|
|||||
|
مقطع من كتاب «فنُّ الدِّيمقراطية: تاريخ مختصر للثَّقافة الشَّعبيَّة في الولايات المتَّحدة» لجيم كولين والذي يستقرئ من خلاله العمل الإبداعي « ذهب مع الرِّيح» في نسختيه الرِّوائيَّة والسِّينمائيَّة من بين الظَّواهر المتجذِّرة الهامَّة التي شكَّلت محطات تاريخيَّة فارقة، وأنتجت أثراً عميقاً في ما يسمَّى بالثَّقافة الشَّعبيَّة في أمريكا. لم يوجد موضوع أكثر شيوعاً من الحرب الأهليَّة في تاريخ الصِّناعة التَّرفيهيَّة الأمريكيَّة سواءً تمثَّل ذلك في الرِّوايات، أو البرامج التِّلفزيونية، أو الأفلام، فإنَّ بعضاً من أكثر الأعمال الأثيرة والرَّاسخة في الثَّقافة الشَّعبيَّة وظَّفت موضوع تلك الحرب كنقطةِ إحالةٍ لها، أو كنقطةِ انطلاقٍ منها، أو كنقطةِ تركيزٍ عليها. إلاَّ أنَّه لا يوجد عمل فنِّي عن الحرب الأهليَّة (الأمريكيَّة) حظي بمكانة «ذهب مع الرِّيح». ذلك العمل الذي اُمتدحَ في البداية كعملٍ روائيٍّ من كتابة «مارجريت ميتشل»، المولودة في مدينة أتلانتا بولاية جُورجيا، والتي نشأتْ بين أقاربها الذين كان لهم ذكرياتهم المباشرة عن الحرب، وعن اقتحام عام ٤٦٨١ الذي أحرق مدينتهم برمَّتها. بعد زواجٍ كارثيٍّ قصيرٍ، قامت «ميتشل» بإعانة نفسها عن طريق الكتابة لجريدةٍ في ولاية جورجيا، ثم تقاعدتْ من العمل الصحفي في منتصف العشرينيَّات، وبدأتْ في كتابة روايتها، إثر توعُّكها بسبب العديد من الأمراض التي ظلَّت تعذِّبها إلى أن أوصلتها إلى حتفها في عام 1950. لقد رفضت «ميتشل» أن تُطلع مُسودة عملها لمرَّات عديدة على مُحرِّر فضوليٍّ حين زار أتلانتا في رحلة استكشافيَّة في عام 1935. لكن عندما أظهر أحد معارفها الشخصيين دهشته من مقدرتها على كتابة عملٍ روائي خيالي، قدَّمتِ المسودة بغضبٍ إلى الوكيل في الوقت الذي كان يشرع في مغادرة المدينة، ليقوم بقراءتها في القطار، ويعرض على «ميتشل» عقداً لنشر الرِّواية مُدركاً أنه اكتشف عملا كلاسيكيٍّا جديداً. تحكي رواية «ميتشل» قصَّة «سكارليت أوهيرا»، الفتاة الجنوبيَّة ذات السِّتة عشر عاماً، والتي تقع في حبِّ جارها «آشلي ويلكس»، لكنَّ الأخير هذا مرتبطٌ بإحدى قريباته البعيدات التي تُدعى «ميليني هاملتون». وبينما تخطِّط «سكارليت» للاستيلاء على قلب «آشلي»، تندلعُ الحرب الأهليَّة التي تدفع هذا الأخير إلى خوضها، وتدفعها هي للهرب منها إلى مدينة أتلانتا الهائجة لتصبح حياتُها (إمعاناً في غيظها) مُرتبطةً بـ«مليني» زوجة «آشلي» من جهة، وبرجلٍ فاتنٍ غامضٍ يُدعى «ريت بتلر» الذي يعرف - ويُكبر- في «سكارليت» كونها امرأةً مُخطِّطةً وطموحةً من جهة أخرى. وبينما تواصل «سكارليت» سعيها المتواصل للحصول على «آشلي» خلال فترات الحرب والسِّلم والزِّيجات والولادات والوفيَّات، يواصل «ريت» سعيه للتقرُّب من «سكارليت» بالمقابل. نتج عن هذه العلاقة الإشكاليَّة بين «ريت» و«سكارليت» أحد أكثر المقولات شُهرةً في الثَّقافة الشَّعبيَّة الأمريكيَّة: «إنِّي لا أكترث البتَّة، يا عزيزي/ عزيزتي»، والتي أُعيد صياغتها في نُسخة الفيلم إلى: «بصراحة إنِّي لا أكترث البتَّة يا عزيزي/عزيزتي». أصبحتِ الرِّواية التي طُبعتْ في يونيو 1936 ظاهرةً سريعةَ الانتشار، حيث بيع منها خمسون ألف نُسخة في يومٍ واحدٍ، ومليون نُسخة خلال الأشهر السِّتة اللاحقة بمعدَّل ثلاثة آلاف وسبعمائة نُسخة في اليوم لما تبقَّى من ذلك العام. وفي عام 1937 نالتِ الرِّواية جائزة «البولترز» للرِّواية الخياليَّة. وبحلول عام 1997 بيع منها ما يقارب الثَّلاثين مليون نُسخة لتعود ما بين فترة وأخرى إلى قائمة أفضل الكتب المباعة. كان ثمَّة عِراك محتدمٍ حول حُقوق الملكيَّة الفكريَّة للفيلم قبل أن يُنشر الكتاب حيث دفع «دايفيد أو. سلزنيك»- وكان رجل أعمالٍ هوليودي أسَّس استديوهه الخاص- لـ«ميتشل» مبلغاً قدره خمسون ألف دولار، وكان مبلغاً هائلاً وقتها. إلا أنَّ «ميتشل» رفضتْ أن تكتب سيناريو الفيلم أو أن يكون لها أمرٌ يتعلَّق بإنتاج الفيلم على عكس رغبة «سيلزنيك». استغرق إنتاج الفيلم أكثر من ثلاث سنوات، وهي مدَّة مَلحميَّة طويلة في حدِّ ذاتها ظهرتْ فيها بعض الصُّعوبات التَّقنية، حيث أبطأ مونتاج الكمِّ الهائل من المادة المصوَّرة من عمليَّة الإنتاج، فضلاً عن حِرفيَّة «سيلزنيك» التي أدَّته إلى الاستعانة بثلاثة مُخرجين مُختلفين (كان اثنان منهما يعملان في ذات الوقت)، وسبعةَ عشر كاتب سيناريو بما فيهم الكاتب الأمريكيِّ «إف. سكوت فيتزجيرالد». لقد ابتدأ تصوير الفيلم قبل أن تكتمل كتابة السيناريو. في ذلك الوقت الذي تضاربتِ العامَّة حول أمر اختيار الممثِّلين المرشَّحين، كان ثمَّة ما يبدو كإجماعٍ عامٍ على أنه ينبغي أن يتقمَّص الممثِّل الشَّهير «كلارك غابل» شخصيَّة «ريت». لكن ماذا عن «سكارليت»؟ لقد تقدَّم للدَّور كلٌّ من الممثِّلات «بيتي ديفز»، و«كاثرين هيبرن» و«جون فونتين» و«لوسيل بول»، لكنَّهن رُفضنَ جميعاً. لقد أعلن «سيزلنيك» أنَّه في طور البحث عن مُمثِّلة غير معروفة، الأمر الذي فاقم من الإثارة، ليختار أخيراً الممثِّلة البريطانيَّة المغمورة «فيفيان لي» التي نالتْ جائزة الأكاديميَّة عن دورها في الفيلم. عُرض الفيلم للمرَّة الأولى في مدينة أتلانتا في الخامس عشر من ديسمبر من عام ١٩٣٩. حضر جميع النُّجوم عرض الافتتاح بما فيهم الكاتبة «ميتشل» (كما حضر «مارتن لوثر كينغ» البالغ العاشرة من عمره وقتها مُنشداً من بين جوقة المُنشدين من الكنيسة). لقد حقَّق الفيلم نجاحاً أكبر حتَّى من النَّجاح الذي حقَّقته الرِّواية، كما فاز بتسع جوائز أوسكار بما فيها جائزة أفضل فيلم في عام ١٩٣٩. وبحلول السَّبعينيَّات، قُدِّر أنَّ ما نسبتهُ سبعون بالمائة من الجُمهور الأمريكيِّ قد شاهد الفيلم سواءً في دُور العَرض أو التِّلفاز. أصبحتْ نُسختا الفيلم والرواية من «ذهب مع الرِّيح» وثائق هامَّة عن تاريخ الثَّقافة الأمريكيَّة للعالم، فقد حظرتْ ألمانيا النَّازية الرِّوايةَ أثناء الحرب العالميَّة الثَّانية، بينما ثمَّنها أعضاء المقاومة الفرنسيَّة كرمزٍ لمقاومةِ المحتلِّ. كما طلبتِ الحُكومة الفيتناميَّة هذا الفيلمَ (بالإضافة إلى فيلم «كينج كونج») عقب حرب فيتنام كجزءٍ من عملية تبادل ثقافيٍّ مع الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. لعب «ذهب مع الرِّيح» دوراً هاماً في إعادة تفسير الحرب الأهليَّة في أمريكا. وإذا كان فيلم «كوخ العم توم» قد هاجم أسلوب الحياة الجنوبيَّة لتبنِّيها فكرة عبوديَّة البشر، فإن فيلم «ذهب مع الرِّيح» قد قلب المعادلة مُظهراً علاقةً عميقةً بين السَّيد والعبد مصوِّرًا «اليانكيين» كمُحتلِّين جشعين غير مُبالين، على الرَّغم من الجدل الذي استمرَّ عُقوداً بين عُلماء التَّاريخ المُختصِّين الذين يُشيرون إلى عكس ذلك، إلا أنَّ شُهرة «ذهب مع الرِّيح» وحدها فحسب ستؤدي إلى تعزيز هذه النَّظرة وتمنحها رواجاً واسعاً في المستقبل الرَّاهن. لقد رفضتْ «مارجيرت ميتشل» التَّفكير في المصير اللاحق بالشَّخصيات التي ابتكرتها، كما رفضتْ كتابةَ جزءٍ ثانٍ للرِّواية. لكن ورثتها قاموا في عام 1980 بتكليف كاتبة الرُّومانسي «إلكساندريا ريبلي» بكتابة كتاب «سكارليت: تكملة ذهب مع الرِّيح» الذي طُبع في عام ١٩٩١. لاقى الكتاب هجوماً عنيفاً إلا أنَّه صعد في قائمة «النيويورك تايمز» لأفضل الكتب المباعة، كما تمَّ إنتاجهُ كمسلسلٍ تلفزيونيٍّ، غير أنَّه حصل على مُراجعاتٍ سلبيةٍ أيضاً. لكن على الرَّغم من هذه الأعمال الجديدة اللاحقة، يأتمنُ كلٌّ من الكتاب الأوَّل ونسخة الفيلم منه مكاناً آمناً في الثَّقافة الأمريكيَّة ليس كعملين مُهِمَّين وصفا تاريخاً ما فحسب، بل كعملين صنعا تاريخاً خاصاً بهما أيضاً. |
|||||
|
|||||