دانتيـــــــلا العشـــــــق في كتاب «الوصايا» 

 

لأحمــد الشهــــــاوي


نبيــــل منصــــر

بإصدار «الوصايا في عشق النساء»(٭) ينضاف كتاب آخر للبيبلوغرافيا الشعرية الهامة لأحمد الشهاوي. والجدارة الشعرية لهذا الكتاب، تأتي من تعاقد ضمني للشاعر مع مختلف أجيال القراءة بمختلف الجغرافيات الشعرية العربية المعاصر. تعاقد تأسس على استراتيجيات نصية تحاور المتن الصوفي وتعيد بناء إيقاعه في النص وعتباته، وهو ما تبلور منذ كتاب «ركعتان في العشق» (1988) ليصبح، مع تراكم أعمال الشاعر، سمة مميزة لتجربة شعرية خلاقة، اختارت الاندفاع من أعماق الماضي المختلف باتجاه إنجاز رهانها الشعري الشخصي. من هنا لم يكن هذا التعاقد الشعري في حاجة للمرور عبر عتبة تجنيس صريح، وفضل، بدل ذلك، تعاقدا جماليا آخر يراهن على الكتابة كاستراتيجية نصية داخلية، تؤشر على ذاتها أحيانا ضمن جملة العنوان، لتحيل على انتمائها لجنس من الإبدالات الشعرية التي عرفها الشعر المعاصر، ابتداء من «كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل» لأدونيس،  مرورا بأعمال أخرى في المشرق والمغرب.

الكتاب الأول من «الوصايا في عشق النساء» هو جزء من ديوان العشق الكبير الذي يراهن أحمد الشهاوي على كتابته. ولما كان كل كتاب ينطوي على رغبة في القبض على «المطلق الأدبي»، فإن تعدد الكتابة والترهينات النصية يصبح جزءا من تاريخ هذه المطاردة المستحيلة، التي تدفع الكتابة إلى الوقوف على مشارف القلق بل والصمت أحيانا. وتتعقد أكثر وضعية هذا «المطلق» عندما يقترن بالثيمات الإنسانية الخالدة، كما هي ثيمات الحب والموت، التي تجد دائما في الشعر والكتابة ما يصلها بالأعماق الثقافية والميثولوجية للذات الشاعرة. ولعل هذه السمة هي ما يجعل صوت الثقافة مخترقا لهذه الكتابة ولأفقها الحداثي، المراود لمطلق العشق باعتباره أحد فضاءات بناء دلالية مواجهة الموت في تجربة الشعر المعاصر. إن كتاب الشهاوي، بكل خصوصيته الشعرية، لا يقف أعزلا في بيبليوغرافيا الشعر المعاصر، وإنما يبني متخيل المواجهة هذا إلى جانب أعمال أخرى أخذت على عاتقها محاورة الماضي الثقافي والانبثاق الشخصي من النقط المضيئة فيه، وعلى رأس هذه الأعمال نذكر «كتاب الحب» لمحمد بنيس و « أخبار مجنون ليلى» لقاسم حداد.

هذه الأعمال، وأخرى غيرها، تضع أعمال الماضي ضمن هبات الحداثة والرهانات الشعرية، الجمالية والوجودية المعاصرة، بكيفية تمنح لأفق التداخلات النصية دواراً بالغا في بلورة الإبدالات الشعرية وبنائها في نص يحمل نظريته بداخله. وضمن هذا الأفق من الاشتغال النصي تبلور حداثة الشعر المعاصر أجوبة عملية على سؤال التراث. أجوبة لا تقلل، طبعا، من أهمية السجال النظري بخصوص الموضوع، بل تمنحه أحد ممكنات التحقق التي من شأنها تعميق سؤال الكتابة، والدفع به إلى محتملاته القصوى في سياق تجربة الشعر المعاصر كتجربة محكومة بشروطها التاريخية.

لا يحاور كتاب الشهاوي متن شاعر بعينه، بل ينزل ضيفا على نصوص شعرية ونثرية قديمة متنوعة، ويحاول عبرها بناء نصوصه في وصايا العشق. ولا تحضر هذه النصوص، المستعار أغلبها من متن الحب الصوفي، في صيغة تصديرات تساهم في بناء الدلالية في صلتها بالمتخيل الشعري والرهانات النظرية المساندة له، بل تحضر كاستشهادات داخلية ملتحمة بالنسيج الداخلي للنص، وتحتفظ في أغلب الأحيان بأثر الاستشهاد (المزدوجتين) ومؤلفه. وهو ما يوحي بتحول العمل الشعري، في لحظة من لحظات تجلياته، إلى عمل نظري في فلسفة الحب الصوفي، وفي هذا الملمح بالضبط تكمن أحد وجوه التباس العمل وتعدد أوضاعه الاعتبارية المثرية لمحتمل الكتابة في تجربة الشعر المعاصر.

يتقدم كتاب «الوصايا في عشق النساء» ككتابة مسترسلة، موصولة على امتداد العمل بنفس صوفي إشراقي، يرتق ما يمكن أن يظهر بين المقاطع وشذارات الكتابة من تقطعات. وإذا كان بإمكان القارئ أن يشرع في القراءة من أي صفحة يختارها، فإنه يظل، مع ذلك، ملزما بقراءة العتبات النصية الداخلية التي تفتتح الكتاب.

يفتتح كتاب الوصايا بأربعة أنواع من المصاحبات النصية:

أ- قصيدة استهلالية بعنوان «نوال عيسى» تتأسس على المركب الثيماتي (الأم - الكتاب):

        - أنت كتابي الأقدام

         سفري في الأمثال

        سفري في الريح

        وفي اللغة الأم

        أنت الأم

هذا المركب الثيماتي أصبح من ثوابت تجربة الشهاوي. بل إن التماثل يأخذ فيها أبعادا ثلاثية يوحدها إيقاع صوفي: الأم- المعشوقة-الكتاب. وتوحد هذه الموضوعات ضمن مركب ثيماتي موسع يترجم، في نص الشهاوي، من خلال مركب: الموت- العشق- الكتابة. فتماثل هذه الموضوعات، بمعادلاتها الثيماتية التي تتبادل معها البناء والإضاءة، يكشف عن عمق ما ينسج متخيل هذه التجربة في صلتها بالأسئلة الوجودية والجمالية التي تطوح بالذات الشاعرة.

ب.الدعاء: خطاب تلتمس في الذات المتلفظة عناية إلاهية، تقوي عضدها في تجربة الحب باعتباره قدرا، ومحنة وخلاصا في آن:

- (ربنـا ولا تحملنـا مـا لا طاقـة لنـا بـه)

من العشق.

- اللهم لا تلمني فيما لا أملك

وهو الحب.

- اللهم أرسل لي شفيعا بيني وبين من أعشق

ثلاثة خطابات طلبية، يتداخل فيها الإلهي مع البشري، وتحتل فيها الذات المتلفظة وضعية المؤمن المتوجه لربه بالدعاء، ليلتمس منه التخفيف والسند والشفاعة في تجربة الحب باعتبارها تجربة حدودية.

ج.الحديث النبوي: وتسوق عبره الذات الشاعرة موقف النبي (ص) من المرأة العاشقة:

- مر النبي (ص)  وسلم بامرأة تتغنى:

«هل علي ويحكما

إن هويت من حرج»

فتبسم وقال: «لا حرج إن شاء الله».

إن رفع النبي (ص) للحرج عن المرأة العاشقة ينطوي على مشروعية مزدوجة: الاعتراف بالحب باعتباره موضوعا للعيش وللفن في آن، وهذه المشروعية المزدوجة تجسد دفاعا استباقيا عن موضوع كتاب الوصايا. بهذا يأخذ العشق كامل شرعيته عندما يكون موضوعا للكتابة في هذا الديوان، وفي غيره من الأعمال القديمة أو الحديثة.

د.التنبيه الذاتي: خطاب يوجهه الشاعر إلى قرائه:

- كل وصية، وواردة في هذا الكتاب،

فعنها أكني.

يأتي هذا التنبيه ليربط وصايا الشاعر في الكتاب بموضوع عشقه في كل تجاربه الشعرية، وذلك حتى يتأتى له تذويت موضوع الكتاب وتجربة الكتابة لتخرج وصاياه حارة، لأنها ليست وصايا ناقلة لخطاب بيداغوجي حول الحب يتم رفعه لذات برانية، بل لأنها تحديدا وصايا صادرة عن ذات ملسوعة، توهم، ضمن لعبتها الفنية في متن الوصايا، بأنها توجه خطابها للنساء جميعا، بينما هي تعترف، في نص التنبيه، بأنها توجه خطابها لامرأة واحدة، كانت وستبقى موضوعا متجددا لتجربتها الشعرية. وفي ضوء هذا التنبيه نقرأ كتاب الوصايا كتجربة ذاتية لا يمثل ظاهرها البراني، على مستوى المرسل والمرسل إليه، إلا لعبة فنية تترجم عبرها الذات الكاتبة لوعتها وتمثلها الخاص لتجربة الحب، كما تتطلع إلى عيشه في علاقتها بذات المعشوق كموضوع رغبة وتواصل في آن. وبذلك تكون التجربة المكتوبة في كتاب الوصايا تجربة ذاتية منقولة، من خلال اللغة والإيقاع الشعري الصوفي، إلى مستوى المتخيل. وعبر تجربة الكتابة هذه، وما تحمله من تسامٍ لموضوع الكتابة، تعمل الذات الكاتبة على إعادة بناء الوضع الاعتباري للذات العاشقة عبر وصلها، المشروط بالصدق، بمقام الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين:

- فليوافق سرك نطقك وليغلبك الصدق، فهو من صفات الأنبياء والرسل والملائكة الصالحين، هو ثاني درجة النبوة «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين»، ففي صدقك ترتقين وتصلين، وتعيشين في اللذة الكبرى إلى النهاية... (ص٢٦).

لا يخضع كتاب الوصايا لترتيب تأليفي، كما أنه يخلق من فهرست للموضوعات ومن عناوين داخلية. وهو بقدر ما يبدو متماسك الشذرات الملتحمة حول موضوع العشق، بقدر ما تتمتع فقراته باستقلالية، تسمع للمتلقي بفتح الكتاب على أية صفحة يشاء، ليبدأ أو يعيد تجربة القراءة باعتبارها تجربة تعلم وبناء وتحويل. هناك حرية واسعة يتيحها كتاب الوصايا لقرائه. وهو لا يلتئم كوحدة إلا بفعل دينامية داخلية متقطعة وموصولة في آن عبر فعل القراءة.

يبتدئ الكتاب الأول من «الوصايا في عشق النساء» بشذرة «أوصيك بالمحبة واتباع العشق»، وينتهي بعبارة «فلا تتركي عاشقك قتيل جمالك» (ص٢٥٥). وبينهما ينتشر متن من الشذارات في خطاب العشق. وبين الأمر والنهي تلتئم الوصايا مستجمعة عصارة تجربة العشق في الثقافة العربية الإسلامية بمختلف سجلاتها الرسمية والهامشية، لتجعل منها موضوعا للاستشهاد المسيج لمتخيل العشق الذي تبنيه الذات الكاتبة في نصوصها. وبالانتقال من شذرة لأخرى، تظل الذات الكاتبة مراوحة لموضوعة العشق في حركة شبيهة برقصة الفرس. وهو ما يتيح مجالا للتكرار باعتباره فاعلية ملائمة لبيداغوجيا التعلم. وعبر كل ذلك يتأسس إيقاع هو إيقاع المراوحة والرقص الصوفي اللانهائي في الدائرة الضيقة، التي لا تنفتح إلا بقوة العشق نفسه، كتجربة متجددة وغير محدودة في آن.

ينسج كتاب العشق وصاياه عبر تقاطعات ثقافية مختلفة يوحد بينها إيقاع الشذرة الصوفية. ولا تلتئم ذاتية هذا الكتاب إلا انطلاقا من هذه الخيوط - الاستشهادات الثقافية المختلفة التي تنسج الذات الكاتبة من التفاعل معها دانتيلا رائعة للعشق. ولهذا فكتاب «الوصايا في عشق النساء» لا يبدو شخصيا إلا بالقدر الذي تنتصب لا شخصيته كوضع اعتباري مضاعف، يمنح الكتاب جوهرا مشدودا بين الذاتي والموضوعي، المحايت والمتعالي.

ينفتح كتاب الوصايا على ما يشكل وظيفة اللغة الواصفة، التي تعيد الذات الكاتبة عبرها التفكير في وضع الكتاب والكتابة كمفهومين بانيين لموضوع العشق. ولا تبني الذات الكاتبة هذه الوظيفة من داخل منطق الوصية كمبدأ للتأليف (أوصيك بالمحبة) إلا لتنقضه، معلنة عن الاحتمالات المفتوحة لأحوال العشق كإبداعية متجددة لا يرصدها تأليف. ومن هنا يكون الكتاب أحيانا ضد الكتاب باعتباره تدوينا لتجربة غير قابلة للنقل والتقليد (اعلمي أن المرأة العاشقة...أقيم من كل الكتب، ص 175). ولعل هذه البنية البرزخية التي تسم العمل، على مستوى مبدأ التأليف، هي جزء من إيقاع المراوحة الذي يصعد بالرقص في الدائرة ذاتها. ويمكن أن نمثل لعناصر هذه الحركة الدلالية المشكلة لإيقاع المراوحة بالمواقف التالية ونماذجها الشعرية:

أ.العشق طقس للتكرار والتقليد:

- اعلمـي أنـك بنـت الأسـلاف، فلا تفرطي في تاريخهن العشقي، أنت الآن، جماعهن، فاجمعي تجاربهن في دفقة، وامنحيها لفاتحك الذي تلا قرآنك قلبيا، وذهب اسمه في اسمك. (ص ٣٨).

ب. العشق طقس لا يستنفده كتاب:

- فاعلمــي أن شراب القبلة اللسان، وأن الجنة لا يدخلها إلا بواس عظيـم، وللبوس طرائق ومواضع لا يكفي كتاب لشرحها (ص: ٢٣٣).

ج. العشق طقس غير قابل للتعلم والكتابة:

- والكلام في الحب لا يحفظ ولا يعاد، ولا يستعار، لكنه ابن الحالة والحال واللحظة والآن والفعل استخدمي ما أوتيت من فتنة زاخمة في الكلام، فالعين تقول واللسان واليدان والأصابع وسائر كنوزك تصل بك إلى الجنة التي تسعى إليها أية امرة وتتوق (ص: ٣٢).

- دعي قلبك يشهد إليك، ولا تدعي الشوق ينقص، إسأليه ولا تسألي مفتيا. غامـري، ولتكـن عيناك صافيتين - وهما تتوجهان إلى عاشقك- وذراعاك مديدتين، وهما تجولان في حقل جسده، لا تقصري عن شيء أردت قبيل لقياه، لأننا لا نشرب الماء مرتين، ولا ندرك اللحظة أبدا إذا خطفها الفوت. (ص: ٣٥).

ينطوي كتاب الوصايا على هذه المواقف مؤسسا عبرها رؤيته البرزخية لكتاب العشق وكتابته. ولا تصاغ هذه المواقف انطلاقا من مبدأ الوصية إلا لأجل نقضه في هذه الشذارات، بما يفتح مبدأ الوصية ذاته على نقيضه (لا تسألي مفتيا) بكيفية تجعل الذات المخاطبة في الوصايا، كذات عاشقة ومعشوقة في آن، مدعوة لإبداع كتابها الشخصي في العشق، والإنصات من ثمة لصوتها الخاص، بما هو صوت التجربة المثقفة  بما يغني أبعادها الروحية - الجسدية. ومن هنا يكون ديوان الوصايا هو الكتاب الشخصي للشهاوي، الذي يغتني بما يخترقه من أصوات ثقافية تؤسس للاشخصيته وتعاليه في آن. وهنا تكمن أساسا بعض وجوه إيقاع المراوحة كإيقاع شعري برزخي يتجه نحو تساكن الأضداد والمؤالفة بينها عبر نفس شذري صوفي.

تتجه الذات المتلفظة، في الصفحة السابعة من كتاب الوصايا، نحو قول ما تعتبره كلامها الأول:

- أول كلامي أن لا قيد في حضرة الوهب، فدعي نفسك

   لك، كي يأتي العاشق قاطفا خاطفا متحدا بك (ص ٧).إذا كانت هذه الشذرة هي الكلام الأول للذات المتلفظة في الكتاب، فما هو الوضع الاعتباري للوصايا المتقدمة في الصفحات الستة السابقة؟

سؤال صعب، رغم أن فكرة لا شخصية الوصايا المتقدمة تسعفنا بجواب محتمل. لن نقتنع بهذا الجواب، لأن لا شخصية الكتاب هي جزء من وضعه الاعتباري المضاعف ككل. لهذا سنبني الجواب انطلاقا من وجهة نظر أخرى، ترى إلى وصايا الصفحات الست السابقة كوصايا - إطار: أي وصايا جوهرية ممهدة ومؤطرة لكل الوصايا التي تتناسل منها، وتأتي بعدها لتفتحها على محتملات شعرية، تجعل من العشق تجربة منغرسة في الأرض، مشدودة إلى السماء، كامنة في العناصر (الماء النار) ومنتشرة في الجهات. وتتضمن الصفحات الستة الشذرات التالية:

- أوصيك بالمحبة، واتباع العشق، احرصي على الإنصات إلى صوت ديك قلبك، الذي يؤذن بالوصال في تمام الوقت.

  أودعي نفسك سجن عاشقك السماوي.

 تتحقق كيمياء سعادتك إذا هتكت الحجب، وطرت في هوائك وهواك.

  أنت عارفة فاكتمي، فالكتمان علامة الواصل.

  ستصلين إلى كمالك إذا توحدت بحروف اسمك.

اعلمي أن من مات عاشقا مات شهيدا. ولا سعادة نسعى إليها إلا بالإخلاص.(ص١).

- طهري قلبك حتى يطيب لسانك. فلسانك جوهر وجوهرة، وهمزة الوصل بين روح من تحبين وجسده، لأنه يترجم حالك، ويكتب قلبك، ولا خزائن تفتح إلا بمفتاحه. (ص٢).

- اعلمي - قدس الله سرك- أن الخواتيم مجهولة، انتظري كرما وفيضا إلهيين، يرفعانك إلى مرتبة أهل المحبة، وهم قليل. (ص٣).

- اعلمي أن لا عشق يتم لمتحول قلاب، ولن تثبت لك قدم دون أن تفيض روح جسدك. (ص٤).

- انتبهي، فالسر في القلب. والبعد يولد جفاء، ما دامت القلوب تغير وتفتح. (ص٥).

- وأنت في غربة الدنيا، تيقني أن عاشقك وليك في الحياة الدنيا، وفي   الآخرة. (ص٦).

تتمحور هذه الشذارات حول سبع وصايا تشكل الوصايا - الإطار لكتاب الشهاوي. وصايا تمنح الذات المخاطبة كذاب عاشقة ومعشوقة في آن، ما يصون تجربتها ويباركها. وهذه الوصايا هي: الطهارة، الإخلاص، التوحد، الإنصات للقلب، الكثمان، هتك الحجب، انتظار الفيض الإلهي. وصايا سبعة تؤمن للذات دوام المحبة وتمام الحلول في موضوع العشق، لتؤسس أوضاعا اعتبارية أخرى للعاشق، تجعله في مقام الشهيد والولي في الدنيا والآخرة.

تنسج الذات الكاتبة دانتيلا للعشق في كتاب الوصايا من خلال موضوعة مركزية تتوزع إلى عناصر نووية تشكل خرائطية العشق في كتاب يجعل التجربة سابقة على الكتابة، كما يجعل الكتابة كتجربة سابقة على الكتاب نفسه، وذلك بالرغم مما ينطوي عليه من متون قبلية للعشق العربي بمختلف سجلاته ومرجعياته، وهي متون تبقى خاضعة، في كل حال، لتجربة الكتابة ولإيقاعها الشخصي باعتباره إيقاع البناء والتحويل والتذويت.

وهذه الموضوعة هي الجسدية بكل تفرعاتها الشبكية الخاضعة لروح الوصايا-الإطار. وهي تتأسس في كتاب الوصايا في صلتها أولا بالزمن كثيمة تنطلق من التحديد إلى المطلق، بفضل كيمياء العشق وقدرته على تحويل اللحظي والآني إلا أزل وديمومة. ويتحدد الزمن ضمن هذا المستوى بالنظام الليلي:

- تذكري أن الليل لك، ففيه يقع التجلي والإشراق، وفيه جني ثمار اللذة، فلا تضيعي العمر في نوم الليل، لأنه خلق للعشق والأسرار (ص١٢).

- كوني من الذين جعلهم الله من أهل الليل، فأنت ضالته في كل أين، وفي كل زمان، ولكن لليل حدوسا وقداسة، لا غائب بينكما، كلاكما حاضر (ص١١٨).

إن الليل كنظام زمني مخصوص هو اللحظة الأثيرة لانبثاق «التجلي والإشراق» و «جني ثمار اللذة» بكيفية تجعل منه، بفعل كيمياء تجربة العشق، نظاما موصولا متدفقا في كل آن وأين. فلا تقطع بين عناصره ولا تفصل بين ذواته. وبهذا يكون النظام الليلي نظاما سيدا منطويا على ما يمنحه امتدادا وديمومة متواصلة، تسع النهار والليل، الحياة والموت، والدنيا والآخرة. إنها قوة العشق وميتافيزيقاه الخاصة التي تجعل منه واصلا بين الأضداد، ومخترقا لصرامة النظم والأنساق والقيم، فلا جهة تخلو منه، ولا متعال يعلو عنه، ولا دنيوي يتقهقر به وينحط، كما لا مسافة تحتويه أو تحول دونه، وهنا يتذوت المكان أيضا باعتباره العنصر الثاني الذي يشرطه العشق ويخضعه لقانون:

- اعلمي أن القرب جواني، والمحبة تغتني في البعد، فلا نقض لميثاق، ولا غدر بعهد، فالوفاء وقود العشق. فكوني قريبة بعيدة بلا مسافة (ص١١٥).

للجسدية كنواة مركزية انتشارها الشبكي في كتاب الوصايا. وهي جسدية مشربة بإشراق صوفي يتقاطع فيه الابتهال والنداء الروحيين بالنزعة اللذوية الخالصة. ويمكن أن نقارب هذه الجسدية انطلاقا من ثلاثة مواقف (بالمعنى الصوفي) تصنع متضافرة مشهد العشق في كتاب الوصايا وهي:

أ.موقف العري

- اعرجي إلى سمائك الأخيرة، عندما تكونين معه. لا تستحي من فعل خطر لك. لا تخجلي من وارد جاءك. أو حلم أيقظك. كوني نفسك لا تقلدي. تجردي من شواغلك، اخلعي الدنيا عنك، واذهبي معه عارية إلا منه (ص١٠).

العري في هذه الوصية، وفي غيرها، مرادف للحرية وموصول بالمطلق. وهو ينطلق من الذات العاشقة لتكون له استتباعات ميتافيزيقية تستغرق الرؤية إلى موضوعة العشق ككل. من هنا فالعري يأخذ وضعية دال إيقاعي لا تقتصر دلالته على التجرد من اللباس كفعل طقوسي تستدعيه ممارسة الحب، بل يتسع مجاله الإيحائي لينفتح على دلالات بعيدة. فالتجرد من اللباس يستتبع في آن تجردا من الحياء والخجل والتقليد، كما يستتبع تجردا من الدنيا وشواغلها. إنها أفعال تلازم موقف العري لتصوغ منه دلالة موسعة تتصل بالتجرد من كل ما من شأنه أن ينتصب حجابا يحول دون اتصال الذات بموضوع رغبتها. بهذا ينطوي موقف العري على كل ما يصل تجربة الحب بأفق الحلول والديمومة، بما هما أفق المطلق، الذي يسعى كتاب الوصايا، بشكل محموم للقبض عليه.

ب.موقف التدرج

- ليكن عالمك الباطني واسعا لا يحد، ليستقبل ويفرز، يمحو ويبقي، وليكن إيمانك عميقا، بأن لك أكثر من صورة، وأكثر من اسم، لحظة تعتم فيها الغرفة، وتضاء روحك، وتنسرج شمعة نائية في ركنها، هيئي ذاتك بحوار في المحبة، وأكثري من الملامسة، تدركي ما لا يدرك، لتكن طقوسك فريدة تخصك، تنتجها الفطرة لا الصنعة، خبئي جسدك وتدرجي في كشفه، فالمحب يأسر بالحجب: لأن الجسد فردوس، لا تناله النفوس بسهولة، ولا يعرف بالمراتب (ص١٨).

بعد العري بطاقته الإيحائية العالية، يأتي التدرج كموقف مركب يواصل تأثيت طقوس تجربة العشق في كتاب الوصايا. وعبر الوصل بين سلسة من الثنائيات الضدية يجد الجسد الأنثوي نفسه موغلا في مراقي العشق ومدارجه ومعارجه لبلوغ «اللذة العظمى» (ص142). وهذه اللذة «الفردوسية» هي قرينة العالم الباطن، الذي لا تبلغه الذات العاشقة إلا بالاستقبال والفرز، المحو والإبقاء، الإضاءة والتعتيم، الكشف والحجب، فكلما وصلت الذات العاشقة بين هذه الثنائيات بمعرفة الصوفي وسعيه، كلما عرفت كيف تتدرج في مراقي العشق بفطرتها، لتبلغ غاية السعادة الجسدية. ولبلوغ هذه الغاية فالذات العاشقة مدعوة أولا لتهيئ ذاتها بأفعال الكلام والملامسة، وضمن ذلك تكون الحواس جميعها مدعوة لتأسيس طقس التدرج، بما يؤمن، في النهاية، بلوغ أقصى المراتب وهي الحلول.

ج. موقف الضم

- احرصي على أن يمر الماء بين حشائشك، لأن في ذلك متعة ولذة للعاشق ولك، والحشائش الخبيئة تهيج إذا وقع البصر عليها. وتأذن بالدخول دون طرق، وتلتف على الباه فتحييه، فتذكر رأسه، وتهتز في العتمة المضيئة، فلا تعودين تعرفين من أنت، ولا في أي مكان وزمان، تضيع لغتك وتخلقين لغة لم تعرفـــي أبجديتهـــا مـــن قبـــل، ولدتها الحالة، وأحياها الحال، ثم تبدئين معراجك (ص٢٩).

-... ولتكن المداواة بالضم والقبلة ثم الجماع، فإن ذلك نعم الدواء (ص172).

يحتاج الحلول الجسدي إلى الضم وما يستتبعه من أفعال. فالعري والتدرج كمواقف صوفية وأفعال بيداغوجية وفلسفية للحب تبقى، مع ما تنطوي عليه من انعقاد للنية الخالصة والسلوك الكريم، أفعالا لازمة إذا لم تقترن بضم يتعدى بها إلى الغاية العظمى: بلوغ السعادة الجسدية الخالصة، وما ينجم عن معارجها من تحولات تطال مفهوم الزمان والمكان كما تطال مفهوم الذات واللغة. وهنا يظهر أن معارج الصوفي لبلوغ السعادة الروحية هي ذاتها معارج العاشق لبلوغ السعادة الإيروسية. وما يعتري الذات الصوفية، في هذه المعارج من تحولات، هي ذات ما يعتري الذات العاشقة التي تتجه، بقوة العشق ذاته، نحو تجاوز الشرط البشري في الجسد الإنساني. إنها الممكنات القصوى، بل والمستحيلة أيضا التي يبدأ أدب الحداثة بالبحث عنها من داخل منطقة التوتر التي تجعل الحب في مواجهة الموت. مواجهة يتهيأ لها العاشق بكل ما يضاعف طاقته الليبيدية ويجعل لها فعل السحر. وهنا تظهر أهمية العطر والموسيقى وأفعال الكلام والملامسة واللثم والرشف في شحذ هذه الطاقة، التي تحفز عناصر الجسد المختلفة المصادر على الالتقاء والتصالح والتساكن في غاية إيروسية باذخة السعادة والإشراق. ويأخذ الجسد الأنثوي، ضمن هذه المواقف الجسدية كل استعارات المسكن الإيروسي: فهو الصدفة والغمت والبيت والميناء والشاطئ. استعارات تجعل الجسد منطويا على رمزية الأشياء الحميمية البالغة الصغر، والأشياء الكبيرة البالغة الامتداد.

ليس موقف الضم، في النهاية، غير التقاء الجسدين العاريين المصعدين برغبة العناصر في الاتحاد: حلول ماء الذكورة في نار الأنوثة بعد طريق ملتوية معززة بالسر. طريق حاول الشهاوي تدليلها في كتابه بمنطق الوصية التي  لا تكون شخصية إلا بعد أن تجرف معها، على سبيل البناء، تاريخا استثنائيا من ترات العشق. وبذلك يبني الشهاوي في وصاياه، ومن خلال إيقاع المراوحة، تجربة عامة بقدر ما هي شخصية لأنها تبقى، في جوهرها، مؤتمنة على القانون الأصلي للعشق باعتباره قانون الحرية والجرأة والابتكار. وكلما كانت لحظة العشق، بما هي لحظة تجمع بين مواقف العري والتدرج والضم، خاضعة لهذا القانون، كلما كانت لحظة منقادة بقانونها الداخلي نحو خلاصها الفردي، الذي يمثل خلاصا لتجربة الحب ككل وضمانا لانتصارها في مواجهة الموت.

المراجع

٭ أحمد الشهاوي: الوصايا في عشق النساء، الكتاب الأول، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2003.

- أدونيس: كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل، الأعمال الشعرية الكاملة. المجلد الأول، الطبعة الرابعة، دار العودة، بيروت 1985.

- يقول الشهاوي: «والكلام في الحب لا يحفظ ولا يعاد، ولا يستعار لكنه ابن الحالة والحال واللحظة والآن والفعل. استخدميه. ما أوتيت من فتنة زاحمة في الكلام»

 - الوصايا في عشق النساء، مرجع سابق، ص ٣٢.

- يقول الشهاوي: «...افرشي جبينك على ترابه، لأنكما خلقتما منه، وإليه تعودان عاشقين، اكتملا في الحياة والموت، اعلمي أن في موتكما حياة، اذكريه يذكرك». ويقول أيضا: «اعلمي أنه لا يسعك في الدنيا والآخرة غير محبوبك...فاستمسكي بمن رأيت أنه مرآتك الأبدية».

- الوصايا في عشق النساء، مرجع سابق، ص ١٣ و 124.

- يقول  بارت:

 - رولان بارت: درجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، نص الشهاوي من خلال مركب: الموت، العشق، الكتابة. فتماثل هذه الموضوعات، بمعادلاتها الثيمانية التي نقيب نتبادل معها البناء والإضاءة، يكشف عن عمق ما ينسج متخيل هذه التجربة في صلتها بالأسئلة الوجودية والجمالية التي تطوح بالذات الشاعرة.

ب.الدعاء: خطاب تلتمس فيه الذات المتلفظة عناية إلاهية تقوي عضدها في تجربة الحب باعتباره قدرا، محنة وخلاصا في آن:

- «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به».

من العشق.

-اللهم لا تلمني فيما لا أملك

وهو البح.

-اللهم أرسل لي شفيعا بين وبين من أعشق.

ثلاث خطابات طلبية، يتداخل فيها الإلهي مع البشري، وتحتمل فيها الذات المتلفظة وضعية المؤمن المتوجه لربه بالدعاء ليلتمس منه التخفيف والسند والشفاعة في تجربة الحب باعتبارها تجربة حدودية.

ج.الحديث النبوي: وتسوق عبره الذات الشاعرة موقف النبي (ص) من المرأة العاشقة.


تصميم الحاسب الشامل