بياض الشعراء وسواد العالم
«معمار البراءة» لكاظـم جهـاد

 

علي شبيب ورد


 النص الشعري عندما يكون بحثا مخلصا عن الحقيقة ، لا مجرد إشباع لرغبة ما، يتحول إلى ضرب من الجهد المعرفي الخلاق، الذي لن يتحقق دون مخيلة خصبة استمدت غناها من مرجعيات التجربة الحياتية والثقافية للشاعر. هذا النوع من الشعراء يستحق منا أكثر من وقفة وأكثر من احتفاء، لأنه من الشعراء العصريّين الرؤيويّين الذين لا حدود لحراكهم الاشتغالي. هؤلاء الشعراء «هم إذن مبدعون مخترعون، ومتنبّئون ويطالبون بالانتباه، لأن ما ينادون به، هو من أجل أعظم الخير للمجتمع الذي ينتمون إليه،»(١) حسب غيّوم أبولينير.

 ومن هؤلاء الشاعر كاظم جهاد، الذي ارتأينا الوقوف عند كتابه الشعري الثالث(معمار البراءة) الصادر من دار الجمل ٦٠٠٢، وذلك بثلاث إجراءات قرائية فاحصة لفضاءات مشغله الكتابي. فهو جدير بهذا الاهتمام، لأنه أكثر من شاعر.  

 ١- كفاءة المخيلة في تخليق نصوص ما قبل التدوين:

«مِعْمارُ البَراءَة»

 «صفحةٌ بيضاءُ هي روحه. لم يعلّموه معنى أنْ يكون. ولا هوَ عرفَ تطويعَ عدَمه.  والبياض الذي هوَ صفحة الرّوح يعذّبه دونَ انتهاء».

                      قصيدة - معمار البراءة - كاظم جهاد

 مع أن النقد محاولة يائسة، لترويض حصان الشعر الجامح، غير أنها لا تخلو من متعة متعبة، وأراني أقوى على تحمّلِ رهبة الصهيل، وغبار الحلَبة، وآلام الجولة.

 وبالرغم من أن الشعر عمل إبداعي يحلق عالياً في فضاء الفنتازيا، أكثر من أي جنس آخر، بيد أنه يبدأ حتما بمواجهة فلسفية لقراءة الوجود الزمكاني، ومن ثم إعادة إنتاجه مؤوّلاً في مدونات محرضة لقراءة وتأويل محتملين للتلقي. مما يستدعي مخيلة خصبة مجترحة من مران التجربة المتحققة في المشغل الكتابي للشاعر. وخلال المواجهة تنبثق أسئلة شتى، تكمن إجاباتها في خضمّ عملية إنتاج النص، كونها مخاضاً عسيراً يستدعي آليات اشتغال فاعلة في تشفير منظومة البث. إنها جبلّة ذواتنا الإنسانية في مواجهة منظومة مدركاتنا - الحسية والعقلية - لمنظومة مثول الآخر. وليس أمامنا من آخر، سوى هذا العالم - الإنسان والطبيعة - الذي تنتجه ذواتنا، بصور شتى متغيرة كل حين. صور تتنضد في الذاكرة، نعبر عنها بوسائل إنتاج - سمعية بصرية - متباينة في حضورها لدى الآخر - المتلقي -  تبعاً لمرجعيّات كفاءتنا الأدائية، المتشكلة من مدى توهج العلاقة بين ما هو حسيّ وما هو ذهنيّ في صور أو نصوص ما قبل النص. لأن الذهن يماثل نوعاً من المسرح، حيث تظهر عدة مدركات حسية، على نحو متعاقب، فتمر، وتعاود المرور، وتنسل بعيداً، وتتمازج في مواقف وأوضاع متغايرة لا حدود لها، بحسب ديفيد هيوم(٢).

 يمضي الشاعر (الرؤيويّ) بعيداً عن حياته، متجولاً في جزر نائية، تضاريسها وعرة وشاقة، باحثاً عن لقى كنوز المعرفة الكونية، ناسياُ قلبه الجريح الذي علّقه مُكرهاُ عند أولى بوابات الدهشة، دهشة التقصّي التي دامت عمراً من المكوث مع حيوات تقطن الأخيلة، حيوات بلا دم. لذا كان حرياً به أن يضفي عليها بعض حيوية وقليل تدفّق، بإعارتها شيئاً من دم يحبو في جسده، جسده الذي خرج منه رائياً، نكاية بالموت المتفاني في التربّص له فيه. وعند أول فسحة عودة من وعثاء التقصّي المعرفيّ، وبمحرّض عاطفيّ متطرف - قلب الأم - يكتشف الشاعر ليمونة معلقة عند أولى بوابات تقصّيه الأول، اختطفها بعجالة صوب تقصٍّ ثانٍ. ولكن بليمونة تقطر دماً، تأكّدَ له أنها قلبه الجريح بنصال اللوعة، دسّها في صدره عنوةً، لينحني قليلاً على حياته الفائتة المؤرشفة في المخيلة، ويستلّ من شريطها المنسيّ صوراً أعانته على تخليق نصوص ما قبل التدوين. وهذا المجتزأ من الديباجة يفشي ذلك: «إلى أُمّي أدين بهذه القصائد. فبأسئلتها وتداعيات ذكرياتها المديدة أعادتني هيَ إلى الشعر».

 وعلى ما تقدم، نرى أن تقصّي الشاعر، لإنشاء عوالمه الرؤيوية، يكاد تكون ثيمة مركزية موجهة للفضاء الشعريّ. لذا وجدناها مقترباً مقترحاً لإجرائنا القرائيّ، في كتاب (معمار البراءة) للشاعر كاظم جهاد، الصادر عن دار الجمل/ بيروت/ 2006، والمجزّأ إلى ثلاث مجاميع شعرية، الأولى (معمار البراءة) ضمت 40 قصيدة، والثانية (دراسة يد) ضمت ٧٢ قصيدة، والثالثة (هكذا أُعيد ابتكاركِ يا أريافي) وهي قصيدة تمفصلت إلى 30 عنوانا رقميا. وقد هيمنت في الكتاب القصائد السردية على التأمّليّة.  

 لا تحتاج بوابة الكتاب والمجموعة الأولى (معمار البراءة) منّا إلى عناء تأويل، لاكتفائنا بإيضاح الشاعر في هذا المجتزأ من الديباجة: «أمام مشاريع العالَم، السوداء في الغالب، تنشئ البراءة عمائرها». ولربما يتطفّل تساؤل: هل تنتمي (معمار البراءة) سيميائياً الى الشعر؟! نقول دون شك: فيها جرأة سياق. لأنّ الشاعر كوني التطلّع، خارجي الاشتغال، جبلّته متمردة على أناه والعالم، وضانّة في الأزمنة والأمكنة والمجريات، وروحه لا تأمن إلاّ لجنونها المعرفيّ في إعادة تشكيل ما تراه، بهمّة معمار وخبرة عارف وبراءة طفل. وفي إيغالنا لمتن هذا النص نتبين أن حياته «تبدو له مكتهلةً وفي الأوان ذاته مسكونةً بطفولةٍ لا تُحَد». لهذا لا يركن إلاّ لتخليصها من خرابها وسواد أفقها، بمحرّضات جمالية خارقة، تعصف بكيانه ليتشظّى على بياض روحه، حروف نوطة يقرأها فتمحى قلقاً، سعياً لبياضٍ آخر أكثر نقاءً. لا يحدث هذا عبثاً، بل بدهشة مجرّبٍ وجرأة طفل، لاستكناه مغزى الوجود، وهو يعرف أننا سنؤوّل مسعاه هذا بالقول أنّ «الباعثَ الأوحدَ لبقائه هوَ موسيقى تأتيه من خارج الوقت وتنبئه بأنّ بياضه هو كلّ معناه. وبأنّ جُلّ ما يقدر أن يفعله هو أن يُمعن في تبييض البياض».

 إنّ في التقصّي - الخروج - عودة، ويصح العكس أيضاً. وفي السّعيَين مغامرة محسوبة في مواجهة الخسارة. ونحن أمام عودة كينونة حية لا تقوى إلاّ على الاستعانة بخصب المخيلة لمواجهة هول حقيقة التمادي في غلق بوابات الفائت من الأيام التي يفصح عن تهيّبه منها جهاراً: «سأقول فحَسب/ إنّ خوفاً تلبّسني/ ولسنواتٍ لا تُعَد/ جعلَني أَرْهَبُ حقيقةَ أيّامي». هي عودة لتقصٍّ آخر، لتدوين سفر كائن فقير، مجرّد- عن اختيار وقناعة- من كلّ احتيال .كائن هويته النقاء، وطموحه العوم في بحار الحلم، دون تجاوز على حق الآخر إبّان التجذيف لنيل الأماني. كائن ما تلبسته قطٌّ خطيئة، رغم فخاخ الظلام، وعتمة الآفاق، وقلة الحيلة. في عينيه ، سليفون براءة، وروحه قطنة تكتنز البياض وتنسج خيوط سنارة لا تصيب، إلاّ ما يُقَطِّع الخيوط، في بحر يجلب العثرات أبداً لمن لا يرتضي مسّ مشاعر قرينه، لذا تراه يعاشر الخسارات مخافة أن يهدم حلم أخيه: «عندما يخطو الواحدُ منّا/ فَطويلاً كانَ يتحقّق/ من أنّه على حُلمِ جارِه/ لا يدوس».

الشاعر يفتح قلبه لاحتواء البحر كلّه، علّه يبلسم جراحه، التي قرّحتها رحلة العوم الوعرة منذ أول تجديفة وحتى ارتطامه باليابسة، حيث الاكتواء بجمرات الهجرة، أملاً بنيل بغيته في استعادة كنهه بسعي يرتقي به إلى التحرّر من عدمه ويمنحه الخلود، كمبرّر مقنع لجدوى وجوده: «وفي غفلةٍ من الملائكة نبتَ لي من شدّة الوجد جناحان. منذُ ربع قرنٍ وأنا أجابهُ صخبَ المارّة وجحودَ الأصحاب بخفقِ هذين الجناحين، خفقٍ ميمونٍ لا يهدأ إلاّ ليُعاودَ الانطلاقَ بأوارٍ أكبرَ وعافيةٍ أشد». وهو لا ينتقل بشعره للماضي، بل يستلّ ماضيه صورةً صورة من الذاكرة، وبالمشغل الشعريّ يعيد إنتاجها مزدانة بسحر ريف الجنوب الغافي على وسائد الاكتناز في متحف روحه الأبيض العبق بمسك دموع كريات بيض، هي قرابين دائمة في طقوس جراح قلبه المجبول على نشدان الآخر رغم مشارط مراميه الموغلة في الإيذاء.

 ريف الجنوب بقاريته اللاذعة إلى حدّ الوله وبلهفة حيواته المالحة إلى حدّ السبخ، ينهض ناعساً يفرك مقلتيه بآهات الشاعر، محدثاً دوياً في قلبه وطوفاناً في روحه وهي تطاوع غنج غابات القصب والنخيل الحافلة بالخنازير والبط والطيور المهاجرة وحشرات اللسع ودخان المضائف وبيوت القصب النابتة على ظهور المسطّحات المائية، مشكِّلةً فينيسيات قصب موشومة على رقاع الزمن. كأنها سجاجيد ماء ملونة مفروشة من بقايا دموع أحلام أسلافه السومريين. (الأهوار) بكلّ سحرها كانت تقطن حناياه الشاعرة، ولكن «كمثْلِ برتقالةٍ في جوفِ الماء/ يرقد في أعماقيَ الريف/ بدونهِ أتقدّم في العالَم/ محروماً من جانبٍ من الكيان/ الجانب الأجمَل ولا رَيب».

 المصير ذلك اللغز المحير لسلالات الفلاسفة والمبدعين، حملة مشاعل الأسئلة الكبرى، يثير لدى الشاعر منظومة البوح الجنونيّ، لإنتاج نصّ حروفه نهلت توقدها من جموح مذاكي مخيلة فرسانها الأسئلة الحَرّى لاصطياد فرائسها، الأجوبة. هو اختيار لطريق صعب، فيه مغامرة في الوعورة والمجهول والغرائبيّ المهلك، المكتنز على لذة مواجهة، وهول صدمة، وجمال مسعى: «اليومَ غيّرتُ مسعايَ كلّه/ وها أنا/ بالعُنف كلّه أذهَب/ لأرتطم/ بمصيري». جمال المسعى يكمن في تواشج أطراف اللعبة المقترحة، أملاً بلذة المغامرة في تحدّي العماء وفضح خوائه، وذلك بطرد الكينونة عن مركز الخوف صوب أقاصي مدارات الكون، نشداناً للحركة في الماوراء الزمكانيّ، لتحقيق حياة لا تذبل، ربما هي جنونية، غير أنها ممكنة، بوصفها من صنع تطلّعات الشاعر. وربما هي شاقة وعسيرة - كونه صيّاداً وفريسة في آن - لكنها مغرية، لتماديها في الجنون: «سأجلس/ على شواطئَ خطيرة الانزلاق/ سأخاطبُ الدّلافين وأصر/ صريرَها الحادّ نفسَه/ مثلَها سأتقلّبُ في أوقيانوسات/ من صنْع هوَسي».

 وانعطافاً على قراءة عجولة لأسلوبه الكتابيّ، نشير إلى هيمنة آليات السرد على مجمل مكونات الخطاب الشعريّ. غير أنه ليس سرداً مجرّداً بل مشحوناً بشفرات عاطفية دائمة التوهّج. ومزداناً بتنويعات إيقاعية أكسبته مناخاً غنائيّاً، استمدّ سحره من شجن المواويل السومرية. وذلك بمغامرة مجرِّب غير هيّاب من تجواله - المحفوف بالمخاطر - في غياهب النثر، معتقاً الشعر من أغلاله، ليفتح بواباته على كلّ جهات النثر، لتعصف رياح التغيير بأقبية المألوف الشعريّ المغرية للذائقة الكسولة المعتادة على السهل اللاّ ممتنع. متعاملاً مع هكذا تضحية، بمراهنة جادّة على صدق ونقاء مشاعره، وجماليات صور المكان الغائر في ثنايا أعماقه، حفاظاً على نكهة المكان البدئية، المستمدة من سحر أساطير أسلافه السومريين المسكونين بدهشة طفولة كونية.

  ٢- يدٌ تبتكر الألم وشاعرٌ ينزف الرّؤى:

 «دراسة يد»

 «من جسدي هذا سأَخرج/ جسدي الذي يعتقد الموت/ أنّه قادرٌ على انتظاري فيه».

                 قصيدة  - الخروج  كاظم جهاد

 إن مغادرة الكينونة لـ (الأنا)، عالم الذات الساكن، للانشغال بالتقصي لإقامة علاقة مع (الآخر)، العالم الأرحب المتحرك - الإنسان والطبيعة - تستبطن رؤية إنسانية عالية الكفاءة في قراءة وتأويل الوجود بأزمنته وأمكنته وحوادثه. وبالتالي فهي تمثل انتصاراً على الأنانية والسكون والبغضاء والموت، واحتفاءً بالشراكة والحركة والمحبة والحياة. كما أن انشغالها بشقيه - المعرفي والعاطفيّ - ينطوي على الحبّ في أعلى مستوياته، بوصفه خروجاً للبحث عن جوهر الذات، وتأكيد وجودها الإنسانيّ، بانفتاحها على العالم والتماهي معه، لأن الحبّ هو «قوة للخروج من - تناهي - الإنسان ليعانق في الآخر - اللاتناهي - ويحقق بهذا الوحدة المفقودة»(٣) وفق فيلسوف اللاهوت بول تيليش.

 وقبل أن نلج متون قصائد المجموعة الثانية، تستوقفنا بوابته (دراسة يد) كمركّب علاماتيّ يضمر متناً، ويفضي إلى بوابات متونٍ أخر. وبمعنى آخر هي ثريّا معلقة تستدعي منّا نظرة تأمل تفضي إلى تأويل، لأن العلامة هي ببساطة «شيءُ ما يقوم مقام شيءٍ آخر، من وجهة نظرٍ ما أو بصفةٍ ما»(٤) حسب أمبرتو إيكو. وهذا ما يحيلنا إلى مفهوم (التناص) مرجعياً مع مركب علامي سابق، لغوياً وطقوسياً (قراءة الكف) الذي أفاد منه الشاعر، كطقس اشتغال باراسايكولوجيّ مألوف انطلق منه لإجراء كشف معرفيّ ذي بعد فلسفيّ، بحثاً عن أجوبة لأسئلته المتناسلة عن المآل، باعتبار اليد أداة اكتشاف مؤثرة في تطوير مهارات العقل البشري عبر العصور. وعند غورنا في المتون، نلمس ما ذهبنا إليه في هذه اللعبة الشعرية: «وددتُ لو أسألها عن تاريخي/ عمّا يخبّئ لي الغد/ أو لو تهديني إلى مكان/ يبْطل فيه أخيراً بحثي/ الذي لا أعرف له/ من موضوع». اليد لديه، هي أكبر من الكفّ، ربما مجرّة أو قارة أو غابة، وهي في تعرّقاتها وأخاديدها وغضونها المبهمة، تمثل مدونة هائلة لمنجزها العريق ذي الخطاب المعرفيّ: «غضناً غضنا/ يرتسم تاريخها الفريد/ ونبضةً فنبضة/ تنطق بخطابها، هي اليد».

 وهو يحاول طرد أية فكرة تثنيه عن مسعاه في استدعاء عوالم بكر ما زالت تحتفظ بنكهتها الأصلية منذ حرثت طفولته مسالكها فيها. سعادته الغامرة تكمن في ابتكار أخيلة تطرد آلامه ليتفرّغ الذهن لاستقبال مشاعر جديدة - رغم وهمها - إلاّ أنها تقنعه بأنه موشك على تجاوز ضراوة الألم: «أنفُخُ على الفكرة حتّى تتبخّر/ وأروح أجرّب فراغَ ذهني/ أبتكر نرانا شخصيّة/ وأقول الوداع لكافّة آلامي/ أُقْنع النّفس بأنّ أحبّائي ما ماتوا/ بل غيّروا فحسبُ مطارحَهم».

 إنّ قدرته على تفريغ الألم تحوّلت لديه إلى جبلّة، حتى لو كان الألم ضارباً في الهول، لقدومه عارياً مثيراً للقرف والاشمئزاز من صور الخراب الذي طال خمائل صباه، المعروضة آنذاك من أخيلة أحبته الناجين فراراً من أفران كارثة بلاده، التي أذكاها الفرّان المسخ، ونام في حفرة فضحت سواد مراميه: «يحدّثونكَ عن مسوخٍ تتناسل/ في ظلّ الواحات/ عن أحلامِ ضفادعَ لا تغادر الشطوط/ وعن مسابقاتٍ للركض/ تُخاض بين سلاحف الأمس واليوم».

 في رحلة البحث عن الذات عبر مسالك لا تبدأ لتنتهي، ولا تنتهي إلاّ لبداية، اتجاهاتها شتى، وتضاريسها أفواه ضوارٍ ومتاهات أعاصير وحمم براكين وأنفاق مظلمة، اقتحمها كابحاً وحش الرغبة، مطلقاً العنان لأجنحة البياض، وهو يتحسس طريقه بأنامل الفطنة والمهارة، ناكشاً السواد العالق في أروقة أناه، بمهاميز التطلّع، مع ما في سعيه من وجع لجسده وتعميق لجراح قلبه، باعتباره الصيّاد والطريدة في آن: «لا أعرف كم عضواً تهاوى منّي/ والتّرقيعة التي تمضي الآن/ في طرُق العالَم/ هي الكائن المُضبَّر الذي ينوب عنّي». ومع الوقت تمسي جبلة تفريغ الألم - المقاربة للتطهير الأرسطيّ - إلى حكمة أثيرة لديه: «تطويع الألم» بالجهد المكابر على الوجع، والإكثار من الغضون على المُحيّا، بالوثوب المتواصل إلى ذرى التفرّد. هو لا يركن للقناعة، فهي كنز الكسالى، الهيّابين من المروق، النائحين في المفازات، الضاحكين على التلال بشفاه مستعارة، الغارقين بالشبهات، المتطيّرين من التجديد الجالب للتّغضّن: «حكمتي الوحيدة هي هذه:/ تطويعُ الألم/ فأنا لستُ الباكي في الصّفوف/ لا ولا أنا/ مُلفِّق ابتسامات/ إنّني أكره حاملي الأقنعة/ وأكثرَ منهم/ أكره مَن لا يجدّدون/ بغضون الأتعاب أوجهَهم».

 الخروج الحثيث لتدوين سفر كنهه الإنسانيّ، هو نهجه المهيمن على ما عداه، لتبرير جدوى وجوده. وهو اختيار صعب، لا قِبَلَ للحياتيّين على تبنّيه، لما فيه من تعطيل للمتع ومقارعة لكمائن المغريات التي يقع في حبائلها طلاّب العيش الرّغيد بأيسر وأقصر السبل. وهذا دون شك، بحاجة إلى متبصّرٍ واعٍ مدجّجٍ بما يؤهّله لمنازلة هول المحتمل المربك للخدّج والعاطلين عن الأمل. شاعرنا اختار مواجهة الطوفان، لم يصنع فلك زيوسدرا، أو يطلب كهف زرادشت، كان القلب سفينته، واليد مجداف تمرّده. وبشيمة أسلاف بيض، قلّم أظفارَ حميّته، ودكّ حصون توجّسه، ومضى يمعن غزواً في جزر الحكمة. ومن زبد الموج، لملمَ قطنَ كفاءته، وحشّدَ أتباع رؤاه، لغزلِ خيوط تفرده، وريافة جراحَ سفينته، ونشر أشرعة براءته البيض، صوب عوالمه المثلى، ليُلبِسَ صيرورته كنهاً آخر لا يتوجّع، كنهاً يتمادى في الإبحار، بحثاً عن أكوانِ خارج ذاكرة الموت وأروقة الحاضر، مرتطماً بيابسة دون حمامة، يابسة تمشي فيها صيرورته مرحاً وبحلّتها البيضاء، ظافرة بخلودٍ لا ينضب:

 «الجولة التي إليها/ يتوق الموت/ أبداً لن تحدُث/ لأنّ وعيي سيكون/ تبخّرَ تماما/ ظافراً هناك في عدَمه/ أو في كينونته الصّريحة/ أبعدَ من كلّ حياة/ ومن كلّ موت».

 هكذا هو جوالٌ عنيد في ما وراء الوجود، شاهراً سؤاله في المطلق بحثاً عن كنه حرّيتة الإنسانية، فهو، وبغير توجّسٍ، يمرّ وحيداً أمام أبواب عدمه، نكاية به، لانتصاره المتواصل على فخاخه المفضية للخذلان والعطل بفعل اليأس. لا أحد يثنيه عن دوامة تجواله في عالم غاب أسود، أملاً في ثقب ضياءٍ، منه ينشئ سلّمه لعوالم ضوئية، عوالم من وجد وبراءة، لا تخلق أعداءً وهميين، لتديم ولائم طاحنةً، وما من جدوى فيها لحواجز ألفة: «في الوصول لا يكمن هدفُه/ في السَّير تتأسّس له أوطان/ لا حروبَ فيها/ في خطوهِ تقوم/ هويّةٌ ليس تعرف الانقسام».

 ورغم تقصّيهِ وحيداً بين قراصنة الطوفان، لكن شغاف سفينته مزدهر بوشومٍ لا تحصى، هي ذاكرة لجراحٍ غائرةٍ، تروي قصصَ أحبّاءٍ ما غادرهم قطّ، مع ما يبدو من بُعد. فلكلّ واحدِ وشمٌ يرمقه بحنوّ، ويقرأ فيه تعاليم الوله الشرقيّ. تلك سجية مَن غادر دفءَ طقوس الرحّمِ رغماً عنه، أن يبني في القلب معابد شاهقة، لا سقف لها، ولا سدنة، ولا زوارَ يخدعهم دجّالٌ بشفاعات لدخول جنّة وهم. معابد ليس بها من هذا شيء، هو السادن والزوّار أحبته، تستدعيهم آهات الآلام، فيطوفون جميعاً حول الأضرحة المدهشة فوق جراحه، أضرحة تسمع منها موسيقى ولَهيّة لا معقولة، بل (ميتا-صوفية) تتخلّلها أشعار فصاحته، يتلوها أتباعٌ من وحي الشعر، بهيئاتٍ لا مرئية، وبأصوات لا تُسمع عن بعدٍ أبداً، وسماوات معابده تذرف مطراً. كلّ دمعة منه تعويذة مغفرة يرجوها من كلّ المفجوعين بفراقه، تعويذة معفّرة بطيوبٍ تنفثها مباخر آلامه. ما أقسى النفي إذ هو حاضنة لتنين العشق الذي يأكل بنهم من كيانه ويرتوي بلثم منابع دموعه، وما أقسى قلب من يقابله بالظن: «يا أصحابَ السّائر الوحيد/ إنْ هوَ مِن بعيدٍ ناداكم/ فاحفظوا عنه مأثرةَ صمته/ وإذا ما/ في عرْض المسافة/ لوّح لكم بيَدٍ مضطربة/ فلتعذروه/ آفة الهُيام تُحْدِث فيه/ أحوالاً عجيبة».

 فيما سبق شكلت اليد مدخلاً مركزياً لسياقات عمل الشاعر في هذه المجموعة من الكتاب، أو هي جذوة تحريضية لاستنفار أدوات بوحه الشعريّ، منذ نصوص (أناه) ما قبل التدوين، ومروراً بنصوص (أناه) خلال التدوين، وانتهاءً بـ(أنا) نصوصه ما بعد التدوين، والمواجهة لـ(أنا) التلقي. إن مدخلاً كهذا يحيلنا إلى الاعتقاد بأنه يقول: الآلام التي ترون، من صنع يدي. لم يعمل بطريقة قرّاء الكف، الآخذين بالإفكِ سبيلاً لإرضاء السّذّج. بل راح برؤية سرياليّ يجوس خرائط يده، مصطحباً إيّانا لولوج أقبيةٍ تفضي لمغاور آلامٍ مفتوحة على عوالم مديدة وبلا جهات. يده تفكر وتبتكر وتتأمل وتنقب عن مسالك رؤاه وفي داخلها. ولقد ساقته بحنكة لخروجِ صريحٍ مضنٍ وحثيثِ على حياته، شاهراً فأسَ عدم رضاه عن جبروت شواهق الظلمة، معلناً مسلّة الضوء، المؤسِّسة لمدن البياض. يده مصدر قلقه ومبعث ألمه وإزميل حفريّاته المعرفية، منذ أول صرخة رحميّة رمته على رمل الوجود، وحتى آخر دمعة فضحته على جليد المنافي: «كان ينبغي السّفر دونَ وجهة/ كان ينبغي إعادةُ ابتكار/ الوطنِ الهويّةِ اللّسان/ تجديدُ الهواء/ حيثما يندر في البريّة الهواء/ كان ينبغي إذلال المسافة».

 وأخيراً نتساءل: أية قصيدة كتبها شاعرنا الخبير بالفرنسية، لغة ثوريّي الشعر العالميّ؟ وسنستعير الإجابة من رأي بول شاؤول عن الشعر الرومانطيقيّ الفرنسيّ والألمانيّ وبكل حركاته، الغنائية والرمزية وحتى السريالية: «إنها القصيدة الكيانية، المتداخلة، في عمق القلق الإنسانيّ، وفي عمق حالات وأشكال المعاناة الإنسانية، إنه بحثٌ عن مطلقٍ وجوديّ، دائب، ومستمر، يكرّر السؤال الأبديّ بين الواقع والمطلق، بين الزمانيّ واللا زمانيّ، بين الحريّة وحدودها ومظاهرها وتجلّياتها» ٥.

 أطلّ علينا الشاعر كاظم جهاد بكتابه الشعري الثالث هذا، بعد كتابيه «يجيئون أبصرهم» بغداد (٤٧٩١) و«الماء كلّهُ وافدٌ إلي» (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنّشر، عمّان- بيروت ٩٩٩١)، لانصرافه الجادّ لاهتمامات معرفية أخرى، حيث الدراسة الأكاديمية (الدكتوراه) والترجمة والنقد الأدبيّ والبحث الفكريّ.

 وفي هذا الكتاب ضبطناه متلبّساً بالشعر، ووجدناه متّهماً بجنحة مُخلَّة بالمألوف، بحاجة إلى ذائقة قادرة على قراءة وتأويل كتابٍ، دوّنه مبدع له أكثر من مخيّلة ولغة وجرح. ولعلّنا في جولتنا المضنية واللذيذة هذه، حول عوالمه المتمادية في التوتر والتنوع والتناسل، قد أمسكنا بأهمّ جمرات توقد بوحه الشعريّ، وعسانا، في هذه القراءة، أنصفنا واحداً من أهمّ الشعراء والمفكرين والنقاد والمترجمين العرب.

 إشــــارات

 ١ - محاضرته (الروح الجديدة والشعراء) مجلة الثقافة الأجنبية- بغداد- العدد ٢- 2004-   ص79.

 ٢ - أصول أدب الحداثة، مايكل. هـ. ليفنسن، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992،    ص 160.  

 ٣ - كتابه الحبّ والقوة والعدالة، مجلة مسارات العراقية 2005، العدد ١، ص 13.

 ٤ - السيميائية وفلسفة اللغة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2005٥٠٠٢، ص 4٥٥.

 ٥ - الشعر الفرنسيّ الحديث 1900-1980  ، دار الطليعة، بيروت 1980، ص43.  


تصميم الحاسب الشامل