|
|||||
|
عندما نقف عند أعمال محمد العريمي القصصية نتأمل قطرة مميزة في بحار الآداب ورغبات التعبير الإنسانية المتلاطمة. وعلى الرغم من حداثة تجربة الكتابة نسبيا لديه إلا أن الأسلوب الذي اتخذه هذا الرجل طريقا إلينا ومشى خطواته الأولى فيه كان بلا شك أسلوب الراسخين في الخطو على غير المتوقع من حديثي العهد بدرب الكلمة والتأليف المتراكب الأفكار الذي يقوم عليه وضع القصص والروايات. ولعل نوع الموضوع الأول الذي كتب فيه جادا وهو السيرة الشخصية يصلح أن يكون التعليل الأقرب من وجهة نظر أدبية وحياتية لهذا التميز إذ ان مجموعة من الأسباب تضافرت لإسناد العمل للوصول به إلى درجة طيبة من التأثير في القراء، ليس أهمها بلا شك خصوصية تجربة السقوط أسيرًا للإعاقة في شرخ الشباب وروعته، فإلى ذلك اجتمعت أسس وتداعيات كثيرة قبل وبعد هذه الواقعة لتصنع صورة أخرى من صور الإنسان المختلفة كاختلاف بصمات البشر. لكل منا قصة ولكن كم من تلك القصص تتصدى لها نفس جياشة وقدرة تعبيرية لنقلها إلى الآخر في رواية أو لوحة أو رقصة؟ وكم من القدرات التعبيرية تصل إلى درجة الإبداع والتميز والتأثير؟ لقد كان لقدرة محمد عيد التعبيرية الأثر الأكبر في إبراز قطع من حياته في كتابه الأول «مذاق الصبر» لتكون معبرا مفتوحا ينقلنا من خلاله إلى أجواء اختارها من تجربته فنعيشها معه ونشاركه معاناته ونجاحاته الصغرى في تفاصيل الحياة اليومية ونجاحه الأكبر في النظر إلى أعماق الماضي وإعادة رسمه على الورق بفنية وجمالية لا تكون إلا لمن استطاع أن يخرج من نفسه لينظر إليها من الخارج ويصفها بكلمة حرة. إن بعد الزمن الممتد بين الحادث الذي تعرض له العريمي وساعات الكتابة بعد عشرين عاما سمح بتقويم ونظرة أدق واشمل لكل ما اهتزت له حياة إنسان من أعماقها وللكيفية التي استقرت عليها أخيرا. فضلا عن أن الذي يعلق في الذاكرة حقا هو المؤثر سلبا أو إيجابا من كل تجربة. و«التصالح مع الإعاقة» كما اعتاد كاتبنا على القول تعبيرا عن وضعه الحالي هو الذي أتاح بجدارة كلمة ذات معنى نهائي فأوصلت القصة أو تلك التجربة من حياته إلينا متكاملة إلى حد مشبع. وبكلمة أخرى كونت قصة ناجحة. إن من أسباب نجاحات التعبير عن المواقف أن نحياها! فمن أقدر من صاحب التجربة على نقلها؟ وقد توافرت للعريمي الرؤية بعد نضوج التجربة بمرور الزمن عليها وصقلها في ذهنه ذي الرهافة الملفتة، فضلا عن اللغة الجميلة التي استطاع بها أن ينقل بتمكن مراحل من حياته ليضعها تحت أنظارنا ورهن عقولنا بأسلوبه الرشيق متغلغلا بهدوء كاتبا وأديبا. كان محمد عيد عندما كتب أولى قصصه «هلوسة في يوم غائم» التي اختصرها فيما بعد ودعاها بـ«قوس قزح» في منتصف الثلاثينيات من عمره، وكانت قد مضت أكثر من عشر سنوات على الحادث الذي أدى إلى شله شللا رباعيا جعله يتخلى عن الوظيفة والزوجة وكثير من أحلام من هم في مثل عمره ولكن ذلك لم يقعده عن الحياة أو الرغبة في الاستمرار فيها وعيشها بمرها وحلوها. وخطوة الكتابة التي جاءت متأخرة كانت نوعا من اكتشاف الذات الذي يمر به الإنسان في حياته مرة بعد مرة ولا سيما بعد فوز تلك الهلوسة بالمرتبة الأولى يوم عرضت بين قرينات لها في إحدى المسابقات. للدفعة الأولى والتشجيع أثر على المبدع يحثه على المضي ليجرب نفسه ويتعرف أو يفهم أكثر جوانب يستجاد فيها عطاؤه ليطورها وينميها ويجد ذاته فيها. إن إشارتنا إلى أن الكاتب قد بدأ طريقه في الكتابة بعد تعرضه للحادث بسنين تستوجب التنويه إلى شيئين؛ أولهما إن أثر معاناته من الإعاقة لابد أن يظهر في كتاباته كما يظهر في أساليب أي إنسان آخر للتعبير عن نفسه وهو يمر بموقف ضاغط إلا أن هنالك اختلافا جوهريا في موضوع دراستنا هذه هو ان الأثر ناضج لأن ردة الفعل بعيدة العهد في نفس الكاتب وليست وليدة اللحظة. الشيء الثاني والأهم، إننا لسنا أمام أحد تطبيقات نظرية «آدلر» الشهيرة القائلة بأن الشعور بالنقص يولد التفوق. فدخول محمد العريمي مجال الكتابة وتفوقه فيه ليس مقابلا ولا ردما لشعور بالنقص تجره الإعاقة وراءها. بمعنى آخر إن خيار الكتابة لو كان مطروحا في حياته قبل زمن الإعاقة ما كان سينتج إخفاقا آخذين بنظر الإعتبار أهمية ثراء التجربة التي يخلفها امتداد العمر بالكاتب. ونظرة إلى تاريخ العريمي المصور المطروح شيء منه في صفحاته على الانترنت ـ البوم الصور ـ ستقود الإنتباه إلى رغبة ونجاح جميلين في أنواع التعبير الأخرى عن النفس الرسم والموسيقى والرقص والتمثيل. وفي سيرته نجد انه كان يشدو بالطارق والتغرود في طفولته ولا أشك في أنه كان يردد ويصفق مع البحارة في شلات الباورة وغيرها من أهازيج وأغاني البحر على ظهر سفينة أبيه. إن نجاحه في فنون التعبير هذه إشارات بليغة إلى إمكانية نجاحه في فن آخر منها هو الكتابة الإبداعية ومنها كتابة القصة. العريمي راقصا وممثلا وعازفا لا نستطيع أن نفهم النصوص بمعزل عن أصحابها وإذا حاولنا تجاهل المؤلف سيفوتنا كثير من الإدراك الدقيق لها. لهذا نجد أن من المهم عرض نصوص العريمي على نفسيته وحيثيات حياته المؤثرة فيها فنفهم نصوصه من خلال فهمه والعكس أي أن نفهم العريمي من خلال نصوصه أيضا. نشر محمد عيد مجموعة من قصصه القصيرة في موقعه على الإنترنت ومعظمها قصص نشرت في الجرائد لتكون مجموعة قصصية تنشر فيما بعد مجتمعة. ومن بينها القصة التي ابتدأ بها مشواره في الكتابة القصصية وباسمها سميت المجموعة القصصية، قصة «قوس قزح» التي أشرت آنفا الى أن اسمها كان «هلوسة في يوم غائم». وقد سئل العريمي في أحد الحوارات الصحفية عنها وأجاب بأنها كانت مجرد هلوسة ويؤكد هذه الكلمة في مواقف كثيرة يلتقي بها الجمهور. سأله عبد الرزاق الربيعي في حوار لصحيفة الشبيبة: ماذا تعني لك قصة «هلوسة»؟ ـ أعتقد انك تقصد قصة «هلوسة في يوم غائم». - نعم. ـ لا أفشي سرا، ولا أخجل من الاعتراف بأني دخلت عالم الأدب متأخرا جدا.. ودخلته بالصدفة ومن باب الـ«الهلوسة». إذ لم أكتب شيئا قبل«مذاق الصبر».. أو قل أعمالا لا تذكر.. ومن بينها «هلوسة في يوم غائم». هذه القصة لم تكن سوى هلوسة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى! فقد اجتاحت المشهد الثقافي حينئذ موجة من النصوص التي يقف الإنسان عاجزا عن فك طلاسمها، وكان يحز في نفسي ـ وأنا الذي كنت اعتبر نفسي مثقفا ـ أن أقف عاجزا عن فهم ما كنت أقرأ. لذلك كتبت «الهلوسة» في محاولة لركوب الموجة السائدة، وإذا بالهلوسة تفوز بالمركز الأول في مسابقة سنوية للقصة القصيرة! قبل أن نخوض في هلوسة أو «قوس قزح» كما صار اسمها بعد اختصارها دعونا نقرأها وهي نص قصير ونتابع العريمي في قصته بعد إطلالة على النص لا بد منها. قـوس قـزح جلـس على حافة السرير. فرك عينيه بكفيه.. غرس أصابعه العشرة في رأسه وفرك.. مشط شعره بأصابع يديه، وحك رأسه بظفـر السبابة وسحبه.. نظر.. توقف ثم وقف! في الممر المؤدي إلى صالة الجلوس شاهد الصبي داخل الحمام ونصف وجهه مغطى بالمعجون، والفرشاة داخل فمه. وعلى يسار الممر كانت ابنته منهمكة، داخل غرفتها، في إدخال قدمها اليُسْرَى في «فردة» الحذاء الأيمن وحقيبة المدرسة إلى جانبها.. تغص بما تحمل. ابتسم. وفي المطبخ، كانت زوجته واقفة.. لامست شفتاه شفتيها: كانتا باردتين، ولم يشعر بنسيم نفسها الدافئ يعطر شفتيه. هز كتفيها، فلم تستجب.. صرخ! تذكر واجهة محل أزياء وقف أمامها ذات يوم يدقق النظر في دمية بحجم رجل. كانت معروضة وسط دمى فتيات رشيقات.. جميلات، وشبه عاريات. دقق النظر في الدمية.. لمح شعرة في رمش العين تتحرك. فرك عينيه وأعاد النظر، فشاهد ابتسامة على شفتي الرجل.. ابتسم ثم انصرف. قبلها مرة ثانية. لم تستجب. رجع إلى الممر. كانت الفرشاة لا تزال داخل فم الصبي ورغوة المعجون تغطي نصف وجهه، وكان نصف قدم البنت اليسرى فقط داخل فردة الحذاء اليمنى. والى الخارج ركض يستغيث! صرخ عندما شاهد رجلا اعتاد التَرَيُّض في الشارع في مثل هذا الوقت من اليوم ورجله اليسرى معلقة في الهواء ولا يتحرك. وصرخ أكثر حين شاهد كلبا رفع رجله اليسرى يقضي حاجته.. حاجة امتدت كالحبل بينه ومنتصف المسافة إلى صخرة قرر الكلب استهدافها عندما ألحت عليه الحاجة! والى جواره جلست أنثاه وعلى فمها ابتسامة صغيرة! وعندما بلغ الشارع المزدحم عادة بالناس والآلات غص حلقه بصرخته.. خذله لسانه، وارتعشت شفتاه. ففي تلك اللحظة المغموسة بالرعب والخوف، بدت ملامح الوجوه رغم طبيعية حركات الأجساد أقرب إلى التماثيل منها إلى البشر. فحتى الموت، حين يغافل الإنسان على حين غرة، ينتزع الروح لكنه يترك على وجه ضحيته ملامح أقرب إلى الفرح منها إلى الجزع. أما تلك الوجوه فكانت جامدة ولا تقول شيئاً.. وكانت صامتة! كان الشارع يغص بالسيارات والمارة، لكن لا دواليبها تدور ولا أرجلهم تتحرك. المصابيح مضاءة، والمحركات تهدر، ولا أحد يتحرك غيره والريح! لا الأمواج تتحرك ولا الشجر، ونافورة تعطلت وعلق الرذاذ في الهواء بين الأرض والسماء، وحتى الشمس «توقفت عن الدوران». وفي زاوية الشارع وقفت. ظن حالها كحالهم أو ميتة، لكنها كانت تنظر إليه وتبتسم. التفت إلى الخلف فلربما كانت تبتسم لأحد غيره قبل أن تتجمد أو تموت، فلم يشاهد أحدا. رفعت يدها اليمنى وأشارت إليه أن يقترب: هو اقترب، وهي ابتعدت. اقترب أكثر.. ابتعدت أكثر إلى أن اختفت! وفي الزاوية الثانية ظهرت.. كانت واقفة وكانت تبتسم. رفعت يدها مرة ثانية وأشارت إليه أن يقترب. فرك عينه اليسرى بظاهر يده اليسرى: اقترب. ابتعدت. توقف.. أدار ظهره ورجع من حيث أتى. وعلى صوت زوجته وهي تحث الصبي والبنت على ارتداء ملابسهما والإسراع لتناول الإفطار قبل أن يطلق سائق حافلة المدرسة بوق المركبة استيقظ من النوم قبل أن يصل في حلمه إلى البيت. جلس على حافة السرير.. فرك عينيه براحتي يديه ومشط شعره بأصابعه. وفي الممر شاهد الصبي يقف أمام المرآة يمشط شعره بعناية، وكانت البنت توزع الكتب والأدوات المدرسية في جيوب حقيبتها. وفي الصالة قبّل زوجته: كانت شفتاها رطبتين ورائحة أنفاسها زكية. وإذ تركت شفتاه شفتيها، فتحت جفنيها.. رفعت رمشيها وفي عينيها شاهد قوس قزح! في تقويم أولي للنص فإنه استكمل مقومات القصة الجيدة ابتداء من الحدث الذي نشأ عن موقف ملاحظته الشخصية الرئيسة للقصة او البطل لجمود الناس والأشياء من حوله ولا سيما عندما قبّل زوجته فلم تستجب! إذ أنه استيقظ بوضع معتاد ومر بابنه وابنته وابتسم. وإن كان النص يشير الى جمودهما ايضا لكنه لم يلحظ ذلك وصرخ بدايةً لِما أحس من جمود زوجته! :«وفي المطبخ، كانت زوجته واقفة.. لامست شفتاه شفتيها: كانتا باردتين، ولم يشعر بنسيم نفسها الدافئ يعطر شفتيه. هز كتفيها، فلم تستجب.. صرخ!». وباستمرار تطور هذا الحدث نما الموقف إذ عاد البطل ليتأكد من وضع جمود الطفلين أيضا وخرج ليجد الشارع ورواده يعانون من الحالة نفسها. الى أن وصل بنا الى النقطة التي اكتسب بها الموقف معناه عندما استيقظ من حلمه هذا وهي النقطة التي تمثل نهاية الحدث او نقطة التنوير كما تسمى أحيانا. فصورت القصة حدثا متكاملا وتحققت وحدة الحدث بمواكبة الشخصيات له وهي تشارك في مراحل القصة جميعها لنتوصل بمراقبتها الى المعنى الذي وحدها في اتجاه واحد، وميزها بالفنية إذ أدت كل مرحلة منها إلى ما يليها حتما وتحقق لها الشكل. وأبرز الكاتب بنقطة التنوير معنى الموقف الذي يصوره وهي إن ما كان يراه هو حلم. ساعدت الأوصاف التي صيغت بها القصة للأشخاص والأشياء على تطور الحدث. وشكلت لها بناء ونسيجا متكاملين صورا لنا حالة ذهنية معينة أثارت عواطف المتلقي في نطاق ذاتية القصة ووحدتها التخيلية. فهي قصة ناجحة بالمقاييس الموضوعة لنجاح القصص القصيرة. لم تعالج هذه القصة موضوعا محددا ولهذا كانت حتى في نظر صاحبها هلوسة وركوبا للموجة التي سادت تأليف القصص كما ذكر في حينها أي موجة القصص التجريبية أو ربما الرمزية. عود على بدء، الى قضية ربط إدراكنا للمعنى العميق المراد من النص بكاتبه كما قدمنا نراجع فكرة كتابة النص بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الإصابة التي تعرض لها العريمي ونعرض النص على احتمالية إسقاط محتويات ما يدعى باللاشعور او اللا وعي على مجريات النص الذي بين أيدينا وهو احتمال وارد بل كبير في إنجازات المؤلفين الإبداعية. وتظهر بلاغة آثاره في النصوص التي لا تنتمي انتماء مباشرا الى المدرسة الواقعية ولا تكون معانيها تامة الوضوح للمتلقي «والغريب انها ليست واضحة للكاتب أيضا هنا كنص «قوس قزح». يوفِّق علم النفس التأليفي وهو علم النفس التكاملي ـ بين الوعي واللاوعي؛ والإنسان، في رأي روَّاد علم نفس الأعماق، كائن واعٍ، لا يتصف باللاوعي، وذلك لأنه لا يمكن أن يعي لو أنه لا يعي أصلاً. واللاوعي، في منظوره، لا يناقض الوعي، وليس هو ما ترسَّب من الوعي في منطقة مظلمة؛ فاللاوعي هو انعدام الوعي، هو عدم تحقيق الوعي. وبالتالي، ليس ثمة ما ندعوه اللاوعي. لقد أكَّد علماء نفس الأعماق على هذه الحقيقة لكي يواجهوا مفهوم اللاوعي كما هو مطروح في قواعد علم نفس السلوك والتحليل النفسي الفرويدي. يشدِّد علم نفس الأعماق على أن اللاوعي وعي: إنه وعي كامن يتطلب التحقيق؛ فالوعي لا يتناقض مع اللاوعي. ويطلق مصطلح «اللاوعي» على الوعي وهو في حالة كمونه، أي قبل أن ينبثق إلى وعي مدرِك تحرِّضه الموضوعات الخارجية. لا بد من التنويه الى ان تناول الإنتاج الأدبي بالتحليل من وجهة نظر نفسية لا يُجزم بنتائجه وهو محض محاولة احتمالية لاستبصار النفس البشرية من خلال انعكاساتها على مرايا الكلمات والأفكار التي تحاول نقلها الى المتلقي. فاللغة كما هو معلوم أداة التواصل الإنسانية الأولى وهي في النهاية سلوك ينتبه اليه المهتمون بعلم النفس كاهتمامهم بباقي أنواع السلوك البشري. ومن مستوى الاحتمال الذي ذكرناه فقد لاحظنا أن في «قوس قزح» ـ التي يُرجع تأليفها العريمي الى حلم طاف به ـ شيئا من ملامح حياته الأصلية بعد الحادث الذي أدى الى شلله. وقد أسقط هذا الشلل على الحياة التي يحياها بكليتها. ففي القصة نجد أنه استيقظ يوما ليجد حياته وقد شلت كما وصف لنا. الصرخة انطلقت عندما شل تفاعل زوجته مع رغبته فيها. الزوجة هي التي شلت مشاعرها وأنفاسها الدافئة وانقطعت عن ردة الفعل المعتادة، بردت. وشلت أحلامه بامرأة تعتني به وبالعائلة. إن رمز العائلة وقوف الزوجة في المطبخ في هذه القصة وقد شل على الرغم من أنه حاول أن يهزها لتعود سيرتها الاولى. وشُل حلمه بصبي وفتاة يثيران الابتسامة في حياته، يتابع حياتهما عن كثب وتطورهما في الذهاب الى المدرسة والاعتناء بأنفسهما الاغتسال والتمشيط والخطأ والصواب «ارتداء فردة الحذاء في القدم الصحيحة» الذي يتعلمانه مع مر الأيام. لقد حاول العريمي ربط منظر حياته التي شلت فجأة بمنظر الدمى التي تعرض عليها الملابس في واجهات المحال التجارية. ابتعد الناس عنه وهو يحدث بجمود مشاعرهم وتفاعلهم المعتاد. أصبح تعامل البشر المقربين ولا سيما النساء ميتا كموت هذه الدمى الرشيقة التي تحيط بالدمية الرجل وإن كانت تشبه البشر الى حد بعيد. إن الدمية الرجل هي إنسان حي في واقع الأمر لكنه مشلول لم يبق من قدرات الحركة فيه غير حركة رمش العين وقدرة الفم على إيصال إحساسه بالابتسام. إنه حي لمن يدقق النظر فيه ولكنه مقيد الحركة بجسمه ومحاط بنساء جميلات شبه عاريات ميتات المشاعر كالدمى. إن البطل وهو القاص نفسه ابتسم لنفسه الممثلة بالرجل الدمية لأنه يعلم بأنه حي. مشكلة العريمي انه احتفظ بكل حيوية عقله ورغباته إنسانا. قال في سيرته مذاق الصبر : «وجدت نفسي في عالم تحكمه قوانين الإعاقة وأنا ما أزال أفكر بعقلية الشخص السليم الجسد». لم تمت مشاعره في اللحظة التي شل بها وانقطع إحساسه بأطرافه أو ماتت بالنسبة إليه. هذا هو منظر بطل قوس قزح هو الإنسان نفسه برغباته وأحلامه وتوقعاته من الحياة والناس من حوله. عقله كما هو ولكن ما حوله لم يعد يستجيب له فجأة. وقد عبر عن ذلك أكثر بنقل مناظر أخرى من الحياة التي اعتادها وقد شلت، لم يعد التريض ممكنا بالركض الصباحي مثلا، شلت رجلاه. لقد صور البشر كالتماثيل من حوله ووجوههم لاتقول شيئا، أي ان تفاعل البشر بشكل عام قد انقطع معه بسبب الشلل وكان تقويمه لذلك انه أسوأ من الموت لأنه يترك انطباعا على الوجه ذكر انه أقرب للفرح منه الى الجزع. ونحن بحاجة إلى شرح هذا الفهم لقوله: «فحتى الموت، حين يغافل الإنسان على حين غرة، ينتزع الروح لكنه يترك على وجه ضحيته ملامح أقرب إلى الفرح منها إلى الجزع» فهذه إشارة الكاتب الى أن الموت قد يسعد ضحيته ولا يعود الموت مخيفا ولا مثيرا للجزع لأنه يخلصه من الموقف الكبير الذي يجابهه بسبب الشلل. فالموت إذن أهون من الشلل وأهون من جمود الناس من حوله. وهو يشير إلى أن موقف الناس هذا هو المرعب وأن لسانه يخذله حتى عن ردة فعل لهذا الجمود منهم. لقد توقف الزمن بالنسبة له ولم يعد لمرور الوقت عليه معنى وهو المشار إليه في القصة بتوقف الشمس عن الدوران. فالشمس تبدو للإنسان وكأنها تدور حول الأرض وهي العامل المؤثر الحقيقي في مرور الزمن بتنقلاتها في السماء من الشروق الى الغروب في أذهاننا. من أهم الرموز في هذه القصة رمز الكلب وهو يتبول وقد شل عن الحركة وعن إتمام ما يفعل ومرافقة هذا المنظر بمنظر الانثى «مرة اخرى» أنثاه، وهي مبتسمة لما هو فيه، بكلمة أخرى غير متفاعلة بالشكل الصحيح مع الحدث وموقف الذكر الذي لا يحسد عليه، وبكلمة أعمق قلق حول الموقف الجنسي. وحيث أن موقف العريمي القلق حول حياته الجنسية الذي اشار اليه في مذاق الصبر في أكثر من موضع ليس له منشأ طفولي بل لاحق بعد أن تعرض للإصابة، فالموضوع لديه مسقط على الشريك كيف سيتقبله بالوضع الجديد. ولا يبدو أن التركيز أكبر على نفسه أو على الفقدان اللاشعوري، بل تحول الى صراع ناشئ من احتفاظه بطبيعة توجهه للأنثى كمعتاده رجلا ، فهذا هو التعلق المألوف بها من ناحية ومن ناحية أخرى يقابله الخوف من ردود أفعال هذه الأنثى غير المتفهمة لاختلاف وضعه بسبب الإعاقة. وهو إسقاط لردة فعله اللاشعورية في نفسه تجاه شلله وتداعياته على جسده. بيد أن تقبل زوجته لوضعه وتكيفها معه لسنين ساهم إلى حد كبير في حل هذا التوجس من قضية تقبله كما آل اليه حاله. ومع ذلك فما زالت الانثى تشكل تساؤلا كبيرا وردود أفعال الإناث مؤلمة بجمود مشاعرهن وفقدان القبول والإقبال المتوقع الذي تجسم في الحلم بجمود الزوجة ووجوده إنسانا لديه مشاعر ولكنه عُقل عن الحركة كالدمية بين نساء جميلات جامدات هن الدمى من حوله. او ساخرات من موقفه كالكلبة التي ابتسمت وهي إشارة الى رفض مبطن وعدم تفهم متوقع من الأنثى. هناك إشارة أخرى في هذا الحلم الى موقف مختلف من الأنثى وهو موقف أنثى متفاعلة ومشجعة تدعوه إليها ، ولكنه لايصدق دعوتها، في البدء يراها إحدى الإناث الجامدات أو في الأقل يرى نفسه مخطئا ودعوتها له فيها سوء فهم منه إذ قد يكون فهمه مخطوءا لإشارتها وهي لغيره أي مرتبطة بآخر. فتؤكد عليه أن يقترب منها. وعندما يبدأ بالتفاعل والاقتراب منها تهرب وتختفي مما يؤكد انعدام وثوقه بجدية موقف الأنثى الوحيدة التي تبدو حية في جو الجمود الذي يحاصر فيه. حتى هذه الأنثى الحية تبدو عابثة وغير مهتمة حقا. وقد أشار الى توقعه بأنها هي الأخرى في طريقها الى الإنجماد تجاهه كالأخريات ، وهو ما نجده في الصورة الآتية من قوس قزح : «وفي زاوية الشارع وقفت. ظن حالها كحالهم أو ميتة، لكنها أخذت تنظر إليه وتبتسم. التفت إلى الخلف فلربما كانت تبتسم لأحد غيره قبل أن تتجمد أو تموت، فلم يشاهد أحدا. رفعت يدها اليمنى وأشارت إليه أن يقترب: هو اقترب، وهي ابتعدت. اقترب أكثر.. ابتعدت أكثر إلى أن اختفت!». نلاحظ إشارة الكاتب الى أن الانجماد معادل للموت في قوله : «ظن حالها كحالهم أو ميتة»، وقوله: «قبل أن تتجمد أو تموت». بكلمة اخرى، الشلل في نظره معادل للموت. والملاحظة الثانية إن هذه المرأة الوحيدة المتحركة في جو الجمود هي الوحيدة أيضا التي استعملت يمناها في حين تشير كل القصة إلى استعمال اليسار في المنظر المشلول كله «وعلى يسار الممر كانت ابنته منهمكة، داخل غرفتها، في إدخال قدمها اليُسْرَى» ويرفع الراكض المشلول رجله اليسرى وكذلك الكلب. إن البطل يمر بمناظر ومواقف من حياته في هذا الممر الذي يمثل ممر حياته. وإن قضية اليسار التي تكررت مرات في هذه القصة متعلقة في الأرجح بأن الكاتب أعسر فأشارت هذه الصفة إلى موضوعات في القصة الحلم تمثل وضعه فبدت كل رموز حياته المنجمدة عسراء أيضا. فعلى يسار ممر حياته شل حلمه بالطفلين، وشل الرجل الراكض وبقيت رجله اليسرى معلقة في الهواء وهو يمثل الكاتب نفسه، وشل رمزه الجنسي الكلب الذي رفع رجله اليسرى ليتبول، والبطل فرك عينه اليسرى بباطن كفه الأيسر فكل ما يمثله في القصة كما قلنا أعسر ولكن هناك قضية خطأ الطفلة في ارتداء الحذاء، وكان نصف قدم البنت اليسرى فقط داخل فردة الحذاء اليمنى، هنا ينسب الخطأ إلى نفسه باستعمال رمز قدم الطفلة اليسرى في المكان الخطأ كما نرى. ولكن المرأة التي كانت حية واستجابت له وأشارت إليه بالاقتراب استعملت يمناها في إشارة إلى أنها لم تتأثر بإصابته لتتحول إلى الانجماد كغيرها أي أنها لا تمثله بل خارج موضوعه المصاب بالشلل فاستعملت يمناها. رد فعله الأولي كان يشير إلى استعماله اليسرى أي أنه أظهر حالته حالة الشلل لديه فابتعدت في قوله «وأشارت إليه أن يقترب. فرك عينه اليسرى بظاهر يده اليسرى: اقترب. ابتعدت». إذا تبنينا موقف علم نفس الأعماق الذي ذكرناه آنفا وهو أن «اللاوعي» هو الوعي وهو في حالة كمونه، أي قبل أن ينبثق إلى وعي مدرك تحرِّضه الموضوعات الخارجية، فإننا من خلوص الكاتب في نهاية النص إلى الرجوع إلى البيت حيث يصحو من حالة الجمود، نستطيع أن نتبين أن اللاوعي الكامن لديه يقوده إلى استنتاج ما ينبثق في وعيه بأن الحياة يمكن أن تعود أدراجها ذات حركة ومعانٍ بعودة إلى بيت زوجية وزوجة تستجيب له وتستفيق قبله صباحا لتقف في المطبخ وتدير شؤون حياتهما المعتادة . وهي بهذه الاستجابة التي تمثلها عنده القبلة كما وصفها وبآثارها في عيني المرأة ستحيي تنوعات حياته إنسانا كأطياف قوس قزح التي رآها في عينيها بعد استجابتها الدافئة. يحتمل أن يكون ما ذكرناه في تحليل هذه القصة مجانبا للحقيقة ولكنه بعدٌ آخر قد يصيب في محاولة تتبع معانيها العميقة. القي هذا البحث في ندوة الأدب العماني الحديث التي أقيمت في معهد اللغة الانكليزية واللغات الأجنبية في حيدر آباد - الهند ديسمبر 2006. |
|||||
|
|||||