|
|||||
|
مفهوم الانفصال من المفهومات غير المحظوظة، حتى لا نقول من المفهومات الملعونة. فقد اعتبر، شأنه شأن مفهومات أخرى كالخطأ والتناقض والنسيان، مجرد عرض من الأعراض، ومرض من الأمراض سرعان ما ينبغي التخلص منه لاسترجاع التماسك والوحدة. فحتى إن قبل وتم التسليم به، فقد كان الهدف على الدوام محاولة إقصائه ومحوه بغية رأب الصدع واسترجاع الكيان وإبراز الاتصال. لا عجب إذن أن يدأب التقليد على وصل الأصول بالفروع، والبحث عن التأثيرات والامتلاءات والتناغمات والتشابهات، والتنقيب عن أسباب الركود والرتابة، والدوام والثبات: ثبات الحقائق والمعارف والمؤسسات. لطالما أبدى التقليد الفكري نفوره من مفهومات العتبة والقطيعة والفراغ والتحول كي ينشغل بتكريس الفعالية التركيبية للذات، والحفاظ على مفهوم مبسط متناغم عن الهوية، والإبقاء على الأنا كدوام واستمرار واتصال، وعلى التراث كتقليد وتواصل وامتداد، وعلى التاريخ كذاكرة. لذا ظل شغله الشاغل صون الاتصال والدوام: دوام الهوية وخلودها، دوام الثوابت التي نركن إليها، واللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، والحقائق التي نعتنقها، والعبارات التي نلوكها،و الآراء التي نتداولها. ظل الاتصال مستقرا للذات تخلد عن طريقه إلى الهدنة واليقين والتصالح والاسترخاء الفكري. انفصالا عن هذا التقليد الفكري، انفصالا عن الفكر التقليدي، قامت الحداثة بالضبط لتعيد الاعتبار للانفصال، ليس كمفهوم وفكرة فحسب، وإنما كنمط من أنماط الوجود، ليتضح أن الوجود نسيجه شبكة من العلائق، وأن لا شيء تنشد أطرافه بعضها إلى بعض، وتتماسك أجزاؤه تماسكا نهائيا، وليتبين أن «كل صلب لا بد أن يتبخر». قامت الحداثة لإظهار الانشطار داخل المواقع التي اعتبرت مواقع التماسك والوحدة بلا منازع، وأعني الوعي والذاكرة والهوية. لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن تكريس الانفصال دعوة إلى إلغاء التاريخ ومحو الذاكرة وتفتيت الهوية. فليس الهدف الوصول إلى حد نعجز فيه عن كل ضم وتوحيد، ولا نستطيع عنده قول أنا أو نحن. ليس الهدف إلغاء الشعور بالتمايز عما ليس إيانا، وإنما الوصول إلى حيث لا تبقى قيمة كبرى للجهر بالأنا وإشهار الهوية والوحدة في مقابل التنوع الذي نكون عليه. يرمي تكريس الانفصال إلى أن يغدو التفرد ضعيفا أمام قوة التعدد، والتوحد ضيقا أمام شساعة التنوع، والاقتصار على الأنا فقرا أمام غنى الآخر، والانطواء على الذات سدا أمام انفتاح الآفاق، والانغلاق على النفس حدا أمام لانهائية الأبعاد الممكنة، والاستقرار عند مقام بعينه ضياعا أمام رحابة التنقل، والاقتصار على الحاضر هزالا أمام كثافة الزمن. ليست الغاية إذن من إثبات الانفصال تفتيت الهوية وإنما جعلها حركة وليس سكونا، خطا وليس نقطة، هجرة وليس عمارة، نسيانا وليس ذاكرة، تعددا وليس وحدة، اختلافا وليس تطابقا. بهذا المعنى فان الانفصال لا يلغي التاريخ، وهو لا يقوم على زمان مفتت يتألف من آنات متناثرة. حتى إن كان ولابد أن نحافظ هنا على مفهوم الآن فلا ينبغي أن نحدده التحديد الهندسي من حيث هو نقطة التقاء خطين، وإنما أن نعينه تعيينا فزيائيا من حيث هو اتصال سلكي تيار كهربائي. الآن شرارة وانفجار. انه لحظة تصدع. واللحظة هنا ليست أصغر جزء من الحاضر. ليست وحدة الحاضر. وإنما هي تفتحه وتصدعه. إنها ما يجعل الانفصال نسيج الزمن، بحيث لا يعود الزمان صيرورة يفصل فيها حاضر متحرك الماضي عن المستقبل، وإنما حركة التباعد التي تنخر الحاضر نفسه، وتمنعه من أن يحضر ويتطابق. وربما ليست الحداثة، في نهاية الأمر إلا الوعي بهذه الحركة المتقطعة للزمن. إنها اللحظة التي يفقد فيها الانفصال عرضيته ليصبح من صميم الوجود، ويغدو نسيج الكائن ولحمته. معنى هذا أن التحديث ليس مجرد التجديد. التجديد يقوم على مفهوم «تخارجي» عن الانفصال إن جاز التعبير.التجديد هو كل انفصال لجديد عن قديم. أما التحديث فهو «ظاهرة» متفردة بمقتضاها غدا الانفصال خاصية الكائن. في الحداثة لا يظل الانفصال علاقة بين طرفين، بين عاملين، بين مرحلتين، لا يبقى علاقة، وإنما يغدو خاصية: خاصية المعرفة، خاصية المجتمع، خاصية النص، خاصية الكائن. إنها ما يجعل الكائن في هروب عن ذاته، ما يجعل الكائن يتخلله الزمان. ليست الحداثة مجرد إثبات للتحولات الكبرى في مختلف المجالات، وإنما هي وعي بأن الكائن تحول. هذا التحول هو اليوم من القوة بحيث يمنعنا من الحديث عن هوية ثقافية سوى في خروجها عن ذاتها وتفاعلها مع ما يخالفها ووضعها في فضاء ثقافي جديد وعالم لم يكن له وجود قبل اليوم. معنى ذلك أن الانفصال غدا ليس مجرد ابتعاد عن الآخر، بقدر ما هو ابتعاد الذات عن نفسها. والأهم من ذلك انه ابتعاد لامتناه. من أجل ذلك علينا أن نميز بين مفهومين عن الانفصال: مفهوم وضعي يفصل فصلا نهائيا بين مرحلة وأخرى، بين عامل وآخر، ومفهوم يريد أن يكون مضادا يجعل القطيعة انفصالا لا متناهيا ما يفتأ يتم. وما ذلك إلا لأنه ينطلق من نفي الـ«حضور» والتحقق النهائي. هذا الطابع اللامتناهي للانفصال يضعنا داخل مفهوم دوري عن الزمان، ويجعل الفروع تعلق بأصولها، يجعل الانفصال لا يمكن أن يكون إلا إعادة ربط، بحيث نصبح عاجزين عن اكتشاف الماضي من جديد إلا إن نحن تمكنا من قطع الحبل الذي يشدنا إليه. قطع الحبل، مثل قطع حبل السرة، لا يعني انفصالا مطلقا، وإنما هو العملية التي يتم عن طريقها ربط المولود بأمه من جديد. انه العملية التي يرتبط عن طريقها الوليد بأمه عن طريق الانفصال. وهو العملية التي يصبح بفضلها الماضي حيا، ويغدو فيها التحديث شرطا لكل تأصيل. ذلك أن التأصيل ليس هو التقليد. التقليد ليس مجرد مضمونات وأفكار بعينها وإنما هو موقف، وهو الموقف المضاد للتحديث، أي الموقف الذي يغدو فيه الاتصال لحمة الكائن. أما التأصيل فهو ليس استبدال تقليد بآخر. فمثلما أن الحداثة ليست استنساخ نماذج مستوردة، فان التأصيل ليس تكرارا لتقليد محنط. التأصيل هو أن نجعل من لحظة الانفصال مركزا ننطلق منه لنجعل تاريخنا ينتظم حوله.انه ارتباط بالأصول عن طريق الانفصال. وهو بداية متجددة ونشأة مستأنفة تجعل من الهوية حركة لامتناهية للضم والتباعد، ومن الآخر مجالا مفتوحا للاختلاف والالتقاء. |
|||||
|
|||||