السرد بضمير المخاطب :
فنيته ومعناه

 

بريان ريتشاردسون: ترجمة: خيري دومة


منذ أن نشر ميشيل بوتور روايته «التعديل» La Modification عام 1957، والسرد بضمير المخاطب يحتل مكانة متميزة بين القصص المجدِّدة، ويستخدم بطرق مختلفة لدى عدد متزايد من الكتاب.

كان من الغريب إذن، ألا نجد دراسة جادة لهذه الاستراتيجية السردية ، في الكتابات الواسعة المخصصة لوجهة النظر، أو للخطاب السردي، أو لشعرية القص.  وشكواى هذه ليست جديدة؛ إذ ينتقد بروس موريسيت Morrissette - في مقالته التأسيسية ، وغير المعروفة مع ذلك- «سرد الأنت في الأدب المعاصر» 1965، عددًا من المنظِّرين (ومن بينهم واين بوث Booth ) لإهمالهم عن غير قصد، أو حتى إنكارهم، لوجود السرد بضمير المخاطب (ص٧)(١)

ولابد أن نلاحظ أن الستينيات وأوائل السبعينيات قد أنتجت عددًا من التوسعات المثيرة في النصوص المكتوبة بضمير المخاطب، من بينها «هالة Auta ) (1962لكارلوس فيونتس ، والفصل الأول من رواية «غصن الزيزفون»   The Lime Twig (1962) لجون هاوكس ، ورواية «الرجل الذي ينام» Un Homme qui dort (1967) لجورج بيريك ، ورواية «مكان وثني» A Pagan Place (1970) لإندا أوبرين، وقصة«الشخص الثاني»  The Second Person (1970) لـ و. س.ميروين ، وصفحات متعددة من رواية Gravitys Rainbow لتوماس بينكون.

ورغم أن كثيراً من المعلقين والنقاد في مناقشتهم لأعمال مفردة،  قد أدركوا التوسعات المراوغة للصوت السردي والمنظور السردي(٢)، فإن نظراتهم تلك لم تتخذ أبدًا طابعًا نظريًّا؛ ففي ختام كتابه «القصة والخطاب»، وحين يشير سيميور شاتمان Chatman إلى مجالات نظرية السرد التي تحتاج لبحث أوسع، يتساءل صراحةً :«تُرَى ما الوضعية  الدلالية  للراوي في القصص المحكية بضمير المخاطب، مثل قصة «التعديل»؟ (ص264). ومع الأسف سيظل هذا الموضوع مهمَلاً إلى حد بعيد في الأعمال الكبرى في نظرية السرد، التي نشرت خلال الثمانينيات، أعمال ميكي بال Mieke Bal، وسوزان لانسر Susan S. Lancer، وفرانز شتانزيل Franz Stanzel، وجيرالد برنس Gerald Prince، وجيرار جينيت Gerard Genette، وشلوميث رايمون كينان Shlomith Rimmon-Kenan، ووالاس مارتن Wallace  Martin؛ (٣) فكل هؤلاء النقاد اختصروا دراسة السرد بضمير المخاطب في جمل قليلة، وأزاحوها إلى الهوامش، أو أخفقوا حتى في ملاحظة وجود هذا النوع من السرد. وينطبق هذا حتى على دوريت كوهين، التي يشرح كتابها «عقول شفافة» وبالتفصيل، لماذا يختار كتاب معينون توظيف صيغة ضمير المتكلم أو ضمير الغائب في السرد، وهو الكتاب الذي يتضمن بحثاً ممتازاً لما تسميه «المونولوج الأوتوبيوجرافي» الذي يتوجه إلى «الأنت»(ص178-186).

وسأحاول فيما يلي استقصاء النطاق المتسع للقصص المحكية بضمير المخاطب، وتمييزها عن الأشكال المشابهة لها على نحو مصطنع، ثم أوضح أن نظرية السرد لم يعد بإمكانها تجاهل تلك الممارسة السردية.

وسأميز بين ثلاث صيغ  للسرد بضمير المخاطب: ما أسميه «الصيغة النموذجية Standard،  والصيغة «الشرطية Subjunctive ، والصيغة «الموجهة إلى الذات Au toteilic» وفي غضون ذلك سأحاول أن أوضح العلاقات المتغيرة بين ضمير المخاطب وجاريه التقليديين الراسخين: ضمير المتكلم وضمير الغائب، ثم أطرح التأملات المختلفة حول الدوافع الاجتماعية والأدبية والفلسفية التي تقف وراء ظهور هذا التكنيك وتزايده في زماننا. وسأشير في النهاية إلى أن التحليلات التي تمت في مقالتي هذه، يمكن أن تلقي الضوء على قضايا أخرى في نظرية السرد، مثل النقد الخاص باستجابة القارئ، كما سأناقش أمثال هذه الممارسة السردية في أنواع أخرى.

غير أنه من الضروري أولا، أن نفرق بين السرد بضمير المخاطب، وأنماط أخرى من القص توظف ضمير المخاطب عادة على مستوى السرد. وأحد هذه الأنماط حديثُ المؤلف المعروف، الذي يتوجه فيه مباشرة إلى المروي عليه أو«القارئ الكريم»، وهي الممارسة الشائعة لدى فيلدنج وثاكري(٤). وتعود أصول هذا النوع من السرد الإطاري إلى قصص رابليه وتوماس ناشي، وربما نجد أكثر توظيفاته وضوحًا (وسخرية) في «ترسترام شاندي» و«لوليتا».

والنوع الثاني من السرد الذي يستخدم لفظة «أنت» بشكل متكرر، ولكننا لا نسميه سرداً بضمير المخاطب، هو المونولوج الموجه إلى مستمع حقيقي أو متخيل، في أعمال من قبيل «مذكرات من تحت الأرض»  Notes from The Underground لدستويفسكي، و«السقوط» la Chute  لكامو، و«صورة زائفة»  Travesty لهاوكس Hawkes. ويمكن أن نضيف إلى هذه المجموعة قصص سيلينيه: الروايات المكتوبة وكأنها تلقى على جمهور قريب، وقد نضيف إلى ذلك روايات ناتالي ساروت التي تصف الصراعات الداخلية أو تحور الأصوات الفرعية(٥). كل هذه الأعمال يمكن استيعابها بسهولة من خلال النظريات الثنائية التقليدية في «وجهة النظر»؛ إذ يوجد حديث المؤلف خارج ما نسميه السرد. أما المونولوج الأوتوبيوجرافي (والأشكال القريبة منه) الموجهة إلى الشخصيات، فرغم أنها ليست إلا أشكالاً صامتة - أو قل أشكالاً احتمالية - داخل العالم القصصي، فإنها صوت واحد لمحاورة غير متساوية، إنها محاكاة Mimesis مقنعة بقناع رقيق من السرد Diegesis.

 

(١)

ئ؟يمكن تعريف السرد بضمير المخاطب بأنه أي سرد يضع بطله في صورة ضمير المخاطب. ويكون هذا البطل عادة هو الشخص الوحيد الذي يُرَى العالم من بؤرته، كما أنه هو أيضًا المروي عليه في العمل على وجه العموم. وتُحكَى القصة في أغلب الأحوال في الزمن المضارع، وبعض الأشكال تتضمن كذلك استخداماً متكرراً للزمن الشرطي والزمن المستقبل. إن بحثي يرسم الاتجاهات ولا يحدد شروطاً ثابتة؛ ذلك أن السرد بضمير المخاطب شكل بالغ المرونة، وكينونته الخاصة تتجنب أي ثبات.

وأكثر أشكال السرد بضمير المخاطب شيوعًا، وهو ما أسميه «الشكل النموذجي»، هو أيضاً الشكل الأكثر لصوقاً بأشكال السرد التقليدية؛ ففيه تُحكَى القصة عادة في الزمن المضارع، وحول بطل واحد هو الذي يشار إليه بضمير المخاطب، وتشير «الأنت» إلى الراوي والمروي عليه أيضًا، رغم أن هناك كما سنرى بعض التفاوتات في هذا المثلث الغريب. هذا هو الشكل المستخدم في رواية «التعديل»، ورواية «هالة»، ورواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة». وينسب اختراع هذا التكنيك غالباً لبوتور، غير أن هناك قصتين قصيرتين على الأقل قبل بوتور: قصة ماري ماكارثي «الـمُضِيف الكريم»The Genial Host (1941)، وقصة إلسي إشنجر(Spiegelgeschichte))(1954)، وهما قصتان مكتوبتان بالكامل بضمير المخاطب؛ ففي صفحة نمطية من قصة مكارثي نقرأ ما يلي:

« الان انت مترددة، تزنين الدعوة، وإن عاجلاً أو آجلاً ستتخاصمين معه، أنت تعرفين، ولكن ليس الآن، ليس قبل أن تكوني شديدة الفقر، بلا محبين ، شديدة الوحدة (ص٣٦١).

وتعطينا السطور الافتتاحية من قصة إشنجر أيضاً ، نموذجاً ممتازاً لهذا الشكل :

 «حين يدفع شخص ما سريرك خارج السجن، حين ترى أن السماء تزداد اخضراراً، وحين تود إنقاذ الكاهن من مشكلات مراسم التأبين، هنا ستصحو بنعومة...»(ص٤٤)

كان يمكن لهذه العبارات أن تكتب بضمير المتكلم أو بضمير الغائب، مع تبئيرها على شخص ما، وكان يمكن أن تكتب بالحديث غير المباشر الحر. ولكن تم اختيار ضمير المخاطب بدلاً من ذلك، ونتج عن ذلك نمط مختلف من السرد، ينطوي على غموض في هوية «الأنت» ووضعيتها؛ فهو بدايةً،  ومن الوجهة المعرفية، ضمير أشد التباسًا من «الأنا» أو«الهو» التقليديين؛ حيث لا نجد صعوبة غالباً في تشغيلهما، كأننا نلتقي بنص قصصي لأول مرة.

الـ«أنت» You أوالـ«أنتم» Du في هذه الحالة تهدد أيضاً الاستقرار الأنطولوجي للعالم القصصي  بقدرما تتوجه بالضرورة إلى القارئ، بالإضافة إلى الشخصية المحورية. وفي قصص ضمير المخاطب النموذجي (وعلى خلاف أشكال ضمير المخاطب الأخرى) يتمايز البطل/المروي عليه تماماً عن القارئ الفعلي أو الضمني، ومع ذلك فإن إحدى سمات عدم الاستقرار في تلك الصيغة السردية، أن هذا التمايز يمكن محوه إذا أمكن «للأنت» أن تشير أيضاً إلى القارئ.

ومعظم المؤلفين يستخدمون هذه الصيغة مع حرص على التمايز؛ ففي «الرجل الذي ينام» يكتب بيريك:

 « عمرك خمسة وعشرون عاما  ، وعندك تسع وعشرون سُنة ، وثلاثة قمصان ، وثمانية جوارب ، وبعض كتب لم تقرأها بعد ، وبعض اسطوانات لم تسمعها بعد» (ص٢٤)

عند القراءة الأولى لسطور مثل هذه، يكون من المستحيل تقريبا أن نتجاهل دور كلمة «أنت»، أو أن نضعها بين قوسين، أو أن نمحوها وكأنها تقع في كل مواقف الخطاب الأخرى؛ ذلك أنها تشير، من غير شك وعلى وجه الحصر، إلى المتلقي..إلينا نحن. إن التفاوت الضمني إذن (فعمرنا ليس خمسًا وعشرين، وعندنا أكثر من تسع وعشرين سِنُة) يوضع جنبًا إلى جنب مع الهوية المحتملة؛ ففي كل الاحتمالات نحن نملك كتبًا متعددة واسطوانات لم نستخدمها بعد. هذه «الأنت» ليست مستقرة بطبعها، ومهددة دائما بالاختلاط مع شخصية أخرى، مع القارئ، أو حتى مع ضمير نحوي آخر.

ومعظم منظري السرد إما أن يتجاهلوا هذا النوع من السرد، أو يضعوه هناك بعيدا في الهوامش بصفته شيئًا زائدًا. ويحاول آخرون إلحاقه بواحد من الضمائر الشخصية الأخرى؛ فرغم أن فرانز شتانزيل يركز على أهمية الفروق بين القص بضمير المتكلم والقص بضمير الغائب(ص٨٠-٨٣) ورغم بحثه المثير عن مؤلفين كثيرين قرروا إعادة كتابة رواياتهم من وجهة نظر أخرى(ص٨٣-٨٥) -رغم كل ذلك، فإنه يؤكد أن «الأنت» في السرد بضمير المخاطب، هي في حقيقة الأمر إضفاء للطابع الدرامي على «الأنا»، وأن شكل المونولوج يسود هنا أيضًا (ص٢٥٥). وهو يعترف في الهامش على كل حال أن «تصنيف ضمير المخاطب بين شكلي ضمير المتكلم وضمير الغائب المتعارضين، سيسبب صعوبة، إذا لم ينظر إليه المرء بصفته تنويعة على ضمير المتكلم، وإن تكن تنويعة بالغة الدلالة»(ص258).

ورغم أنني أتصور أن ذلك فهم آخر شائع، فإنها حقيقة عامة من غير شك. ويعتقد بريان ماكهيل أن «الأنت» تحل محل ضمير الغائب الخاص بالشخصية القصصية، وتؤدي وظيفته، وذلك في نوع من الخطاب غير المباشر الحر «(القص ما بعد الحداثي ص٣٢٢). وأنا مع ماكهيل في هذه النقطة؛ فمعظم الصفحات في رواية «التعديل» (وهو النص الذي يحلله كل من شتانزيل وماكهيل) لا يمكن اختزالها إلى ضمير المتكلم؛ إذ تتضمن الجملة الثانية من الكتاب السطور التالية : «لقد تركتَ حقيبتك المخصصة لزجاجة الخمر، والمصنوعة من جلد أخضر مموه، حقيبة صغيرة لرجل اعتاد الرحلات المطولة»(ص ٩). ومن الصعب جداً أن نتصور بائعًا متجولاً يغمغم لنفسه بهذه الكلمات. ومن ناحية أخرى، فإن هذا النوع من السرد لا يمكن إدراجه بدقة تحت ما نسميه ضمير الغائب..إنها محاولة دءوبة لوصف تيار الانطباعات والأفكار، والحديث الجانبي الذي يمر به البطل، وهي الثنائية نفسها التي توحي بها الجملة الافتتاحية من رواية  Aura إنك تقرأ الإعلان : فرصة كهذه لا تقع كل يوم..إنك لا تلاحظ حتى الرماد وهو يسقط من سيجارتك في كوب الشاي»(ص٣). نحن هنا إزاء حديث جانبي للبطل، وفي الوقت نفسه إزاء وصف لحدث لم يره هذا البطل. والحق أن ذلك التذبذب الصعب بالتحديد، بين السرد بضمير المتكلم والسرد بضمير الغائب، هو الحالة النمطية الموجودة في النصوص المكتوبة بضمير المخاطب، تلك النصوص التي تدعو إلى التطابق مع أصوات الضمائر الأخرى، وإلى تعويق هذا التطابق في الوقت نفسه(٦)، وذلك كما قال و.س.ميروين ، في الصفحة التي يستشهد بها ماكهيل:

«أنت المخاطب...تنظر حولك بحثاً عن آخر ليكون هو المخاطب، لكن لا يوجد آخر..أنت تبذل جهداً مضنياً لإخفاء ذاتك في كل المظاهر الخاصة بضمير الغائب، لكنك تعرف أنه لا أحد،  ضمير الغائب لا أحد..تقليد ما..لا، أنت مُصِرٌّ، وهذا كله خطأ، أنا ضمير المتكلم، لكنك  تعرف كيف أن ذلك غير مقنع، وكيف أن ذلك لا يكون حقيقياً إلا في النادر.»(ص١١٦-١١٧)

من الممكن أن نتفكر في الأسباب التي جعلت نظرية السرد تقاوم عبر تاريخها، تقديمَ مفاهيم حول القص بضمير المخاطب. هناك بالطبع حكم العادة، بما في ذلك عادة أن نفكر من خلال التعارضات الثنائية؛ ذلك أن هؤلاء المنظرين يحاولون أن يتصوروا علمًا للسرد يكون شاملا، علمًا قادرًا على الإحاطة بكل القصص، الحقيقية والخيالية على السواء، وهنا تظهر مشكلة إضافية؛ فروايات ضمير المتكلم وضمير الغائب لها نظائر واضحة من غير القصص، كما في السيرة الذاتية، والسيرة؛ أما ضمير المخاطب فظاهرة أدبية تمامًا وعلى نحو حاسم، ونظائرها الوحيدة من غير القصص هي الأشكال شبه السردية، كما في كتب المطبخ، ودليل السفر، وكتيبات «ساعد نفسك بنفسك»...

«الجريدة..إنها تطوى لقوائم الغرف المفردة، تسقط من جيبك حين تشرب من زجاجتك، لكن لا يهم.. أنت الآن تتمشى..أنت الآن تحدق في النافذة، تبحث عن علامات قليلة» (هاوكز ص.٥).

إن الخطاب النمطي لرواية ضمير المخاطب هنا، ليس له مثيل في غير القصص، والنظريات التي تجاهلت التفرقة بين القصص الحقيقية والقصص المتخيلة، ربما بنت تجاهلها لهذه التفرقة على فرضية مؤداها: أنه إذا كانت هذه التفرقة تسمح بفصيلة كهذه في تحليلاتها(٧)، فإنها هنا وعبر شعريات القص، يمكن أن تدمر الحلم الخاص بعلم السرد(٨).

ولكن ربما كان السبب الأكثر دلالة راجعًا إلى أنّ الضمير المخاطب شكل مراوغ، وأصلي، ومنتهك، ومضيء، إنه دائم الوعي بمكانته، وغالباً ما يخفي نفسه، لاعبًا على حدود الأصوات السردية الأخرى، ويمكن رؤية هذا بوضوح شديد إذا تأملنا التلاعب بالضمائر في نصوص ضمير المخاطب الأشبه  بقصص ضمير المتكلم (أضواء ساطعة، مدينة كبيرة(، والأشبه بقصص ضمير الغائب (مكان وثني)

في الفقرة الأولى من كتاب ميكليرني نلتقي بهذه السطور:

«أنت في ملهى ليلي ، تتحدثين إلى فتاة برأس حليق....قد يكون ملهى Heart Break  أو ملهى Lizard Lounge ، ربما يتضح كل شيء فقط لو استطعت أن تنسلي إلى الحمام وتضعي قليلا من المسحوق، وهنا مرة أخرى قد لا يتضح شيء... ويلح صوت من داخلك أن هذا الافتقار الوبائي إلى الوضوح نتاج لكثرة هائلة من تلك الأشياء السابقة».

كل هذه الجمل، وكل الجمل-تقريبا- المتصلة بهذه القضية في الكتاب، يمكن نقلها بسهولة إلى ضمير المتكلم. وهي جمل- على خلاف تلك الموجودة في رواية «هالة» Aura- لا تحتوي على أية معلومات لا يدري بها البطل.  وعلى خلاف الاقتباس الذي نقلناه من بوتور لا توظف هذه الجمل أية أنماط دلالية غريبة عن خصائص الخطاب التقليدية لديه. ومع ذلك فإن توظيف ضمير «الأنت» يأتي بعنصر عدم الاستقرار، عنصر غياب الوضوح الذي نجد عنه حديثا صريحاً في هذه الصفحة. ويتعمق هذا العنصر عبر الإشارة إلى استمرار وجود صوت آخر، «الصوت الصغير في الداخل»، ذلك الذي يفتت ذاتية البطل. ويبدو عدد من الفرضيات، الجاهزة لمحاولة شرح ذلك الموقف المثير، انقسامًا بين الذات والروح، حوارًا بين «الهو» Id     و«الأنا الأعلى» Superego ، شخصية تستخدم صوت شخصية أخرى لتستجوب نفسها، مسرحة واقعية للتأثير المربك الخاص بالكوكايين. إنها طبيعة السرد بضمير المخاطب: أن يقدم كل هذه الفرضيات المعقولة، بينما يؤكد أنه لا يمكن تحديد أية فرضية منها. وما دامت الروايات مستمرة، ستظهر إمكانيات أكثر للتفسير، وستظهر توظيفات مراوغة للأصوات السردية.

في الفصل الثالث من الكتاب المعنون «فائدة القص» يقرأ البطل، في خطاب مرسل من شركة التأمين إلى الموديل التي كانت قد تركت الشركة حديثًا، هذه الكلمات: «مهنة الموديل مهنة مثيرة ومربحة. وعلى كل الأحوال ستكون أمامك سنوات كثيرة للكسب. ولكن أين تحبين أن تكوني عند وقوع الحادث المروع؟»(ص٧٣). هنا نلاحظ  النثر السخيف و«الأنت» الفجة في نسخة الإعلان: محاولة مضحكة لإضفاء طابع شخصي على خطاب مرسل إلى آلاف المستهلكين المحتملين، يجاوره استخدام ماهر ومحترم لضمير المخاطب. ومن المحتمل أن يكون القارئ مدعواً لكي يضع في اعتباره المضامين السياسية لهذا التجاور. هل يسخر ميكلينرني هنا من رأسمالية السلعة، ويحاول أن يقضي على امتلاك صناعة الإعلان «للأنت»، وهو الامتلاك الواضح تمامًا في الولايات المتحدة ؟ (ألا تود حقًا أن تمتلك سيارة بويك؟) أم أنه خطاب البطل وقد أفسده خطاب البائع، تمامًا كما لوث أفكاره الخطاب المضمَّن في عناوين الصحف المنمقة

   COMA BABY SIS PLEADS. SAVE MY LITTLE BROTHER

وتظهر حيلة أخرى حين يتذكر البطل- الذي أسميه الراوي-تلك الأيام المفعمة بالأمل في الماضي القريب، عندما تسلَّم العمل في مجلة محترمة وظَّفته في الوقت الحاضر:

«أنت تشعر فعلا بالحنين، كأنك تتمشى عند الضياع القريبة، متجاوزاً كل الأبواب المغلقة. وإنك لتذكر مشاعرك حين مررت بذلك الطريق لكي تجري مقابلتك الأولى.. لقد فكرتَ في نفسك بضمير الغائب (لقد جاء لإجراء مقابلته الأولى بسترة زرقاء داكنة ، أجرى المقابلة حتى يحصل على مكان في قسم إثبات الحقائق»)  (ص٢٤).

في هذه الصفحة تَلَقٍّ بسيط، تفكير في الذات بضمير الغائب، يتحول تماما عندما يفصح عنه راو بضمير المخاطب. يتحقق الأثر القوي لـ«نزع الألفة»؛ لأن الفكر الشائع، وإن لم يكن ملحوظًا، تحيط به صيغة سردية غير معتادة.

ويظهر موقف مشابه إلى حد ما، قرب انتهاء الرواية، حين يتأمل الراوي مسألة العلاقة بين الذوات:

«إنهم يحاولون رؤية أنفسهم في حذائك ، إنه لشيء لزج..كانت فيكي تتحدث في الليلة الماضية عن استحالة وصف التجربة الداخلية...قالت إن حقائق معينة لا يمكن استيعابها إلا من وجهة نظر واحدة ، وجهة نظر خالقها الذي عاشها ، وأنت تتصور أنها تعني أن الحذاء الوحيد الذي يمكن أن نرتديه هو حذاؤنا نحن ٠ لم تستطع ميج أن تتخيل كم هو جميل بالنسبة لك أن تكون أنت أنت ، إنها لا تتصور نفسها إلا أن تكون هي أنت»(ص١٠١)

هذه الصفحة تناقش وجهات النظر غير المتكافئة، حتى وهي تلعب بوجهة النظر. إنها تؤرخ لموتيفة عدم قدرة المرء على التواصل مع أكثر مشاعره عمقًا، مع «الكينونة الداخلية» للمرء، حتى تلك اللصيقة به (ومما له دلالة أن البطل ليس واثقًا من وصوله إلى معنى محدد لجملة «فيكي» الخاصة باستحالة الاستيعاب التام لتلك المعاني).

ومن المهم أن نلاحظ أن تلك الفقرة لو أنها كتبت بضمير المتكلم لحققت شهرة كبيرة، مثل كليشيهات الوجوديين في الخمسينيات. ولكن لأنها بضمير المخاطب، فإنها تدعو إلى التطابق بين البطل والقارئ مهما يكن مراوغًا، وتدخل عنصر الوعي المضحك بالذات؛ مما يجعل التيمة أقل وقارًا وأقل إقناعًا، وهنا نفهم «الأنت» أعمق ما يكون الفهم.

أضف إلى هذا أن جملة واحدة في الرواية، مثل جملة «إن ميج لا تتخيل كم هو جميل بالنسبة لك أن تكون أنت أنت»، وهي الجملة التي تبدو للوهلة الأولى كأنها تكشف عن حرفية التوجه إلى ضمير المخاطب، والتي تجعله يبدو طريقة مجانية-وربما خرقاء-ليكون أصيلاً بأي ثمن..هذه الجملة تتغيرحالما تضاف بقية الجملة : «إنها لا يمكن أن تتخيل نفسها إلاك»، وذلك لتقدم نبوءة صافية وملاحظة عميقة. إن حدود وعي ميج تتكشف بكاملها لعقولنا نحن.

عند النظرة الفاحصة تبدو وظيفة السرد في رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، أكثر خصوبة وتعقيداً منها عند النظرة العجلى، وفي المقابل فإن وضعية الصوت وهويته يشوبهما الغموض في بداية نص إندا أوبرين «مكان وثني»؛ إذ تبدأ الرواية بضمير الغائب «كانت ماني باركر عالمة نبات، تخرج مع أختها في أي جو إلى محل الحلوى، كانتا لا تأكلان اللحم يوم الجمعة  لأنهما بروتستانتيتان» (ص٩). إلا أن الجملة التالية تقدم ضمير المخاطب؛ ومن ثم فإنها تطرح مسائل خاصة بوضعية السرد وهوية المتكلم : «أمك موزعة هناك ، ووجدتهم طيبين»، ثم ترتد الفقرة التالية إلى ضمير الغائب ، حتى أن كلمة  «أمك» يشار إليها مرة ثانية في جمل كثيرة بعد ذلك.

والفرضية المعروفة هنا فيما يتصل بالإجراء السردي، هي أننا أمام حضور لـ«مونولوج الذاكرة»؛ فبعض سكان القرية السابقين يحكون، دون وجود علامات اقتباس، ويحكون لجمهور غير محدد؛ ومن ثم فإن هذه القراءة تعتورها بعض المشاكل، بسبب عبارات معينة يبدو أن من الأنسب أن ينطقها المروي عليه:«فحين وضعت البقرة حلبتها الثانية في إناء اللبن،لم ترها السيدة «وَالْتي»،  التي كانت تحلبها«(ص١٠). كما أن هناك عبارات أخرى تبدو فيها أشياء غير معقولة بالنسبة لما يعرفه طفل:

 «لقد التقى أبوك بأمك في تلك الحفلة الراقصة، لكنه لم يُعِرْها اهتمامًا. كانت أمك مزدانة تمامًا، عائدة إلى أمريكا يوم إجازتها، ترتدي فستانًا طويلاً، واضعة البروكسيد على شعرها..وضعت أمك عينها عليه ، وشجعت أخاها أن يدعوه إلى البيت ليزرع لهم الأرض»(ص١٢)  

ولن تعرف بشكل مؤكد إلا بعد صفحات كثيرة، أن الراوي، والشخص الذي تروى الأحداث من وجهة نظره، والمروي عليه، هم في حقيقة الأمر شخص واحد، وأن العمل كله هو قصة بضمير المخاطب، رغم ذلك الاستهلال الوصفي(هذه القصة، بالإضافة إلى قصة مكارثي «الجيش العبقري»، واحدة من نصوص ضمير المخاطب المحدودة جدًا، المحكية بكاملها في الزمن الماضي).

والفقرة التي استشهدنا بها منذ قليل تحولت، لا إلى مشاهدة بالعين، بل إلى نسخة للبنت مؤلفة من قصص أخرى، كثير منها يحكى باستمرار في الأوساط العائلية. والسؤال الذي يطرح نفسه إذن: لماذا يختار أوبرين مثل هذه الطريقة الغامضة- أو قل الطريقة المضللة- للكشف عن خبايا سرده؟

وتكمن الإجابة في العالم الاجتماعي المحيط، الذي يتهدد البطلة دائمًا بالابتلاع. إنها بنت..ربما كان عمرها حول العاشرة، تعيش أسرتها في فقر مدقع، وتحيط بها الوحشية، والداها يتشاجران باستمرار، وأبوها سكير وعنيف.. وهي كبنت، بلا حول ولا قوة، في مجتمع شديد الطبقية والسادية. وكل الأشخاص الذين التقت بهم، سواء والداها أو الكاهن أو المدرس أو صديقها المزعوم أو الغريب الفاسق، انتهكوا نفسيتها، وقمعوا صوتها. وقد اختزنت هي هذا الإهمال، وامتصَّته في صمتها الخاص:

«قالت ليس هناك شيء مثل ترقية الذات، توجهت إليك، ولكن كان على أمك أن تسجل، كلما كنت تقولين شيئًا عن «إما» كانت الكلمات تقف في حلقك، كنت لا تستطيعين أن تقوليها ولا أن تنسيها ولا أن تنطقيها، كنت مثل البكماء»(ص106).

إنها ترى نفسها حتى في وعيها الخاص، شخصًا سطحيًا، مجهولاً، لا علاقة له بما يحدث، وحين تشير إلى نفسها بكلمة «أنا»، فإنها تتهور أكثر مما في استطاعتها. لقد أخرست ذاتيتها وتبعثرت وانهارت، وتعبر «أنت» المسندة إليها هنا، عن المسافة بينها وبين ذاتها.

ويمكن أن يكون فقدان الشخصية هنا، ويا للمفارقة، نصرًا للمؤلف؛ فاستراتيجية أوبرين السردية المبدعة في تقديم قضايا اللغة، والجنوسة Gender، والصمت.. كلها تذكِّر بانتقادات فرجينيا وولف حول الصيغة الذكورية لضمير المتكلم؛ إذ تلاحظ- في«حجرة خاصة لشخص ما»-أنها حينما تقرأ رواية حديثة كتبها رجل، فإن ظلاً يبدو كامنًا في أنحاء الصفحة، حاجز مظلم تمامًا، وهو ظل يشكِّل شيئًا أشبه بحرف I (أنا) (ص103). ورغم الأمانة والمنطقية وشعار العقل الذي لم يخذل ولم يقمع أبدًا، فإن «الأنا» سرعان ما تفيض على عالم الرواية وشخصياتها، وتصبح وولف مصغية للكاتب في الأغلب الأعم «بسبب سيادة حرف «أنا» ((I ))، وبسبب القحط الذي يلقي بظله كشجرة عملاقة«(ص104). ويحرر تكنيك أوبرين الرواية من هيمنة «أنا» جامعة، تحمل قيمًا أبوية بالنسبة لكثير من الأصوات، وهو تكنيك يكشف في الوقت نفسه عن موقف ذات أنثوية كان قد تم-تاريخيًا-قمعها وإنكارها.

ولو كانت هناك أية مواساة، ولو ضئيلة، بالنسبة لبطل أوبرين، إذن لأمكن التعبير عنها أيضًا بضمير المخاطب؛ فذلك الضمير هو في نهاية الأمر الضمير المستخدم لإعطاء الأوامر وطلب الإجابات، كما توضح قصة بينجيه Pinget  المسماة Linguisitoire إن البنت المختنقة تحت ضغوط القيود الأبوية والسلطوية في قصة «مكان وثني» قادرة - مع ذلك - على التلاؤم  مع مطالب «أنت» الاخرين بأن تقدم ذاتيتها الخاصة.

وبالطريقة نفسها، تسجل صفحات من قصة مافيس جالانت    Mavis Gallant (بالحرف الكبير T)(With A Capital T)  ، ذلك النزاع الداخلي، في صورة أنثى مستقلة تكتب في ظل ظروف الرقابة زمن الحرب:«في خلفية عقلك، ولأن ناصحك الأمين قد وضعه هناك، يوجد عائق اسمه «العامل البوليسي»، إن ورقتك تدعم حزبًا سياسيًا، وأنت تحاولين اكتشاف ما يقوله ذلك الحزب»(ص319). وحالما يتوقف الراوي عن محاولة التوافق مع مطالب ناشريه، فإن الصوت السردي يتغير عائدًا إلى «الأنا» التي بدأت بها الحكاية. ونرى هنا طريقة أخرى يقوم فيها السرد بضمير المخاطب (التغير في هذه الحالة من ضمير «الأنت» وإليه) بتقديم حالات عقلية (لقد تم أداء هذه العملية في الصفحات المغلقة من رواية «التعديل» ، حيث يأتي قرار البطل بتغيير مسيرة حياته من خلال الاستخدام الجديد لضمير «الأنا»   Je)).

وتقع أكثر حالات تجاور الأشخاص إعاقة وإحباطًا في رواية نور الدين فرح «الخرائط» Maps؛ فالرواية كتبت فصولها بالتناوب بين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وتتباين المناظير السردية في توصيفها لنفس البطل؛ فالراوي بضمير المتكلم كما يلاحظ روندا كوبهام، أكثر تعاطفاً معه من الراوي بضمير المخاطب (ص٩٤). ويلعب فرح أيضًا بالتشظي القائم في شكل  ضمير المخاطب؛ إذ يبدأ الكتاب بعبارة تقول :«أنت يا سيدي في وضع تأملي، ملامحك معذبة، وتعبيراتك مشحونة بالألم، فأنت يا سيدي لم تنم لساعات وساعات وساعات، تحملق في الظلام، وتسمع صوت غطيطِ آت من حجرة مجاورة لحجرتك»(ص٣)؛ فالجزء الأول من هذه العبارة يعطينا نظرة خارجية للكيفية التي يبدو بها البطل ملاحَظًا، أما بقية العبارة فتكشف التصورات التي لا تكون معروفة في العادة إلا لـه. وهذا التوفيق بين التصورات الداخلية والخارجية، الذي قد ينقسم في المعتاد بين السرد بضمير المتكلم والسرد بضمير الغائب، يستمر عبر الرواية كلها.  ويضيف فرح إلى سرده بشكل غير مباشر، حيلة سردية طليعية :

 «في بعض الأحيان، حين يتحدث عنك عمك في حضورك، مشيراً إليك بضمير الغائب، وحتى حين يأخذ حريته في الكلام عن تصرفاتك، حينئذ تتساءل ما إذا كان وجودك متمايزاً حقاً عن المخلوقات المتخيلة، التي من عادتها أن تعلم المرء أن يتكلم عنها كما لو كانت من أقرب أصدقائه...»(ص٣)

في آخر الرواية، وبحركة ماكرة، يضع فرح «نحن» المؤلف إلى جانب «أنت» التي نعرفها في سرد ضمير المخاطب المعروف، يضعهما في حالة تعارض : «وحيث إننا نمضي مع الزمان إلى الأمام وإلى الوراء؛ فلنستمر في ذلك، لكن دعونا للحظة  نقض بعض الوقت معكم، وأنتم تعرفون كيف كنتم حين دخلتم في حياتهم أول مرة ...لقد قالت أعينكم لهم شيئاً واحداً، وكذلك قال صمتكم»(ص138). ولنضع الأمرين معا في اعتبارنا : هذه السمات التي جعلت من رواية «الخرائط» واحدًا من أكثر التجليات قوة للأهمية التي ينطوي عليها  تمييز الضمير، والغنى الذي ينطوي عليه السرد بضمير المخاطب في الأدب المعاصر.

وتلخيصًا لما سبق،  يمكن أن نقول: إن القص بضمير المخاطب النموذجي، من الممكن أن يحكى إما بضمير المتكلم أو بضمير الغائب، ولكن اختيار شكل «الأنت» يغيِّر بحدة من نغمة العمل، ويمنح الراوي وضعية للكلام متميزة، وهي وضعية لا تحدث في السرد العادي؛ ومن ثم فإنها وضعية تنزع الألفة عن فعل السرد بشكل مستمر؛ إذ يمكن أن يتولد عن استخدامها بيان الترابط بين القارئ والبطل: نحن قد نعارض التماهي مع «الأنت» التي نقاومها، وقد نتعاطف تماما مع شخصية محورية، مثل الشخصية التي تقدمها مكارثي:

 «(من الآن فصاعدًا ستنصب هذه النظرة عليك خاصة، وحالما يحدث هذا، سيبدو أنه -في سروره- قد وصل إلى النهاية وابتزَّك» ص149).

إنها تفتح إمكانات جديدة لتمثيل الوعي، وتفسح في الوقت نفسه مكانًا لنزاع ممارسات الخطاب  الضاغطة. ويمكننا الآن أن ننتقل إلى الصيغتين الأخريين في السرد بضمير المخاطب، وهما الصيغتان اللتان لا يمكن ببساطة تحويلهما إلى ضمير المتكلم أو ضمير الغائب.

 

 (٢)

كتاب لوري موري    Lorrie Mooreمساعدة النفس»، مجموعة من القصص القصيرة المتقنة الجريئة، معظمها مكتوب بضمير المخاطب، وهي تختلف عما أسميته الصيغة النموذجية، وذلك ما توحي به أكثر عناوينها «(كيف تصبح كاتبًا»، أو «كيف تكونين امرأة أخرى»، أو «دليل الأطفال إلى الطلاق» ، لقد كتبت هذه القصص بأسلوب دليل المستخدم، أو المرشد إلى مساعدة النفس، وسأسمي هذه الصيغة «الصيغة الشرطية»، رغم أن مصطلحات أخرى تستخدم هنا مثل «الصيغة الطلبية» أو «الشكل الشرطي» أو «شكل الوصْفَة». وتعود جذور المصطلح  في الزمان إلى ما يسميه موريسيت أسلوب «الكتاب الإرشادي»، الموجود في الصفحات الأولى من رواية روبرت بن وارين«كل رجال الملك». إن جملاً قليلة من قصة موري المسماة «كيف»، سوف توضح بعض السمات الحساسة في هذه الصيغة :                          

 «حين تبدئين بمقابلته في الفصل، في البار، في سوق للنثريات.. ربما يكون قد وصل إلى الصف السادس..  يدير مخزناً للخردوات.. كبير العمال في مصنع للكرتون... سيكون راقصًا بارعًا.. له شعر حليق تماما.. سيضحك لنكاتك.. وبين وقت وآخر ستحملقين في وجهه أو في يديه ولا تريدين إلا هو.. ستشعرين بمرور موجات من الهيام والورع والعاطفية.. أسبوع، أو شهر، أو سنة، ويصبح هو عائلتك».

هنا سنجد سمات ثلاثاً كانت غائبة عمومًا في السرد بضمير المخاطب النموذجي : الاستخدام الملحّ للصيغة الطلبية، والتوظيف المتكرر للزمن المستقبل، والتفرقة القوية بين الراوي والمروي عليه. ويلفت انتباهنا كذلك، تلك الخصائص غير المحددة - والاعتباطية في الواقع - التي تميز الشخصية، والزمان والمكان، وتتابع الأحداث.

ومهما يكن من أمر، فإن وجود هذه العناصر ليس اعتباطيًا تمامًا؛ إذ إن هناك قدرًا من المعقولية فيما يتصل بمواقع اللقاء الأول، وبالفترة الزمنية المعهودة لتفتح العاطفة، وكذلك ما يتصل بمهنة الرجل؛ فهذا التطرف في تحديد المهنة (ليس مجرد مدرس، أو مدير مخزن، بل مدرس للصف السادس، ومدير لمخزن خردوات) متنافر، وغير متوقع، ومدهش؛ فامرأة واحدة لا تذهب عادة إلى البار بمثل هذه التوقعات المحددة. وللوهلة الأولى فإن كبير العمال في مصنع الكرتون يحدّ من الإحساس بالاحتمالية، ومن الواضح أن المقصود منه أن يكون عنصرًا كوميديًّا ، بل إنه يمكن فهم معنى هذا الشخص على ضوء آخر، بصفته واحدًا من  الأشياء غير المحتملة، التي لا مفر منها، والتي ستظهر إن عاجلاً أو آجلاً. وما تقدمه مور باختصار، نوع من تعداد ما هو نمطي واستنطاقه، نوع من إدراك السيناريوهات الممكنة والأكثر احتمالاً. ومن الغريب أن هذه الوفرة الشديدة للاحتمالية تفسح الطريق تدريجيًّا لنوع غريب من الحتمية، فالبطلة لا تستطيع أن تكون سعيدة مع أي رجل، مهما تكن مهنته، ومهما تطل مدة حبها له «عودي إلى البيت بعد أيام، ستشعرين بأنك مخبولة ومتعبة، اجلسي على الأريكة وأخبريه أنه غبي.. سيحاول أن يقبلك، أديري رأسك واشعري بالاختناق (ص٧٥). وتنتهي القصص في غالب الأحيان نهاية حزينة، إنها محاكاة ساخرة - سخرية حادة - للحرارة التي تكتب بها برامج مساعدة النفس، وهي البرامج التي تزعم هذه القصص أنها تحاكيها، وترسم حبكات هذه القصص صورة لتتابع القرارات الفقيرة، والخيانات المشبوهة، والظروف المناوئة، والأزمات التي لا مفر للمرء من أن يصادفها، وذلك بدلاً من القصص  الوهمية التي يسعد علماء النفس بتقديمها في كتبهم الصفراء.

ومما هو جدير بالذكر أن كثيرًا من الكتب غير الأدبية، التي  تستخدم هذا الشكل من أشكال ضمير المخاطب، كتب ذات شفرة تعتمد في المقام الأول على الجنس (ذكر - أنثى)؛ فكتيبات التصليح، وخاصة تلك المتعلقة بتصليح المحركات، تتجه عادةً إلى قارئ رجالي جدًا، أما معظم كتب الوصفات، وكتب ساعد نفسك بنفسك، فتتجه إلى جمهور نسائي(٩).    

إن القارئ الضمني في كتب ساعد نفسك بنفسك، لا يشترط أن يكون قارئًا نسائيًّا، ولكنه مدعوٌّ مع ذلك أن يتقمص حالة البطلات النسائيات؛ ومن ثم ليس من الصعب أن ننظر إلى هذه القصص - في جانب منها- بصفتها انتقادًا نسويًا لنوع غير أدبي، ينتهك مؤسسة القراءة النسوية وهو يوهمنا أنه يقوم على خدمتها.

 

(٣)

والمعيار الذي يحدد النوعية الثالثة من نوعيات السرد بضمير المخاطب، التي أسميها «النوعية الموجهة إلى الذات»، هو التوجه المباشر إلى «الأنت»، الذي يكون أحيانًا هو نفسه القارئ الفعلي للنص، تتجاور قصته مع شخصيات القصة، وقد تندمج فيها. إنها إضفاء للطابع السردي على شكل من أشكال الحديث، وهو ما لا يتبدى إلا في شواهد «صافية» نسبيًّا في نصوص بالغة القصر، مثل قصة ميروين «ضمير المخاطب». أما في الأعمال الأطول، فيتم السرد بالتناوب بين ضمير المخاطب وضميري الغائب والمتكلم.

 وهذه النوعية من السرد بضمير المخاطب، التي قد تعود أصولها إلى «أناشيد مولدورو» للوتريامون، موجودة في رواية بيكيت «الكريه» The Unamable، ونراها في معظم صفحات رواية إيتالو كالفينو Italo Calvino المسماة Se una notte d inverno un viaggiatore إنها نوعية تلعب - مثل الشكل الشرطي- من خلال تصور ما هو نمطي. كما أن الراوي فيها متمايز تماما عن المروي عليه. والسرد في هذه النوعية - مثل السرد في النمط النموذجي- يتم في الزمن المضارع، كما أن بعض تحول الضمائر هنا أمر بديهي. لكن أكثر خصائص هذه النوعية تميزًا وحسمًا، هو التبدُّل الدائم في الإشارة إلى «الأنت»، التي يتم التوجه إليها باستمرار. تبدأ رواية كالفينو بأوصاف للقارئ الذي يتفاعل مع الكتاب: «أنت الآن بصدد البدء في قراءة رواية إيتالو كالفينو الجديدة «لو كنت مسافرًا في ليلة شتوية» (ص١). تنطبق هذه الجملة بالضرورة على كل قارئ فعلي يفتح أولى صفحات الكتاب، وللوصف هنا قانون جديد؛ فاستجابة القارئ يتم تصويرها حال حدوثها. إن زمن الراوي المضارع متطابق مع زمن تلقّيه، وكما يوضح جون.تي.كيربي   Kirby  فإن القارئ في قصص ميكلينيرني  Mclnereny - يعرف أنه أو أنها المخاطَب مباشرةً، خارج السرد، ولا يزعم التطابق إلا مع الشخصية الرئيسية، وكجزء من فعل اللعب الذي تتألف منه عملية القراءة. واستراتيجية كالفينو المعقدة تقوم على وضعك، أنت القارئ الخارجي، في وضع الدفاع، وجعلك موضوعًا للخطاب المباشر، بحيث يخطفك أو يستدرجك إلى داخل السرد»(ص١١).

ويصل الحال بنص كالفينو إلى توجيه النصيحة، فيما يتعلق بالوضع المريح في القراءة:

«ابحث عن أكثر المواضع راحةً، اجلس، أواسترخ، نم ملتويًا او ممددًا، استلق على ظهرك أو على جانبك أو على بطنك، على مقعد مريح، على الأريكة، على الكرسي الهزاز، على كرسي المركب، على حزمة العشب، على الأرجوحة الشبكية إذا كنت تملك أرجوحة شبكية، على قمة سريرك طبعًا أو في السرير، يمكنك حتى أن تقف على يديك أو على رأسك في وضع اليوجا، ويكون الكتاب بجانبك طبعًا» (ص١)

يحدد كالفينو هنا غالبية المواضع التي اختارها القارئ فعلاً، وستستمر «الأنت» في النص متطابقة مع القارئ الفعلي للكتاب، باستثناء الحادثة غير المحتملة التي تقول بأن المرء سيقرأ الصفحة - مثلا - وهو واقف في مكتب كبير العمال في مصنع الكرتون. إن نوعًا من اللعب يبدأ الآن ما دام كالفينو يصف بوضوح وضعنا الفيزيقي أو تلقينا العقلي، إنه يتوجه إلى القارئ الفعلي بأسلوب تقريبي لا ثقة فيه، ولكن حالما يخطئ، أو يستطرد، أو يغير وجهته، كما فعل حين وصف القاريْ وهو يكافح ليفتح غلاف الكتاب (وهو الفعل الذي لا يمكن أن يحدث في وقت إدراكنا له) أقول حالما يحدث ذلك، نعود إلى دور القارئ الضمني الموثوق فيه؛ «فالأنت» هنا تخصُّ شخصية قصصية، هي المروي عليه وقد اتخذ طابعًا دراميًا. وخلال النص كله تستمر «الأنت» في الحركة، والتبدل، والتراجع، والتغير مرةً ثانيةً، مخاطبًا - بالتناوب - القارئ الحقيقي مرة، والقارئ الضمني مرة، والمروي عليه مرة.

ويكتب كالفينو في صفحة أخرى: «أنت هنا - إذن - مستعد الآن لاقتحام السطور الأولى من الصفحة الأولى»(ص٩). هذا الكلام موجه للمروي عليه؛ لأن القارئ الفعلي كان قد بدأ قراءة الرواية منذ عدة صفحات. ثم يقول كالفينو : «أنت مستعد لإدراك نغمة المؤلف التي لا يمكن أن تخطئها..لا، إنك لا تدركها بالمرة، ولكن من الذي - إذا فكرت في هذه النغمة - سيقول على الإطلاق إن لهذا الكاتب نغمة لا نخطئها». وهذه السطور أيضًا موجهة إلى المروي عليه؛ فالقارئ الضمني كان قد فهم فعلا لمسة كالفينو: المفارقة الماكرة، وتدمير تقاليد السرد، والانعكاسية التي لا مفر منها. وهنا يطرح المؤلف مراهناته «إنه  معروف - على العكس - بصفته مؤلفًا يتغير بشكل كبير من كتاب إلى الكتاب الذي يليه، وأنت تدركه في هذه التغيرات وكأنه أنت نفسك». من الممكن أن يتوافق القارئ الفعلي مع الجملة الأولى من هذه الجمل، بينما سينظر القارئ الضمني في النسخة الثانية الأخرى من موضوع الهوية: الموضوع الخاص بالأفراد، بالمواقع السردية، بالكتاب نفسه، وهو الموضوع الذي يتخلل النص(10). وحين يذهب كالفينو إلى «أنك ربما تشعر في البداية بضياع حاد»(ص٩)، فإن هذه العبارة قد تشير وفي وقت واحد، إلى كل القراء المختلفين، الذين يحرص علم السرد الشكلي على التمييز بينهم في نظريته. وتشي العبارة في الوقت نفسه، بالمواقف المضادة لمذهب الوجودية، فيما يتعلق بما يميز الهوية الشخصية في النظرية ما بعد البنيوية والسرد ما بعد الحداثي. في عمل كالفينو يندمج الأدب والفلسفة، وينمحي مفهوم الشخص، وينصهر التقديم المباشر مع التمثيل عبر وسيط.

(٤)

من الطبيعي أن يطرح استخدام ضمير المخاطب في النصوص التي ناقشناها، أسئلة تتصل بمجالات السرد الأخرى، ومناحي النظرية النقدية المختلفة، أبرزها ما يتعلق بنظرية استجابة القارئ. إن العلاقة بين «الأنت» في النص من ناحية، والتصورات النظرية الخاصة بالمروي عليه، والقارئ المقنع، والقارئ الضمني من ناحية أخرى - هذه العلاقة على وجه الخصوص تستدعي البحث.

يعرف جيرالد برنس - وهو واحد من النقاد القلائل الذين درسوا هذه الظاهرة - السرد بضمير المخاطب بأنه «سرد يكون فيه المروي عليه هو البطل في القصة التي يرويها، أو ترويها» (قاموس السرديات ص٤٨). أما هيلموت بونهيم فيلاحظ أن «الأنت» في السرد تشير في وقت واحد، إلى الراوي، والبطل، والسامع/القارئ في النص المكتوب بضمير المخاطب(١١).

ومن الواضح تمامًا أن مثل هذا التطابق مبرر دائمًا؛ فنحن قد نسلم جدلاً بأن البطل في رواية ميكليرني، وربما في رواية أوبرين، هو أيضًا المروي عليه، وأن الراوي في كل من الروايتين يخاطب نفسه بضمير المخاطب، لكن هذه لا يمكن أن تكون هي الحال في روايات بوتور وفيونتيس؛ ففي الصفحات التي استشهدنا بها للتو يفصح الراوي عن معلومات غير معروفة بالنسبة للبطل «(إنك حتى لا تلاحظ رماد سيجارتك وهو يتساقط في كوب الشاي الذي تشربه» فيونتيس ص٣١)(١٢). قد يتماثل المروي عليه مع الراوي، لكنه -أو لكنها -متمايز بالضرورة في هذه اللحظات عن البطل، رغم أنه مشترك معه.

هذه الطريقة التي تقف بها «الأنت» السردية معارضةً للقارئ أو منصهرةً معه، سواءً كان قارئًا ضمنيًّا أو قارئًا فعليًّا، هي واحدة من أكثر السمات جاذبيةً، في السرد بضمير المخاطب من النوع الموجه إلى الذات(١٣). غير أن  هؤلاء القراء لا يمكنهم أن يندمجوا مع «الأنت» بقدر متساو، كما أن النحو الإيطالي - فيما يشير بريان ماكهيل - «يجبر كالفينو على تحديد عدد قرائه وجنسهم داخل النص الأصلي؛ فالقارئ، من البداية، مذكر مفرد» (القص ما بعد الحداثي، ص256). ولكن في النهاية يصبح لدى كالفينو قارئان، أحدهما مذكر والآخر مؤنت، يمضيان معًا(١٤). وأكثر النقاط غموضًا في معظم نظريات القارئ «الضمني» أو القارئ «المثالي»، هي الفشل في إدراك الجنس الضمني لذلك القارئ. وكما يلاحظ باتروشينيو شويكارت، فإن «الأبحاث المختلفة حول تجربة القراءة، تلقي نظرة شاملة على قضايا المنافسة، والطبقة، والجنس، ولا تشير إلى الصراعات، ولا المعاناة، ولا العواطف الحاضرة في تلك الحقائق.. ولا يمكن لنقاد التلقي أن يلجأوا لموضوعية النص، أو يلجأوا حتى لمقولة مؤداها أن النقد القائم على جنس محايد أمر ممكن (ص٣٤-٣٨-٣٩).

وقد صنعت جامايكا كينكيد Jamaica Kincaid الأمر نفسه في كتابها غير القصصي عن جزيرة الأنتيجوا Antigua بعنوان «مكان صغير»، وهو عمل تقوم نغمة خطابه على تنويعة أخرى من تنويعات الكتابة بضمير المخاطب، أعني مرشد الرحلات:

 «تنزل من طائرتك ، تمر من الجمارك ؛ ذلك أنك سائح من شمال أمريكا أو من أوروبا- أو فلنقل بصراحة: سائح أبيض- ولست سائحاً أسودَ عائدًا من أوروبا أو شمال أمريكا إلى أنتيجوا بما تحتاجه من كراتين مليئة بالملابس الرخيصة والطعام للأقارب.. تتحرك داخل الجمارك بنعومة ، تعبرها بسهولة ، ولا يتم تفتيش حقائبك» (ص٤-٥).

تكشف كينكاد، بإدراكها للمكانة التنافسية والاقتصادية «للأنت» في كتابها، عن آليات الجمهور المنقسم، وتتحدى «الأنت» المتناغمة التي تنطوي على تصور شامل، جذري، مثالي. وتدرك كينكاد- بألم- جماعات التلقي المتعارضة، فضلا عن الشفرات الإيديولوجية التي تكسو أفكارًا من قبيل القارئ النموذجي. وهكذا تم إبراز الفرضيات الخاصة بممارسة جمهور من الطبقة البيضاء - العليا والوسطى - لفعل القراءة، وتم فضح هذه الفرضيات، وخاصةً تلك الفرضية الماكرة التي تقول بأن هذا الجمهور هو - «بطبيعة الحال»- الأنت الشاملة التي يتوجه إليها النص. وكما توضح تأملات الكتاب المتوالية حول اللغة(( أوليس من نافلة القول أن اللغة الوحيدة التي يمكنني أن أتكلم بها عن هذه الجريمة هي لغة الجريمة..؟» ص٣١، فإن استفهام كينكاد الموجه إلى «الأنت»، هو جزء من انتقادات أوسع للتشييئ الإمبريالي الذي يقع على الشعوب المستعمرة.

إن المرء ليذكر في هذا السياق، استخدامًا حادًّا آخر لضمير المخاطب، يتجه أيضًا لجمهور من القراء المنعزلين، أقصد الكلمات الأخيرة في كتاب رالف إليسون «الرجل الخفي»: «ما الذي يمكنني أن أفعله بعد ذلك؟ ماذا يمكنني أن أفعل سوى أن أحاول أن أحكي لك ما حدث فعلاً حين دققت عيناك؟ وهذا هو ما يقهرني: من الذي يعرف سوى أنني - على أقل تقدير- أتحدث إليك أنت؟» (ص268). هذه الفقرة، بتساؤلاتها البلاغية، وقافيتها الداخلية، وتوجهها المباشر، تستدعي بسهولة التراثَ الشفاهي الغني في حكي القصة عند الأمريكان الزنوج، ذلك التراث الذي يركز على التفاعل بين المتكلم والجمهور. وبين الحين والآخر نرى كتابًا ضعافًا، ومن خلال إدراكهم وتأملاتهم لهذه «الأنت» المهمة، أصبحوا قادرين على خلق مجالات من الخطاب نسمع فيها أصواتهم الخاصة.

إلى هنا أكون قد ناقشت السرد بضمير المخاطب في القص، وفي مختارات من جامايكا كينكاد، وفي النثر غير القصصي، وربما كان من المهم الآن أن نتوقف عند الأنواع الأدبية الأخرى. ومن الممكن أن نبدأ بذلك النوع الأدبي الغائب المهم: السيرة الذاتية. من المفترض أن الحرفية والمرونة الملازمة للسرد بضمير المخاطب ستكون مناسبة تمامًا لنوع السيرة الذاتية، النوع المزيف من الوجهة النظرية والمصطنع بالضرورة. لقد علق فيليب لوجون على إمكانية سرد السيرة الذاتية بضمير المخاطب، واستشهد بنماذج مختصرة من كتابة روسو ، وكلود روي (ص194-196/220-٢٢١). ومع ذلك توجد سير ذاتية بضمير الغائب (مثل تعلم هنري ادمز)، بينما لم توجد بعد سير ذاتية بضمير المخاطب، رغم أنني أتنبأ - من غير شك- بظهور سير ذاتية ما بعد حداثية، أو سير ذاتية معارضة، تقوم على الوعي بالذات. والنموذج المحتمل لهذه الكتابة يمكن أن نجده في مقالة جين تومبكينز الشخصية/النقدية، وعنوانها «أنا وظلي». ورغم أنها مكتوبة في مجملها بضمير المتكلم المفرد؛ فإن تومبكينز تكرر استخدام «نحن» و«أنت» في مناقشتها للأصوات والمعارف الرجالية والنسائية. إنها تستخدم ضمير المخاطب بكل وظائفه تقريبًا: التوجه إلى الجمهور، والإشارة إلى ضمير «المرء»، وإعادة إنتاج الحديث غير المنطوق الموجه إلى ذاتها. وفي صفحة من أغنى صفحات المقالة، تتخذ «الأنت» شكلاً قريبًا من ذلك الذي وجدناه في القصص المكتوبة بضمير المخاطب: «لا يمكنك أن تصل إلى الشيء الذي يوزع الظل، فأنت ما ان تنتقل  يسقط الظل في مكان آخر، أما يزال الظل ظلك، إنك لا تصل إلى»ما وراء«ذاتك» (ص174).

ولم يكن من الغريب أن يستخدم الشعر ضمير المخاطب بشكل ملحوظ، على الأقل منذ المونولوج الفيكتوري وابتهالات بودلير في «محاضرة هيبوقراط». وكمايلاحظ جوناثان هولدن في محاضرته المثيرة «إساءة فهم ضمير المخاطب» (ص٣٨-56)، فإن واحدًا من أبرز التقاليد لتجميع القوة الدافعة في الشعر الأمريكي اليوم، هو الاستخدام المتزايد يومًا بعد يوم لنوع من «الأنت» المراوغة التي يمكن أن تحيل على القارئ، أو تدل على معنى ضمير الغائب المفرد الموجود في كلمة «المرء»، أو قد تكون هي الشاعر (الراوي) الذي يشير إلى نفسه بكلمة «أنت» (ص٣٨). ومن بين المؤلفين المعاصرين الذين استخدموا هذا الصوت غير المألوف بطريقة مخادعة، كل من مارجريت أتوود، وجون أشبيري، وو.سي. ميروين. والإطار النظري لهذه المقالة يمكن أن يفيد في تحليل الشعر، هذا ما تؤكده نظرة سريعة إلى قصيدتي دونالد جاستيك؛ إذ تتحرك قصيدة  «صورة بشعر قصير» - وهي القصيدة الأولى في ديوان «صور الستينيات» -بين الصيغتين : النموذجية والشرطية :

  ضع مدونة أخرى

    لا ، ضع شيئًا باروكيًا

    وفكر في الأيام الجميلة

    فكر في البحيرات والأنهار

    والليالي ، يا للروعة

      أنت وحيد  (ص٣٨)

أما في نَصّ «قصيدة»، فإننا نجد حركة قوية في اتجاه مخاطبة الذات:

 هذه القصيدة ليست موجهة إليك

  قد تدخل إليها بإيجاز

 لكن لا أحد سيعثر عليك، لا أحد                 

  ستتغير أنت قبل أن تتغير القصيدة

حتى وأنت جالس هناك، بلا قدرة على الحركة

عليك أن تبدأ في التلاشي، ولن تكون مشكلة.

ليس هذا مونولوجًا تقليديًّا؛ فالقارئ يتم تصويره والسرد عنه، ويتم استحضاره داخل نص القصيدة.

وهناك نوع آخر ربما يكون أكثر لفتًا للانتباه؛ فالصفحة التي أقتبس منها هنا مشابهة تمامًا للسطور التي استشهدنا بها منذ قليل من كتاب كينكاد: «عند أطراف المدينة ، وعلى الجانب الأيمن ، حين تقود سيارتك لتصل إلى الطريق الدولي المؤدي إلى شمال ميدلبيرج ، ولسوء الحظ كما يقول غالبية الكامديبو ، أنت لن تضل الطريق... إذ عليك أن تقود سيارتك  على الأول طوال الوقت بسبب الحفر والصخور... وأظن أنك ستكون أقرب إلى الاتفاق مع رئيس بلديتنا(ص١٥).

والحق أن هذا الكلام جزء من مونولوج توجهه شخصية ما إلى الجمهور، في مسرحية أتول فوجارد الأخيرة «أطفالي.. أفريقيتي». ويبدو أن هذا الكلام يختص بضمير المخاطب في الخطاب المسرحي، رغم أن تحليل وجهة النظر في الدراما لا يزال في مراحله الأولى(١٥). ويمكن أن نضيف أمثلة أخرى، مثل حالات التوجه إلى الجمهور ووصفه في بداية كتاب «الترابط» The Connection لجاك جلبرت، وكذلك في ثنايا كتاب بيتر هاندكه «إهانة القرّاء». في المسرجية الأخلاقية التيودرية، وكما يشير برنار بيكرمان، كثيرًا ما يناجي نائب الشخصية الجمهورَ: «سيعرض عليهم قناعًا، أو موقفًا، أو استجابة قد لا يعبرون عنها بصراحة، أو قل لا يستطيعون التعبير عنها، وما إن يفترض شيئًا حول الجمهور يصبح حرًا في السخرية منه، أو تحديه، أو إحراجه» (ص129). إن جدلاً مشابهًا تثيره مسرحية جورج وولف «المتحف الملون» (1986). معظم مشاهد هذه المسرحية مونولوجات موجهة لجمهور أمريكي من الزنوج  يتراوح بين جمهور متصور والمشاهدين الفعليين للعرض. في المشهد الأول من المسرحية يستحضر الجمهور في القصة، من خلال نموذج السؤال والرد الذي يثيره البطل. ومن المؤكد أن هذه الأمثلة توحي بأن نوعًا من خطاب ضمير المخاطب موجود في الدراما.

وبينما تمت مناقشة سينما ضمير الغائب بشكل واسع لدى منظرين مثل إدوار برانيجان، وجورج ويلسون، وسارة كوزلوف - فإن فيلم ضمير المخاطب نادرًا ما يشار إليه (رغم أن موريسيت كان قد قدم هنا أيضًا بعض التعليقات المثيرة ص٢٠-٢١). لاشك أن الفيلم المحكي بضمير المخاطب موجود، وقد علمت أن الجيش الأمريكي يستخدمها عادةً لتدريب المجندين الجدد، غير أن السينما تفتقر إلى ما في المسرح من حضور مباشر، حيث يمكن للممثلين أن يتوجهوا مباشرةً للنظارة(١٦). إن طريقتها في الإنتاج والتلقي تجعل من أية محاولة للحديث إلى مشاهديها مجرد مغامرة. والأهم من هذا أن التقاليد القائمة في سرد الفيلم تحول دون إمكانية قيام سينما ضمير المخاطب.      

ويلاحظ إدوار برانيجان أن الشخصيات محرومة من النجومية في الفيلم الكلاسيكي؛ وذلك حتى تحافظ على وضعية المشاهد كشخص خفي يختلس النظر (ص٤٦). وحين يحدث هذا، يتم فهم التوجه المباشر إلى ضمير المخاطب باعتباره حكيًا شخصيًّا يكشف عن ذاتية المتكلم. ويستخلص برانيجان أننا يمكن أن نتكلم عن حركة الكاميرا «بلا دافع»، وعن التوجه المباشر إلى الكاميرا؛ بسبب وجود نموذج  للحكي والتلقي المحايدين، ويؤكد أنه في كل نص فيلمي لابد أن يوجد دائمًا «مستوى من السرد العليم المؤكد (السرد الذي بقوم بالتأطير ولكن لا يقع عليه التأطير) والتلقي الذي يتم خلسةً (الذي يشاهِد ولكنه هو نفسه لا يشاهَد(. والسرد والتلقي معًا يخلقان مظهرًا خياليًا لمستويات السرد الأخرى»(ص٤٦).

وإذا كان ذلك كذلك؛ فإن من الصعب أن نفهم كيف يمكن لسرد الفيلم بضمير المخاطب أن يوجد، وأن يتم إدراكه على الإطلاق. وقد يساعدنا هذا في شرح لماذا تم فهم السرد بضمير المخاطب في فيلم «أنوار ساطعة ، مدينة كبيرة» وكأنه صوت البطل يتحدث إلى نفسه.

 (٥)(

يمكن للمرء الآن أن يحدد الخصائص المميزة للسرد بضمير المخاطب، وأهم هذه الخصائص أنه صيغة أساسية من صيغ السرد، صيغة تمنح الكتاب المبتكرين طريقة جديدة لتناول المواقف القصصية التقليدية، صيغة تسمح للمؤلفين أن يوضحوا حدود الصوت القصصي والصور المبتكرة منه، وذلك كما اتضح من مناقشة الكتاب الذين درسناهم حتى الآن. الشيء المؤكد أنها أكثر الخطوات التقنية أهميةً في السرد القصصي منذ تم تقديم تيار الوعي. ورغم أن السرد بضمير المخاطب يبدو ملائمًا على وجه الخصوص لمشاغل ما بعد الحداثة؛ فإن من المهم أن نلاحظ أن الاتجاهات الجمالية المتعددة الأخرى، قد وجدت في ضمير المخاطب استراتيجية خصبة: التعبيرية (إيشينجر) والسريالية (فيونتيس) والواقعية (أوبرين) والحداثة (بوتور).

الخاصية الثانية للسرد بضمير المخاطب أنه يقدم إمكانات جديدة للمحاكاة، وللكشف خاصةً عن الذهن في تدفقه. وتكون «الأنت» السردية أكثر فعالية في الكشف عن معنى الغرابة الاستهلالية، التي نراها في مخ بطل مكلينرني المخدر بالكوكايين، وفي ذات فيليب مونتيرو عند فيونتيس. وهي الذات التي تعيش في شبه حلم خلال مغامرتها الأسطورية، كما نراها في رحلة بطل إيشينجر عبر الموت والزمن. و«الأنت» السردية مناسبة أيضًا في الإشارة إلى الذاتية المقموعة والحديث الصامت عند بطلة «أو برين» الأنثى. ويمكن للمرء أيضًا أن يشير إلى أن «الأنت» عند بوتور تلائم أشد الملاءمة عقل الفرد، الذي يعاني من الصراع في عملية اتخاذ قرارات مصيرية يفضل ألا يضطر للتفكير فيها. أما كالفينو فيوثق - على نحو مختلف تمامًا- فعل القراءة، حتى لكأنه يشترك فيه.

والإمكانات الأيديولوجية للسرد بضمير المخاطب هي الأخرى إمكانات غنية؛ فالسرد بضمير المخاطب يدعونا لإعادة كتابة أنواع الخطاب المستخدمة في التجارة، والتي تعمل على استغلال قرائها، عبر الإيعاز إليهم بأنهم المقصودون. إنها تساعد في إضفاء الطابع الدرامي على معارك فرد يناضل ضد الخطاب ذي الطابع الذاتي الذي تستخدمه السلطة القامعة. والسرد بضمير المخاطب أداة مفيدة للكتاب المبتدئين، يظهرون بها ذاتية مستبعدة من المقولات العامة الساذجة عن «الأنت» و«النحن». وعلى مستوى أكثر تجريدًا، فإن السرد بضمير المخاطب  يلائم التعبير عن الطابع غير المستقر للذات، وعن تكوينها المجاوز للذات.

لقد بدأ القص بضمير المخاطب منذ ما يزيد على خمسين عاماً. وقد حاولت هذه المقالة أن تشير إلى تنويعات هذا النمط المهم والمتزايد من أنماط السرد، كما حاولت أن تشير إلى مداه ودلالته، وتلاحظ بعض أصوله والأنماط الشبيهة به. وسعت الدراسة إلى تبيُّن ثلاثة أنماط من السرد بضمير المخاطب والتمييز بينها: الشكل النموذجي المألوف المتزايد، والشكل الشرطي الشهير الذي لم يدرس حتى الآن، والشكل المتجاوز المتوجه إلى الذات. وقد آن الأوان لعلم السرد ونظرية وجهة النظر أن تكون عادلة مع هذا الأسلوب المهمل والمستبعد.

٭ نشرت المقالة في مجلة Genre خريف عام ١٩٩١  

الهوامش

(١) يقدم موريسيت في هذا المقال مسحاً تاريخياً للقصص المحكية بضمير المخاطب قبل مقالته. انظر مسحاً واسعاً وحديثاً للموضوع في استقصاء بريان ماكهيل الممتاز ضمن كتابه ز القص ما بعد الحداثي (ص٢٢٣-٢٢٧) حيث يشير إلى بعض النصوص التي نناقشها هنا.

(٢) انظر مراجعات كل من فرانسوا فان روسوم جويون، وكاترين باسياس، وتريزا دولاريدس وبول شوارتز (١٩-٢٩)، وبيير جولت وبريان ماكهيل (رامبو).

(٣) عمل جيرالد برينس المشار إليه هنا هو «علم السرد» Narratology. أما في كتابه الأحدث «قاموس في علم السرد (1987) فقد سلم للحكي بضمير المخاطب بمكانة مساوية للأعمال المحكية بضمير المتكلم والغائب، رغم أن تعريفه للشكل كما سنرى كان فضفاضاً إلى حد ما. أما كتب نظرية السرد  الأخرى المشار إليها هنا فيمكن أن نجدها في قائمة المراجع.

(٤) هكذا يكتب فيلدنج في الكتاب ،الفصل vii ،من رواية  زتوم جونزس، وحيث يظهر المؤلف نفسه على خشبة المسرح، زيا قارئي الشاب،ليكن هذا مثلك السائر،لا أحد يمكن أن تسمح له طيبته بتجاهل أصول الحكمة... إلخ».

(٥) لمقارنة تفصيلية بين استخدام بوتور وساروت لضمير المخاطب راجع جيفرسون.

(٦) لمناقشة إضافية حول تبدل الضمائر في عمل بوتور ، انظر موريسيت (ص14-16) وباسياس جلوريا دوران ، التي تلاحظ الأصوات المختلفة الحاضرة في رواية   Aura  ، وتشير إلى أن «ضمير المخاطب شكل مألوف تكتب به القصة ، ويمكن تفسيره باعتبار أنه ذاته اللاواعية ، الأقدم ، والأكثر حكمة ، تلك القريبة إلى سر القدر ، وتلك التي تلاحظ خطوات فيليب من المنظور المفضل لتجربة الماضي»(ص٦١)

(٧) ليس معنى هذا أن نقول إن سيرة ما ، لا يمكن كتابتها بضمير المخاطب ، فالحق أن دراسة جان ميشيل رينو لسيرة بيريك ، هي دراسة من هذا النوع أحياناً. غير أن ذلك الشكل يكون غريباً ، وأدبياً ، وخجولا  ، ومستمداً من ممارسة القص التجريبي ، ولا جدود له في أشكال السرد الأكثر وظيفية ، وغير المتخيلة ، أو أشكال السرد «الطبيعية»

(٨) في نقد المقاربات الشمولية لعلم السرد ، انظر مقالتي  «الزمن مشوشاً: نماذج السرد والصفة الزمنية للدراما».

(٩) هناك بحث مسلٍّ حول العلاقة بين النوع (ذكر - أنثى) والوصفات. انظر سوزان ليوناردي

(10) انظر على سبيل المثال لعب كالفينو المتزايد بهوية المؤلف  ص(٢٥)

(١١) لكنه يركز على الطابع المرن «للأنت» ، ويلاحظ بعض ما تتضمنه هذه الممارسة السردية : «فإذا حكى شخص قصة لشخص محدد ، موجود في مشهد الحدث نفسه ؛ فإن الطبيعي في هذه الحالة أن يسأل القاري :  لماذا تحتاج «الأنتز أن يحكى لها ما تعرفه فعلا وبالضرورة»(ص٧٦)

(12) راجع دراسة موريسيت المحكمة حول الهويات المتباينة للراوي والبطل في رواية زالتعديلس ص ص 13- 18

(13) حول الأبحاث النظرية الأخرى التي تحاول وضع القراء الفعليين ، رجالا ونساء ، في إطار نظرية السرد ، انظر كلاً من سوليمان ووارهول(25-30/١٩٩-٢٠٠)

(14) لمناقشة شاملة لمسألة النوع (ذكر -أنثى) والقارئ في هذه الرواية ، انظر المقالة الممتازة لتيريزا دو لوريتز بعنوان «قراءة النص ما بعد الحداثي» ، حيث تشير على سبيل المثال إلى أن «الأنت» في هذه القصة تتوجه إلى قارئة مؤنثة طوال ست صفحات ، بعدها يبدو كالفينو محتاجًا أن يؤكد لقارئه الذكوري أن الكتاب لم يفقد الاهتمام به (139-140)

(15) لمزيد من التوضيح حول هذا الموضوع المهمل انظر مقالتي «وجهة النظر في الدراما : المونولوج المباشر ، والرواة غير الموثوق فيهم ، وصوت المؤلف على المسرح»

(16) يلاحظ جوناثان هولدن أيضًا أن «غالبية القصائد التي تستخدم الأنت المنتهكة تصبح أبعد أثرًا حين يحولها الشاعر  إلى ضمير موحه إلى جمهور حي» (ص٥٤)


تصميم الحاسب الشامل