ناديا تويني :عشبة من شغفتهاني

 

فجر الشمري


وحده الغياب يتذكر ميلادها الذي باغت حزيران واختبأ ثامن أيامه من العام 1935م في ردهات القدر ، وتسلق هذا اليوم قراميد بعقلين وعلقت الصدفة وحدها مداراته في قضاء الشوف ، وحين أطلت ناديا محمد علي حمادة كعابرة في طريق طويل على الحياة وحيدة سقطت كالوجع الذي ينبض بالرحم الفرنسي الذي حواها ، هكذا دون أن يرافقها رأس آخر ، جاءت ناديا فزرعت في تخوم الانتظار الطويل المعلق في وجوه العائلة وفي اللحظة أطواقا من ياسمين الفرح .

تنحدر ناديا من عائلة يتوزع ضوء قنديلها المشع على أعمدة السلالة والتاريخ ، فوالدها هو الدبلوماسي والكاتب اللبناني محمد علي حمادة أما والدتها فهي مارغريت ملكان فرنسية الأصل لذلك جاءت لغة ناديا الشعرية فرنسية قالبا لكنها عربية قلبا ، لها شقيقان هما مروان وعلي وقد ساهموا في صناعة تاريخ لبنان بتقليد مروان مناصب وزارية بعد ممارسته لمهنة الصحافة لفترة ما ، وتسللت ناديا في طفولتها بخفة تنقر بأطراف أصابعها أعتاب الحكاية فقد كانت رائحة الحنان المدهوس بين أثداء الست هند (جدتها) كلما دنت منها ناديا اكثر يعبق بالحب ، نعم هكذا دخلت الحكاية من باب واسع فكانت «الست هند» بالنسبة إليها تلوذ في دهاليز الجذور وتتنزه في التاريخ ، كما كانت مدبوغة بالضيعة والأرض وكأنها الرمز ، أنها تتمثل في كل ذلك في نظر ناديا التي لم تعرف طفولة إلا في تلك الحكاية التي ضمتها وستها هند وحوشتها في عزلة الزمن ، كما عاشت جزء من طفولتها ومراهقتها مع شقيقها«مروان» الذي يصغرها بخمس سنوات واعتبرها دوما «أما رديفة» له لأنها رتبت له المستقبل من خلال تلك الوصاية اللذيذة التي كانت تشعرها بأنها المسؤولة عنه كونه الوحيد في المنزل ، لذلك علمته القراءة والكتابة قبل أن يدلف إلي المدرسة ، ثم أتى حسها الأدبي الذي تسلق ردهات طفولتها باكرا حينما استعملت أخاها مروان ورفاقه لتحركهم ضمن مسرحها الذي تصنعه من خيالها الأوسع .

« عشنا طفولتنا معا يقول مروان وتتميز تلك الفترة بالرومانسية الخفيفة والخفية وتتمتع فيها ناديا بشكل ملفت وتتأثر بكل ما هو جميل من الطبيعة خاصة بمغيب الشمس والألوان وتغريد العصافير ، وفي فترات إذا سئلت لا تجيب وكأنها ضائعة ، كانت ناديا تميل دائما إلي القراءة في هذا الكتاب العظيم الذي هو الطبيعة »(١) . وفي المراهقة حيث الاخ (مروان) الذي يعبث بالطيش بحماسة المراهق كانت تسدل غطاء من الحنان على ذلك الطيش لاخفائه وتنجح في كثير من الاحيان بذلك .

واندلقت ناديا في حياض الغربة منذ أن فتحت عينها على الدنيا العالقة في طفولتها ، وحتى قبل أن يصبح والدها دبلوماسيا فقد عمل مدرسا لمادة الحقوق في بغداد فتشكلت تلك العاصمة ملامح أولى للغربة ، فتركت ناديا عند حدود الذاكرة تلك الدمية التي اشتراها لها والداها في  ذات الوقت الذي رحلوا فيه وطريقا مغموسا في الصحراء على طريق الشام سلكوه للوصول إلى بغداد ، وعدا ذلك فان النسيان قد تخثر في كل المواقف .

ثم تعود إلى لبنان وهي تمشي على ظلال سنوات عمرها الخمس لتلتحق بمدرسة البيزنسون وهي مدرسة راهبات في بيروت  أمضت فيها ناديا أربع سنوات ، لكن المدن منذ البدء تظل تتهدل في غربة ناديا التي خبأت الوطن في كمثرى القلب وحفظته من إثم النسيان فقد جمعت العائلة أدوات الرحيل مرات عديدة في حقيبة سفر لتحط هذه المرة في باريس بعد أن عين محمد حمادة قنصلا في مرسيليا ، ولكن عصفور الوطن بدأ ينقر طعوم المسافات ويغفو على كتف طفولي غض هو كتف ناديا التي تتعثر كثيرا في غربتها بالوطن ، ومن باريس إلى لبنان لتجلس على مقاعد الليسيه وكان عمرها وقتذاك اثني عشر عاما ، ذلك الموسم كان من اخصب مواسمها التي عاشتها فقد كان يفرخ لها حقولا من الفرح مفتوحة على الحب والحبور فقد أحبت كل شيء من حولها المدرسة والأصحاب.

ولأن الوالد كان شريكا في صناعة الوطن وتاريخه كما فعل أبناؤه من بعده والذين فتحوا أخطاء الوطن على صواب واحد هو الوطن وما زالوا ، كان العمل الدبلوماسي يأخذه بين حين وآخر وهذه المرة سفيرا للبنان في اليونان ، تلك المدينة التي تحدق بها الأسطورة من كل الجهات وتكتظ بها الصباحات المذعورة من حضارتها التي تتفاقم في العتق وتتكئ على مشارفها مجرات من بهاء وعشق ، تقول ناديا عن اليونان: «إذا خيرت أقول أن اليونان وطني الثاني لأني كبرت باليونان وأهم حياتي عشتها باليونان وشخصيتي تكونت باليونان ، أخذت البكالوريا باليونان وتزوجت باليونان» ، لذلك نجد أن اليونان بدت اكثر كثافة على شخصية ناديا حيث ظلت يونان الشعر تهطل على روحها وعلى الولع المرتعش تحت ارتباك الدهشة في أصابعها ، لكنها لم تنس يوما وصية جدتها ( الست هند ) التي علقتها عند عتبة منزلها في جيب ذاكرة ناديا ومروان آنذاك وحملتها ناديا كتعويذة من الغربة، تلك الوصية كانت ( ان من يشلح ثيابه يبرد ، حذار من الغربة ، حذار من الغرب)(٢) ، و أنهت التويني دراستها بالأكاديمية الفرنسية في أثينا ولان عمل الوالد الدبلوماسي كان مستمرا في أثينا كانت تذهب قبل ثلاثة اشهر للامتحان في جامعة القديس يوسف في بيروت في مجال دراستها (الحقوق) من كل سنة ثم تعود إلى أثينا (لم تكمل شهادة الحقوق بسبب زواجها) .

لحظة في أفواف النسرين :

وذات صيف كانت أثينا تغفو على أيلول (سبتمبر) والعام 1954م يتكئ على أيامها الوادعة حين زار نائب بيروت ونائب رئيس مجلس النواب وقتذاك الأستاذ غسان تويني السفير محمد علي حمادة في السفارة اللبنانية ، ولم يكن غسان نائبا فقط بل صحافيا من طراز فريد يساهم من موقعه السياسي والصحفي في بناء وطن حر ، فحين تراه تشعر أن في داخله معبد ينوء بالقوة والعاطفة العقلانية والطموح الوارف . ووحدها الصدفة صرت لهم ( غسان و ناديا ) اللحظة في افواف النسرين حين تعرف غسان إلى عائلة حمادة ، كان في كل مرة يرى ناديا فيها تعيد تشكيل الذهول على وجهه اما هي فكانت تشتعل في أطراف أصابها الشتاء حين علق حلمه في منامها ومضى إلى حبها فلم يعد قادرا إلا على حبها ، وعندما تعرف غسان على ناديا كانت خالية من شوائب الأيام في حين كان هو عالقا في شوائبها وستعترف الأيام طويلا بأنها دعكته بعذابات باذخة ، واخذ قوس الحب الملون بالقزح يتكدس كل يوم عند الشرفة اليونانية الفسيحة وفي النسرين وافوافه ،وقبل ان يجمعهم الحب في الايلول ذاته الحب الذي بدا اكثر كثافة من الحياة كتب الوالد محمد علي حمادة رسالة الى الست هند يبرر لها ارتباط ناديا بغسان غير التقليدي والذي خرقا فيه كل الاعراف والتقاليد السائدة بزواجهما الذي تم وهو زواج مسيحي (ناديا تنتمي الى الطائفة الدرزية) كتب لها: «نحن في بلد وان تعددت مذاهبه فان جميع ابنائه من معدن واحد وهم اخوة ، انني متعلق بعصبتي الاجتماعية ولكن بقدر ما تنطبق مع اقتناعاتي ومبادئي الوطنية ، لقد شاء الاجانب ان يفرقوا العرب شيعا ومذاهب تقوض اسس الاديان السماوية وقد سرنا نحن في اعقاب خصومنا ، تائهين فهب اخواننا وابناؤنا بعضهم على بعض متذرعين بتقاليد منطوية ، وما كل التقاليد صالحة اذ منها الطالحة المضرة . وبعد ، فان العقل الدرزي الذي انبثق عن التفكير الفلسفي لا يمكن ان يتجمد، وهذه ظاهرة محمودة ، يجب ان تكون قدوة للمذاهب الاخرى وخصوصا المذاهب الاسلامية التي نحن شطر لا ينشطر منها».(٣) وتفهمت ناديا بعد زواجها برود وفتور مكتنزة الحكايات ، تلك المخبوءة في الزمن ( ستها هند ) لكنها لم تصبر على الوضع طويلا ، فبعد اشهر قليلة من زواجها جمعت العائلتين معا واتت عائلتها لتهنئها وتبارك زواجها ، واعتبر غسان تويني واحدا من العائلة ،  فبدت أقدار ناديا وغسان أشبه بدخان تعلق بعشبة الولع فتوحدت ، وتعالى الدخان وبدأ يهطل في رجة القلب رويدا رويدا ، وهكذا تخثر الحب في شغاف قلبيهما ومرت أسرابه من فوقهما بأجنحة هجس الرغبة الأولى ولذة الانتشاء ، كانا يبحثان عن الاستثناء ويفتشان عن الفشل الأقل في طقوس المودة ، كان حبهم حبا باهضا والباهض فيه هو جبران ومكرم ونايلة التي ولدت عام 1955م مكسوة بالموت وكأنها سقطت  سهوا في الحياة طفلة لم تحفظ سوى تمارين العذاب ولم تمش الا على سدة الألم فتتعثر بالموت فكانت ترتب الحزن على عجل في وجه أبويها ، فكان الألم يتوسد قلب ناديا على ابنتها التي أصبحت محور العائلة ، وفي عامها الثامن الذي نسق شوك الوجع في راحتيها الصغيرتين تركت ظلها الذي أرهقها في رحابة الله ورحلت ، جمعت كل أدوات الفرح وتركت في لحظة الرحيل رجفة الخوف البارد في أطراف ناديا وغفير من الدمع في عيون العائلة .

وارتدت والدتها الحزن وتكللت بالأسى وتحاورت في عيونها ارتال الحزن المغمس بالمرارة ، وبدا الحزن يحرس نهاراتها المرتبكة وقبل أن تتقرفص في التبدد وبعد أن رحلت نايلة في العام 1963م تاركة فتنة عمرها الغض الذي لم  يتجاوز الثامنة في يقظة جسد أمها النحيل ، ناديا التي ذرفت نفسها حتى المرض بعد هذيان الفجيعة التي حقنت كل ما حولها بالبهتان كتبت ناديا اولى اعمالها وهي النصوص الشقراء وزودته برسوم بريشتها عام 1963م ولكنها ندمت على التسرع في نشره لأن الحزن ذاته كان يخبئ لها ظله في لياليها ، يرصه في منامها وكأنه الحلم ، ثم إن رؤيتها للشعر اعمق بكثير من التي ظهرت في الديوان وقد أوضحتها في اعمالها التي تلت النصوص الشقراء واولها هو عصر الزبد الذي صدر عام ٥٦٩١م عن منشورات سيغرس الفرنسية ونالت عن هذا العمل جائزة سعيد عقل الذي قال عنها يوما « ظلت ناديا مريضة ٣١ عاما تقريبا ولكن من حب الناس الكبير لها صار المرض واحدا من هؤلاء الناس واحبها لهذا السبب شفق عليها المرض وابقاها طيبة على الرغم من ان هذا المرض بالذات لا يشفق» ومنذ تلك اللحظة «(لحظة صدور عصر الزبد) اعتبرت ناديا من ابرز شعراء الفرونكوفونية .

جسد يتهدل في الهاجس:

المرض الهادل في جسد الطفلة الراحلة والذي كان في غيبوبة القبر عبر الظل وترك جسد نايلة يرقد بدعة وأمان في قبرها الضيق وراح يهذي في جسد آخر هو جسد ناديا ، ومنذ ان حل عليها ضيفا (المرض) ثقيلا في العام 1965م ارتدت الابتسامة لتبدو بالشكل الأبهى ، وانشغلت بالكتابة والعمل الصحفي الذي دخلته عام 1967م كمحررة في صحيفة  (le jour ) اللبنانية التي تصدر باللغة الفرنسية بعد أن اشتراها غسان تويني وقد كانت متوقفة عن الصدور ، وتوجهت في طرحها المبتكر وغير التقليدي إلى دعاة التقدم والى الإنسان في طلعته الفكرية الاولى ، وفي عام 1967م صدر (حزيران) والكافرات وثم قصائد من اجل قصة عام 1972م ونالت ناديا عن هذا العمل المهم جائزة اللاكاديمية الفرنسية في ٣ أيار (مايو) 1973م وكان لهذه الجائزة المهمة جدا الاثر الايجابي والبالغ في نفس ناديا.

 وكلما تعلق الهاجس (المرض) في جيبها واغمسها في الشدة وظلل معاناتها بلون داكن هو لون الألم زاد إصرارها في الحياة فلم يمنعها المرض من وضع السيناريو لمسرحية الفرمان إخراج روميو لحود حيث ترجم النص الى العربية الشاعر انسي الحاج ووضع المقاطع الشعرية الشاعر طلال حيدر وتم عرض المسرحية في شهر آب (اغسطس) 1970م ضمن مهرجانات بعلبك وفي عام 1975م اصدرت ديوانها المهم والذي يعتبر انعطافة في مسيرتها الأدبية وهو حالم الأرض في الوقت ذاته عين غسان تويني وزيرا للتربية والإعلام في حكومة الرئيس صائب سلام كما شارك في حكومة ائتلافية مع الرئيس رشيد كرامة في عام 1975م وعين كذلك مندوبا دائما وسفير لبنان لدى الأمم المتحدة من العام 1977م لغاية 1982م وظلت ناديا تختبئ في الوفاء لذلك الرجل العصامي (غسان) الذي وضع ذات حب قمرا في شرفة قلبها المفتوح على حبه ، فكانت تتسلم أعمال جريدته النهار حين يكون منصرفا إلى عمله في بيروت أو باريس أو نيويورك.

وعلى الرغم من ذلك ومن الألم الساقط في ايام ناديا الداكنة الوجع ، والباب المشرع دوما لاحتمالات الابداع الذي يتكدس كل لحظة في المواسم ، لم تنس ناديا أنها ام وام عظيمة كيف لا وهي التي مارست الأمومة في طفولتها على أخيها مروان ثم علي ، فكانت داعما لولديها مكرم الذي ساندته عندما اصدر مطبوعة باللغتين الفرنسية والانجليزية وكان عمره وقتئذ خمسة عشر عاما ، وجبران الذي كانت تقول عنه دوما انه مقدرعليه ان يصير صحافيا كبيرا(٤) وكانت تشجعه دائما وتنبأت له بالنجاح .

ولأن الوطن كان معطلا في الحب ولا يسير إلا في قلب ناديا وضعت «لبنان عشرون قصيدة من اجل حب» نشرته في بيروت ١٩٧٩م ، الى جانب وضعها نص وسيناريو فيلم همسات «حنين من ارض الوطن» وأخذت أهم الأدوار فيه وبدت وهي تتنقل بين الدمار والخراب الذي حل بمدينة العشق والحلم بيروت ، بيروت المهرجان وبعلبك ، إلى جانب النهار ومكاتبها القديمة  .

وناديا المباحة دائما للقلق والحزن والألم الذي يرتدي جسدها المتاخم لشدة الانحدار من وطأة المرض الذي لم تكن تشكو منه وهو يمضغها طيلة خمسة عشر عاما واكثر على مهل ، فقد كانت تتحلى بالصمت والابتسامة حتى وهي تسقط في ذروة الوجع  وبعد صدور « محفوظات عاطفية لحرب في لبنان » وتحديدا في 16 شباط (فبراير) 1982م وضعت قلمها جانبا بعدما أنهت آخر كتاباتها بقصيدة لغسان تويني  :

في هذا الزمن/ لا شيء كان بسيطا :/ لا الموت ولا الحياة/ كان الكلام يسكب في عروقنا / أجراس الهذيان(٥)

 وارتدت ضوءا خافتا كالهمس وتساقطت رويدا كاليأس ، ورأت الغياب وهو ينصرف إلى لحظاتها فأمسكت بالموت من يده لتهديه الى قبرها وتسجيه في جسدها ، وهكذا تركت خطواتها على دعسات الشمس فوق عتبات بيت مري ورحلت في ٢٠ حزيران (يونيو) من العام 1983م ودفنت بجانب نايلة في حديقة البيت ، ذلك البيت المعلق في الغيم برأس كفرة والذي بنوه معا مع المهندس بيير خوري ، بيت مري الذي كان يمتلئ بأزهار المودة فتمر عليه الفصول في حينها دون ارتباك تكون معطرة بالحب فقط ، وذات قرار اتخذوه لحظة اكتمال البيت بتحويله وكل ما يحتويه من كتب وتحف قيمة ولوحات إلى مؤسسة موقوفة للشعر والثقافة وحدث هذا في حياة ناديا واصبح البيت ملتقى للأدباء والصحفيين والمثقفين وسمي بعد رحيلها بيت

الشعر او بيت الشعراء ( مؤسسة ناديا تويني ) تخليدا لها ولديمومة أعمالها ولم ينس غسان تويني يوما أن يكون وفيا لهذه المؤسسة ولناديا وذكراها .وقد كتب على شاهدة قبرها هذه الابيات من شعرها المنشور في « قصائد من اجل قصة » :

بيني وبين الموت ليس من غياب

وسأسمع طويلا صوت الدم الهادئ ألما بعد - اليأس(٦)

يقول المطران جورج خضر: « ما كان لك أن تعرف ناديا تويني وتبقى على هشاشة وجودك . هل يظل الانسان على ما كان عليه اذا وضع امام البلور ؟ كانت ناديا تويني وجودا كبيرا جدا من شانه ان يجعلك من العارفين . كانت تمسحك بنقاوة ليست من هذا العالم ، وتذهب انت بعد الرحض الى حيث تشاء الروح .»(٧)

تطلق النار على فكرة فيقتل رجل/ هي دائما قرمزية قوة الكلمات،

الأكثر فتكا من الحركة .

هؤلاء الذين يعيشون تحت شمس الكلمة ،/ على حصان الشعارات الجامح/ هؤلاء ،/ يكسرون زجاج الكون . (٨)

لا تزال ناديا التويني تسافر في وجه الوطن وزوايا الامكنة والازمنة المزروعة بضوء الشمس ، ولا يزال شعرها يسكن في الكينونة ويقبض على مسافات من نبض اللغة ، وتبقى تجربتها الشعرية التي كتبتها باللغة الفرنسية لكن بنفس عربي ، حيث انها حملت قضايا امتها العربية للقارئ الاجنبي لتعرف بها ، وهي ترفض ان يقال عنها قليلة الانتماء بسبب اللغة فتقول « انا من تلك البلاد (لبنان) ومتجذرة فيها وتسكنني حتى النخاع » تبقى  مترابطة ومتصلة مع بعضها البعض بحيث لا نستطيع ان نفصل اعمالها الادبية ولا بأي شكل من الاشكال لانها وهبت حياتها للأرض والحب والموت بشكل خاص حيث لعب الثيمة الاساسية لتجربتها الشعرية ، والمتتبع لها يرى أنها تنحاز دائما في جميع دواوينها إلى كتابة الموت الذي اعتبرته الوجه الآخر للحياة ، يقوي كل منهما الآخر ، وربما لأنها تعاملت مع الموت منذ فجيعتها بوفاة ابنتها نايلة ثم مرضها هي والذي احسسها بأن حياتها لن تكون طويلة ، لذلك اتخذ الموت ابعاده الرمزية الوجودية في شعرها، إلى جانب تصالحها مع الموت في «حالم الارض»  الذي تعاملت معه وكأنه احد المعارف والأصدقاء المقربين .

مع الهجرات امضي/ ارخبيلا ابيض في الكون ،/ ان يكن «الموت» نسيان القول ،/ فلكل انسان طائر مشابه . (٩)

إضافة للحرية والوطن والحرب ، نذرت إبداعها لتلك العناصر التي كونت تجربتها الادبية ، والمتعمق في قراءة التويني الشعرية يرى ان بنية اعمالها تتحرك من معنى الى آخر تاركة في حضن التنوع المنسوج من السريالية والرمزية مرورا بالخيالية الواقعية وصولا الى المستقبلية التاريخية آثارا فلسفية واحدة ، حيث تنفتح على فضاء فلسفي تتوحد فيه عضويا وحسيا مع نصوصها فتبدو وكأنها خارج الزمن ، تسكن في الغد فتسجل التاريخ قبل حدوثه .

« ها انا باقية بعد غباري ، وعن ظهر قلب اعرف مستقبل

زمني » (١٠)

وشعرها لا يسجل النبوءات بل ان النبوءات هي التي تنتظرها لتلتقطها قبل ان تهوي في التاريخ الذي يبدو وكأنه يصغي اليها فيسجل معانيه في لغتها الشعرية ، فقد كانت ترى التاريخ بوضوح تماما كما في «محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» التي ثارت فيه على الحرب المجنونة والماجنة وصورت فيه بشاعة الحرب وقامت بمحاكمة من قاموا بجريمة الحرب على ارض الوطن الحبيب .

يا لهذا الحقد الذي يخصب الارض/ كدم امرأة ، حار/ يا لهذا الحب

يا لهذا الحب تحت انيابي/ كحبة هال مدورة/ يا لهذا الحنان ، الضباب/ كموكب على لبنان (١١)

وهكذا تتحرك بنية الفعل الشعري عندها هنا بالتجاوز مع الجذر المستقبلي (التاريخي) الذي تستمده من نسغ الذات ، وقد ادخلت في محفوظات عاطفية مفردات الحقد والغضب والبغض على قاموسها الشعري فسجلت في التاريخ قبل التاريخ حريق بيروت .

اصغ/ انت يا من صوته يصنع المآثر / وذراعاه نشيد عصفور/ اصغ : المدينة البيضاء قبر(١٢)

لذلك جاء «محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» كشهادة امينة ودقيقة عن الحرب في لبنان وكان ناديا قد وضعت ذاكرة داخل ذاكرة ، أي ذاكرة الالم (الوطن) داخل ذاكرة التاريخ (الحرب) لتأتي بعدها بذاكرة حب تبقيها في قلب الوطن وتتركها لعيون الاجيال لتتشكل ملامح بيروت وطرابلس والبلمند وصيدا وصور وبعلبك ودير القمر وغيرها من المناطق اللبنانية نجوما في سماء حالكة السواد ، وقد احتوى ديوان «لبنان عشرون قصيدة من اجل حب» على لوحات لأمين الباشا عن بيروت وقد اهدت الديوان الى ابنتها نايلة عبر هذا الاهداء :

الى الذين كانوا اصدقاءها/ الى اطفال بلادي(١٣)

ولقد صورت في ديوانها هذا خرائط روحية للبنان حقيقي شكلته كما يجب ان يكون وقد كان مرسوما في قلبها قبل ان تنقله على الورق ، كيف لا وهي التي تعتبر القصيدة مكانا جغرافيا للروح ، ولم تغفل عن نساء ورجال بلادها فوثقت لهم شهادات تكريمية في محطتين بارزتين في عشقها الابدي .

انتن/ اللواتي يطمئن الجبل / يجعلن الرجل يؤمن انه رجل/ والرماد انه خصب/ والطبيعة انها لا تتغير/ انتن يا نساء بلادي ،/ من يرين في القديم كل ما تبقى (١٤)

حزيران والكافرات:

لقد سقطت المدينة تحت ضغط الشك/ حزيران يتسكع في المرافئ/ العار مسموح في الصيف . ليكن القتال بصيغة/ المفرد (15)

يبدأ التصدع في نفس ناديا من جديد بعد موت ابنتها نايلة انطلاقا من هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967م التي سقطت فيها القدس واراضي من فلسطين وسيناء العربية ، تلك الحرب التي قلبت الموازين بين ماهو كائن وما يجب ان يكون ، فكتبت منظومة قناعاتها وانحيازها نحو القضية العربية و (القدس تحديدا) فسجل اليقين هذا التاريخ وسجلت هي حزيران والكافرات في التاريخ السياسي والادبي الشعري ، ولا يمكننا القول ان مجموعة حزيران والكافرات هي مجموعة شعرية فقط بل هي فعل درامي اكثر منه شعري لذلك حول الاستاذ «روجيه عساف» هذا الديوان الى عمل مسرحي بنص الشاعرة وتولى اخراجها وتمثيل دور الراوي فيها ، وعرضت المسرحية في بيروت ٠٢ حزيران (يونيو) ١٩٦٩م ولاقت نجاحا لافتا واعيد عرضها في باريس كانون الثاني (يناير) ١٩٩٩م في معهد العالم العربي ضمن اطار مهرجانات «لبنان الضفة الاخرى»

يا قدس ، لانك غريبة عن كل فرد ، ترفضين

وتقبلين ، تنحنين كي نرى بوضوح اكثر ما يؤخر

الحقيقة الاكيدة  وتضحكين ... وتضحكين ... ولا

تفهمين عتمة الحدود ، انها حزينة . (١٦)

وقد تحدثت عن ابعاد خمسة في الديوان وهذه الابعاد هي ذاتها الشخصيات التي جاءت في العمل وهي تيديمير المسيحية  سبأ المسلمة ، داهون اليهودية وسيون الدرزية ، اما البعد الخامس فهو بعد خفي استطاعت ناديا ان تسكب فيه فلسفتها الخاصة العميقة والفريدة في الوقت ذاته والذي تمثلت على حد قول زهيدة درويش في مبدأ « الوحدة والانسجام » أي هناك ما يوحد الديانات الاربع على الرغم من اختلافها وبذلك تمثل البعد الخامس ، وهذه الابعاد الاربعة تمثل انتماءات ناديا في عمق الارض الواحدة .اناديك انت يا حبي ذا الوجوه الاربعة

اناديكم يا انتماءاتي الاربعة ...

اربع نساء ، ينتمين الى ارض عاطفية واحدة ... (١٧)

وهنا تجدر الاشارة الى نقطة مهمة تمثلت بـ«الراوي» في الديوان والذي جاء مطابقا لدور الكورس في المسرحيات الاغريقية الكلاسيكية ، وذلك للصياغة الشعرية لهذه الدراما بامتياز والتي  ساعدت على تجسيد وإلقاء دور الراوي بأسلوب الكورس الذي لعب دورا جوهريا في شهادة ارسطو بحيث لا يمكن ان تقوم قائمة لاية مسرحية بدون الكورس (١٨)

وحقيقة ان حزيران والكافرات ابرز فلسفة ناديا للجمال المرتبط عندها بالعدم حيث تقول « ان الجمال ليس الخلود شرط الجمال انه ليس دائما » وهي تشبه في ذلك الشاعر الالماني راينر ماريا ريلكه الذي اعتبر الجمال بداية الرعب يقول : « لان الجمال لا شيء / سوى بداية الرعب الذي بالكاد نحتمله » والنقطة الاخرى التي يلتقون عندها هي فكرتهم وفلسفتهم عن الموت فريلكه كانت قصائده ابخرة متصاعدة من قدر الموت الذي صنع جميع مراثيه وافكاره وتصوراته حول الحياة والزمن (١٩) وهذا ما نلحظه تماما في تجربة التويني التي عاشت الموت قبل وفاتها .

حالم الارض:

يا زهرة الماء

انتظري ،

قولي لي ،

هل ( الارض ) سؤال او جواب ؟ (20)

ان قراءة تجربتها هي بمثابة دوران نحو الارض وقراءة للارض ايضا ، ولكن سؤالنا سيختلف عن سؤال الشاعرة وهو هل سنفهم الارض كما سبرت اغوارها هي ؟

ناديا التي جعلت من الارض نقطة انطلاق كونية نحو كل شيء ، وهي تشبه في هذا الجانب الشاعر الالماني غوته (1749-1832)   الذي كان يقول « اشبه الارض بمخلوق حي ضخم يشهق ويزفر » والمفكر والكاتب والموسيقي الهندي طاغور ( ١٨٦١-١٩٤١)  صاحب التجربة الكونية الاكبر والذي كان يقول دوما «احبوا الارض تحبكم الارض».

اما هي فتقودنا في حالم الارض الى قلب اللغة بايقاع كوني لان الارض سكنتها فأصبحت هاجسا لا مفر للفكر منه ، فهمت لغة الارض فحملتها في الحلم وفي الصحو كالبدايات فكان حالم الارض حوار كوني على شغاف الارض .

في البدء ثمة حلم ارض/ كنقطة مطر في الشمس / ليس بعد واعيا تماما/ اعلي ان افصح عن رغبتي في ان اكون/ التي هي الموت ببساطة ؟(٢١)

ان هذا الديوان هو حالة خاصة في الادب الشعري و جوهر اللغة في التجربة التوينية فهو منفتح على الكون وتأملاته واسئلته ، وفي الوقت ذاته متعمق في فضاءات الانسان وفي نسغ التاريخ والجذور الكونية ، باختصار حالم الارض هو شعر وجود وشعر كينونة .

( الارض )/ كي تبتكر لذاتها انفعالا/ ترسم/ انسانا . (٢٢)

الهوامش

٭ قام مشكورا زوج الشاعرة الراحلة الاستاذ غسان التويني بارساله لنا كل المعلومات الواردة عن حياتها.

١- من نفس المصدر السابق .

٢ و ٣  - عودة الى البر الامن والارض العاشقة » مروان حمادة - جريدة النهار - الاحد ٢٥ آب (اغسطس) ٢٠٠٢- لبنان.

٤ - من حديث تلفزيوني اجري مع الشاعرة.

٥- قصيدة « الى غ . ت » - مختارات شعر ص١٢١.

٦- قصائد من اجل قصة - مختارات شعر ص ٢٦.

٧- المطران جورج خضر - جريدة النهار - الاحد ٢٥ آب (اغسطس)  ٢٠٠٢ - لبنان

٨- محفوظات عاطفية لحرب في لبنان  ص ٢٦.

٩- حالم الارض ص٣٥.

٠١- محفوظات عاطفية لحرب في لبنان ص٤٩.

١١-  مختارات شعر ( محفوظات عاطفية) ص١١٣.

١٢- نفس المصدر السابق ص 103.

 ١٣- لبنان عشرون قصيدة من اجل حب.

١٤- مختارات شعر (لبنان عشرون قصيدة) ص٩٥.

١٥و ١٦- حزيران والكافرات ص٦٥  .

١٧- حالم الارض ص13.

١٨- مجلة الجزيرة - الثلاثاء ٩١ نوفمبر ٢٠٠٢ والحديث للمسرحي الكبير الفريد فرج.

١٩- محمد علي شمس الدين - جريدة السفير ٢٢/٤/2005.    

٢٠- حالم الارض ص17.

٢١- نفس المصدر السابق ص ٥٥.

٢٢- نفس المصدر السابق ص 17.


تصميم الحاسب الشامل