مُهْمَلٌ تَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِظِل

 

علاء عبد الهادي


١- صوت المنشد الشعبي: «منِينْ أجيبْ ناسْ، لمعناة الكلامْ يِتلوه، شبْهِ المُؤَيّدْ إذا حفَظِ العُلومْ وَتَلُوه، الحادِثَةْ إللي جَرَتْ..»

«سقطتْ صومعةٌ ذاتَ مرةٍ، على رأسِ معتكفٍ، كانَ ذلكَ معَ مغيبِ الليل، وقبلَ ذلكَ كانتِ الأشجارُ تلدُ فتياتٍ ناضجاتٍ وتختفي مع مغيبِ الليل، يَظْهَرُ للرّجالِ أثداءٌ هائلةٌ وغصونٌ.. مع مغيبِ الليل.. تَهرُبُ الذِّئابُ بصحبة القطعانِ المحبَّةِ.. مع مغيبِ الليل! يَنْفُقُ الرعاةُ مع مغيبِ الليل، تَفُكُّ كِسرةُ خبزٍ شًهوتَها للعفن.. مع مغيبِ الليل، فخرجَ الناسُ يودعونَ شيخَهُم، ذاكَ الذي أجَّلَ الرحلةَ مراتٍ ومرات، لكنَّ سقوطَ الصومعةِ كانَ حدثاً عجيباً، فاستعجلَ الرّحيل»..،

هو الظلُّ يرقِي الهوى، ويخفيه بينَ الرئات، فَتَنْقلُهُ بين هذي القلوبِ العيونُ التي.. تُجْتَبَى بالظلال، بعبء الفراهةْ، بهذا البزوغِ المحلّى أمام انفجار أليفٍ، بمسحوق برقٍ له ضَحكةٌ طالعةٌ! كأن الطيورَ خبت في سماها، كَأَنَّ الشهيدَ تأخَّرَ عن موعدِ الحافلةْ!

٢- «للضوءِ لونٌ واحد؛ لونُ الفضيحة، زجاجة هائلة امتلأتْ بكَوْنٍ سائل، طفلةٌ صغيرة، اسمُها مهجة.. لم يكن معها سكينٌ كي تَشُقَّ البحيرةَ وهي تنزل الوقتَ دركاً بعد آخر، وهي تجمعُ أعضاءً مختلفةً..، وهي تسحَبُ من قاعِ البحيرةِ الرأسَ المفقودةَ لأوزَّةٍ بريةٍ فاتنة، عندئذٍ.. هبَطَ ليلٌ ثقيلٌ فصارتِ البحيرةُ مِرآةً لامعةً تطفو عليهاغابةٌ كاملة.. صوت (جاك بريل) يأتي من غَيمةٍ مجاورة مبللاً بالرجاء  pas quitte me ne».

هو الظلُّ يعرف كيفَ يُنادي رؤاهُ، عيناه فوق مداها.. فتغشاهُ، يرسو بمشهده في العيونِ، كَمْ شدَّ في الليل حُلماً إلى رئةِ الحالمينَ، فانظروا كيف ينثر ظلٌّ أوصالَه فِي هَوَاه.

٣- «أعدَّ الناسُ للشيخِ دابتَه، وزودوها بمؤونةِ الرحلةِ، فوَقَفَ فيهم وباركَهم، مستكتماً الدعاءَ متواجداً، مستغرقاً في حالِه، وَهُمْ يَشْخَصُونَ إليه في خشوع، ثمَّ قامَ، وتمتمَ بأدعيةٍ لم يسمعوها منه من قبلُ، مشيراً إلى مجموعة من أصحابِه قائلاً: هؤلاء إخواني وأخواتي في الطريق، أوصيكم بهم، هم خلائفي المُحَدَّثُون، فانصتوا للنمل، وارعَوْا الطواسِينَ، أما وقدْ أوْلَيْتُمُوني مصيرَكم، فهأنذا أترك لكم كِسرةَ خبزي، كلوا منها حتى تَصِحُّوا، واشربوا من قِـربتي، لا تعرّوا السحابة، أوصيكم بالنساء، كيلا تنطفئ فراشةُ حقلٍ في عينِ الفتى،أَجِـيفُـوا أبوابَكم، ولا تأخذوا خَراجَكُم من أفواه الأزقة، وفُوَّهَة النهار، لا تأمنوا للضياءِ، وإن سالتْ على أشيائِكُم «نَشِّفُوها»، اخلعوا أنيابَكم قبل أن تدخلوا حَلَقتِي.. فلِلخُصومةِ قُحَمٌ، أطعِموا الطيورَ، واعتَنوا بِمَنْ يَحمِلُ السَّماء».

هو الظل يصعدُ من شهقات الحضورُ، وَيقفزُ بين الجفونِ، ومن طيِّ سنِّ الرَّصَاصِ، يطلُّ.. ويرسو على الماءِ أحْداً..ويحنو، كما كان دوماً.. على الأرضِ، يفتِّحُ زَنديها للسَّحابْ.. لطميٍ لَمَا يلتئمْ، لظلٍ ينادي، على شكلِه في الغياب!

٤- «أبوابٌ متخمة، وشمس تتثاءبُ.. فاغرةً فاه الظهيرة، زاهدٌ لم يزل صالحاً لأن يحمدَ الله على أن لليومِ صباحاً واحداً فحسب، خرائبُ القاهرة لا تهدأ، مقهى شعبي يسْعُلُ في وجهِ مدينة نهداء، حديقة نازفة..، بنفسَجة وحيدةٌ تتمايلُ بنشوةٍ وهي تُغَنّي لجمهور من العُشب كبير، كان صوتُها حين سالَ، زيتيَّ النبرِ، يسْكُنُهُ المجونُ..»

«(بابُ الفتوح) يشعرُ بالوعكة، شوارعُ تنامُ في الأقدام وتصحو، مقابرُ مضاءةٌ بـ«النيون»، وأدباءٌ في جبانة مثخنةٍ بالتاريخ، الفتيانُ يتامى في الجوار، وليلُ يٌطعمُ صغارَهُ في الخفاء.. دونَ أن يعلِّمَهم البكاء!»، صوت عبد الحليم من مذياع قهوة مجاورة «عدَّى النهار، والمغربيَّة جاية، تتخَفّى وَرَا ظَهْرِ الشجر، علشان نتوه في السِّكَّة.. »  

هي الظل، شبّتْ لأطرافِها أعينُ العاشقينَ، فهل تخبو في يديَّ الحروف؟ وهل يبصقْ الطميُ مائي، وفي حِضنِ عينيّ نٌصٌ ونيل؟

٥- حينَ نظرتْ في المرآة، رأتْ قاتلاً يطلُّ من عينيها، سَيُطلقُ النارَ في آخر المطاف! فنهضت لتصنعَ من اللغةِ ريقاً، ومن الحرفِ خيمةً للاجئةٍ واحدة، وحين شَعَرَتْ بالدفء، اقْتَضَبَت كلامًا، أنشَأتْ رُقْيَةً من قصيدة؟ لكن أعينَ الغافلين لم تتركِ المُعْجَمَ، فَلم يغادروا إيقاعَ ماضٍ، وروثَ سردٍ! «كانت لمعتُهٌ كاذبة».

هي الظل، هي المرأةَ الهائلةُ التي.. سوفَ تسحبُ من فُرْجَةِ النافذةْ، عنفوانَ الحياة،  وتسبي الزمانَ، تدافع عن غيمة.. طاردتْها الشموسُ، وَعن نـَفـَسٍ سوفَ يُطْلِقُ، في قلبِ هذا العجين، جثامينَ كم عاشرتْها الظلالُ ، ومِنْ وسْط هذي المسوخِ العروقَ التي سوفَ تنفخُ فيها..  برائحةَ البرتقال! ونبضِ المكان القديمْ.

٦-«انطلقَ الشيخ على بغلته البيضاء، وسطَ تسبيحِ الرجالِ، وبكاءِ المودعات، وغمغمةِ دراويش مجهولين أخذوا الأوقات من أيدي أصحابها، كانوا يهللون، وهم يخلعونَ الساعاتِ،» يدوسُونُها بأقدامِهم العاريةِ هاتفين: الموت، الموت، الموت!

«أعمدة كهرباء في صفٍ طويل تفتح سوقها بجرأةٍ شديدة، تكشفُ ما أسبلتْه خُطى الكادحين من ضغينةٍ على الشارع الممتد، نورٌ تحت تأثير مخدر قوي، يترنح وهو يخرج من «صيدلية» مجاورة، عَيْنَا العاهرةِ بعد أن جسَّتا مَيْدَاناً مزدحماً، تركتا عليه رائحةً هادئة، وشاباً منهكاً، دمٌ فاقعٌ يمتزجٌ بليمونةٍ صفراءَ لاذعة، جنديٌ أزرقُ يشقُّ لوناً أحمرَ، ريحٌ بنيةٌ تلمُّ أطرافَها على عُري مدينةٍ كاملة..

«على حائطٍ كاملٍ من غرفةِ نومِها لوحةُ «بوستر» لحديقةٍ عبّأتْها الزهور.. كنت أسقي الحديقةَ بنفسي، وألمُّ ما سقط من ورقها اليابس فوق السرير، بل كنت أقطِفُ منها لها قبلَ أن تنامَ قَرَنفُلةٌ بيضاءَ، لكنَّ الأشجارَ وقد لبَسَتْ عصافيرَها أيقَظَتْنا، أفقَدَتْنا متعتَنَا، فَدسَسْتُ مِسماراً في منتصفِ اللوحةِ تماماً.. علَّقَتُ عليهِ بندقيةَ صيدٍ، من يومها اختفتِ العصافيرُ، بل إن بعضَ الأشجار هرَبَتْ أيضاً، وبعد فترةٍ قصيرة، أخذَ الساكنون ينسلَّونَ واحداً بعد آخر ومع مرورِ السنين، لم يبقْ على الحائط إلا مسمارٌ في الهواء، وسياجُ حديقةٍ وفيّ »..

هو الظل هَمَّ إلى النور حِضناً! لأنَّ القلوبَ التي.. عُتِّقَتْ في الضياءِ انحنت.. للكلام الأنيق، لأبهةٍ الاشتهاء، ونامتْ في الحفرةِ الموحشةْ. فهلْ تَعلمُ الآنَ، كيف تلائم بين الكلام ووقع الخطى؟ وهل مِلْتَ يوماً لموتٍ؟ وهل أحتفظتَ لكل شَهيدٍ بظلٍ؟

٧- «لَيْلٌ يسير وحيداً في الضّاحية، رائحةُ السكينة تُفسِدُها أقدامُ الشِّتاء.. تنهداتُ نِسوةٍ يتلَصَّصْنَ يُطللنَ بخفرٍ من نوافذَ مُوارَبَةٍ، بئرٌ ترحلُ فِي حافلةِ الصَّباحِ، رائحةُ غَوايةٍ لاذعةٍ، مُهجةٌ سُرِقَتْ بعدَ أنْ فَكَّتْ شهوتَها في العراءِ، مياهُ النيلِ لا تَصُبُّ في رئاتٍ نظيفةٍ، شجرةٌ أتعبَها الكشفُ، فأخفتْ جِذرَها في الظلام.

«مصريون يقهقهون بجوار (باب زويلة)، سهام صبري، «الـرّاية»، «وطــن» ، «مطــرقة» حمراء تخرج منها الظلال، طلقة بعد أخرى، الحياةٌ تكملُ بداهتَها المنزلية. ظلٌّ يبحث عن عاشق في البلاد.. يمنحُه جسداً من جديد»..، هو الظل يخرجُ مندغماً في رؤاه.. منسلاً من عيون المساء فتخضَرُّ من بين هذا الرميمِ وعودٌ قد خبَّأتْها البذورْ..لأصحابها..لا.. هو الموت.. لا فرقَ،  رمحاً من عظمة الفَخِذ، أو طلقةً.. من عظامِ الضروسْ.

٨- «هذا ما تكلم به شيخنا العارف، بعد أن استفحل الأمرُ، كان لا بد له من أن يبحث عن حلول، رفع رأسَه نحونا، بعد طول تأمل، وخرجَ من «شاشةِ السينما»، مفلتاً الريحَ من يديه، فنقلتْ حديثَه مشفوعاً بما صورتْه «الكاميرا»، وأنصتتْ خاشعةً عيونُ المريدين، مستسلمةً للإشارةِ، مصطفَّةً في الحضور»، كانَ يردِّدُ دونَ صوت؛ «للوجودِ طاعونٌ واحدٌ؛ الزمن».

« غبارٌ يتشمَّمُ بوقاحةٍ المكانَ.. يختبيءُ سريعاً تحت سَجَّادةِ الزاوية، أما الشجرةُ التي تحرسُ الضريحَ المباركَ، فكانتْ عقيماً، زرقاءَ كالبحر، كسماءَ طالتْ أطرافُها فجأةً من كثرةِ التحديق، فَقَبَضَتْ على ريحٍ كريم، كانت تُسقط -خُلسةً- لطفلٍ صغير برتقالَ الحديقة»..،

«بكتْ، حين بلغتْ الخامسةَ والخمسين، لكنَّ عينيّ لا تتحسسُ أرقامَها، أراها يافعةً دائماً، كما كنَّا معاً في الصفِّ الرابع، لم يتغيرْ شيءٌ، ولم يُصِبْ مخيلتي التلف، بل إنني أقومُ! حين ترقدُ، وساعتها ناحيتي، لأعدِّلَ لها الوقتَ بإصرارٍ وهدوء، دونَ أن يسمعَ الجيرانُ.. دويَّ انفجارات، وخُوارَ دببة»..،

أنا الظل.. كم أجَّلتني السنونْ، ولمَّا تَعِبْتُ منَ الجثةِ المنزليةْ، مِنْ رجعِ سيرتها في رخامِ القصورِ.. سألتُ: وَهل كلُّ ما يختفي من وراءِ الستائرِ..ليلٌ؟ [لِمَ كلما ارتفع السِّتارُ خاتلني نصٌّ لكيما أكونُ القتيلَ؟]

٩- مع مغيبِ الصباح، في العام الخامس بعد الحرب الثالثة، عادَ الشيخُ من رحلتِه التي استنفدتْ حَولاً كاملاً، كان يسحَبُ من ورائِه، وعلى بغلتِه البيضاء، أراضيَ شاسعةً وسماءَ صافيةً، وتحتَ إبْطِهِ دسَّ يداً معروقةً لليل، يَبْسُطُها من وقتٍ لآخر.. إذا اشتدَّ الضياء»..،

«تحلَّقَ من حول شيخنا ما لا يُحصى من الأشياء، وعددٌ من المريدين، في صفوف طويلة ممتدة في الفضاء مشكلةً دائرةً شاسعة! أثارتِ استغرابَ العميانِ وتساؤلاتِهم، كان جسدُ الشيخِ شفيفاً، غامضاً!  لا يراه إلا محبون، ولا يسمَعُه إلا دراويش..،

هو الظلُّ، شبَّت لأطرافه أعينُ العاشقينْ! وَكُنتُ أخبيء في معطفي، عُلبةً من دُخَانِ الشموسِ، لأنثرَها، كَي يَرَوْنِي بمُعجزتي.. «مثلَ الأنبياء»

١٠- «في عيدِ ميلادها التسعين، سألتُها أين كانتْ! راوغتْ كثيراً، قبل أن تقول: لا تُفسدِ الليل، فالكَذِبُ عِطرُ المحببن، كنت ألْهَثُ دون جدوى، أُعِدُّ لها وجبتَها، وحين تَشْبَعُ، يتوقفُ الزمنُ على طفلينِ يلعبانِ، يدخلانِ الحديقةَ، ويخرُجانِ.. في حفلِ عُرسٍ ممتدٍ لا ينتهي،

«خِرافٌ تملأ المكان، صوتُ أغنية من شرفة منزل قريب، «يا ليلة العيد آنستيــنا...»، أفواه كثيرة تأكلُ ألسنتها، فقراء يملأون الأفقَ، يستحمونَ بمتعة، وهم يُخرجون من الطمي سَحابةً تلو أخرى، يرتِّبُونها بعدلٍ وعنايةٍ في السماء، كانوا يُطلونَ بوجوهٍ حمرٍ، دماء كثيرة تملأ المكان »..، وفرحٌ يمتزج بالزمن.

هو الظلُّ يبحثُ..، إن باغتته الرجولةُ.. عن صاحبٍ من حديدٍ ودمْ، ليعطيَهُ جسداً، فتنموَ أظفارُه من جديدْ، وفي العيدِ، يفتَحُ سِترتَهُ الناسفةْ، كيما يُشعلُ.. بعضَ البَخورِ، كما «علمَتْه» النساءُ فقد تستدلّون بالشمِّ..! إن خاتلتكمْ أكفُّ.. وإن ضَلَّلَتكُمْ عُيون،

لمهجة وجه فتاة، وجسد مومياء، على حِجْرِها.. سقطتْ ذات يوم، نجمةٌ مطفأة، فأشعلتْ لها فتيلاً، وكسَتْها بالزيت، ولما دَفِئَتْ، واستردتْ عافيتها، أطلقتْها، لكنَّ النَّجمةَ الشاكرةَ لم تغادرْ منتصفَ النافذة، مَرِضَتْ مهجة، وبدأتْ أعضاؤها في السّقوط، عِندئذٍ هَبَطَتِ النجمةُ في الليل.. ترقُدُ بجوارها، حتى قُبِضَا معاً، تاركَيْنَ على حائطِ الغرفة نقشاً يزولُ، ولغةً مهجورة!

فَقربَ الصباحِ

سَتَرمِي الدّقائِقُ أطفَالَها،

ونُصابُ بالشارعِ المُزْدَحِمْ!

بَهَذِي الوُجُوهِ الوضيعةِ،

تَسْعَدُ باللهْوِ، إنْ توهتْها الدّروبُ وَتَنْسَى..

بأنَّ الحَيَاةَ قد احْتَشَدَتْ بالأنِينِ

وَهَذِي البِلادُ..

[يُطلقُها مِنْ طِينِها كَيْما تَسْمُو]

الحَنِينُ.

(هَذا ما حَدَث،

حِينَ اخْتَلَي شَاعِرٌ.. بالكَلامِ).


تصميم الحاسب الشامل