«العالي يصلب دائما»
لحسين جلعاد..
 

 

حسين نشوان


«ليس لي زمن احط فيه

وليس لي مكان

فلا تلوميني اذا انتسبت للريح

فأنا

كلما ارتاح قلبي عند رصيف

 انهار

فوقه

الف جدار»

بعيدا عن التوصيف النفسي لموضوع الغربة، والأعراض النستولوجية للعلاقة بفقد المكان، فان الوطن عند المبدع ليس مجرد جغرافيا وتضاريس وحدود، وانما هو أسطورة عشق، وفضاء للحرية، وخزانة الذكريات والاحلام، ومستودع الجراح والخسارات التي ينهل منها المبدع نصه، والغربة بالمقابل ليست مجرد مسافة فاصلة بين الانسان والمكان، وانما هي حالة وجودية، انسانية، إيجابية توهج الابداع، وتعمق الوعي بكيفية العلاقة التي يرى فيها المبدع وجوده، وكيفية تعبيره عن هذا الوجود.

«المنفى هو حياة تعاش خارج النظام المعتاد، حياة مترحلة، طباقية، بلا مركز، وما ان يألفها الانسان ويعتاد عليها حتى تنفجر قواها المزعزعة من جديد» (١)

ومع استحالة وجود الكائنات والأشياء خارج المكان، فإن هناك انواعا من الاغترابات - جمع غربة- التي يعاني منها الإنسان وتنعكس على تفكيره وحياته وأدوات تعبيره، ولكل نوع منها سماتها وخصائصها وتداعياتها السلوكية والنفسية، وطرق تعبيرها.

وفي الغربة الإبداعية، يتداخل القلق النفسي والجدل الثقافي والمعرفي، واللايقيني للتعبير عن مشاعر الكاتب الانسحابية او الضدية، لاقتراح فضاءات اخرى تعيد انتاج المكان والبيئة نصياً.

وهي بناءات تخيلية تقوم على جدل حركة الذات والموضوع، الماضي والحاضر، المكان والزمان مستغيثة بطاقة اللغة لتحويل الاحاسيس الى هواجس ادبية انطلاقا من المشابهة بين الكتابة والمكان اللذين ينطويان على فعل إنشائي، فاللغة تقوم على توالدات وتجاورات إنشائية، والمكان ايضا ينطوي على بناءات وتكوينات سيميائية تشكلان معا خارطة الانسان الثقافية والمعرفية.

 تمثل تجربة الشاعر حسين جلعاد في ديوانه «العالي يصلب دائما» الصادر عن دار ازمنة بعمّان نموذجًا مهماً لقراءة محنة/ أزمة الشاعر الذي يعاني من غربة الذات والوجود، في تصادماتها مع وهم الحقائق، والانكسارات والخسائر التي تعكسها ذات الشاعر من احساس بالغموض والشك والفقد ازاء قدرية الحياة، ومآسيها وتراجيديتها، لتنصهر التجربة في خصوصيتها وذاتيتها مع الواقع عبر وسطنة اللغة / الحلم لاعادة تعريف المكان، والكشف عن حضوره وغموضه، وغيابه وسطوته، والمساحات التي تتوفر فيه للحرية.

وخلال رحلته البحثية في اللغة / القصيدة، يبحث عن الوطن / الحرية في المكان الافتراضي الذي يستعاد في مقاربات وانزياحات من عالم الواقع الى فضاء الكتابة لإيجاد مكان الروح التي تحقق التوازن والطمأنينة، فاللغة كما يقول الفارابي : مثوى الوجود، والكون حسب ادوارد سعيد : نص تخيلي.

غربات كثيرة وذات قليلة

تتجلى مفردات القصيدة عند الشاعر حسين جلعاد عن أزمة الانسان وعلاقته مع الوجود في عدد من الغربات المؤقتة والدائمة التي تؤدي الى تشظي روح الشاعر بين غربة الذات التي ترى ان العالم يسير وفق قدرية محتومة، والذات الشاعرة المتمردة التي تحاول فك رموز هذا الغموض، مما يضاعف وتيرة الغربة التي تبدأ منذ لحظة الولادة، ثم التجربة، وصولاً الى النص الذي يقوم على اللغة الاستعارية التي لا تخلو هي ايضاً من الاستعارة، وقد قسم الباحثون (الغربات) في اكثر من بعد صراعي يتصل بوجود الانسان الحسي، القيمي والميتافيزيقي. الا ان القراءة تركز على الغربة المكانية وتجلياتها في النص:

 - غربة الذات والوجود

 - غربة الولادة وانفصالها

 - غربة المدينة

 - غياب الام

غربة الذات والوجود

ان الحديث عن المكان الافتراضي يقود الى الغربة الافتراضية التي تتأتى من انفصال مؤقت عن المكان، او انفصال نفسي للبحث عن المكان في مرآة الوجود، فهو اغتراب واع لمصير الانسان الذي ترك آثاره في المكان كعلامات تدل على نص آخر يتصل بالغياب وغربة الموت، وبالمقابل يكشف عن اغتراب في رحلة الحياة بما فيها من شقاء ومعاناة وزيف، وبما فيها من ضدية للموت تتجلى في الاوهام التي صنعها الانسان عبر المثيولوجيا والأساطير لمواجهة الواقع.

وقد عمقت الخسارات والقهر والفقر والاستلاب التي منيت بها صورة الحياة في انحدارها الى اقصى درجاتها الاستهلاكية المتوحشة ؛ الاحساس بالهزيمة للانسان الذي فقد حريته وذاتيته في كيان مصطنع (مجرد)، وعمقت عند المبدع خصوصا غربة التواصل مع الآخر بسبب من غربة اللغة، ولن يكن امام الشاعر سوى السير ضد التيار، كما فعل الشعراء الصعاليك من قبل حين انسلخوا عن ارث القبيلة وسطوتها الى فضاء حريتهم ووحشتهم وألفتهم مع المكان الذي كان وقتذاك نصاً مشاعاً.

«مختلفاً عن نفسك

تقرأك المرايا، معكوساً وبعيد

...  ... ....

المرايا امكنة

وسعت كل شيء

الا احتمالنا ونحن واقفون» ص٢٩

 غربة الولادة وانفصالها

تبدأ حالة الغربة عند حسين جلعاد منذ لحظة الولادة التي يعلن فيها الطفل صرخته في وجه الحياة، فهي صرخة تعرب عن ألم الانفصال الرحمي، والغربة عن المكان القريب من قلب الأم ودفئها وطمأنينتها الأبدية، وغربة الواقع الذي يحرق مرحلة الطفولة والبراءة الى معاناة الحياة واختباراتها القاسية.

«ايها الليل كيف سماؤك في الاعلى، وهنا

اطفال يمضون نحو الرجولة مبكراً

ينسون على اكتاف الجدات شوقهم للعيد

وهدأتهم في مساء الحكايا:

الهجرة تبدأ من صرخة المهد والجوع، من

طرق الابواب ولا احد

من صباح الخير على وطن الارصفة» ص٦٨

غربة المدينة

غالباً ما تبدو صورة المدينة ملتبسة بين الحلم والضياع، والالم والقهر، فهي تختزل الانسان، وتنتهك ذاتيته، وتستبيح كل شيء بسبب من طبيعة تشكيلها العمراني والاجتماعي المشوه، ونموها الفطري- كما الفطر - ولكنها ايضا تمثل فضاء الحلم للحرية، والتغيير، وخصوصاً للقادمين من وراء المدينة التي تشكل لهم غربتين.. غربة المكان، وغربة الذات، التي يتورط فيهما الفرد دون إمكانية للخلاص اوالانفكاك من وهم الحلم والزيف الذي تمثله:

«تتبعني عيناي مثلما

يتبعني من وطني

ذاك الحنين

وطني

وطن في افق العذاب استوى

ام

درر في تاج العبيد

وطني

ها هنا

ربة المدن الثكلى

فكت ازرار القميص على أقصى غربها

وهي لا تدري

 هل تضحك ام تستباح

... ... ...

منذ كونين او منفى

مات اشباهي

فلماذا بقيت هنا

احتسي نبيذ الشوق ولا اشفى

من دوار المدينة والامنيات» ص٩١

غياب الام

ثمة تماريات بين الام والمكان ( الارض )، تتصل مثيولوجياً في الخصب، واستمرار الحياة، وغالباً ما تستدعى صورة الام بالارض، وقد تعمقت غربة الشاعر بتداعيات الغربة النهائية التي تمثلت برحيل الام، واقترانها بغربة الوجود، ورحلة الانفصالات المتتالية منذ الخروج من الرحم الولادي الى الاقامة في رحم الارض ،

التي تضارع الرحم الاول، لتتوحد في غياب الام صورتا الغربة الذاتية (الوحدة )، والغربة النهائية في علاقتهما بالمكان، وفي توحدهما المادي ( البيولوجي ) والنفسي حيث تتخايل صورة الحياة كنوع من الحلم الذي يتحقق في «منفى واحد طويل، وان الخلاص يكمن في الموت وحده»(٢)

وهو ما يراه الشاعر في رحلة الحرية التي تمثل قياما جديدا من رحلة المعاناة، وغربة المكان الى الحياة :

«غن انكساري زبداً يخف في اجاجهم

غن اتشاري ليلكاً يزدان في جمهرة الروح

على ينبوعها

عن انتشاري

وليكن

موتي

هذا

اول

القيام» ص٥٨

المكان.. رؤية القصيدة

تعبر الغربات التي تناولها الشاعر حسين جلعاد في «العالي يصلب دائما» عن توتر روحي ازاء المكان ( الوطن ) يستحضرمقولة «خصومة العشاق» (الهيجلية) في جدلها التفاعلي والتصادمي لاستمرار الحياة، وإخضاع المكان لدوائر المعرفة والوعي، وليس الى روابط الولاء السلالي للإقامة في المسافة الوهمية بين مسقط الرأس وفضاء الحلم.

ويسعى الشاعر حسين جلعاد الذي استعار اسمه من احد جبال عجلون الى اجراء انزيايحات تشعرن الاشياء، وتؤنسن المكان للبحث عن روحه التواقة الى الحرية من خلال اعادة رسم صورة الوطن شعريا، واعادة المكان الاول، الذي يحمل براءة الطفولة، ودهشة اللغة، وعذوبة الاحلام التي تؤسطر المكان، حيث الاسطورة هي طفولة العالم ليتماهى الشاعر مع صورته القادمة في القصيدة / الحلم :

«يا طفلة الجحيم، خذي

حبنا المستحيل، نزول الغمام على امسيات الحنين، خذي

حزننا في ارتباك العصافير عن حدود السماء

واذكري في البلاد خروج الصعاليك، وما اشعلوا

في الشوارع من صخب وهواء

حملوا عبء الضوء، ثم مضوا نجما واحداً

فاضأؤا قلوب الناس

رشفوا قهوة الصبح عند حدود الشام

واستراحوا المغيب على ضفة الأندلس :

كيف نعبر تاريخ الصحراء،

فنبني على خصر البحر جنتنا» ص١٩

خرائط الجسد

ان الغربة التي يختارها الشاعر حسين جلعاد، هي ليست إقامة في الفراغ، وانما هي خيار واع للتحليق من السفح الى القمة، على ما يكمن في ذلك من مخاطر يشي بها عنوان المجموعة «العالي يصلب دائما» فالقمم تمكن من الرؤية الواضحة للاشياء، وتمنح للرائي نوعا من السيطرة والقوة، وامتلاء الروح بالثقة، وبالمقابل تنطوي على نوع من القلق والغربة والم البعد والوحدة التي يتحول فيها المكان الى خبرة ذاتية تشبه الحالة التي يتحصل عليها الذين يضعون شاراتهم على القمم العالية فهي محولة لملكية الاشياء والسيطرة عليها لإعادة صفاتها وتضاريسها وألوانها وتكويناتها بالحلم الذي يستعاد في خرائط الجسد واللغة والتاريخ والاسطورة والقصيدة رمزيا في عدد من الثنائيات التي تتراءى بعين الطفل الذي تدهش براءته الاشياء، وعين الصوفي الذي يتماهى مع الكون، والفنان الذي يعيد خلق اكتشاف الكون بيديه ومسامات جسده لإشباع رغبتة الى الحرية، ويعبر عن تمرده على القوانين الازلية التي ترهن الانسان الى قدريتها.

«عندما يتحول الخيال الى شعر، فهو يلغي السبب ليحل محلها التسامي المحض..فالفن هو زيادة خصوبة الحياة، ونوع من الدهشة التي تنبه وعينا..والفنان لا يبدع اساليب حياته، وانما يعيش بالاسلوب الذي يبدع فيه.. » (٣)

ويوازي الشاعر بين الرغبة الى الحرية واكتشاف الانسان لأدوات تعبيره الفنية تاريخيا التي شكلت ايضا تاريخ كفاح البشرية لمواجهة سطوة الحياة وقهرها :

«كان يكفي

أن ألهو بالطين

كي يتلطخ لوح الوصايا

... ... ...

غير أني

خارج ظلك أحيا

مزدهيا

باليدين

وإن

شردتني الخطايا» ص٧٣

غربة الغربة.. مكان المكان

تؤكد لعبة تغيير صفات المكان رغبة الشاعر حسين جلعاد إلغاء سلطة الجغرافيا وقهرها التي تأسست على زمن اغتصابي ادى الى انتهاك ملامح المكان وتاريخه وجماله، باعادة التوازن بين الذات والموضوع من خلال عدد من الثنائيات، والمتواليات التي تقيم في منطقة الحلم عبر انزياحات تجعل من الشعر بمثابة الرؤية الكلية لتفسير الوجود.

المكان _ القصيدة

عند الحديث عن القصيدة او الشعر فى علاقته مع المكان فاننا نتحدث عن الكتابة واللغة كأداة تعبير ليست حاملة للمعنى حسب، وانما منتجة له. ومن المؤكد ان هناك علاقة بين اللغة والمكان في ان كليهما ينتج المعنى وفق شرط تولاداته، حيث يتحول المكان الى لغة تنتج المعنى، والغربة تحول اللغة الى وطن لاقامة الشاعر.

وكما القصيدة الجاهلية استدعت المكان كذريعة لتذكر الحبيبة، والحنين الى الطفولة والايام الخوالي، فان الشاعر المعاصر غالبا ما يستدعي عالمه الفردوسي في مقابل واقعه الجحيمي. حيث تنحو القصيدة المكانية في الغربة الى الاستعارات الرمزية، ومفردة الاسطورة، والاقتباسات التراثية لتعميق دلالات اللغة عبر تنوع النص.

ويخاطب الشاعر حسين جلعاد الشعر، بانه سيد المنفى، الذي يرغب في الخروج منه، وعن المرأة التي تقترن بالمكان رمزيا في تداعيات صورتها مع لحظات الفقد والغربة والحزن :

 «أيها الشعر

يا سيد المنفى وأمير الكلام

خارجاً عنك / عني / عن امرأة

كلما جسرت الحنين اليها، تفتق عنها نوح الحمام» ص٣٩

وتنطوي توالدات اللغة عن مغادرة للمكان الذي ارتبط بالخسارات الى منطقة الوهم التي تحقق اسطورة الانسان في محاولته لاعادة ترتيب الفوضى، وتقويض السكون الذي يحيط بعالمه للتعبير عن تمردة ورغبته في الحرية :

«هذا دمي

لم أعد انتمي إلى أحد

غير هذا الشارع، والغضب المر في شوك اكليلي

هذا دمي

من سيحمل موتي عني، ويخدش هذا السكون بترتيلي» ص٠٤

ويتحول المكان وفق الاسطورة والرمز الى علامات، وحكايات، وخرائط بحدود اتساع الجسد، وخطوط الدم، وبمعنى آخر تتحول الجغرافيا الى فعل انساني، وليس مجرد طبيعة صامتة، ويتحول الشاعر الى كائن رسولي وفارس من طراز الصعاليك الذين لم يركنوا الى الحلم وانما واجهوا الواقع بالرفض والتمرد :

«انه الحلم يمضي خفيفا

ينسرب في قاطرات الوقت، ولا يدركنا

... ... ...

صباح النشيد

هل يكفي النشيد ليسند قامة موتي

...  ...  ...

هل يكفي النشيد، وهل، يتسع المنفى

لرصيفي الذي كلما سرت سار معي

...  ...  ...

ليس يكفي النشيد، ولسنا طيورا مهاجرة فنعود

ليس يكفي النشيد، وليست تجري الارض الى مستقر لها» ص٥٤

وبالموازاة مع لغة الاسطورة فان الشاعر حسين جلعاد يستخدم المفردة التراثية كنوع من التناص واليقينية التي تضاد الحلم، مثل : «انهم فتية آمنوا»، «تجري الارض الى مستقر لها»، «يكظم الغيظ»، «الذي علم الاسماء كلها»، لإعادة انتاج المعنى، واعادة انتاج المكان من خلال مفارقة النص الاصلي:

«انهم فتية آمنوا وازدانوا على اول الفجر نجما وبندقية

... ... ...

انبياء الصباح البعيد

يحملون الارض على اول الضبح والعاديات

ويقدون من صخر المستحيل قلوب الحمام

... ... ...

كان الخارج من طوفان الحياة يورثهم

نيران الدقة والايام» ص٦٦

المكان - المرأة

تشكل المرأة بالنسبة للمكان في الاسطورة التموزية قرينة الحياة التي تتحول فيها المرأة الى الزمان ( الفصول )، وتتحول صفات الطبيعة الى جسد انثوي يتمتع بالخصب والعطاء والتشكيلات والمنحنيات المثيرة، وكلاهما يتصل بالامومة التي تجعل من الغربة عزلة تأملية لآحوال العاشق،ومنطقة انجذاب (ليبيدي)٭ للمكان التي يتوق فيها الى النفاذ الى روحه، روح المكان للكشف عن اسراره، وتكون المرأة هي استعادة المكان الاول، ومكان الحلم بعيداً عن الخوف والقلق الذي يباري الانسان كظله :

«يا أيتها العالية

زمليني فقد ارجف القلب مما رآه

كم عينا رأت ما رأته فما ابصرته

زمليني فقد سقطوا كلهم

وبقيت وحيداً الا من غضبي

واندفاعي الى آخر الدرب مع فوضاي» ص١٧

ان هذه الثنائيات تشكل مرايا متقابلة تتكرر فيها الصور الى ما لا نهاية، وتتداخل فيها الاماكن مع الكائنات التي يمكن ان تلتبس لتداخل الرؤى، ولكن ذلك ليس خطأ العشق ( المبدأ ) ولكنه خطأ يرتكبه الانسان في رؤيته للاشياء.

«ما اخطأ العشق، وانما

اخطأ في الدرب جل العاشقين» ص٣٢

المكان - التاريخ، الاسطورة، الذاكرة

 في قصيدة الشاعر حسين جلعاد لا يمكن الحديث عن زمان واحد او مكان واحد، وانما عن نسيج من الازمان والاماكن التي وان كانت متعينة الا انها تبدو ظلالية وكانها مشتقة من الذاكرة او الاسطورة، فهي مليئة برائحة التاريخ، والالم والمكابدة التي لا تغادر اللحظة الحاضرة، وتبقي الانسان رهينة مأساة الحياة ووهم الحلم، منفياً في المكان وعاشقاً له في الآن ذاته. ويبدو ان الميل للاسطورة والرمز الديني لا يخلو من تعبير عن القلق الوجودي الذي يسيطر على الانسان في ظل قسوة الواقع الاستهلاكي، وقهر الآلة التي تحاصر الإنسان الذي يلوذ بالمكان الأول :

«زويا

أعذب الاغنيات التي دوختني

في زمن التجوال.. وأرصفة الطرقات

هل كنت اتبع ظلك من اقصى نخلة

في الفرات ، الى نجمة يصعد الفجر في ضوئها

كي أرى دهشة البدء في قرطبة

ام كنت اسدل هذا النعاس على تعبي

لأرى

كيف تأتي القدس الى حلمي» ص14

المكان - الحلم

تتشكل الاشياء في الحلم رمزيا في منطقة اللاوعي بوصفه غيابا (منفى) وآلية لاستعادة اللاوعي بالوعي، والشاعر حسين جلعاد في غالبية قصائده لا يريد ان يعيد الواقع عبر الحلم، وانما يسعى الى تطهير المكان بإعادة تشكيله بلغة اللاوعي بما تنطوي عليه من غموض وادهاش، لتعود المفردات ممتلئة بالدلالات بالرموز والعلامات السيميائية.

ان اللاشعور في مجاورته للحلم انما يستمد صوره من عالم الطفولة التي ترى الاشياء بمشاعر الدهشة الاولى، التي لم تسلم من برد التقنية الآخذة في تدمير طفولة العالم على حد قول ادونيس

ليكون الحلم نافذتنا لمعرفة انفسنا ومعرفة الكون.

«الحلم أكثر شفافية وحساسية، تجعل معرفتنا بأنفسنا اكثر وضوحًا وصدقًا.. كما ان لغة الرمز تنطلق من شمولية تتجاوزالزمن والثقافة والجنس»(٤ )

واذا كانت الكتابة منفى، كما يقول الشاعرسليم بركات، فان الذهاب من منفى المكان الى منفى القصيدة (اللغة) هي محاولة لتحقيق الحرية التي تقع بين مسقط الرأس وفضاء النص، حيث القصيدة هي مفارقة اللغة والواقع والتاريخ..، وذهاب الى «حلم الحلم» و«مكان المكان» :

«دائماً اتذكر ما سوف يأتي

فأذهب في عكس الاتجاه».ص٣٣٭٭

الهوامش

(١) مقالات حول المنفى - ادوارد سعيد

(٢) يحيى العبدالله، الاغتراب : دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- عمّان.

(٣) غاستون باشلار ، ترجمة : غالب هلسا، وزارة الثقافة والاعلام العراقية - بغداد.

(×) اللبيدو : هي ما اصطلح عليها بالطاقة النفسية اجمالا، حسب عالم النفس كارل يونج.

(٤) فراس سواح، الاسطورة والمعنى، دراسات في المثيولوجيا والديانات القديمة.

٭٭ حسين جلعاد، العالي يصلب دائما، ازمنة للنشر والتوزيع - عمان،١٩٩٩.


تصميم الحاسب الشامل