|
|||||
|
من خلال ديوانها (عودة ليليت)(١) انطلاقا من تجلي انفتاحية الخطاب على التجارب الإنسانية والأنماط الكتابية الأخرى المجاورة للشعر والمتداخلة معه خطابيا ومقاصديا، وقد عودتنا جمانة حداد على ارتياد آفاق رحبة وسماوات شاسعة لا تعكر صفوها السحب السود، ولا تعوزها الخرائط ولا تحدها الجغرافيات مهما تعددت وضاقت، فهي دائما، في كتاباتها، تتعمد خرق الحجب والعبور إلى المتشابه والمختلف في التاريخ والحضارات، بناء على ثقافتها الشاسعة وخبرتها الكبيرة بالمجتمعات لغاتها وتواريخها وعادات شعوبها، لتمنحنا نصا ضاجا بالحيوية والدينامية، ثريا بالطقوس الإنسانية والغيبيات والمعتقدات، الواقعي منها والمتخيل، نصا فاتنا، آسرا، قلقا، مثيرا للأسئلة والجدالات والنقاشات، قمة في التوتر والصراع والتجاذب بين العناصر والقضايا المحرجة. ونجدنا مرغمين على التوقف عند نقطة أساسية وجوهرية، وإن كانت تبدو في الظاهر عبارة عن عتبة ليس إلا، فالكاتبة لم تعين طبيعة الجنس الذي تصنف فيه مكتوبها، بل تركته حافيا، عاريا من أية إشارة تجنيسية، وهذا ليس بالأمر الاعتباطي بل إنه عمل مقصود ينطلق من وعي الذات الكاتبة بأهمية التجنيس كعتبة أولية تبيح قراءات معينة، وتغاضي الكاتبة عن وضع إشارة معينة ينبع عن دراية بفخ افتراضية وضع العمل في خانة أجناسية معينة، وعن معرفة بالمطبات التي قد توقع فيها منجزها، إن هي كبلت جموحه بإشارة ما، وإذاً، فالتهرب من التعيين الجنسي للمكتوب يمنح للكاتبة فسحة للتنصل من المحاكمة النقدية، وهامشا للإبحار والانطلاق والتهرب من كمائن المضايقات القيمية ذات البعد النقدي الكلاسيكي. وهذا يبرز قمة الذكاء الإبداعي الذي تتسلح به الشاعرة إزاء التعامل مع تجربتها، فهي تود أن تورط المتلقي في فخ اكتشاف الجنس الذي يحوي العمل الإبداعي عوض أن تورط نفسها وهو خيار له ما يبرره، على اعتبار أن القارئ لم يعد كائنا استهلاكيا تقبليا، بل كائنا منتجا مشاركا في بلورة الرؤية والرؤيا النصيتين، ويذهب البعض إلى أنه ليس ضروريا أن نصنف العمل الإبداعي ضمن أحد الأنواع المعروفة، فالكتاب وحده ما يهمنا لأنه يقف وحده بعيدا عن الأنواع وخارج تصنيفات: نثر، شعر، رواية، شهادة، وذلك بطريقة يتأبى معها الكتاب على التصنيف ويتنكر للقوة التي تدفعه إلى تحديد مكانه وشكله، فجوهر الأدب هو الهروب من كل تحديد جوهري ومن كل تأكيد يجعله ثابتا أو واقعيا؛ فيما تنصرف آراء نقدية أخرى إلى أن جنون الكتابة - لكي يثبت ذاته- لابد أن يحطم ما هو قائم، وأن يلغي الأنواع من الإبداع(٢). أما جمانة حداد فهي، انطلاقا من تجربتها هذه، تصر على أن تكون الأنواع متعايشة متصاهرة داخل النوع الواحد أو الكتاب الواحد، فذاك من شأنه أن يلغي المسافات بين طقوسيات الكتابة وبين الذوات المبدعة نفسها بما يدعم حركية الإبداع ويعمق أثره على متلقيه ويلحم نسيجه، الشيء الذي يجعله خطابا متضما منسجما، في إطار الكلية النسقية والنظام التركيبي اللذين يخضع لهما بشكل يخدم الدلالة والقوالب الشكلية في آن واحد ودون أن يغلب أحدهما على الآخر. وإذا كانت الإشارة التجنيسية تغيَّب على ظهر الغلاف كتوجيه قرائي وضبط لمسار التلقي، فإن الكتاب لا يخلو، بداخله، من مجموعة من المؤشرات التي، إن لم تكن تصنف الكتابة في خانة أجناسية معينة فهي تلغيها وتدحض معياريتها لتثير انتباه القارئ على أن العمل هجين ومتوتر ومتمرد لا يقبل الحصر النوعي ولا يذعن للترويض، ليست غايته النجاح في احترام القوانين والأقانيم واقتفاء الأثر، ولا همه جلب رضى السدنة وحراس الحدود وجمركيي التقاليد والأعراف والثوابت، بل مقصيدته الأجل هي أن يعانق الدالَّ الكوني، وينخرط في صقل العمق الإنساني العنيد، حتى ولو على حساب الأنواع والأجناس والأشكال الأدبية العريقة في التنميط والتقعيد، فجمانة حداد قسمت كتابها هذا إلى أربعة فصول، كل فصل يتضمن أبوابا، غير أن ما يهمنا هنا، هو أن لكل فصل تصنيفه المتأبي على التصنيف، فالفصل الأول (المبتدأ الأول والمبتدأ الثاني) يندرج، إن صح القول، في خانة السرد أو الاعتراف، والفصل الثاني تصر الكاتبة على تصنيفه في باب الشعر، والفصل الثالث تقحمه في مجال الفن المسرحي، أما الفصل الأخير فتصدره بإشارة (نص) المشرعة على الانفتاح والمطلق دون أن تندرج ضمن صنف معين، ودون أن ترفض هذه الأنواع والأصناف في الآن نفسه، فقط، هي لا تحتمل الانصياع لمعاييرها (النصوص)، هي لا ترفض الأصل ولكنها عاقة له، متطلعة إلى أفق رحب يشرب الرؤى الذي تزحم الذات أمام تدفقات الخواطر المحمومة وانسيابية المشاعر المتضاربة في واقع بركاني يغلي بالتفاصيل وينغل بالجراح. واقع غير قابل تماما للاختزال والتصنيف، واقع أشد ما يكون المرارة والتمرد والعصيان، فإذا كان الواقع العربي، والواقع العالمي يزخر بهذه الفوضى ويحبل بكل هذي التناقضات التي تجعله غير قابل تماما لأن يختصر أو حتى أن يفهم، فكيف نطلب من النص الإبداعي الذي من المفترض أن ينهل من هذا الواقع بعض مواده، أن يتجرد من زئبقيته وعصيانه وانفلاتيته التي إن لم تكن ترمز إلى طبيعة الواقع المعقد، فهي تدخل في طبيعة العمل الإبداعي غير القابل للترويض والحصر والتقنين، ويفتح آفاق الكتابة، داخل المنجز، على المشرع والمطلق من القوالب والأشكال، فقد تأتى للتجربة قوة الغوص في العوالم المنسية والغرائبية والمسكوت عنها، وتَحَرَّضت لديها إمكانيات اقتحام جزر الرغبات المكبوتة فنيا ودلاليا، وتَهَيَّأَ لها أن تتمدد وتحْرن وتجفل من كل الأشراك الآسرة، من حيث لا تأتيها قوافل العسس لا من بين أيديها ولا من خلفها ولا من قدامها، إن الكتابة المفتوحة هنا، على الأجناس المتجاورة والنقيضة، ترفض أن تهادن القوالب والقيم والدلالات، بقدر ما ترفض أن تكون نمطية مكرورة تردد ما سبقها من تجارب، فهمُّها أن تصهر الرؤيا بدم جديد وتعجن القوالب بماء سحري يتخذ دسمه من هجاسيات المكتوب من التيمات والموضوعات المتحولة سياقيا داخل الجملة وداخل النص وداخل الخطاب، إن ميسم التجربة، في هذا المنجز، هو طعم التمرد الذي يطفح على فيضها البويطيقي، ورائحة الهيولي الذي يشتم من بعيد، هو الهدم بعد البناء، حيث يضحي اللاشيء ثابتا والثابت متحولا، وحيث ينصهر الكل في تماسات هجاسية لا يهدأ غليانها في حمة النص المستحيلة، وما يزيد هنا من انبهار متلقي هذه النصوص هو أنه يجد نفسه مشدودا إلى عوالم متعددة يمكن أن يكون قد تلقاها بشكل ما في ما مضى، لكنه الآن يراها من خلال رؤية انقلابية متحولة تفتت القوالب والعوالم لتعيد تركيبها بشكل مدهش، وأغرب من هذا أن المتلقي يجد نفسه متورطا في لعبة البناء والهدم هاته، من خلال ضرورة إعادة تركيبه لمكونات هذه العوالم بالشكل الذي تفترضه صيغ المكتوب، بعدما تمزقت نمطية هذه العوالم بفعل التحول النسقي الذي فرضته تجربة الكتابة هذه، ولفك شفرات النصوص الانتهاكية الموزعة على بياض المنجز، لابد للقارئ أن يكون مزودا بآليات التعامل مع هذا النوع من الكتابات الملغمة، الداهشة، ولابد أن تكون لديه قابلية الإبحار في متاهات التجارب المتداخلة التي تستنطق التيارات المتضادة وتجمع بينها مزيلة الحواجز الفاصلة بينها، جاعلة منها الرفيق بعد النقيض، بشكل متساوق، ولابد أن يتخلى، ولو أثناء لحظة القراءة، عن مراكمة القرائي، وأن يتنصل جزئيا عما يأتلف في مخيلته من أحكام جاهزة مسبقة، غير أنه مدعو للتسلح أيضا بزاد وفير من المعرفة بالتاريخ والميثولوجيا وعلم الأديان والأنثروبولوجيا وعلم الأنساق ولغة الجسد والسوسيولوجيا والمشترك بين اللغات والخطابات، وبالجملة أن يكون ملما بملامح الثقافات ومنطق التجاور والاختلاف بين أنماط عيشها وتعايشها، وأن يضبط مقاسات وترددات فهمها للعوالم والظواهر والخبرات، وهذا يرسخ الإحساس بشساعة ثقافة الكاتبة، ومدى الجهد الذي بذلته من أجل أن تُضَمن عوالم محكياتها كل هذا الزخم والثراء! ولنا هنا، أن نتأمل بعض ملامح هذا الثراء النصي، وأن نجس بعض نبض غناه الدلالي والشكلي والجمالي والقيمي، وأن نشَرِّح بعض ما تأتى لنا من اتجاهات المكتوب وأهوائه ومنافيه، وأن نعبر الخطوط الهجاسية التي جاس عليها، وكسَّر أقفالها، ليحكم عليها بالتعايش بين دفتي كتاب(٣) واحد لا لون ولا شكل موحدين له: ٭ الأنثروبولوجيا: تتخلل المكتوب بهذا المنجز المفتوح مؤشرات أنثربولوجية ثرة تثبت اطلاع الكاتبة على أبحاث عديدة تهتم بعلم تحول المجتمعات وديناميتها وأشجار أنسابها التي تؤدي إلى الشجرة الأم التي تتفرع عنها سائر الغصون من سلالات وأجناس وأعراق وما يستتبع ذلك من أنماط العيش وتعدد المعتقدات وتوالد التيارات، والتباس الخطابات وتناسل اللغات واللهجات. كل هذه المعطيات تتآزر وتتعانق لتؤلف عوامل بشرية وكائنات نصية تتأبَّى على القبض وتعصى الانتماء، وترفض أن تصنَّف في أية سلالة بشرية، فالعامل الذات الرئيسي (ليليت) عبر المنجز، والتي لم تولد ولم تلد، تظل شديدة الاعتزاز بهذه الميزة، مثلما تظل معتزة بكونها لا تضطر للانضباط لشرائع الأرض وخرائطها وجغرافياتها القيمية، ممهورة بالحضور والغياب والشكل الهلامي الآسر، مشبعة بكل الرغائب المؤجلة والشهوات القاهرة، مسلحة بالذي لا يفهم، من الحب والحقد والغرائز والشيطنة والحنان، متسربلة بكل قوى الإغراء والافتتان والإثارة، متلفعة بأصناف النعوت التي لم تتحقق في بديلها حواء: «أنا ليليت العائدة من سجن النسيان الأبيض، لبوءة السيد وإلهة الليلين أجمع ما لا يجمع في كأس وأشربه لأني الكاهنة والهيكل، لا أترك ثمالة لأحد كي لا يظن أني ارتويت، أتجامع وأتكاثر بذاتي لأصنع شعبا من ذريتي، ثم أقتل عشاقي كي أفسح للذين لم يعرفوني»(٤). وإذاً، فلابد من التذكير والتأكيد على أن العلاقات التي تصورها التجربة بين عوالمها داخل هذا المقول لا تخضع لمقاييس القرابة المتعارف عليها، لانتفاء شرطي البنوة والأمومة عند ليليت، الكائن المستقل الذي قادته أنانيته إلى أن يعيش خارج أنفاق العوالم الإنسانية، وإن كانت الكاتبة قد أسكنته على شواطئ البحر الأحمر كفكرة آبدة أو هجس سرمديّ، ورغم تطلع ليليت النص إلى أن تصنع شعبا رافضا للآدمية، شعبا من صميم الأنوثة الصرفة والأمومة الأكثر تطرفا في الكون أمومة امرأة عافت الذكورة ورفضت البنوة، خلقت من تراب فرفضت ما خلقت من أجله ففضلت أن تظل رديفة الغياب، ظلت وشما للتمرد والرفض، لا تربطها بأنساق السلالات خيوط ووشائج، ولاشجرة أنساب لها ولا غصون سوى التراب، فلسفتها أن تظل مشبعة بأقصى تفاصيل الصراع، ممهورة بالمتناقض الصارخ، محملة بالشيء وضده، حيث لا أثر ولا ظلال سوى البصم الغريزي اللايكتمل والجوع الشهواني اللا يشبع، هذا هو التأسيس الجديد لأنثروبولوجيا ميتة لا تسمها دينامية القرابات البشرية ولا تستطيع أن تحكي عنها مطلقا لأنها خارج الحدود التي يرسمها الواقع، مقيمة على الحدود الوهمية بين الممكن والمستحيل. ٭ الميوتولوجيا: اشتغلت الكاتبة جمانة حداد بشكل كبير على بنية الأساطير التي تعاقبت على تأسيسها ثقافات الحضارات المتوالية على بلاد الرافدين، باعتبار أن الأسطورة تشكل بنية من البنى التي تميز نسيج الذهني البشري على مر العصور، ولكونها من الضميمات التي تلحم الخطاب الفكري لدى الشعوب، وقد اختارت التجربة أن تستنطق الخطاب الميتولوجي لبلاد الرافدين باعتبارها المكان الملازم للثقافة العربية في تماسها مع الثقافات الأخرى، ولكونها البنية الزمكانية التي تحفل بتاريخية عريقة لتصاهر الأعراق والأجناس، فبلاد الرافدين تعتبر ذلك الجسر الذي تتعارك فيه التصورات، وذلك المحك الحقيقي لتلاقح وانصهار التجارب الإنسانية على اختلاف توجهاتها ومرجعياتها الفكرية والدينية واللاهوتية، ولهذا الاختيار الفني والجمالي ما يبرره دلاليا وشكليا، فالمبدعة تنطلق من الوعي العميق بأهمية استثمار الأسطورة في المكتوب، وقد أباحت لها كثرة معاشرتها للتاريخ والثقافات وتاريخ الأديان، أن تنتقي ما يخصب تجربتها ويعمق محكيها ويثري انسلاخها عن الخطي المتجاوز، وثمة ما يبرر هذا الخيار الاستلهامي ويثمن انخراطه في طقس المكتوب، إذ هو بمثابة الحنين إلى الجذور الأولى، والأصول الغابرة، والعودة إلى البدايات المشرعة على الفطري والغريزي، من أجل فعل أركيولوجي استكشافي يرحل بالتجارب صوب آفاق جديدة أو نحو أنفاق جديدة، فهي إما أن تتحول إلى أداة خلق وتحرر جماعي، وإما إلى كابح كبير على صعيد الجماعة، تخدم، في سياق تحول الجماعة، أنساقا سلطوية. إن للبدايات الأولى إغراءاتها، فهي تدفع بالمؤسطر إلى ملامسة تخوم الأكوان الميتولوجية، التي تحدثتْ عنها ميثولوجيات سابقة، ليساهم عبر حرتقاته الجديدة، في أسطرة، تقدم الأجوبة عن الوجود والأخلاق والمصير وتذكي عند الإنسان الديني/التقليدي، شوقا إلى أسطرة العود الأبدي، وحنينا إلى الأصول الأولى المقدسة، فباستثمار المادة المؤسطرة ومحاكاة بوادرها التي ابتدرها آلهة أو أنبياء أو أسلاف عظام، يضمن وقوفه في قلب الحقيقة، فالحقيقة ترتبط بالمقدس وتفجره في الزمان والمكان وتقع في المتن منه(٥) ، لهذا لن نجازف إن قلنا مع الطرح القديم، إن الأسطورة تساوي تاريخا مقدسا(٦)، وإن الظاهرة الميتولوجية بكل زخمها وفعاليها، هي ظاهرة داخل التاريخ وليست خارجه، وهي أساس الاجتماع البشري برمته، لأن الاجتماع البشري يتأسس في الوهمي والأسطوري، ويظل يشده الحنين إليها باعتبارها البدايات والأصول المشتهاة، والأسطورة -في حد ذاتها- محاولة الإنسان الأول في تفسير الكون تفسيرا قوليا، كما أنها دين بدائي، وأيضا محاولة لتفسير ظواهر الوجود وربط الإنسان بها(٧). وباستثمار جمانة للخطاب الميثولوجي وتحيينه، تكون قد نقبت في هيكل المنسي من الذاكرة والهوية، وأحيت جانبا من الذات المتراكمة حضاريا وثقافيا، ما أهيلت عليه أهرامات من التراب والنسيان، فقد كلفت نفسها مشاق حفر نتوءات الجسد الأسطوري لبلاد ما بين النهرين، باحثة عما يحوي رؤاها للعالم ويخصبها، على اعتبار أنه ليس هناك فاصل مكاني أو زماني بين موروث الإنسانية من أساطير، وأن الأسطورة لها جذور في العالم القديم والعالم الوسيط بل ولها جذور في كل آداب الدنيا ولدى كل شعوبها(٨). فكانت ليليت المادة الدسمة التي تفجر المنسي والمكبوت وتحشد كل المتناقضات والمنسجمات من الخطابات والسياقات، وكانت، بالتالي، المرأة الأسطورية المستحيلة التي ستعود (لتحيى حياة ورقية عبر النص على الأقل) وتملأ الكون بأسرار الأنوثة والشهرة والجنس وتقلم فحولة آدم واستبداده، والتي ستنتقم لسلالة حواء (ضرتها) من الإناث من رعونة الرجل وسلطته، ومن ظلم المجتمع وجوره وبهتان أضاليله التي يأسر بها توثب الأنوثة وفيضها: (أنا الجنسان ليليت. أنا الجنس المنشود. آخذ لا أعطي. أعيد آدم إلى حقيقته، وإلى حواء ثديها الشرس ليستثب منطق الخلق، أنا ليليت المخلوقة الند والزوجة الند ما ينقص الرجل كي لا يندم وما ينقص المرأة كي تكون(٩) إن العودة إلى البدايات الأولى الغامضة، أو لنقل البدائية/البداية، تعد مغامرة من مغامرات العقل في محاولات فهم الطبيعة والأشياء، وهي مغامرة توازيها مغامرة الكتابة ذاتها، التي تريد تجاوز حدود الحاجة أو مجرد الكتابة، الكتابة التي تعيد كتابة أسطورة ليليت ولكن في سياق آخر، بناء على ما ذهب إليه أدونيس(١٠)، فإعادة ليليت إلى الحياة نصيا ومنحها فرصة التواجد والكينونة الحرفية على جدارات البياض فجَّر المكبوت السيكولوجي للمرأة بشكل متفرد الصوغ، هز الثوابت والخطابات الرسمية المتعارف عليها، وقد أتاح لنا هذا الصوغ الجمالي والقالب الفني، أن نسبر أغوار النداء الخفي للأنوثة، ونسمع صرختها البدائية الأولى وجهرها بما يكسر منها الخاطر والروح معا، سواء مما يصدر عن نقيضها الرجل (الذكر) أو مما يصدر عن مجتمع القيود والمخالب الطوطمية والأعراف المتهالكة، بطريقة لم نعهدها في منجزات سابقة لها نفس البنية المقاصدية والدلالية، أو مجايلة لها، فكتابة (ليليت) أو غيرها من النساء الأسطوريات (دليلة، بلقيس، عشتار، أرتميس، سالومي، نيفرتيتي، هيلانة، مريم) لا يعني استنساخها خطيا، بل إعادة تحيينها وصوغها وكتابتها في سياق آخر، وأسطرتها في أفق مغاير مبني على الحرتقة التي سرعان ما تنشأ عنها أكوان ميثولوجية جديدة لا يحصيها العد ولا يعوزها حد، فتشتد لحمة النص وتتأصل شعريته بشكل يصبح معه ذائع الفتنة والجمال والتوهج وغاية في الإشعاع، واستيعابا لرؤيا مميزة للكون والحياة واحتواء لأسئلة الوجود وقلق الإنسانية جمعاء، فالحقيقة أن الأسطورة تحدد القرابة الحقيقية بين النسيج البشري كله في كل مكان وكل زمان(١١). ولعل هذا التوظيف يضمن للنص على الأقل، هز الثوابت التاريخية والثقافية والسيكولوجية لدى القارئ، الذي يجد نفسه مقحما في تجربة تزعزع الثابت من أذواقه وقيمه وذكرياته، مؤزمة بذلك علاقته باللغة(12) والأشكال والدلالات، وغير خافٍ أن عملية الهدم والبناء هاته تتيح للتجارب أن تتفاعل وتتخصب وتلتمس لها حياة جديدة وعمرا مديدا داخل تجربة الكتابة عبر المنجز (عودة ليليت)، فصحيح أن ليليت عادت ونزلت من برجها العاجي لتنفعل بشكل جديد مع طقوس الكتابة، لكنها عادت بهلامية جديدة وهالة أرضية قوية، وهذا ينسجم مع مبدأ التحولات التي تخضع لها العوالم المستلهمة أثناء رسوخها في تجربة المكتوب، عملا بمبدأ يعمل على أن يكون من الممكن دائما أن تنشأ عن كل أسطورة أخرى. ٭ التاريخ وتاريخ الأديان: ليست الأسطورة وحدها ما يحق لها أن ترفرف طليقة في سماوات النصوص، بل يحق للتاريخ أن يتنفس هواء هذه التجربة بحثا عن أفق جديد، باعتباره مادة خامة يمكن تطويعها لخدمة جماليات المكتوب وبنيته الاستيتيقية الشاملة والمركبة، ومع أنه لا يمكن فصل التاريخ عن الأسطورة ولا الأسطورة عن التاريخ، بناء على علاقة التفاعل المستمرة بينهما، فإننا يمكن أن نلقي عبر هذا المقول نكهة التاريخ ونفحات المعتقدات القديمة، فأسطورة ليليت تعود إلى تواريخ بائدة صنعتها حضارات سالفة استوطنت الشرق: (السومريون، البابليون، الآشوريون، الكنعانيون..) كما أن ورود بعض الأسامي الأخرى، وبعض الأعلام يحيل على التاريخ اليوناني وغيره كطروادة، هيلانة، وعشتار، فيما تحفل التجربة بالإحالات التاريخية الدسمة لكل تواريخ الجزيرة العربية (ملكة سبأ، سليمان، سالومي، دليلة) وأيضا مصر الفراعنة القدماء (نيفرتيتي، كليوباترة...). «أنا المرأة المرأة، الإلهة الأم الإلهة الزوجة، تخصبت لأكون الإبنة وغواية كل زمان، تزوجت الحقيقة والأسطورة لأكون الاثنتين، أنا دليلة وسالومي ونيفرتيتي بين النساء، وأنا ملكة سبأ وهيلانة طروادة ومريم المجدلية. أنا ليليت الزوجة المختارة والزوجة المطلقة، الليل وطائر الليل، المرأة الحقيقة والأسطورة المرأة، عشتار وأرتنميس والرياح السومرية. ترويني اللغات الأولى وتفسرني الكتب، وعندما يرد ذكرى بين النساء تمطرني الأدعية باللعنات»(13). ويأتي طبق التاريخي مشبعا بالطقوسيات الإنسانية الخالدة (الإحالة إلى قصص آدم وحواء وخروجهما من الجنة، وقصة عصيان ليليت لطاعة آدم، وقصة الخلق الإنساني الأولى، وقصة سليمان مع بلقيس ملكة سبأ؛ وقصص الإلهات الأسطوريات في حضارة اليونان القديمة: (عشتار، هيلانة..) ولعل هذا الزخم الفياض من التداخلات والتوازيات هو ما منح التجربة ثراء شكليا ودلاليا، وجعلها تتسم بالفتانة والدهشة والانفتاح والدينامية. كما أن المنجز يستلهم بعض النفحات الدينية التي تعود في الأصل إلى الكتب السماوية القديمة، مثل سفر أشعيا الذي اقتطفت منه الكاتبة مقطعا استفتحت به العبور صوب المتاهات النصية، لتجعل منه المنطلق والنبع الذي تنفلت منه ليليت مترعة بالخراب والموت بحثا عن حياة مستحيلة تبتكر مآلها هذه التجربة(14)؛ وعلاوة على هذا نجد حضور السرد المفعم بالشاعرية، الثر بالحكايات الملغزة الداهشة التي تصدر غالبا عن راوٍ بضمير المتكلم(15). الشيء الذي يعقد من مسألة الحضور القوي للأنوثة المتخمة بالذاتية الموزعة على تفاصيل الإنساني (المرموز إليه غالبا بصيغة المؤنث)؛ الذي يكمن في صورة امرأة مستحيلة تستجمع شتات كل المتناقضات التي تحفل بها التجارب الإنسانية (إيجابية كانت أو سلبية) هذه المرأة التي لا تستضمر بالضرورة قضية المرأة بشكل خالص وصرف كما هو واضح بشكل سطحي، بل إنها تستبطن صوراً شمولية تحوي أسئلة كل البشر التي استطاع أن يطرحها والتي لم تستطع، تلك الأسئلة التي ظلت معلقة بالأصول المنسية والبدايات العريقة للفطري والغريزي والملغز، أما الشعر فهو ماء التجربة وميسم حضورها، ملح الكلام وسكره، خفاء النص وتجليه، صلاته التي لا تنقضي، لم يتنصل أي نص من الطفح الشعري ولم يتنكر لفلسفة صاحبته، التي تعشق الشعر وتهبه كل تفاصيل خلاياها ومسامها، تركته يعيش بداخلها ويتنفس دماءها ليستلهم قوة تدفقها وانسكابها، ويتزيا بحرارتها وتمردها وفورتها التي تنبجس كنافورة أسطورية: اخْلَعوا عَفْرَةَ الأسد عن رؤوسكم وارتدوا غيمي وليكن صيفكم الوحيد قبلة طالت على عنق وعناقا يطري العتبة. ولعل، هذا الثراء الغنائي الذي تحفل به هذه التجربة، وانسياقها إلى صقل الصور الشعرية وتدبيحها وتخصيب سكرها بجمال التضاد وغنى التركيب وقوة الصراع بين الأطراف والأجزاء، هو ما جعل الكثيرين يصنفون هذا العمل ضمن خانة جنس الشعر الذي ارتبط اسم الشاعرة به. وتستحضر التجربة طقوسا من المسرح في نص(عودة ليليت)، حيث تمتزج الدراما والشعر في التحام حميم، وحيث يتأتى للحوار أن يعانق الصورة والمجاز والرمز، وحيث يتاح للأسطورة أن توائم الواقع، ويتاح للمتخيل أن ينحبك من التفاصيل الدقيقة، وقد استلهمت الكاتبة هذا الشكل كي تفرغ فيه ما يشتغل في الذوات المختلفة من نيران الغرائز والرغائب المكبوتة، وما يصطخب في السرائر من هواجس منسية وأفكار مرجأة، ولكي يتاح للنفوس المحاصرة أن تتحرر وتعرب عما يستعر في أعماقها دون الإحساس بحواجزه، ودون أن ينوب عنها الرواة فيما تريد الإفصاح عنه، وكل ذلك من على خشبة البوح الأول الذي يمتح من الأصل صهيله وامتداده. وقد تعمدت تجربة الكتابة هنا، في هذا المنجز الشعري، أن تعزف على أوتار أشكال وقوالب متعددة، كما منحت هالة كبرى لشكل امتداد المداد على أفق الصفحات، وفتحت أفقا موازيا للانتظام الكالغرافي، ونوعت بين مظاهر تجلي السطر فوق الصفحات، وعددت من زوايا النظر، لتهب للمكتوب نفسا قراءاً آخر يستلهم قوته من السند البصري الذي يبيحه شكل انبثاق المداد وتدفقه وانتظامه، وهي بذلك دعوة إلى محاورة المنجز انطلاقا من لغة العين، وملامسة عناصر الرؤية هندسيا قصد بناء تصور شمولي يحترم شعرية كل العناصر في تماسكها وتلاحمها، لذلك فعملية التلقي داخل التجربة تحتاج إلى خبرة فن التشكيل، لأن المكتوب يستعين بآليات هذا الفن كما يستعين بآليات تجارب إنسانية متعددة، إذ نجد شكل قصيدة الشعر الحر مثلما نجد شكل قصيدة الشعر العمودي وشكل النص النثري وشكل النص الحواري وشكل البياض وشكل السواد وشكل الامتلاء؛ وعلى هذا الأساس تقوم التجربة على مبدأ التفكيك كعملية تقوم على نسخ (Démontage) أو فك آلة أو تشريح جسد إلى مجموعة من الأعضاء التي تكونه(16)، أو كقلب للمقولات الفلسفية مثل الحضور والغياب والأصل والفرع، وأسبقية الوعي على التمثيل، حيث لا نجد داخل هذه الثنائيات التقليدية تعايشا سلبيا بين هذه المفاهيم، وإنما عنفا تراتبيا عندما يهيمن مفهوم على الآخر(فرضيا ومنطقيا)، لهذا تسعى استراتيجية الكتابة هنا إلى نسف الثنائيات الميتافيزيقية، لكن قلب هذه التراتبية لا يمكن أن يتحقق عن طريق النفي العدمي أو الرفض المجاني، كما أنها ليست لعبا لغويا بدون مقصدية، ولهذا ينصحنا ديريدا أن نتحرك داخل هذا الأفق، أي داخل حدود النسق، وذلك من أجل خلخلته، وبذلك يكون موضوع الحضور أحد الأهداف المركزية لاستراتيجية التفكيك، ويعتبر الإنجاز (عودة ليليت) استنطاقا للمسكوت عنه داخل الممارسة البنوية، لأنها اقترحت موضوعات جديدة، وفتحت بذلك آفاقا لم يكشف عنها من قبل وذلك عبر استثمارها للمتخيل والميتافيزيقي واللاهوتي والعقائدي والتراثي والتاريخي في بناء منظومة نسقية إبداعية مدهشة، والبحث عن إمكانية الخروج من هيمنة اللوغوس والعقلاني (le ratio) باعتباره ميزة محددة للفكر الإنساني، هذا الثراء الشكلي والمضموني الذي تحفل به التجربة، يمنح قوة الامتداد لحرقة السؤال الوجودي كي يتناسل ويتناسخ عبر عوالم متاهية متداخلة أو متنافرة أو متجددة: دون أن يكون مهددا بالاحتواء أو الاندثار أو الانتشار، وببساطة، يمكن أن نقول، دون جزاف، إن الكاتبة في هذا المنجز، لم يكن يهمها النص أو مقصديته الدلالية والتداولية بقدرما كان يهمها الكشف عن التعالي المتعلق بجامع النص أو التعالي المتعلق بجامع النسج(٧١) (architexte- architexture)، بما يتيح الشعرية أن تتدفق وتبحر على سطح التجربة في مكان ما خارج النص، وفي إحداثيات تقاطع الحدود الفاصلة للأجناس المتعايشة كلها عبر عالم (عودة ليليت). صهارة القول ونافلته، إن تجربة (عودة ليليت) قد عزفت على أوتار شعريات متعددة لا تقبل الحصر والتصنيف، وغنت مواويل وأناشيد موضوعاتية عاصفة تحبل بالذاتي والإنساني في تواشج عنيف لا يقبل التطويع، واغتنت بأشكال وحيوات شتى وانتقبت بأزياء مغايرة، وهدمت الحدود الوهمية بين الكتابة والتلقي، هذا كله منح للتجربة هاته سر الخصب والغنى ووهبها وهج الغناء البدائي الذي يصدح بكل المواويل في عمق الإنسان مرتبطا بالأصل والامتداد وروعة الخلود. الهوامش: ١ - حداد جمانة: (عودة ليليت)، دار النهار للنشر بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، أيلول 2004م. ٢- يحياوي رشيد: » مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية « إفريقيا الشرق ط١ / ١٩٩١ ص 36. ٣ - أعطينا للمنجز هذا الوسم لأن الشاعرة نفسها تهربت من أن تسمه بـ«شعر»، فلم يكن بالتالي من حقنا أن نضع الأسامي ونصنف ما لا يدخل في باب اختصاصنا ما دام أن للكاتب الحق في تجنيس عمله أو تركه مفتوحا، ثم إن الكتابة هنا لها خصائص النص المفتوح الذي يتأبى على التصنيف والتجنيس، وإن غلب عليه الطابع الغنائي. ٤ - جمانة حداد: ( عودة ليليت) ص ٢٤. ٥- تركي علي الربيعو : (بحثا عن الأسطورة الخالدة) مجلة نزوى، سلطنة عمان، ع ٣٩ يوليو 2004 ص ٧٥ . ٦- مرسيا إلياد: (رمزية الطقس والأسطورة) دار العربي، دمشق، سوريا، 1997 ص ٩٠. ٧ - خورشيد فاروق: «أديب الأسطورة عند العرب»، سلسلة عالم المعرفة، ع284، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس ٢٠٠٢، ص20. ٨ - خورشيد فاروق: «أديب الأسطورة عند العرب»، سلسلة عالم المعرفة، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس ٢٠٠٢، ص٢١. ٩- جمانة حداد: (عودة ليليت) ص ١٣. ٠١- أدونيس محمد سعيد: (النص القرآني وآفاق الكتابة) دار الاداب، بيروت لبنان 1993 ص ٣٥. ١١ - خورشيد فاروق: مرجع مذكور ص٢١. ١٢ - رولان بارث: (لذة النص)، ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان، دار توبقال للنشر، سلسلة المعرفة الأدبية، ط٢، 2001م، الدار البيضاء، ص ٥٠. 13 - جمانة حداد: (عودة ليليت) ص 12. ١٤ - جمانة حداد: (عودة ليليت) ص ٩. ١٥ - يمكن، عبر المنجز، أن نقف على آثار لمحكيات سردية لا تصب بالضرورة في خانة نوع معين، ولا نحسم بكونها قصصا، ولكنها تحمل نسمات الحكي وتطمح بسماته: (تنظر الصفحات، ١١-12-90-91-92-93- على سبيل المثال لا الحصر) ١٦- جاك ديريدا نظرية الكتابة والتفكيك) أنور المرتجيو مجلة ثقافات، ع ٣ ، صيف ٢٠٠٢ ص 162. ١٧ - جيرار جينيت: ( مدخل لجامع النص)، ترجمة عبد الرحمن أيوب، دار توبقال للنشر، ط١ / 1985 البيضاء ، المغرب، ص 94. |
|||||
|
|||||