حركة غير العمودي والحر في الشعر التونسي
«نموذج للقطيعة مع الشعر المشرقي»

 

عبد الله حمادي


حركة الطليعة الأدبية 1968 - 1972  

مثلت «حركة الطليعة» حلقة متميزة من حلقات المتن الأدبي التونسي المعاصر، اختلف النقاد فيها واختصموا ونسبوها إلى«اليسار» مرّة وإلى«اليمين» تارة أخرى، ورأى فيها البعض الآخر فتحا من فتوح الإبداع، والبعض الآخر رأى فيها صورة مشوهة وتقليدا هجينا إلى الغرب، وقطيعة فجّة مع الشرق بدون مسوغ أدبي. لكن ما يمكن أن يقال عن هذه الحركة، أو ما يميزها هو بعدها «الحركي» ؛ أي مدى وعي الطليعة ذاتها كحركة إبداعية جماعية. وهي حركة ضد السكون تقدم نفسها كعمل جماعي نزّاع إلى تغيير الأفكار، وهي حركة باحثة لا مدرسة جاهزة ومكتملة أو تبحث عن الاكتمال لتتحول إلى أنموذج، وهي طليعيّة لكونها تعني من بين ما تعني التجارب التي تجعل بعض المبدعين كما لو كانوا يقفون في الخطوط الأمامية في معركة من المعارك، والطليعي هو من كان بجرأته متقدما على زمانه. وما يميز هذه الحركة هو طابعها الجماعي كحركة طليعيّة وحول موقعها الأمامي وما يقتضي ذلك من صفات تميزها على حركات الوسط والمؤخرة والبدايات.

فتح جلّ أقطاب جيل الطليعة عينيه على الكتابة في الستينات وهي الفترة التي شهدت حدثين في تونس كما يقول الطاهر الهمامي هما : تطبيق الاشتراكية الدستورية، وظهور طبقة اليسار الجديد ومردّ ذلك هو الخطوات الجريئة  التي اتخذتها الدولة التونسية غداة نشأتها عام 1956م، وهي إجراءات هادفة إلى تصفية بعض العوائق الموروثة عن التقاليد السابقة داخل منظومة الأمة العربية.

فعلى مستوى هياكل السياسة تمّ إلغاء الملَكِيَة وإعلان الجمهورية وسنّ دستور عصري. وعلى مستوى الإدارة ثم إلغاء نظام«القياد»، وعلى مستوى الاقتصاد حلّت الأحباس وتم توسيع النمط الرأسمالي، أمّا التعليم فقد شهد الإصلاح والتوحيد والازدواجية والتفتح على اللغات، كما شرع في مكافحة الأمية ومحاربة  العادات البالية، ودعي أوائل الستينيات إلى إفطار رمضان من أجل زيادة الإنتاج وأداء الواجب، وتصدرت منظومة الحياة اليومية شعارات «كالتعصير» و«الإصلاح» و«فرحة الحياة».. ورفع شعار الدفاع عن العمل الجماعي الذي يٌحرِّر من التخلف ويقود إلى الازدهار والحركة والرفاه.

فهذا التحول المتسارع جعل رواد الطليعة الأدبية يشعرون أن البٌنى الأدبية لم تواكب هذا التطور ومن ثم نٌودي إلى ضرورة الاستغناء عن فكرة البطل في القصة مادام العهد هو عهد التعاضدية الاشتراكية الدستورية. فالعوائد والتقاليد التي كانت سائدة في العهد البائد لا وجود لمعظمها اليوم وبالتالي فمثلما رفع الحجاب عن المرأة يجب أن يرفع عن الأدب أيضا.

وكان من الطبيعي أن يشهد تطور البنى والأشكال الأدبية والفنية بطئا في نسقه بالمقارنة مع متغيرات الحياة الأخرى. والمعروف أن التغيير يتم ببط ء أكبر في مضمار الأفكار لأن روابطها بعوالم الإنتاج ليست مباشرة ووثيقة بالقدر نفسه، ومن هنا لاحظ رواد الطليعة الأدبية أن ما يجري أمام أنظارهم من تحولات جعلهم يتصورون أن ما يفصل الأدب التونسي عن العصر يساوي مسافة بين الأرض والمريخ فالنقد آنذاك على سبيل المثال كان مركزا على المضمون لا يحفل بالشكل ولا يكاد يتجاوز الانطباعات التي تحركها صداقة أو عداوة. والقصة ظل معظمها سجين البنية التقليدية لا يتعدى ترجمة ذاتية أو سردا وفق نمط مباشر لواقعة اجتماعية أو وطنية من وقائع العهد القديم.

أمّا الشعر فكانت تستقطبه وتستهويه أغراض أساسية من مثل :

أ - الإطراء أو المديح الذي يقوم بإحياء  العكاظيات الرسمية ويصل أوجه في احتفالات عيد ميلاد الرئيس سنويا.

ب -  الغزل أو منظومات الحب  التي كثيرا ما تتخذ من القصيدة النزارية نموذجا لها ممهورا بالفتور وبرودة العاطفة وانعدام الصدق.

ج -  الالتزام المفتعل في الشعر والذي غالبا ما يحذو حذو القصيدة البيانية أو السيابية وكان جل هذا الشعر موزونا ونسبة العمودي فيه مرتفعة إن لم تكن مهيمنة، فعلى سبيل المثال نشرت مجلة الفكر عام 1967 مائة قصيدة كان من بينها ٧٣  موزونة تضم ٦٦ عمودية.

 كانت عناصر التمرد خلال هذه الفترة المفعمة بالتقليد والاحتذاء غير معدومة وتراكمها هو الذي سيفضي إلى «النقلة» الطليعية وإنهاء وضع العالة على الشرق والغرب سواء، وبدأت تظهر على الصحف تعريفات جديدة للشعر كأن تقول الشعر عنصر مستقل عن الوزن غير ملازم له حتما، الواقع التونسي هو منبع إبداعنا لا الغرب ولا الشرق، أو شعار ليكفّ تجار العروض والأجدر بهياكلها أن تدخل المتحف. وصارت بعض المجلات تخصص حيّزا للإنتاج الجديد تنشر قصصا وشعرا ونقدا غير مألوف الشكل تقدمه لقرائها وتطلب رأيهم فيه، وبدت الحياة الأدبية الجديدة تشهد فترة هي بمثابة تململ ومراجعة يعقبها انبعاث وجرأة وجدّية واطلاع على النظريات الإبداعية والمناهج النقدية الحداثية واكتشاف العديد من روادها، بالإضافة إلى الإرهاصات السياسية التي واكبت نكسة ٧٦ وعدوان أمريكا على الفيتنام مع تنامي نبرة الاحتجاجات في صفوف الطلبة التي انبثقت عنها أولى نواة سياسية يسارية جديدة ستصهر الغضب الطلابي وتقوده نحو القطيعة مع الأساليب القديمة وهو ما جعل الخطاب الأدبي التقليدي يعرف انحسارا وأزمة في التكرار والمعاد.

 لم تمر الهزيمة العربية في مواجهة العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967 دون أن تخلف شعورا عاما بالإحباط لدى المواطن عموما والشباب المثقف خصوصا نتج عنه اهتزاز الثقة في الخطاب القومي العربي الذي غطى الساحة المشرقية وامتد إلى المغرب بل وفي الانتماء العٌروبي ذاته، وتولدت نزعة تشاؤمية طبعت الكثير من الإنتاج الأدبي، وربما لم يجد نظام الحكم في تونس المناهض للمدِّ  القومي العربي أنسب من هذه الفرصة لإذكاء الروح القومية التونسية والتدليل على وجاهة موقفه. ولمعالجة هذا الفراغ الإيديولوجي الذي بدأ يبرز ويتعذر على الاشتراكية الدستورية التونسية ملء فراغه أمام خطابين كانا يستهويان الشباب آنذاك وهما: الخطاب اليساري والخطاب القومي العروبي حيث وسم أنصار الأول بالمتغربين وأنصار الثاني بالمتشرقين ووضع الاثنان في خانة الخونة، وعلى مستوى الأدب اعتبر أولئك هم الذين أنكروا أصالة كل أدب تونسي وتمسكوا بالأدب الغربي، وهؤلاء هم الذين يغضون من الأدب التونسي ويتغنون بأدب المشارقة وأدبائهم  دون غيرهم... والأجدر بمن أحبوا تونس، وهم المخلصون لها الذائدون عنها، أن يكون لهم إزاء الأدب التونسي موقف آخر شبيه بالموقف السياسي الذي وقفه الحزب الحر الدستوري التونسي منذ أكثر من ثلاثين سنة بقيادة الحبيب بو رقيبة والذي أثبت في العديد من المواقف القومية رجاحته الصائبة وبعد نظره الثاقب. بل يقولون لماذا لا نخرج بالأدب التونسي إلى العالم كما خرجنا بالعبقرية السياسية التونسية التي هي لا شرقية ولا غربية كالزيتونة المباركة التي تغطي فضاء تونس؟... وكان مثل هذا الخطاب لا يمر دون أن يخلف في أوساط الناشئة الأدبية التي يدغدغ توقها البريء إلى استقلال الشخصية ويغذي نقمتها على التبعية وعلى من كانوا سببا في الهزيمة النكراء على يد الإسرائيليين عام 1967.

وكان في الوقت نفسه يصل أجواء الأدب في تونس صدى انتفاضات الشباب في العالم كانتفاضة طلاب فرنسا في مايو عام 1968، وأحداث الثورة الثقافية في الصين، كما كانت منشورات الطليعة الباريسية وأخبارها عن النظريات التجديدية محل عناية الكثير من الطليعيين، كما وصلت دعوة النقد الجديد والفلاسفة الجدد والمسرح الجديد فانفتحت لها أذهان جماعة من الجامعيين في تونس وأخذوا بدورهم يجربونها على صعيد البحث الجامعي والنصوص الإبداعية، ويطرحونها كبديل عن روافد المشرق المنتهية بالنكسة والإحباط والتقوقع.

ومن زخم هذه المتغيرات ظهر مبكرا تحديد معنى الطلائعية بكونها لا تعني أنك تقف على أحدث ما يجري في الخارج بمعنى أن تتقمص شخصية واحدة وإنّما هي الاستنبات الذاتي من خلال تجارب ذاتية للوصول إلى لغة مغرقة  في المحلية من ناحية المضمون أولا ثم بعد ذلك تلقائية من ناحية الشكل مع ثنائية «النحن» و«الهم» من مضمار تحديد الذات، ومع ثنائية المضمون والشكل في مضمار تحديد الرؤية النقدية والإبداعية التي بتوفرهما تكون الانطلاقة الحقيقية.

٢ - الطليعة كمفهوم وكحركة :

أ -  حرصت حركة الطليعة منذ ظهورها على تحديد حقل تصوراتها ومفاهيمها فلم تترك سؤالا محظورا حول الكتابة إلاّ طرحته، ولا قديما إلا سعت إلى استبداله بجديد، فقد دار في أوساط أفرادها نقاش مطول حول مصطلح «الطليعة» والتي يجمعون على تقديم فهم لهذا المدلول يعني الخروج عن العادة والعرف، وتكسير القواعد المتعارف عليها، وتحطيم الحواجز الفنية التي يتواضع عليها الناس وخاصة عندما تصل إلى حد الرتابة والاجترار والتحجر يجعلها لا تتماشى مع روح العصر، ولا تستجيب لمعطياته المختلفة. فهي إذا خروج عن السائد والمألوف، وإطاحة بما تقادم عهده، وتحجّر وانتصب حائلا دون مواكبة العصر. وقد رافق مصطلح الطليعة منذ البداية مصطلح «التجريب» الذي يعني فتح دروب جديدة من التعبير، والبحث عن علاقة جديدة بين المبدع وجمهوره، ومن هنا جاء مصطلح التجريب لرسم النّهج الفني بقصد إدراك ما بات يعرف لديهم بالأدب الكامل أو الأدب الرافض الذي يكون ثمرة حوار نزيه بين المبدع والمتلقي.

ب - الوعي الحركي:

 إذا كانت الطليعة فعلا جماعيا بالضرورة ففيم تجلّى الوعي الجماعي ومتى عبّر عن نفسه؟ للإجابة على مثل هذا السؤال يمكن القول أن هذا الوعي قد تجلى عبر أشكال عديدة يأتي في مقدّمتها البيان التضامني الذي نشرته مجموعة من الأدباء الشبان يدافعون فيه عن شرعية التجديد، ويتضامنون مع صاحب مقال «الإنسان الأصفر» عز الدّين المديني الصحفي، ومن وجوه الوعي الحركي كذلك  الكتابة الثنائية، أو الجماعة التي وعت الزمن أو الحركة الفنية التي أصبحت أمرا مقضيا تمجد العمل الجماعي وتهتف بسقوط كلمة «أديب» التقليدية والمفعمة أنانية، وشخصانية، ونزعات فردية بغيضة.

  مثل هذه الظروف التمردية الجماعية لا تتأتى عادة إلا في مرحلة عمرية قوامها التحصيل العلمي، والعزوبة والتفرغ، فكانت أعمار جلّ أفراد الطليعة لا تتجاوز الخمسة والعشرين ومعظمهم كان طالبا  في الجامعة ويعيش في حيّز متقارب هو تونس وضواحيها القريبة.

   ٣ - أفكار حركة الطليعة :

   يظهر من أفكار هذه الحركة أنها سعت لتكون حركة ذات هَوية «لا شرقية ولا غربية» فقد عرّفها بعضهم بأنّها الطريق الثالث بين الشرق والغرب بل هي طريق الواقع التونسي، والمجتمع التونسي، والتاريخ التونسي، والمعاصرة التونسية، والخَلق التونسي. هي طريق «التَّونَسَة» بكلّ اختصار وسيجعلون منها حجر الزاوية في الإبداع، وأداة اكتشافات الأدب الطليعي التونسي ؛ الأدب الوحيد الذي تفطّن أصحابه إلى ضرورة الكفّ عن تقليد المشارقة ومراجعة الهياكل التي انبنى عليها الأدب العربي طيلة تاريخه الطويل، بل سيجعل منها بعضهم قضية ثورة في وجه الإمبريالية الثقافية شرقية كانت أم غربية، وكذا ثورة على الرجعية الفكرية والسلفية الظلامية النكراء. وتساءل البعض سؤالا مشروعا كيف يجوز لنا أن نتحدث عن «تَوُنَسَة» التعليم والإدارة والأرض، ولا نتحدث عن تَوُنَسَة الثقافة والأدب والشعر معرفا تونسة الشعر بكونها ما ينضاف إلى غيره من الشعر العربي فلا يكون حشوا عليه ولا تكرارا له، مع رفض المشاعر الأبوية الثقيلة للمشرق، ونهضت الدعوة إلى قراءة جديدة لتاريخ الآداب العربية تولي المغرب المكانة التي تستحق، وإلى تركيز اهتمام التلميذ والطالب على تاريخ بلاده، وأدب بلاده، وشخصية بلاده. أما المسمى الأساس الجوهري في التنظير الطليعي هو البحث عن أساس اسمه «التَّوُنسة» المخبوءة وراء مسمى غائب في المعمعة القومية العربية أو العروبية إسمه «تونس».

  ٤ - دعوة أفكار الطليعة إلى

        أصالة عمودية لا أفـقية مجردة

  انتقلت الأصالة وفقا لمنظور «التَّونسة» من مدلولها التقليدي الماضوي إلى الدلالة على انغراس الإبداع في الحاضر زمانا ومكانا فأضحت الأصالة التونسية بديلا عن الأصالة العربية، وبدأت أحيانا كالنقيض، كما عَرفت الأصالة بأنها تجاوز للتراث بواسطة النقد، وصار أولى أن يقال، من هذا المنظور عن الشعر العمودي أو الموزون، الذي مازال يكتب في تونس أنه غير أصيل بسبب غربته الزمانية والمكانية. وفهم الالتزام على أنه البحث عن الشخصية المميزة للأدب التونسي.

أما من ناحية الشكل فقد أكدوا على أن كل شكل مرتبط بتاريخ معين، بل لا يكون الشكل على قدر وافر من النجاح إلا متى كان هو الواقع بعينه. وعلى هذا الأساس، لاحظوا بالنسبة للشعر العربي استفحال التفاوت بعد الحقبة «الجاهلية» بين الأرضية الواقعية المتجددة والتقنيات الشعرية، من حيث الشكل والمضمون، وبقائها على حالها عبر العصور الموالية وهو ما لا يتماشى ومنطق التطور. كما ألحوا على ضرورة تجاوز المضامين، والتقى الكل حول كون الشعر هو موطن الخلق ومحكّه ومعياره محتجين بقول القائل : «المعاني مطروحة في الطريق» أما تشكيلها فهو الوجه العصيّ من عملية الخلق الأدبي. وحتى يبعدوا عن أنفسهم تهمة معاداة العروبة والمشرقية دعوا إلى استخدام بعض أشكال القص القديم (حكايات، أخبار، مقامات... حدّث أبو هريرة قال إلخ) وضرورة إدخال تطويرات فنية عليها لتواكب الحداثة وتبتعد عن المنظور الرسمي للأدب والفن.

أ - التجاوز

مادام الأدب في نظر حركة الطليعة هو مجال معركة دائمة من الميلاد إلى الوفاة والضدّية ، وأوج الرفض لكلّ جمود، لكلّ تحجّر، لكلّ وقوف، وهو إحراج يومي، ومن ثمّ فهو رفض للوصاية والإملاء باسم حرية الخلق، بل هو تجاوز للذّات في آخر الأمر. إنّ الطليعة، انطلاقا من هاجس التفرّد ومن الشعور بكونها أتت بما لم يستطعه الأوائل ظلت تنشد مصطلحها الخاص وتتعهّده بالمراجعة والتغيير والتجاوز فدعت إلى الكف، كما تقول، عن أدب «بوسعدية» التهريجي وإلى التمييز بين «اليدب» حسب المنطوق السوقي و«التخربيش»من ناحية، و«الكتابة» الحقّة من ناحية ثانية فأصبح الأدب في نظرهم جامعا لمختلف الأشكال التعبيرية المألوفة من فنّية إلى أدبية وعلمية وراح مَبشِّرهم يبشِّر بعهد ميلاد جديد في الكتابة : عهد الكتابة الطفلة وموت الأدب الشيخ بل ذهب إلى حدِّ اعتبار «الأدب» استعمارا فيما «الكتابة» حرِّية، وأنه لا وجود لشيء اسمه شعر وشيء اسمه نثر وإنّما هناك كتابة ونصّ فنِّيّ وما التصنيفات الكلاسيكية إلاّ ثمرة أفكار بورجوازية ورجعية كسولة ومحنّطة قابلة للإتلاف.

من هنا طَرح بجدِّية تعريف القارئ وتحديد دوره، فهو وإن كان غائبا، فهو يشارك بحضوره الضمني في صياغة الخطاب ومن أجله يتعاطى الكاتب صنوف الحِيل وشتى الوسائل التعبيرية، ومن أجل القارئ عَدّت سجلاّت القول، بل وأعلن أخيرا تبني بعض عناصر الطليعة «للدارجة» لغة كتابة بعد أن تيقنوا أن الأزمة بين القارئ والكاتب باقية ما دام يَخاطب بلغة لا يستعملها، وأن مصير ما يكتب سوف لن يختلف عن مصير الأدب السابق وموقف الأجيال منه. إنّ البحث عن القارئ هو الذي أفضى ببعضهم إلى ترك الكتابة السردية وتبنِّي الكتابة المسرحية الرَّكحية على سبيل التبليغ الممكن، وأمام هذه الحيرة صرخ أحد أقطاب الطليعة، وهو الطاهر الهمامي، ليقول: «.. أيأس... وأكاد أجزم بأنّ الناس جميعا يسيرون إلى خلف والشمس لم، لا، ولن تشرق من قرطاج..».

ب - اللغة

قام الموقف الطليعي من مسألة اللغة على أساس النظرة التي تعتبر الاستعمال هو المعيار لذلك أرهف الكاتب الطليعي السمع إلى الدارجة واعتبر التفاعل الدائم معها هو الكفيل بأن يضمن للفصحى الحياة ولغة القواميس في رأيهم لغة ميّتة، وقال بعضهم بأنّ كلّ كلمة قابلة مبدئيا لاكتساب صفة الشعرية إذا وقعت بين يدي مبدع فذّ ومن ثمّ أضحى الطليعي لا يخشى اللفظة الشعبية والعبارة العامية إذا نزلت ضمن الكلام الفصيح سواء بتركها كما هي أو إخضاعها لقاعدة الإعراب. وتجاوز البعض، في ضوء معطيات الواقع المعيش المتعدد اللغات، إلى استعمال» الفرانكو-دارجة» أو «العر-عامية»

بالإضافة إلى إجازة توظيف اللهجات المستعملة محليا في مختلف أنحاء البلاد.

٥ - موقف حركة الطليعة من

الشعر والدعوة لغير العمودي والحر :

 لقد حظي الشعر بعناية خاصة لدى الحركة الطليعية في تونس باعتباره قاطرة الإقلاع التي ستمنح التجديد لكلّ التفاصيل التي سبق ذكرها. لقد فاقت عنايتهم بالشعر مختلف الأجناس الأدبية الأخرى وبرز ذلك الاهتمام من خلال حدّة الصدمة التي أحدثتها دعوتهم في الخروج عن أصوله المشرقية ورفض دعوة مجدديه فتصدرت دعوتهم يافطة طويلة كتب عليها بالبنط العريض «غير العمودي والحر» واندرج تحت هذا الشعار المثير تعريفات فرعية كالقصيدة المضادة وشعر لا يعتمد التفعيلة، وشعر عملي، وخلق وإنشاء، وإنتاج وكتابة وغير ذلك من المسميات المستحدثة...

وأكثر القضايا الشعرية إسالة للحبر وإذكاء للنقاش كانت ثلاثا : دعوة التجديد، ومراجعة المفهوم، والموسيقى الشعرية.

أ - دعوة التجديد :

لقد عيب على الشعراء تجاهل حركية الزمان وقانون التطور والإصرار على النظر إلى حاضر الإنسان بعيون الأجداد، والكتابة بأقلامهم ومدادهم، من هناك نشط البحث عن لغة شعرية جديدة، وعلّل ذلك بكون الوزن الواحد لا يحتمل إلاّ تجربة واحدة، وكان الشعور حادّا لدى شعراء الطليعة بثقل الماضي الذي لم يضغط على حظوظ أمة فحسب بقدر ما ضغط على حظوظ الأمة العربية قاطبة. وكان الوعي حاصلا لدى شعراء الطليعة والحركة في بداية تشكيلها بأنّ الشعر العربي في قوالبه الموسيقية والتعبيرية تلك قد أدّى دوره واستنفد طاقته وانتهى. كما أنّ الشعر الحر الذي دعا له رواد التجديد في المشرق، سواء دعاة شعر التفعيلة أو الحر فإنه لم يحل الأزمة لأنه تجديد منقوص والنقص فيه من كون المحافظة على التفعيلة فيه هي ارتباط لا مناص منه بسجن الأوزان وبالتالي بالقديم الممجوج والمحنط.

ب - مفهوم الشعر والشاعر :

عرفت ماهية الشعر بدورها مراجعة جذرية فقد أعلنت الحركة أن جوهر الشعر هو جوهر الإنسان، أي التطور والتغير المستمر، والتجاوز المستمر لحدود الكيان، لحدود المضمون والشكل وأن الشعر الأصيل رؤيا وتبصر، كما أعلن أن الشاعر هو ذلك الكائن العظيم الذي تتضاءل أمامه المدارس والإيديولوجيات.. وأنه ليس مسجّلا وإنّما «زرّاعا» فعليه أن يختار «البذور الحية» لقصيدته.

 ولاحظت الحركة بمرارة سقوط مفهومي الشعر والشاعر عند من يسمون أنفسهم بالرواد فأدى الأمر  بمفهوم الشعر أن يصبح ألاعيب وخطبا تقرع الأذن ولا تنفذ إلى القلب والفكر، وأدى بالثاني الذي هو الشاعر، أن يظهر في صورة المهرّج المتملق البوهيمي، الفاشل المعتوه، فجاءت جماعة «غير العمودي والحر» لتناهض هذه المفاهيم المشينة،  ومن ثمة تدعو إلى ضرورة تغيير المصطلحات الخاصة بمملكة الشعر إذ لا يمكن أن يظل بعضهم يقبل على قراءة أو نقد الشعر من غير العمودي والحر ونفسه متخمة بالقيم والمفاهيم التي يبنى عليها الشعر الحر والعمودي المنتشر في العالم العربي قديمه وحديثه.

وفي رأيهم انّ الشاعر الطليعي هو الذي يتوجّب عليه أن يهجر العمودي لأن الشعر الخليلي يحمل موسيقى فولكلورية وكذلك كلاسيكية... ولذا وجب خلق موسيقى شعرية جديدة ليست بدائية - كموسيقى الجاهليين - وإنما قائمة على ارتجال النغمة المناسبة للظرف الزماني والمكاني والجمالي والحسي المناسب.

ج - موسيقى الشعر :

رأى شعراء الطليعة أن موسيقى الشعر تنبع من روح القصيدة ذاتها لا من خارجها، ولا من المفروض عليها، وعليها أن تنبجس من روح الإحساس الذي يحاول أن يصبه فيها الشاعر، ومن هنا لم يعد هناك قالب صالح لجميع الحالات الشعورية والحسية، بل يصبح الأمر يقتضي لكل شاعر موسيقاه، ولكل قصيدة جوهرها الإيقاعي. وباختصار فإن تفعيلة الحياة هي وزن الشعر الجديد.

   ثم يتساءلون باندهاش واستغراب أيركب الشاعر منا اليوم السيارة والقطار والطائرة ويظل يزن الشعر بخطو الجمال؟ كما حاول البعض حصر مصادر تلك الموسيقى الملائمة للشعر الجديد في الطاقة الصوتية المتأتية من اللغة، والطاقة الإيقاعية النابعة من عصر كتابة القصيدة، ورأى البعض الآخر أن مصدرها يجب أن يكون إيقاعات وموسيقى النَّفَس التونسي بالذات، وأفضى الاجتهاد في هذا الإطار فأسفر عن روافد شعرية ثلاثة داخل الحركة الطليعية.

  أ - رافد غير العمودي والحر :

 مثَّل دعاة غير «العمودي والحر» مرحلة الخروج من الوزن الخليلي وسعى النقد إلى تبيان ثراء الموسيقى الجديدة  الكامنة في اللغة مكتوبة ومنطوقة، بالإضافة إلى استيعاب المحيط الصوتي المعاصر لها مع تتبع مظاهرها وشواهدها عبر النصوص، وانتهى الأمر إلى اعتبار هذا النوع من الشعر شعرا نبريا ومقطعيا جامعا لخصائص كل من الشعر الفرنسي والشعر الإنجليزي، وبالمختصر الجامع للإيقاع العالمي والإنساني الذي تستجيب لبواعثه الروح.

ب - القصيدة المضادة :

تم تعريف هذا النوع من القصيدة عند صدورها عام ١٩٦٩  بكونها ليست فنا يحتاج إلى تسمية، لأنها ليست شعرا بالمفهوم الكلاسيكي، ولا حرة بمفهوم المجددين، بل هي قصيدة مضادة تتخطى تلك الهندسة العروضية التي لا فضل لها إلا في كونها من تراثنا. ثم تم تحديد علاقة هذه القصيدة بالتراث على أساس الإضافة والتحاور معه كغيره من تراث الحضارات الأخرى.

ما يميز القصيدة المضادة عن فصيلة النثريات بكونها خلافا للنثر والنثر الفني والنثر الشعري تمتاز بأوزان وقواف أخرى، وآفاق وأوتار تنبع في كل مرة من طرفة الشاعر لا من ذاكرته. وينطلق منظر القصيدة المضادة في هذه المفاهيم حتى يخلص إلى أن الشعر هو الشاعر، والشعر ثورة دائمة، وتساؤل لا ينتهي، وشاعرية  الشاعر لا تقاس بمدى طاعته للماضي، بل بذلك التجاوز، وتلك القدرة على تجديد الحياة وانتشالها من الهرم والجمود، والتعفن والزَّيف، وبهذه المفارقة تكون القصيدة لا شرقية ولا غربية. إنها خلق من الألف إلى الياء، بطاقة تعريفها صاحبها، تنتشر وجها لوجه مع العالم المعاصر. أما من حيث الدلالة التاريخية فهي تَتَنزَّل في صميم عملية هدم الهياكل الموروثة، وترفع الرفض تاجا معلَّى. فهي ترفض أن تبقى، وترفض أن تبقى نثرا وتثور على نفسها باستمرار لأنها لا تقبل الاستسلام، فهي عدوان مستمر على القاعدة والمقاعد والقعود والتقاعد والتقعيد والعقد والعقائد والتعقيد وذي القعدة... «فهي كتابة رفض، وكتابة تجاوز، وكتابة تفجير.. تعتمد الصورة الشعرية وموسيقى الأفكار وتستنشق الحياة من الحياة  بدون حاجة إلى الراقي أو الحجاب...الساتر....

  ج - أشعار بلا حدود :

هو نوع من الشعر كما يقول عنه صانعوه من أمثال «صالح القرمادي» و«محمود التونسي» و«سمير العيادي» لم يغتسل بإبريق، فهو توقيع العصر، مكسور مبتور، بلا انتظام، بلا انسجام حاول أصحابه أن يجدوا لغة وسطى بين الفصحى والعامية فلووا كما يقولون عنكوش البلاغة بيدين خشنتين وأنزلوا  القصيد من سماء المثاليات إلى أرض الواقعيات،  ومن علياء الروحانيات إلى حضيض الماديات، مع الحرص الواعي على اصطياد اللحظات المليئة بالواقعية والزاخرة بالقيم الإنسانية، وعلى كسر  الحدود المتعارف عليها بين الأنواع الأدبية والفنية، مع استبدال الإيقاع الموسيقي بصيغ تعبيرية مستوحاة من الرقص أو المسرح أو السينما أو شتّى الفنون المجازفة.

 هذه باختصار بعض ملامح حركة الطليعة التقدّمية في أوانها والتي ما تزال معظم أفكارها، كما يمكن أن يلاحظ القارئ، قابلة للنقاش نتيجة ثرائها ووعيها الشديد باللحظة التاريخية التي تعنيها وتستلهم منها خواطر التجاوز والمناهضة لكلّ القيم السكونية المٌسيّجة بالقناعة وانتظار الذي يأتي ولا يأتي....


تصميم الحاسب الشامل