|
|||||
|
بعيداً عن المشادات النثـرية : لا تسعى هذه المقالة الى أن تكون جزءاً من ذلك الجدل المكرور والمستفز حول قصيدة النثر ، إن أنهاراً طويلة من الحبر والوقت تم حفرها طيلة خمسين عاماً دون أن يتجاوز أي منها ، إلا نادراً ، دائرة الجدل الضيق حول شرعية هذا النمط الشعري ، أو جدواه ، أو تسميته . لذلك كله لا أريد لنفسي ، أو لهذه الورقة، أن تكون إسهاماً في مشادة نثرية ، حول أمر يفترض أن يظل شعريا على الدوام ، وان يظل تناوله في ضوء الشعر ، وضمن أجوائه الروحية والنقدية باستمرار. لا شك في أن قصيدة النثر أصبحت ، وعلى نطاق واسع جزءاً ليس هيناً من المشهد الشعري . وأنا هنا ، لست منهمكاً في التشبث بهذا المصطلح أو رفضه ، لأن الرفض أو القبول ، في حد ذاته ، ليس جوهر الموضوع تماماً.
إن روح المنازلة التي يتصف بها الجدل الدائر حول هذا النوع الشعري هو ما يميز الكثير من الكتابات النقدية حوله، غير أن ما يهم، حقا، هو الإقرار بأن هذا الطراز من الكتابة الشعرية، الذي عرفته الآداب الأخرى منذ القرن الثامن عشر، هو جزء بالغ الحيوية من جسد القصيدة العربية اليوم. أي جزء من قدرة الشاعر العربي الحديث على الإفصاح، بشكل أكثر قسوة وحميمية، عن عالم اليوم المحتقن بالألم أو الأمل أو الضغينة. ما الذي يؤجج لغة القصيدة ؟ ما الذي يزيح رماد النص، ويوقظ ما تحته من جمر ومفاجآت ؟ أهو الوزن والقافية وحدهما، أم أن هناك شيئا آخر يتفجر من توتر اللغة ومباغتات الخيال ؟ ألا يمكن أن يكون هناك شيء ما، لا تحده الصفة تماماً مع أن النص كله يقف دليلاً عليه ؟ تقدم قصيدة النثر أحياناً أمثلة بالغة النضج، لكنها تقدم، في أحيانٍ أخرى أمثلة مخفقةً إلى حد كبير، ويمكن القول أن هذا النمط الشعري لا يخلو من منغصات، فهو قد يشكل فضيحةً لصاحبه حين يكون التخلي عن الوزن والقافية فضيلته الوحيدة. لابد للشاعر إذن أن يرتفع بنصه النثري إلى شعرية غير مألوفة، تندلع في فضاء لغوي ودلالي تؤسسه عناصر النص كلها من انزياحات وصور ومفاجآت أسلوبية وأداءٍ مكثف. هل استطاع شعراء النثر أن يكونوا شعراء حقاً مع أنهم ظلوا ينشرون شباكهم خارج بحور الشعر أكثر من نصف قرن ؟ بمعنى آخر : كيف احتلوا مكاناً واضحاً في خارطة الشعر الحديث مع أن الذائقة العامة لا تقبل القصيدة، في الغالب، بمعزل عن ثوبها العروضي، أو بعيداً عن شروط الشعر المعتادة. هذه الشروط التي صارت راسخةً منذ مئات السنين؟ وأنا لا أضع هؤلاء الشعراء في سلةٍ واحدة، فهم عصيون على الانغمار في ماء واحد، لأنهم شتى، ومتباينون. كما أن ما يكتب تحت هذه التسمية شيء يفوق التحديد أو التصنيف : كلام تعمه الفوضى حينا، ويختلف في درجة شعريته من شاعر إلى شاعرٍ حيناً آخر، لقد شهد هذا النمط الشعري أسماء كثيرة وأجيالا متعددة. وكما وجد الكثيرون في قصيدة التفعيلة فضاء يتسع لكل أخطاء الشعر وخطاياه كانت قصيدة النثر فضاءً مشابهاً : اتسع للعديد من الشعراء الذين وجدوا فيها حريتهم المغشوشة أو وعيهم الزائف. يضج مشهدنا الشعري اليوم بشعراء كثيرين يتراكضون أمام نصوصهم كموظفي علاقات عامة، ويتحدثون عن ذواتهم بنرجسية طاغية. ومع ذلك فإن هذا المشهد لا يخلو من استثناءات : أعني مجموعة من الشعراء لا ينصتون إلا لإيقاع أرواحهم ولا ينتسبون إلا لنصوصهم الجميلة. لغة الأصابع وجنون المخيلة : ميسون صقر صوت شعري بالغ الصفاء والتوتر : صفتان قد تبدوان متنافرتين للوهلة الأولى، لكنهما، في واقع الأمر، تكملان بعضهما بعضا. إنهما تندرجان في نسيج واحد، وتثيران مناخاً متجانسا، وتتفجران عن لطائف أسلوبية جمة وانزياحات دلالية ملتهبة. هذا أولاً. أما ثانياً : فإن اهتمامها الفني، كرسامة، لا يبدو بعيداً عن انهماكها الشعري، فهو يشكل مكوناً مهماً من مكونات قصيدتها النثرية، إن هاجس التعبير بالصور يرتفع إلى حد كبير فيما تكتب، كما أن لغتها حسية و متوترة حتى في تعبيرها عن انهماكاتها الفكرية. إن قصائدها، كما في ديوانها ( رجل مجنون لا يحبني ، الهيئة العامة للكتاب. القاهرة. 2001 )، مثلا، ليست إدهاشاً لغوياً مجردا، أو نتاجاً غرائبياً لمخيلة مذعورة. إنها اللغة والمخيلة والروح وهي تنصهر معاً في بنية واحدة. إن كل قصيدة من قصائدها، تقريباً، تصلح برهاناً على أن تجربة ميسون صقر الشعرية كانت تتغذى دائماً على خبرتها كفنانة تشكيلية : ثمة اشتباك عميق وجذاب بين الصرخة والتأمل، بين سحر الأصابع وجنون المخيلة، بين الكتلة والفراغ. لذلك فإن قصيدتها لا تتجه إلى موضوعها عارية ومباشرة بل كغصن مثقل بالأسى والضباب والخضرة. القصيدة واللوحة في حوار محتدم دائماً حتى صارت لغتها جسدية، منقوعة باللون، وضاجة بالحركة على عكس الكثير من الكتابات النثرية التي تبدو ذابلة، تخلو من جذوة الروح، ومن شراسة الصياغة معاً. تنقطع الشاعرة إلى تجربتها الشعرية والتشكيلية انقطاعاً يجعلها خارج كل شيء إلا الإبداع، إنه الغرق في اللجّة والنأي عن اليابسة، وهو الذوبان في الجوهر الموجع للحياة والأشياء دون الالتفات إلى الهامشي أو العرضي أو العابر منها. القصيدة التي تكتبتها ميسون صقر توحي، للوهلة الأولى، ببساطة من نوع ما، لكنها بساطة مضللة على أية حال، فما أن يقترب القارئ من هذه القصيدة حتى يجد نفسه منجذباً إلى أجواء من الالتماعات الأسلوبية والوجدانية التي تتشابك حتى يصعب فرز مكوناتها، أو الوقوف على مصدر الجاذبية فيها بسهولة. في ديوانها هذا تتكاتف القصائد جميعا في تكوين مناخ شعري مترابط، قد تتكرر فيه الموضوعات أو الأفكار، لكنها تتمايز في الرؤيا والمعالجة. إن ما يبدو وكأنه وحدة في المناخ الشعري لا ينفي التعدد في اتجاه القصائد أو موضوعاتها، بل يؤكده ويتغذى منه ولا يعارضه. لغة معذبة وذاكرة مجروحة : في معظم القصائد تتجلى نزعة سردية واضحة، فالقصيدة ليست إيماضات مجازية، أو اجتهادات أسلوبية مقصودة لذاتها دائما. وهي ليست لعباً باللغة أو معها، بل بناء يستند إلى جهد سردي يمتد من لغة معذبة وذاكرة مجروحة. ومع ذلك فإن هذا السرد لا يهيمن هيمنة مطلقة على النص، لأن الشاعرة تراقب دائماً مسار نصوصها كي تمنعها من الانفلات والتشتت : عند باب كوخٍ صغير يُسمع بداخله أنين يُسمع خارجه الموج أشعلَ عود ثقاب رماه في البحر. اشتعل كله وانطفأ اليومُ لم نعد نسمع الأنين نسمع الحريقَ فقط، ولا نرى إلا الظلامَ يتردد في أنحاء الصمت في هذا المقطع لا يشكل السردُ تقنية وحيدة تحكم حركة النص الشعري أو توتره، فهناك الصورة، وتصادم الحواس والتضاد الشيق. وهناك الخاتمة التي لا تخلو من المفاجأة أو الإيحاء البعيد. إن كل ذلك يسهم في تنمية اندفاعات الخيال وتشكيل الدلالة معاً. إن حالات التضاد، التي لا تخلو منها قصيدة من قصائد هذا الديوان تقريباً تجسيد لحالات من التضاد الأوسع في الحياة كلها : الحب، اليأس، الوفاء، التملق، الإيثار، الأنانية، وهي صورة أيضاً لذلك التضاد الآدمي الذي يعكسه الديوان بطريقة مؤثرة بين الرجل والمرأة كما سنرى لاحقاً. والشاعرة لا تتصيد التناقض الجزئي الكامن في المفردة ونقيضها، بل تبحث عنه في ما هو أعمق، وأشمل وأكثر غموضاً : تقسو وأستجيب : ليس ضعفاً هذا إنما إمعان في القسوة ذاتها تقسو لأبكي، ليس ذلاً بكائي إنما فتحتُ الحاضر على الغد فلم أجدك فيه تقسو وأقسو، الفرق شاسع أيضا إنما دفاع عما أحمله من محبة تقسو وأختفي، حتى أحتفظَ بقليلٍ من ذاتي : كي أستطيع. ما نصادفه في قصائد ميسون صقر لا يمت إلى المباشرة بصلة، قد يكون صراخاً لكنه غائم ومكتوم، وقد يكون نزيفاً لكنه من جرح عصيّ على الاندمال، إن أصابعها تمر، وبرهافة موجعة، على أشياء الحياة وانفعالاتها وشخصياتها فتحيلها، كما سيتضح ، إلى جزء حي من نسيج النص وتأثيره. لا تبحث عن موضوعاتها في ما هو مستهلك أو شديد العمومية، بل في أعماق النفس، أو في ثناياها التي لا نلتفت إليها كثيرا. لا تفتش عن حركة الحياة في الفعل المادي : في الانتقالة، أو الصيحة العالية، أو الاندفاعة الخارجية، بل في قوة الروح : في تلك الطاقة الداخلية التي تتحرك دون أن ترى، وتتفجر دون أن تُلمس : ماذا قال الراهبُ للراعي حين مرَّ عليه بلا أغنام يحمل عصاه الطويلة فقط ؟ لم أسمع صوت الراهب لكنني رأيت الراعي ينزل من الربوة رأيته مسرعاً يذهب إلى البحر رأيته يستحم، ثم يعود إلى كوخه رأيت وهجاً يخرج من نافذته حين تلصصت عليه كان يشعل شمعة ويمسك مزماراً تلفتّ ورائي رأيت أغناماً تنزل من منحدراتٍ عديدة وتصل إليه. بهذه اللغة الحلمية يتصاعد صفاء النص ولوعته، ويشفّ عن رؤيا غنية بالدلالات : رؤيا لا يفجرها المحسوس، أو الكائن الإنساني وحده، ولا تنبثق من الفكرة أو الصورة في حد ذاتها، بل تتشكل من مجمل عناصر النص وتوهج المخيلة،كما تتشكل من مسار الفعل السردي وتموّجه النامي. العنوان وتنافر المكونات : تحمل هذه المجموعة عنوانا دالاً ( رجل مجنون لا يحبني ). ومع أنه عنوان لإحدى القصائد الطويلة في هذا الكتاب إلا إنه يفصح، ومنذ الغلاف، عن شحنة دلالية وأسلوبية تهيمن على القصيدة منفردة، و على المجموعة ككلّ شعريَّ متجانس. إن العنوان، بتركيبته اللغوية، يشتمل على محورين دلاليين هما : التضاد واللافاعليه. قد تبدو عناصر هذا العنوان منسجمة أو متضافرة، للوهلة الأولى، غير أن النظرة المتأملة تكشف عن نتيجة معاكسة إلى حد كبير. إن مكوناته اللغوية تنضوي، ظاهريا، تحت بناء تركيبي راسخ، غير أن هذا التركيب يوحي بتنافر تلك المكونات، أو تجاورها القلق على الأقل. وهكذا فأن جملة العنوان ( رجل + مجنون + لا + يحب + ن + ي) تنساب مسترخية، على مسار خطي واحد، ومع ذلك فأنها تحتشد بدلالة التشظي والتضاد بشكل لافت للنظر. إن الرجل الذي يتصدر جملة العنوان يتيح أفقاً للتلقي يؤكد صدارته وفاعليته، غير أنهما صدارة وفاعلية سلبيتان. فالرجل سرعان ما تطفئه الصفة التي تليه : فهو رجل مجنون، أي أن طاقته العقلية والجسدية تقودانه في اتجاه سلبي. ثم تأتي بعد ذلك أداة النفي (لا) التي تسلط تأثيرها على الفعل (يحبّ) فتنفى عنه قدرته ونفاذه. والمثير، هنا، أن هذا الفعل لم يفقد فاعليته بتأثير أداة النفي وحدها، بل بوجود (نون الوقاية ) أيضا، هذا النون الذي يحجز الفعل عن مفعوله. وهو، في جملة العنوان هذه، يمنع حب الرجل من الوصول إلى مبتغاه، إلى الذات الأنثوية التي تمسك بخيط الكلام في العنوان، وهناك التفافه جميلة أخرى يجدر بنا التنبه إليها، وهي أن جملة العنوان محصورة بين قوسين متضادين : الذكورة والأنوثة، ففي الوقت الذي احتل الرجل صدارة الجملة تأخرت المرأة إلى نهاية العنوان تماما، واتخذت للإفصاح عن ذاتها أكثر الأشكال النحوية خفوتا، أعني الضمير : ياء المتكلم. كما أن الرجل محجوز عن فعل الحب بمعظم الجسد اللغوي للعنوان الذي يفصل بينه وبين المرأة : رجلٌ ــــ لا يحبنــــ ــــ ي وهناك، في العنوان أيضا، لمسة دلالية لابد من التريث أمامها : إن الرجل الذي يمتنع عن الحب هو رجل مجنون، فهل هو عاطل عن الحب بفعل الجنون ؟ إنها دلالة ملتبسة حقا، فالجنون، في الغالب، ليس نقيضاً للحب، بل قرينه أو أحد وجوهه، أو نتيجة من نتائجه أو تداعياته المريعة أحيانا. وإذ لم يكن أعراض الرجل أو عجزه عن الحب مرتبطاً بجنونه أو ناتجاً عنه، فهل هناك أفق لقراءة أخرى ؟ هل يمكن القول، مثلا، أن أنثى العنوان قَدرَ محتّمٌ على الرجال جميعاً إلا من حُرِمَ نعمةَ العقل منهم، أم أن عدم الافتنان بها حد الجنون هو الجنون بذاته؟ قصائد المجموعة، لا تكف عن تقديم العون لأكثر من تأويل، وهو أمر يظل في صالح هذه القصائد، وبرهاناً على تعدد ممكناتها الدلالية. غير أن اهتمامي سيتركز، تحديدا، على قصيدة ( رجل مجنون لا يحبني ) التي انسحب عنوانها على قصائد الديوان كلها وتقدمتها في الترتيب. إنَ هذه القصيدة، كما أرى، هي المحرك الأكبر لمعظم القصائد، لأن ما فيها من اجتهادات تصويرية أو التماعات في الأداء منتشر، متخفياً أو مباشرا، في القصائد الأخرى، كما أن انشغالاتها الوجدانية والنفسية تتوزع على باقي النصوص أيضا، مع اختلافات لا تتعلق بالجوهر قدر تعلقها بلمسة المعالجة أو زاويتها. ويبدو لي أن الشاعرة كانت مدركة، تماما، لما تمثله هذه القصيدة من دلالة، لذلك لم يكن مصادفة أن تجعل عنوانها عنواناً لقصائد الديوان كله. فالقصيدة، عنواناً وبنية وموضوعا، خيمةٌ تسترخي تحتها القصائد جميعاً، كما أنَ الكثير من توهجاتها، في النبرة أو النسيج، لا يقف بعيداً عما في قصائد المجموعة من مناخات مشابهة. ومن جهة أخرى فإن وضع هذه القصيدة في مقدمة النصوص لم يكن عبثاً كما أظن، فلو كان التبويب أو التصنيف مثلا هو الداعي الوحيد لانضمّت القصيدة إلى مثيلاتها في الطول في آخر الديوان. ولذلك فإن الثقل الذي تمثله، تجربة وبناء، كان المعيار الذي ضمن لها هذا الفضاء البصري والدلالي الذي احتلته فاتحة للنصوص عن جدارة. التضاد وتشظيات الدلالة : تندفع نزعة التضاد إلى معظم قصائد الديوان تقريباً لتشكل، كما أشرنا، مستوى عريضا من مستويات المعالجة الشعرية، أن الأنثى والرجل، لا يكتفيان بالجلوس على طرفي العنوان، بل يلقيان بالكثير من ظلهما القاسي، أو لهيبهما الخافت على معظم القصائد، وعلى القصيدة الأولى بشكل خاص. في القصيدة الأولى، تشكل بنية التضاد منطلق التفجر الدلالي وتشظيات المعنى ؛ فهي تمثل مفتتح الشرر : تطلقه في كل الاتجاهات ليصل إلى أبعد قصيدة في الديوان، أو يلمس دلاليا، أكثر الانشغالات الوجدانيـة والفكرية في النصوص: (١) أسئلتي في البحر أنت أتيتَ وأنا ذاهبة أنت لا تفصحُ وأنا ثرثارة أقضي اليوم في تلمس أحداثٍ تمضي أتحدث لأراني (٢) قلبكَ يتسعُ لإقامتي كلما بعدتُ أكثر (٣) أتذكرني ثم تصحبني بيديك إلى الوداع، (٤) كانت يده العليا قوية ومانحة راعية للمحبة ولا تزال تضغط بقسوتها فيما أنا المتلهفةُ دوما أسكن أدواراً واطئة كي أقي نفسيَ مغبةَ الارتماء من نوافذه الآيلةِ للسقوط على أرضٍ حجريةٍ لا ترحم. تجسد هذه النماذج الأربعة على نحو بارع، تواصلا معطلا، أو توقاً مخيباً إلى التفاعل و المشاركة. إن طرفي عملية التواصل يقفان في تضاد حاد، إنهما بعيدان بعداً شاهقاً رغم تقاربهما المكاني، و رغم تلامسهما اللغوي الذي تجسده ضمائر الخطاب وضمائر التكلم على حد سواء. في المقطع (١) يبلغ التعارض حداً كبيراً من الوضوح والقسوة، تعارض الضمائر والأجناس النحوية والأزمنة أيضاً؛ فالضميران في (أنت × أنا) يتكرران مرتين بصيغتين تكشفان عن تضاد كامل : التضاد الأول في الحركة المكانية (أتيت × ذاهبة) والتعارض الثاني في حركة اللغة (لا تفصح × ثرثارة) وهذان التعارضان يشتملان، في عمقهما البعيد، على تعارض في الجنس النحوي (فعل × اسم) وتعارض في الجنس البشري (امرأة × رجل). إن الرجل والمرأة، في هذا المقطع، يعصف بهما اتجاهان متضادان، (الذهاب × الإياب) فحركة كل منهما تناقض حركة الآخر وتجعل اللقاء المكاني به مستحيلا. أما التضاد الثاني فهو تضاد في التواصل، إن تواصلهما اللغوي معطلٌ تماما، وقد بلغ التناقض بين طرفيه حداً متطرفا ( العجز عن الإفصاح × المبالغة فيه). ويحسم البيتان الأخيران، هذا التضاد، بالعزلة ؛ إذ ان الذات الأنثوية، أو أنا القصيدة، تعلن يأسها الكامل من لقاء تضيق به اللغة ولا يتسع له المكان، إنها الآن تستنفد يومها، لا في أحداث راهنة، أو مقبلة. بل في أحداث (تمضي)، وكأن المضي، أو العبور، هو جوهر حياتها الأهم، كما أنً اشتباكها بالماضي، لا بالمستقبل أو الحاضر، هو المحرك لتأملها. ثم يصل المقطع ذروته في البيت الأخير، حيث تحكم العزلة حصارها . أن فعل التواصل ينقلب على نفسه، وتضطرب الحواس اضطراباً كبيرا، وهكذا لا تجد المرأة، في هذه اللمسة، إلا ذاتها برهاناً على التماسك، وإلا اللغة دليلاً على الوجود وعلامة على تحققه. أي أن الأنثى، هنا، وفي إيماءة بعيدة إلى سقراط، تجعل من الحديث، أو الوجود المسموع، برهاناً على الوجود المرئي، وإن كان هذا الوجود، مسموعاً أو مرئيا، يقع في الذات الواحدة ولا يتجاوز إلى الآخر، باعتباره ذاتاً تواقة إلى التواصل أو هدفاً له. إن مبدأ التضاد يستمر في تجليه، عبر المقاطع الثلاثة الأخرى، ليحقق في كل مقطع منها نمواً دلاليا مؤثراً ينعكس على مسار القصيدة كلها، وإذا كان المقطع الثاني يجعل من فعل القلب نقيضاً لفعل يتخذ مساره على الأرض (بعدت أكثر ) فإن المقطع الثالث يجعل من فعل الذاكرة نقيضاً لنشاط مادي من نوع آخر (الوداع). أي أن المقطعين، كليهما، ينشئان عالمين متناقضين : الداخل والخارج، وهما عالمان يتجسدان في حركتين يستحيل الجمع بين اتجاههما المتناقضين على صعيد واحد. واللافت أن الأنثى، في هذين المقطعين، هي ضحية هذا التناقض، وهي الفريسة التي تتمزق بين تنافرين صارخين : فالرجل، بفعل داخلي لا مرئي، يدني المرأة من داخله، من القلب والذاكرة، لكن هذا الدنوّ لا يعمر طويلا ولا يتجذر، إذ سرعان ما تلتحق المرأة بدائرة الغياب أو التلاشي. ولابد لنا أن نصغي إلى ما يشتمل عليـه المقطع الثالث من نبرة متسائلة، وألا ننسى ما في عبارة (يديك) من كثافة حسّيِة تضعف فعل التذكر وتجعل منه أثراً خافتا. ينتقل المقطع الرابع بالتضاد إلى مستوى أكثر حدة، إذ لم يعد التنافر يتجسد في حيز داخلي، القلب أو الذاكرة، بل يسفر عن ملامحه الضاجه، في فضاءٍ واقعي حاد، تضاد بين الأماكن وتضارب في الاتجاهات ؛ الأعلـى والأدنى، تلهف الأنثى وقسوة الرجل : يد تمنح وتحب وتقسو، وامرأة تأكلها اللهفة دائما، يدٌ عليا وامرأة تسكن أدواراً واطئة. وإذا كانت المرأة تتحول إلى كتلة صماء مبتورة، فإن الرجل يغدو جسداً بحاستين معطوبتين : تسمعني وأذنك في الطريق تراني، ولا عين مبصرة لديك إن عينيه عاطلتان عن الإبصار، وأذنه تقع بعيداً عن كلام أنثاه، تقع على الطريق، في منأى عن حرائق تلك المرأة، وحزنها الملتهب، إنه يسمع دون انفعال ويرى دون عاطفة، وكأن السمع والبصر لديه جارحتان معبأتان بالقسوة واللامبالاة دائما. وحتى ينمو مشهد العجز، ويبلغ أكثر مدياته بشاعة، فان القصيدة تخرج به من دائرة الحواس إلى الجسد كله : كشفتُ أشواقي تركتها عند العتبة قلتُ : سيأخذني بعيداً لكنه فضل أن يجلس على مقعدٍ في الحديقة تحت الشجرة يراقب الأيام ويقتلها بشفرةِ الحلاقة إن أنثى النص تفصح عن توقعاتٍ جمّة لامرأةٍ تُقبل، بكل تلهفها الحار، على من تحب، لكنها لا تبلغ دائرة الفعل، تظل أسيرة الترقب الشجي، دون أن تتجاوزه إلى استجابة جسدية مكتملة. إنها لا تفعل، بل تغوي، وتوحي، وتتشهى، تاركة للرجل أن يسبح في اتجاهها، مخترقاً إليها ماء الحلم والصمت والتمني. وبعد أن تكتمل، في مخيلة المتلقي، تفاصيل هذا التوق الأنثوي يحدث التصادم : الرجل في الطرف الأخر تماما، نائياً بجسده ومخيلته عن هذه المرأة الملتاعة. و المرأة تكشف عن « أشواقها » المتأججة وتضعها على «العتبة». انّها تنتظره على الحاجز الواهي بين الفعل واللافعل، بين الخارج والداخل. وهي تنتظره لكي «يأخذها» بعيداً : بعيداً عن العتبة، عتبة البيت، أو عتبة الجسد، أي أن يوغل بها ومعها إلى الداخل، فالعتبة اتجاه إلى الأعماق. إن مفردات مثل، الكشف، الشوق، العتبة، امرأة ممزقة، لا تنتمي كلياً إلى اتجاه محسوم، ولا تتلقى عطاء وجدانياً محددا. إنها معلقة على الدوام بين وجهتين متضادتين : « نوافذ آيلة للسقوط » و «أرض حجرية لا ترحم ». تقف المرأة على مرتكز غائم، ومشوش، و في المكان الواطيء من هذه العلاقة القلقة قطعا، وهي تتمزق بين اتجاهين متنافرين كلياً : ( العليا والواطئة ) ويؤرجحها انفعالان متعارضان دائماً ( التلهف، والحذر )، يأكلها الشوق إلى الأعالي ويملؤها الرعب من الأرض : الأرض لا ترحم، والنوافذ موشكة على الانهيار. وهكذا تتشظى اللحظة الوجدانية الواحدة، وينشطر المكان الآدمي الواحد، ليتحقق الانفصال الواقعي، بين الرجل والمرأة، في أكثر صوره دلالة وقسوة. حيرة الحواس و ذبول الجسد: تلعب الحواس دوراً محورياً في تشكيل دلالة هذا النص على العجز والذبول. في المقطع الآتي تواجهنا أنثى النص، وهي تتشبث، دون جدوى، بيدَي الرجل الذي تحبه، لأن يديـه عاليتـان، إنها تتعلق بهمـا رغبة في الالتحام، لكن الزمن يظلّ أقـوى منها، فهو الذي يحرك فعل الرحيل، وينأى بهذه الأنثى ناقصة، مبتورة : هاهي تمضي إلى الغياب، أو النسيان، أو النوم بجسد ناقص وأنوثة متشظية : أتركُ يدي معلقةً في يديك الزمان يرحلُ بي اختفى أظلّ ممسكةً بيديك أمضي يدي لا تزالُ أنام نومتي الأخيرة بلا يد إنه غياب مبتور، أو نسيان لا يكتمل، لأن يدها ما تزال معلقة بمن تحب، كما أن حضورها مع الرجل مليء بالغياب ؛ لأن يدها فقط هي ما تبقى منها بين يديه. ولا يخفى ان وضع الأيدي في مسقط الضوء ذو دلالة كبيرة ؛ فهي مجمع الرغبات ولغة الجسد. لذلك فإن هذه الأنثى تنشطر وتتشظى لتسقط في هاوية العجز عن الفعل، وتذهب إلى هناك : إلى الصمت أوالنسيان، كتلة صماء دونما يديـن. وليست الأنثى وحدها هي التي تقف أمام هذا العجز الفادح، إن الرجل، هو الآخر، يصل به العجز حداً لا يلتهم يديه فقط وإنّما حواسه كلها، إن صورة المراة المأخوذة، هنا، أو الأنثى المقبلة على الرجل صورة بالغة الإيحاء ، أما الرجل فحركته تتجه إلى الخارج، إلى الحديقة وظل الشجرة، إلى مراقبة الأيام، وقتلها بشفرة الحلاقة. وتجسد مكونات المشهد الذكوري هذا حالة الانقطاع عن الفعل تماما، وتستعيض عنه بمراقبة الحياة فقط : يمّحي الفعل، وتحتل الصدارة هيئات أخرى مفرغة من الفاعلية والتأثير : الجلوس، المراقبة، المقعد. وهكذا تتجمع خيوط النمو الشعري، في فضاء يقودنا، إلى نهاية القصيدةِ حيث ينمو العجز، و تتكامل عناصر الانطفاء. دلالة النص في نموّها السلبي ينتقل النص، في بنائه وأسلوبه، إلى مستويات أكثر توتراً غير أن دلالته تنحدر تدريجياً إلى شحوب واضح، إنها تدير ظهرها لفعل الحياة، أعني لتفتح الجسد وحيوية الروح معا، ولذلك يمكن القول أن النمو الدلالي، في القصيدة، نمو سالب لا يتجسد،غالبا، إلا في الإحباط والسلب والانقطاع عن الفاعلية. والمفـارقة اللافتة، إن نهاية القصيدة تشهد تحولاً مفاجئاً على المستوى الدلالي، إذ تدب الحركة فجأة في مفاصل النص : حركة لا تقتصر على ذات دون أخرى، بل تغمر بانتفاضها المفاجئ الأنثى والرجل معا، جسداً وروحا. ولكن الملاحظة الأهم، هنا، إن هذه الحركة تمثل في دييبها المتوجس المفاجئ، حركة في اتجاه السلب أيضاً. إن خاتمة القصيدة تأتي مشحونة بالحركة والدمدمة والتوجسات. لكنها حركة تسـتمد، مرة أخرى، تضادها، وتنافرها من العنوان، وتتجه، في مجموع عناصرها، إلى اليأس أو اللافعل. في المقطع الأخير يبلغ التضاد حـده الأقصى، وليس أمـام الذات الأنثوية، بعد ذلك، إلا الإقرار القاسي بتفوق القهر، وغطرسة الآخر الممتلئ بذاته وتهوره. غير أن هذا الإقرار يتجسد بطريقة خاصة : فيها من ترفّع الأنثى قدْر ما فيها من تجبّر الرجل، وفيها من إقبالها قدر ما فيها من جفائه وغلظته : وكأن الاثنين يهربان من فعل الإيجاب إلى فعل السلب، من فعل التلاحم إلى فعل الانكسار: تقسو وأستجيبُ ليس ضعفاً هذا إنما إمعانُ في القسوة ذاتها تقسو لأبكي ليس ذلاً بكائي إنما فتحت الحاضر فلم أجدك فيه تقسو وتغيب وأنا هنا، مطلةٌ على الفراغ الذي أحدثته خيبتي تقسو وأقسو الفرق شاسع أيضاً إنما دفاع عما أحمله من محبة تقسو وأختفي حتى أحتفظ بقليلٍ من ذاتي كي أستطيع يتصاعد هذا المقطع إلى ذروته، عبر لغة تكرارية نامية، وهذا التصاعد لا يأتي متصلاً أو منساباً دائما، بل على شكل تموجات من القسوة الروحية. إن الفعل (تقسو) يتكرر خمس مرات مقرونا بفعل مضارع آخر. ويشكل هذان الفعلان معاً لازمة تسبق كل دفقـة من تدفقات النمو الشعري والنفسي. وحين تتأمل هذا التدرج النامي نلحظ أن لوازمه تتكرر على الشكل التالي: تقسو وأستجيب تقسو لأبكي تقسو وتغيب تقسو وأقسو تقسو وأختفي. يبدو واضحاً هنا أن الرجل هو الذي يبتدئ مشهد الفاعلية دائما، كما أن فاعليته ترتبط بالقسوة باستمرار، أما الفعل الآخر الذي يقترن بفعل القسوة فهو حصة المرأة في إنجاز هذا النمو الحدثـي والشعري. وهو، في الغالب، يمثل تبعية الأنثى، أو ردة فعلهـا. وباستثناء التكرار الثالث ( تقسو وتغيب ) فإن حركة النمو، بجانبيها الرجولي والأنثوي، يمكن رسمها على الشكل التالي : الرجل الأنثى تقسو استجيب تقسو ابكي تقسو / تغيب - تقسو أقسو تقسو اختفي والملاحظ أن فعل القسوة، في التكرار الثالث، يزداد قـوة لاقترانه بفعل الغياب الذي عمّق من كثافته، كما أنه لم يُوَاجه إلا باستسلام مطلق من قبل الأنثى. غير أن هذا الاختلال لم يدم طويلا، إذ سرعان ما يشهد هذا المسار النامي تحولا مفاجئا في التكرار الرابع، إنتقالـة نفسية حادة من الصمت إلى القسوة. وهو ما يشكّل انتفاضة الذات على سلبيتها التي كانت تُفرغ أفعالها من أيةِ حركة حقيقية. تمرد الأنوثة أم أنوثة التمرد ؟ ولكن لابد من القول أن هذه الانتفاضة النفسية الرافضة لسطوة الرجل تظل انتفاضة ذات طبيعة خاصة، هي طبيعة الأنثى المولَّهة بمن تحب : إن استجابتها إمعان في القسوة، وقسوتها إمعان في الحب، وكأنها تغترف معاني اللغة من جسدها مباشرة، لا من القواميس، ومن أنوثتها لا من الذاكرة. وهكذا نجد أن هذه الأنثى تصل بهذا التعارض، في نهاية المقطع، إلى نقطة بالغة الدلالة : تقسو وأختفي حتى احتفظ بقليل من ذاتي كي أستطيع إنها تعلن انتصارها على القسوة بالاختفاء. وهي، هنا، لا تنتصر على الرجل بل على نفسها : تنتصر على غيابها بالغياب نفسه، وكأنها تمحو غياب التأثير بغياب الجسد، وتهرب بقليل من ذاتها بدلا من ذوبان الذات كلها. إن كل ما تفعله الآن هو أن تنتشل جسدها وذاتها لترتفع بهما معاً من العجز إلى الاستطاعة. وبذلك يظل هذا التمرد أو الرفض، كما أشرنا، تمرداً من نمط خاص، إنه تمرد الأنوثة، أو، إذا شئت، أنوثة التمرد. |
|||||
|
|||||