدا، أو بيتاً)، وشكله المادي. وعادة يكون هذا الأخير لوحاً طينياً آخر، ولكنه في بعض الحالات الاستثنائية قد يكون مسلة، أو حجراً مفخورا، أو لوحاً كتابياً من الخشب أو العاج المغطى بالشمع، أو لفافة جلدية.

وكان نسخ لوح قديم ينطوي على بعد ديني، غالباً ما يتضح في التذييل. ويوضح مقطع من تذييل لوح عُثِرَ عليه على أحد ألواح آشور بانيبال هذا:

          «كتبتُ على ألواح حكمة نبو...ودقّقتُها وتفحّصتُها. وضعتُها حسباناً للحياة الأخرى في مكتبة معبد مولاي نبو...في نينوى، لحياتي، وحماية نفسي، حتى لا تعتريني علة، ولتثبيت أساس عرشي الملكي. فيا نبو، ..باركْ ملوكيّتي أبداً. خذ بيدي، حين أناديك...واحرس خطاي باستمرار. وحين يوضع هذا العمل في بيتك، ويُقدَّمُ أمامك..تذكرني بالحسنى».

وغالباً ما تضاف إلى ذلك لعنة ومباركة، تنصبُّ اللعنة على من أضرَّ باللوح أو دمّره، وتقع المباركة على من حافظ عليه. ويوضح ذلك أن هناك داعياً خرافياً يكمن وراء جمع المكتبات يأخذ بنظر الاعتبار القوى السحرية المفترضة التي تنطوي عليها الكتابات القديمة، فلم تكن مجرد قضية اهتمام بالأعمال الأثرية.

وتثبت دراسة التذييلات المكتوبة على ألواح كوينجق أن هذه المكتبة كانت في صورتها الأخيرة من عمل الملك آشور بانيبال في القرن السابع ق.م. مع ذلك أثبتَ البحث أن ملوكاً أقدم قد اتخذوا بعض الخطوات في هذا الاتجاه، وأن بعض هذه الألواح كانت في الأصل في مكتبة أوجدها الملك تغلات-بيلاسر الأول.

يزيد عدد الألواح المسجَّلة في كوينجق عن خمسة وعشرين ألف لوح، ولكنها ليست جميعاً من مكتبة آشور بانيبال. ينتمي بعضها إلى دواوين الرسائل والوثائق الاقتصادية والقانونية المذكورة سابقاً. ومن بين ما تبقى في كثير من الحالات هناك عدد من الشذرات هي أجزاء من لوح واحد، مما يجعل عدد ألواح المكتبة الكاملة يقارب خمسة آلاف لوح. ومن بين هذه الألواح الخمسة آلاف، يشتمل كثير منها على نصوص مكررة، ولذلك فإن المجموع الكلي للنصوص المختلفة في المكتبة ربما لا يزيد عن ألف وخمسمائة لوح(٢).

ونحن نتحدث في العادة عن مكتبة كوينجق حديثاً بالمفرد، غير أن التذييلات تدلُّ على أن الألواح كانت تُخزَنُ في أكثر من بناية واحدة. تحمل بعض ألواح المكتبة تذييلاً يقول فيه آشور بانيبال: «وضعته في قصري لاختباري الملكي»، بينما يتحدث في تذييلات أخرى عن وضع اللوح «في مكتبة (جِرْجِناكو) معبد نبو». ومن الواضح أنه كانت هناك على الأقل مكتبتان في نينوى -كمكان تودع فيه الألواح- في عصر آشور بانيبال. ولكن ما دام الملك نفسه هو راعي كلتا المجموعتين فليس من غير المعقول معاملتهما على أنهما قسمان من أصل واحد.

وقد عثرت التنقيبات الأثرية لاحقاً على مجاميع من النصوص في مواقع كثيرة أخرى، غالباً ما تكون في المعابد والقصور. فليست جميع المجموعات تأتي من مكتبات، إذ من الواضح أن عدداً من الرسائل ووثائق العمل كانت تنتمي إلى دواوين أو أراشيف عائلية أو حكومية. غير أن هناك مجموعات أخرى من الألواح لا تصنَّف محتوياتها ضمن المراسلات الجارية، ولا ضمن الشؤون الاقتصادية. إذ أن موضوعها هو التعليم التقليدي، وغالباً ما يكون مماثلاً لما عُثِرَ عليه في ألواح المكتبة في كوينجق، ولا يكون من النادر أن تكرّرها. وهذا ما يسوّغ لنا اعتبارها أجزاءً من مكتبات قديمة أخرى، وإن لم تكن مكتبات واسعة سعة مكتبة آشور بانيبال، ومن المرجح أنها ليست مجموعات ملكية. في بعض الحالات، ربما كانت هذه المجموعات تنتمي إلى معبد، وفي حالات أخرى إلى مدرسة لتعليم الكتبة، أو حتى لباحث مفرد أقامها كأساس لتعليم الكتابة.

ونحن نعرف ثلاث مجموعات من هذا النوع تأتينا من الألفية الثالثة. تأتينا إحداها من فارة (شروباك القديمة)، وواحدة ثانية من أبو الصلابيخ (اسم قديم غير معروف على وجه التحديد)، والثالثة من أبلا في سوريا (انظر ص ٦٧). يمكن تحديد تأريخ المجموعتين الأوليتين بمنتصف الألفية، أما الثالثة فربما تُؤرَّخ بعدهما بقرن أو ما يحاذيه. وقبل نهاية القرن التاسع عشر اكتشف المنقبون الأمريكيون ألواحاً من مكتبة مهمة أخرى في نفّر، ويمكن تحديد تأريخ هذه الألواح بالحقبة البابلية القديمة، أي قبل آشور بانيبال بأكثر من ألف عام. وزوّدتنا آشور، العاصمة الأقدم لبلاد آشور، بألواح من مكتبة أخرى، اكتشفها الأثريون الألمان في عامي 1904-1905. وكانت هذه مكتبة تغلات- بلاسر الأول، التي أقامها في أواخر القرن الثاني عشر، وكان قد دشنها بنويات من الألواح المنهوبة من بابل، أو ربما بورسبا، ثم أضاف إليها نُسَخاً جديدة النَّسْخ من ألواح إضافية.

وتشمل الاكتشافات اللاحقة للمكتبات واحدة في نمرود (كالح القديمة) في بلاد آشور، وأخرى في سلطان تبة بالقرب من حرّان في جنوب شرق تركيا، وأخريات في سبار، وبورسبا، وأور في إقليم بابل. لكن أياً من هذه المكتبات لم يقارب مكتبات كوينجق من حيث الحجم. وعثرت التنقيبات في أواخر الثلاثينات في رأس شمرا (أوغاريت القديمة) في سوريا على مجموعات أخرى من الألواح من مكتبة تعود إلى النصف الثاني من الألفية الثانية. وتتبع هذه الألواح نماذج بلاد ما بين النهرين، لكن كثيراً منها لم يكن مكتوباً بالخط المسماري المقطعي المتبع في بلاد ما بين النهرين، بل بلغة سامية غربية تستخدم نظاماً ألفبائياً مسمارياً ابتدع في سوريا.

يستدعي أي جمع للألواح صورة من صور الخَزْن. وكانت التنقيبات الأثرية في منتصف القرن التاسع عشر من القسوة بحيث إنها أزالت أية بيّنة باقية تدلُّ على الكيفية التي كانت تخزن فيها الألواح في كوينجق، ولكن تمَّ تحديد ترتيبات الحفظ في بعض المواقع التي نُقِّبَ فيها لاحقاً. وتدلُّ بيّنة من معبد في آشور على أن الدواوين الاقتصادية زهاء عام ١١٠٠ ق م، كانت تُحفظ في جرار طينية. أما في كالح فكانت هناك حجرات خزن، مصنوعة من طابوق مفخور كبير، بسعة قدم مربع ونصف. وفي سبار أشار أستاذ الآشوريات فاروق الراوي إلى شكل بناء الرفوف المستعملة من أجل المكتبات (انظر الشكل ٦٨). وحين كان عدد من الألواح يشكل عملاً مترابطاً (أو سلسلة متصلة)، فإن هذه الألواح تُشدُّ إلى بعضها أحياناً في مجموعات تزوَّد ببطاقة لتيسير تحديدها.

وبرغم أن مكتبة آشور بانيبال كانت في نينوى، عاصمة إقليم آشور في زمنه، فلا شكَّ في أن أغلب محتوياتها كانت من أصل بابلي في الأساس. وتشير بعض الألواح إلى أصلها البابلي بوضوح من خلال ما هو مكتوب في التذييل. وهناك أيضاً رسالة تقدم برهاناً على ذلك. وهذه الرسالة، التي يمكن تحديد تأريخها بالقرن السابع، موجهة من ملك، وإن لم تسمِّه، فإنه لا يعدو شخص آشور بانيبال. تقول الرسالة:

أمر ملكي إلى كُدُرانو...حالما ترى لوحي هذا، تولَّ العناية بفلان (يسمي ثلاثة رجال) وخبراء الكتابة المعروفين لديك في بورسبا، واجمع كلَّ الألواح التي في بيوتهم، وكلَّ الألواح المودعة في معبد إيزيدا (على الخصوص):

ألواح (بنصوص) لتمائم الملك،

(ألواح) لـ (طقوس التطهير في) الأنهار في أيام شهر نيسان،

تمائم لـ(طقوس التطهير في) الأنهار لشهر تشريت،

و(للطقس المسمى) «بيت نضح المياه»،

تمائم (لطقوس التطهير في) الأنهار....

أربع تمائم حجرية لرأس سرير الملك وقدمه....

رقية «عسى أن يهب إيا ومردوك الحكمة الكاملة»،

وكلَّ السلاسل هناك عن الحرب، بالإضافة إلى كل ما يتوفر من ألواح أخرى بعمود واحد.

(رقية) «عسى أن لا يقرب سهم في المعركة من رجل»،

(سلسلة) «العودة إلى القصر من الذهاب في الصحراء»،

طقوس «رفع اليد»،

(أي) نقش (عن ملكيات) الأحجار وما هو خير للملوكية...

أي ألواح مرغوبة للقصر، مهما كثر عددها،

وأي لوح نادر تعرفه ولا يوجد في بلاد آشور.

ابحث عن هذه الألواح وابعثها لي... ولا يجوز لأحد أن يحجب عنك أي لوح. وإذا كان هناك أي لوح أو طقس لم أذكره لك ووصل إلى علمك أنه صالح لقصري، فابحث عنه، وصادره، وابعث به إلي«(٣).

توضح هذه الرسالة عدة أشياء. أولاً أن لمعبد إيزيدا، معبد نبو في بورسبا، مكتبته الخاصة وما يرتبط بها من خبراء بالكتابة، وأشخاصا معينين يمكن أن يمتلكوا بعض مجموعات الألواح. ثانياً من الواضح على نحو جلي أن آشور بانيبال لم يكن يبحث عن نصوص يقرأها بحثاً عن المتعة الجمالية، أو الكتابة الإبداعية المميزة شكلاً أو أسلوباً. صحيح أن مكتبة كوينجق، ومجموعات الألواح في أماكن أخرى، تنطوي على قلة من النصوص التي تتميز بالقيمة الأدبية استناداً إلى المعايير الحديثة، غير أن هذه الخصال لم تكن موضع اهتمام الرعاة الملكيين القدماء. في الاعتقاد القديم، كان الشخص الذي يعتلي العرش على نحو خاص عرضة لاستهداف سهام النحس الطائشة، وما أراده آشور بانيبال في الأساس هو الحماية الغيبية له ولقصره. ولهذا السبب فإنه أشيع نمط من النصوص في مكتبة كوينجق يضم مختلف الفؤول. وتنتظم هذه في سلاسل، وتسجل ميداناً بالغ السعة من الظروف التي يفترض أن تقدم معرفة بأحداث المستقبل.

عند البحث عن نصوص فؤول محددة أو سلاسل طقسية معينة، فإن هدف آشور بانيبال كان عملياً على نحو كامل، فقد تؤدي الفؤول دوراً بارزاً في تيسير فن الحكم، أو تقدم تحذيراً من مخاطر ممكنة للدولة أو الملك، وقد تحبط الشرور المتوقعة أو تقف بوجهها. وهناك طرق كثيرة قد تعرب فيها الآلهة عن مقاصدها: قد تكون عن طريق مظهر بعض الحيوانات والطيور والزواحف أو حركاتها، أو عن طريق الولادات الغريبة للبشر أو الحيوان، أو عن طريق أوضاع المدن، أو عن طريق الأحلام، أو عن طريق التكهنات الفلكية. وإذا استخدمنا عبارات كارل بيزولد، الذي كان أول من صنّف هذه النصوص للمتحف البريطاني، «يبدو أنه لا يكاد يوجد أي حدث، مهما يكن تافها، لم يستفد منه العلم الزائف»(٤).

في إقليم بابل كانت تقنيات العرافة العليا من الحقبة البابلية القديمة فصاعداً تتمثل في مراقبة ملامح الأعضاء الداخلية، ولاسيما الكبد، لخروف يُضحَّى به. والخبير بهذا العمل، الذي هو (بارو)، (أي الكاهن العراف) كان شخصاً يحظى باحترام كبير، وقد نما العلم الزائف بأسره حول إجراءاته، مع النماذج الطينية لأعضاء الحيوانات، التي يشار بها إلى المعاني التكهنية لمختلف العلامات (الشكل ٦٩).

ربما كانت مكتبة كوينجق تحتوي على قلة قليلة من النصوص ذات الأصل الآشوري، غير أن رسالة آشور بانيبال، حين ترافقها دلائل التذييلات، تجعل مما لا غبار عليه أن الغالبية الكبرى من الألواح كانت تمثل أدب الكتبة المعروف في بابل في الألفية الأولى وما قبلها. فهي كانت أنواعاً من النصوص التي كان ينسخها الكتبة البابليون تقليدياً ويحفظونها. ويأتينا تأكيد آخر لهذا من كون كثير من نصوص كوينجق توجد منها نسخ مكررة في مجموعات من النصوص التي عُثِر عليها في بابل.

وعن طريق المقارنة بين النسخ المتعددة للنص نفسه في حقب مختلفة، يمكن للباحثين الحصول على مفاتيح لتاريخ انتقالها. وفي كثير من الحالات كان الكتبة يبدأون تحرير نصوص بلاد الرافدين الأدبية استناداً إلى صيغة معيارية أو قياسية من الحقبة الكيشية في زهاء 1200 ق م. وقد استمرت هذه العملية حتى حكم نبوخذنصَّر الأول (1124-1103 ق م)، وفي عصر آشور بانيبال كانت جميع النصوص القديمة التي هي قيد الاستعمال قد اتخذت صيغة معيارية قياسية، ونادراً ما كانت توجد الفروق الطفيفة بين النسخ المتعددة للنص نفسه. ووراء صيغة النصوص كما تمّ تحريرها في الحقبة الكيشية، غالباً ما كان يوجد تنقيح بابلي قديم، وأحياناً يوجد وراء ذلك أصل سومري من الألفية الثالثة.

لم يترك الكتبة القدماء أنفسهم أي نظام في تصنيف النصوص، برغم أنهم يوفرون أحياناً قواعد تشير إلى الظروف التي ينبغي استعمالها بها. ويمكن وصف مجموعة معينة واسعة من هذه النصوص.

نصوص لتعليم الكتبة

كان تنظيم المدن العراقية القديمة يعتمد على السجلات المكتوبة، فكان من الضروري وجود نظام لتدريب الكتبة. وكان التلاميد يكتسبون الخبرة بالكتابة عن طريق نسخ الألواح المتوفرة بين أيديهم تحت إشراف كاتب خبير حاذق، وهناك ما يرجح أن هذا النظام يرتقي في أصله إلى ما قبل منتصف الألفية الثالثة، وربما كان قيد الاستعمال أصلاً عام ٣٠٠٠ ق م. وهو يفترض مسبقاً وجود مجموعة من الألواح القديمة للمساعدة كنماذج يحتذى بها، ولا بدَّ أن أساتذة المعاهد الكتابية كانوا قد أعدوا مجموعاتهم الخاصة لهذا الغرض. وقد شكلت مثل هذه المجموعات أساس المكتبات اللاحقة. ويستغرق إتقان صنعة الكتابة عدة سنين، واستناداً إلى ما قيل لكاتب: «لقد جلستَ في بيت الألواح من أيام صباك إلى أيام نضجك». و«بيت الألواح» (الذي هو في السومرية: أي-دُب-با) كان الاسم الذي يُطلق على معاهد تعليم الكتابة التي صارت تضمُّ في القرون الأخيرة من الألفية الثالثة في الأكثر طاقماً من الخبراء بصنعة الكتابة. وقد أسس الملك «شولجي» من سلالة أور الثالثة أو طوّر مثل هذه المعاهد في كلٍّ من أور ونفّر (انظر ص ٨٧-٨٨)، وقد ادعى أنه هو نفسه تعلّم في مثل هذه المعاهد حين كان طفلا، وبزَّ أقرانه في فن الكتابة والرياضيات. وتعطينا النصوص المكتوبة في مثل هذه المعاهد نبذة مفعمة بالحيوية عن الأنظمة المتبعة والمناهج المقررة وقواعد الانضباط في مدارس تعليم الكتابة.

وبرغم أن معاهد الكتابة تبدو في العادة مستقلة، فلا بدَّ أنها كانت تمتاز بعلاقة وثيقة مع المعبد، ما دام الكتبة كانوا يؤدون دوراً لا يُستغنى عنه ليس فقط في إدارة المعبد، بل أيضاً في قضايا العبادات. على سبيل المثال، تتطلب ظروف مثل تتويج ملك، أو إقامة نصب لإله معين، أو تفشي وباء، أو موت ملك في حرب، طقوساً مستفيضة تحتاج إلى نصوص، إما أن تكون نصوصاً قديمة تمّ تحويرها، أو نصوصاً جديدة تُكتب خصيصاً للمناسبة، وذلك ما لا يستطيع توفيره سوى الكتبة.

ولا يقتصر الأمر على أن يكون الكتبة قادرين على الكتابة باللغتين الأكدية والسومرية، لكنهم إذا أرادوا أن يكونوا مؤهلين حقاً فيجب أن يكونوا قادرين على تناول مختلف مظاهر الحياة البابلية كتابةً. لذلك كانت تنطوي النصوص التي تعنى بتعليم الكتبة، من بين ما تنطوي عليه، على فئات مثل المعاجم (إعطاء القيمة الأكدية للكلمات السومرية أو الأجنبية)، وقوائم العلامات (إعطاء القيمة الأكدية للعلامات المسمارية أو لمجموعات العلامات)، المقاطع الكتابية، أو قوائم المترادفات، قوائم بالعلامات القديمة المهملة، التصريفات النحوية، النصوص الرياضية والفلكية، قوائم بالآلهة، شروح على نصوص قديمة، أثبات جغرافية، نصوص تعنى بفعاليات مثل صناعة الزجاج، نصوص عن الصيدلة والتداوي، قوائم تضم مختلف الأصناف مثل الحيوانات، والمباني، والتقدمات، والمعابد، والأشربة، والأطعمة، والموظفين.

نصوص دينية وسحرية

كانت الكثرة الكاثرة من مجموعات النصوص التي عُثر عليها في المكتبات القديمة، إذا استثنينا القلة التي يمكن وصفها بأنها أدب بالمعنى الضيق للكلمة، ترتبط جميعاً بطريقة ما بالعالم الغيبي. بعد نصوص الفؤول (التي ذكرناها سابقاً)، تعنى أكثر النصوص عدداً بالطقوس والأنماط المختلفة وما يرتبط بها من رقى وتمائم. وتكاد هذه النصوص تتناول جميع مظاهر الحياة. يمكن أن تعدَّ لصرف الشرور الواقعية أو الوشيكة كالمرض أو هجمة من ساحر أو الشياطين، لتوفير الحماية من الأخطار المحتملة عند اجتياز صحراء، للحصول على فؤول جيدة أو فضل من القوى الغيبية، حين تتم مباشرة عمل جديد، كتنصيب ملك، أو القيام بحملة، أو تأسيس معبد، أو إعطاء سلطات المعبد لطبل طقسي جلداً جديدا، أو شروع شخص ما ببناء بيت أو حفر بئر.

في بعض الحالات كانت الرقى والطقوس تُجمع في سلاسل طويلة. وتتوفر أمثلة على هذه في الرقى ضد شياطين الشر والسحر والخطيئة. تتجه سلسلة الرقى المعروفة باسم (مَقْلو) ضد الشعوذة التي يؤديها ممارسوها من كلا الجنسين، ورقى «شُرْبو» (؟:[ )urpu شرفو] ضد الخطيئة، التي تعامل على أنها عدوى غيبية. على أن أكبر المخاطر التي تتطلب حماية سحرية تتمثل في هجمات الشياطين، الذين يُعرفون في الديانة البابلية بأنهم آلهة، وهم الخطر الأكبر، لأن الآلهة وإن كانوا يمكن أن يعاقبوا فيجب أن يكونوا عادلين في الجوهر، بينما تتصرف الشياطين اعتباطياً وغالباً ما يتبنون مواقف عدوانية. وتدعى مجموعة الرقى والطقوس الرئيسية ضد الشياطين باسم (أوتكّو لَمْنوتو) (أي: شياطين الشر).

وهناك عدة فئات من الشياطين، التي يقال إنها لا شكل لها ولا جنس، وإن كان أخطرها: لَمَشْتو(أ) (انظر الشكل ٧٠)، قد اتخذ شكل امرأة. وكانت تشكل خطراً خاصاً على الأطفال والنساء عند الميلاد، برغم أنها قد تهاجم الرجال أيضا، وهي تحمل أسماءً مختلفة في هذه السياقات المختلفة. وكثيراً ما يشار في رقى (أوتكّو لَمْنوتو) إلى وجود سلسلة طقسية بأسرها توجه ضد لَمَشْتو، كما تستعمل التعويذات لاتقاء شرورها. ويدعى شيطان خبيث آخر باسم (بزوزو) ] Pauzuz [(ب)، الذي وإن كان يقترن في الأصل بالعواصف الرملية، فإنه صار يقترن بالأخطار الشيطانية بشكل عام. والتعويذات السحرية المستخدمة ضد بزوزو إما أن تتخذ شكل رأس قبيح، أو مخلوق برأس أسد، وجسم إنسان، وجناحين، وذيل (انظر الشكل ٧١).

وكانت هناك بعض النصوص ذات المحتوى الديني، هي في الأساس تراتيل وصلوات، يمكن اعتبارها أدباً بالمعنى الضيق للكلمة. وقد اتخذت التراتيل في الألفية الأولى شكلاً مختلفاً عن التراتيل الأقدم منها، إذ كانت التراتيل في الألفية الثالثة وبواكير الألفية الثانية تنحو إلى الثناء على المعابد أو الملوك، بينما صارت في التراتيل المتأخرة، مع بعض الاستثناءات، تجنح حصراً إلى الآلهة والإلهات.

النصوص الأدبية حصراً

اشتملت المكتبات المسمارية من الألفية الأولى على أساطير وملاحم، يعود الجزء الأكبر منها في الأصل إلى الألفية الثانية أو حتى الثالثة، ولكنها اكتسبت شكلها النهائي في الحقبة الكيشية. لقد ربطت «إنوما إيلش»، التي لم تُعرف إلا في نسخ من الألفية الأولى برغم أنها تحتوي على مادة أقدم من هذا العصر، بين موضوعتين، هما أسطورة خلق الكون، الذي أُنجز بعد صراع إلهي مرير مع الوحش البدئي «تيامت»، وتمجيد «مردوك»، إله بابل، لسيادته في مجمع الآلهة. وقد تم الربط عن طريق تحرير مادة قديمة لجعل «مردوك» ينتصر على «تيامت». وتشتمل أساطير قديمة أخرى كانت ما زالت قيد الاستعمال في الألفية على «أترا حاسس»، و«أنزو»، و«هبوط عشتار إلى العالم السفلي»، و«نرجال وأرشيكيغال».

عُرِفت «أترا حاسس»، التي هي في الأساس أسطورة خليقة أخرى، للمرة الأولى في الأكدية بنسخة ذات ألواح ثلاثة من الحقبة البابلية القديمة، وفي زمن مكتبة آشور بانيبال تمت مراجعتها في نسخة ذات لوحين. وهي تفترض عالماً ليس فيه بشر، كان الآلهة الأحدث سناً يؤدون فيه الأعباء الثقيلة بحفر القنوات. لم يعجبهم هذا العمل، فأعلنوا الإضراب وتظاهروا تظاهراً عنيفاً ضد «أنليل». استشار أنليل كبار الآلهة، واتخذ القرار بتخليص الآلهة من عناء العمل، وذلك بخلق الإنسان الذي يتكبد العناء بدلاً عنهم. وقد تمَّ خلق الإنسان بخلط الطين بدم إلهٍ ذبيح، وهكذا صار الإنسان ينطوي على قبس إلهي. وحين أحدث البشر الهرج والمرج فيما بعد، اضطر الآلهة إلى اتخاذ قرار بتقليل السكان، في البداية عن طريق إحداث المجاعة فيهم، وكانت من الشدة بحيث دفعتهم إلى أكل بعضهم، ثم عن طريق طوفان عظيم. وقد انطوى النص على شذرات من الطقوس المتعلقة بالزواج والميلاد.

أما «أنزو»، المعروفة أيضاً بنسخة بابلية قديمة، فتعنى بالهزيمة التي يلحقها الإله المحارب «نينورتا» بوحش- طائر سابق على التجسيم يحمل اسم «أنزو»، ويمثل العواصف التي كانت تعصف بالجبال (انظر الشكل ١١).

و«هبوط عشتار إلى العالم السفلي» هي نسخة منقحة ومختصرة من أسطورة سومرية قديمة. تقرر عشتار الهبوط إلى العالم السفلي، حيث تحكم أختها العدوانية أرشيكيغال. يُقبَلُ بها، لكنها يجب أن تمر بسبع بوابات، ويجب أن تتجرد عند كل بوابة منها من بعض شاراتها، حتى تصل أخيراً عارية لا حول لها وعاجزة عن الهرب. وكان غيابها قد نزع من الأرض خصوبتها، مما يدعو الإله «إيا» إلى الاستعانة ببغي ذكر، لم تكن تسمح له النواميس المتبعة في دخول العالم السفلي، لإطلاق سراحها. ومن الواضح أن الأسطورة تشكلت مرتبطة بالخصوبة الموسمية، وهي تكشف عن موضوعات فرعية تتعلق بالعبادة الجنسية لعشتار.

أما «نرجال وأرشيكيغال» فلا نعرفها من نسخ تنتمي إلى الألفية الأولى فحسب، بل أيضاً من نسخة قصيرة من القرن الخامس عشر عُثِر عليها في تلِّ العمارنة في مصر. تصرّف نرجال مزدرياً أرشيكيغال، ملكة العالم السفلي، وأُرسِل إليها لينال جزاءه، لكنه ينتهي بأن يتزوجها. ويعود تصوّر أرشيكيغال كملكة للعالم السفلي إلى أزمنة ما قبل التاريخ، أما سيادة نرجال هناك فلم تبدأ حتى أواخر الألفية الثالثة أو بواكير الألفية الثانية. تقدم الأسطورة تفسيراً لاهوتياً لمفهوم تغير يرتبط بالتقلص التدريجي لمنزلة المرأة.

والأسطورة الأخرى التي تنقلها لنا المكتبات القديمة هي أسطورة «إيرا»، المتعلقة بإله وباء (وهو صورة أخرى من نرجال) ينهض من الكوارث والكروب التي حلت ببابل في القرن الثامن.

والملاحم الأساسية التي كانت معروفة على نطاق واسع في الألفية الأولى هي «ملحمة جلجامش» (انظر ص 109-112)، و«أدبا»، و«إيتانا». كان أدبا صياداً كسر جناح ريح الجنوب، التي قلبت قاربه، فاستدعاه الإله الكبير «آنو» لتفسير ما فعلت يداه. قدم له آنو خبز الخلود وماء الحياة، لكن الإله الحكيم «إيا» منعه بحيلة من المشاركة معهم، وهكذا فقد البشر فرصة الخلود. وتروي «إيتانا» قصة بطل لم يرزق بطفل، هو ملك كيش، يرافقه صقر، ويأخذه إلى السماء على ظهره مؤملاً أن يرزق بابن. ولا بدَّ أن القصة قديمة جدا، لأن هناك أختاماً أسطوانية من الألفية الثالثة تصور بطلاً على ظهر صقر (الشكل ٧٢).

وتتضمن أعمال أدبية أخرى في مكتبة كوينجق خرافات عن الملوك الأوائل، مثل أسطورة ميلاد سرجون الأكدي (انظر الفصل الرابع)، ونصوص أخرى تتعلق بسرجون ونرام سين الأكدي.

ولا بدّ أن يدرج المرء كأدب بالمعنى الحصري للكلمة بعض نصوص الحكمة، أي المؤلفات التي تماثل في نوعها بعض الكتب المقدسة كما في «سفر أيوب» و«سفر الجامعة». ويتمثل أقدم نموذج معروف على هذا في نص سومري من منتصف الألفية الثالثة، يأخذ شكل نصائح يوجهها أب لابنه. ويطلق على نص حكمة مهم، كُتب في الحقبة الكيشية، وعثر عليه في كوينجق وفي مكتبات أخرى من الألفية الأولى، اسم «لدلول بيل نيميقي»، ومعناه «لأمجدنَّ ربَّ الحكمة». وفيه يصف رجل نبيل سلسلة طويلة من المصاعب والويلات التي اصطبر عليها قبل أن يعيد إليه الإله «مردوك» صحته وعافيته، ومثل «سفر أيوب»، ولكن على مستوى أدنى، يتفحص العمل مشكلة المعاناة. ويتمثل عمل ثانٍ عن أدب الحكمة في «العدالة البابلية»، يتخذ شكل حوار بين معذب يستعرض وجوه الظلم الإلهي، وصديق يحاول أن يوضح على أساس المعتقدات المتداولة بأنه لا يوجد ظلم. والعمل قطعة ذكية من صنعة الكتبة المحترفين، يأخذ شكل تلميح بالحروف الأولى (acrostic) حيث يبدأ فيها كل أحد عشر بيتاً من كل قطعة بمقطع جديد، وتكوّن المقاطع في مجموعها جملة تسمي المؤلف. ربما تكون قد كتبت زهاء ١٠٠٠ ق م. وهناك عمل آخر يتخذ شكل حوار، «حوار المتشائم» وهو سلسلة من تبادل الأحاديث بين سيد وعبده، يعرض السيد لمختلف ضروب الأفعال، ويكون الثاني دائماً مناقضاً للأول، ويوافقه العبد الرأي متملقاً في كل حين. وهذه هجائية، لكنها هجائية يراد منها فحص الهدف من الحياة.

(هذا المقال هو الفصل التاسع من كتاب: البابليون لساكز، من منشورات المتحف البريطاني، 1995.)

الهوامش

(١)  وترمان: المراسلات الملكية للإمبراطورية الآشورية (آن آربور، 1936)، ص 275.

(٢)  م. ل. أوبنهايم: العراق القديم (شيكاغو، 1964)، ص 16.

(٣)  نصوص مسمارية من ألواح بابل في المتحف البريطاني (لندن، 1906)، اللوحة ١، العدد١.

(٤)  دليل الألواح المسمارية لمجموعة كوينجق في المتحف البريطاني (لندن، 1899)، ص ٢٢.

(أ)  هل لهذا الاسم علاقة بشيطان اللُمزة الذي عرفه العرب قبل الإسلام، وأشار إليه القرآن الكريم؟

(ب)  يمكن تعريب هذا الاسم بالفزّاز، وإذا كان يرتبط بالعواصف الرملية، فإن الفزاز يمكن أن يرتبط بها أيضاً من خلال ارتباطه بالمفازة.


تصميم الحاسب الشامل