خراف طارئة
يوميـــــات

 

فــــاروق يوســــف


(وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا(

                        قرآن كريم ( سورة النجم)

١٢/12/2003

أما وقد أخترت هذا العنوان ليومياتي التي عقدت العزم على كتابتها، فلابد لي من تفسيره، وهو تفسير لا يخلو من تأويل شعري غامض. بالرغم من أنني قد استلهمته من وقائع معيشة، غير أنها وقائع لصيقة بي الى الدرجة التي لا يمكن معها تبينها منفصلة عن الحالة التي شكلتها، وهي حالة يغلب عليها الوهم، كونه مصدرا للحقيقة. لقد كنت أسمع خلال جولاتي اليومية بين دروب الغابة أصواتا لا صلة لها بحفيف الأوراق أوخرير المياه أو وشوشات الرياح. أصواتا هي أقرب الى ثغاء الخراف. كان أمرا مسليا بالنسبة لي أن أبحث عن المكان الذي ترعى فيه تلك الخراف. لقد أتخذته ذريعة لكي أتوغل عميقا في الغابة. وهو ما كنت أحتاجه لكي أبدد شعورا صار يضيق الخناق علي. ذلك هو الشعور بأنني أنما اسعى الى أن أملأ عزلتي بأفعال عبثية لا طائل منها. بسبب تلك الخراف صار لجولاتي  معنى. ولقد تبين لي فيما بعد أن الأصوات التي كنت أسمعها لم تكن تصدر الا عن خراف غير مرئية. كيف يمكنني توضيح ذلك؟ لم يحبطني ذلك الأكتشاف بقدر ما جعلني مأسورا الى تلك القوة الخفية التي اخترعت تلك الأصوات لتضعني في قلب عالم لا أملك مفتاحا واحدا من مفاتيحه. أنا الغريب القادم من ثقافة صحراوية. لقد أزاحت تلك الخراف المتخيلة عن عيني عتمة ومحت عن لساني عجمة ووهبت يدي احتمالا مؤكدا: أن تقرأ على الورقة الخضراء لغة الأشجار وأن تكون رفيقة بفراشة هبطت عليها سهوا. هل يمكنني القول الان انني كنت مصدر تلك الأصوات وأن تلك الخراف لم تكن الا نوعا من الكائنات المسلية التي أقترحتها ذاكرتي لتبعث في نفسي اطمئنانا كنت في أمس الحاجة اليه وأنا أهوى في عتمة غربة جديدة جئتها مستسلما من غير أن أخطط لمقاومتها. لقد تركت ورائي أهلا وبيتا وكتبا وأصدقاء ومدنا وصخبا ومقاهي ولغة وأوقاتا ونساء وذكريات وحروبا وأحلاما ومغامرات وجئت طوعا بقدمي، لكي أكون غريبا ووحيدا ومجهولا ومهملا وعابرا ومقصيا. وهو ما تحقق لي منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدماي فيها هذه الأرض. أمشي فلا أحد يراني. أبكي فلا أحد تربكه دموعي. أضحك فلا أحد ينقب في ضحكاتي. لقد صرت بضربة حظ مفاجئ  طارئا لذلك كانت خرافي طارئة. واذا ما كنت الان أجهل ما سأكتبه فأنا على يقين من أن أفكاري لن تحضر إلا ممتزجة بثغاء تلك الخراف الأسطورية. ربما أسعى من خلال هذا القول الى اختراع تبرير لغموض محتمل. وهو غموض غير مفتعل، ذلك لأنه جزء من بيان الطبيعة. ذلك البيان المترع بالغموض. وكما أرى فان غموض  الطبيعة مصدره جمال قائم خلف حجب الهية لا يمكن تخطيها. فحتى العادي منه لا يمكن أن يكون مبتذلا. صحيح أن الصدمة الجمالية التي ينجزها اللقاء بالطبيعة تختلف من حيث القوة بين إنسان طارئ وآخر مقيم غير أن بلاغتها بالنسبة للاثنين تظل بعيدة عن الاحتواء. إن من البلاهة القول: إن الفلاح أو الحطاب لا يشعر بعظمة الطبيعة بالدرجة التي يشعر بها ابن المدينة إذ يلقي اولى خطواته في الغابة. ما يمكنني تأكيده هنا: إن الاطلاع على بعض أسرار الطبيعة بحكم الحياة المعيشة يزيد من سعة الفضول لدى الانسان للتعرف على مسرات الفتح الجمالي. ينبغي النظر الى الفلاح أو الحطاب أو الصياد من جهة تقدمهم في مجال هذا الفتح. لقد نالوا بحكم اقامتهم درجة متقدمة في الاشراق. فهم يقيمون على أرض المعرفة الجمالية في مكان آخر غير المكان الذي نقيم فيه، نحن الطارئين على المسرات الالهية. انهم يشاركون الملائكة وجباتها الشهية التي تمزج عسل الدنيا بخمر الآخرة. لقد التقيت عددا من المتأملين العظام وأنا أتجول بين دروب الغابة. كان لكل واحد منهم شأنه الخاص الذي يشكل فضاء الهاميا لعزلته. إن كأس نبيذ يضعه القروي على منضدة من الخشب العتيق قريبا من بيته المغمور بالاشجار فيما المياه تنعم عليه بموسيقاها لا تشبه أي كأس نبيذ آخر. لا أقصد الوصف بل الحقيقة. فالصلة بالطبيعة هي تجسيد لمزاج ثقافي يرى في ما هو مرئي حكمة تتخطى التأثير المباشر. هناك نوع من الانسجام بين الانسان والطبيعة لا يمكن التحقق منه الا عن طريق العيش المتوارث. الفلاحون يرثون نعمة التلذذ بالجمال بصفتها اسلوب حياة فيما نظنها نحن هبة مؤقتة. فرق كبير بين أن تلجأ الى الطبيعة بحثا عن متعة مفاجئة وبين أن تنظر اليها بعاطفة المقيم في رجائها بكل تداعياته. هناك صفاء لا يمكن أن تخطئه العين هو ما يميز صلة هؤلاء الريفيين بثرواتهم التي هي ميراث روحي أكثر مما هي وجود مادي. لقد منحتهم الطبيعة على الأقل زمنا لا يقاس بالساعات والايام والليالي والسنوات.

16/12/2003

بحيرة بلا آنسات. وفجر بلا ديكة.

شيخ يجره كلب أعمى. هل العمى ضروري حتى للكلاب؟

أتعثر بسياج فيما الثلج يطأني مثل قافية حزينة

والنهار أبيض.

بيضاء أشجاره وعصافيره وعصا الهه وقلنسوته وصخرة يحف بها الصفير.

بيضاء مواقد الليل وأبقاره ومنمنمات فتياته وضفائرهن عابرة الغابات.

بيضاء أغنيته:

لرماد يمحو

لرماد يمحى

لا نجم يومئ، لا صبحا

أسنبكي العابر مهموما

أم موعظة النائم فرحا؟

كف في الموج،

تهيم بسفر يتلوه القدحا

17/12/2003

اللغة وهم. اللغة حيرة.

النبات، خضرته سقف، الملائكة تتبع في شقوقه مياه الدسيسة.

الماضي وحيد مثل شجرة يابسة،هناك من يتهم البوم بالتنقيب بحثا عن خطأ الفريسة.

الله مثاله بعوضة فيما الطائر الليلي معجزته لا تضاهى.

أن يكون أعمى ازاء الفضيحة

إنه يرث الفصاحة فلا يقولها

يحتفي بالدعابة فلا يدعيها

يغص بالوحشة فلا يبشر بها

فتنته أن يرى العالم مقلوبا كما لو أنه الحكمة بجناحين.

2003 /18/12

الشجرة خارطة عصيانهن.

النائمات، الشاحبات، المترفات، الصامتات، المترعات، الحافيات، الراجفات، الناعمات، المرحات، المضيئات، الذاهبات، النازلات، العابرات، الضاحكات، العاريات، الهاذيات، الغامضات، الداعيات، المتمتمات، الغائبات، الماطرات، النافرات، المورقات، الساقيات، الوارثات، البارقات، العازفات،

يقعن من المرآة ويطبقن علي

 لتحف ظلالهن بغربتي.

 ملائكتي في كل واد أهيم به، هن زاد المسرة.         

 18/12/2003

مطرود من الحياة الى الطبيعة بعكس آدم الذي طرد من الطبيعة الى الحياة. بهذه المعادلة هل أكون العائد الى الجنة؟ لنتخيل هذا الأمر جيدا: نموذج روبنسن كروزو هو الأقرب الى حالتي مع بعض التعديلات التي يفرضها التطور التقني، حيث الهاتف النقال والسيارة وسواهما من وسائط الانتقال والاتصال. غير أن جدار العزلة بصفتها شرط حياة أخلاقيا هنا يظل قائما في هذه البقعة من الأرض. إن أهم ما افتقده من الحياة: الشراكة الانسانية. وهي مصدر كل أمل وتفاؤل. أتخيل آدم وقد أشتبك بالحياة من جهة شعوره بلذة مفاجآتها ناكرا حسرته الأولى على فراقه الجنة. لقد صار أقل تلفتا الى الوراء بعد أن أسرته الحياة. انه يتوسل الى الله أن يديم نعمته. وليست هذه النعمة سوى الحياة التي طرد اليها بصفتها عقابا.         

 19/12/2003

سنبكي طويلا وسنضحك طويلا

الكذبة الدامعة مطلية بابتسامة مهرج تدثر حيرتنا

الوحوش على قارعة الطرق فيما الأنبياء يتوارون بخفة الأسئلة  

تقول العين : اللسان يسبق ولا يقول الا صمتا

 يقول اللسان: العين تخترع ولا ترى الا فراغا

فيما اليد مثل حصان لا هث تقبض على الهواء

الكذبة ذاتها تسلي أيدي القتلة مثلما تكمم بالعطر فم الضحية

19/١٢/2٠٠3

على أطراف المدينة أغنية

أغنية وحيدة

دخانها يرتفع مثل غيمة تمضي بعيدا

فيما تقضي الأغنية بقية نهارها وهي تنظر الى الفضاء صامتة

لساني مدينة

٢٠/١٢/2٠٠3

إذا نبت لي جناحا فراشة ذات يوم، فلن أحلق بهما لأنني لا أريد أن اكون طعما للنار. اماإذا غطت جسدي حراشف سمكة فسأحذر المياه وسأنام بعيدا عن أي هدير خشية الصيادين. وإذا التصق  بلبل بحنجرتي فانني سأتحاشى الغناء لئلا أوهم أحدا ما بالحب. وإذا نمت على ذراعي اوراق شجرة فلن أحركها لكي لا أطعن الهواء.  

لن تنبت الازهار إثر خطواتي لأنني حريص على أن أمحو آثار أقدامي

لذلك فانني حين أنظر الى المرآة ولا أرى أحدا أعرف أنني لا أزال في أعماقها

٢٠/١٢/2٠٠3

صباح الخير أيها الجمال.

شيء آخر دائما. مقطع من نذير خفي. أعلو فلا أصل. قامته تفتت نهايات الأشجارالتي تذكر بالمساء. أتسع فلا أضم. يابسته تمتد. هنالك أقدام لا تزال معلقة في الهواء في انتظار أرض تنشأ بكلمة منه. كلمة يرجئها بايماءة من يديه. أغمض عيني عليه لأقبض عليه نظرا فأتلفت في الحلم مثل راع أضاع نأيه في لحظة بوح. أقوله كمن يربك الخطيئة كي لا تقع. أتحاشاه لأصفه بالعدو فيما هشيمه يصفع آنيتي بصفيره. تأويله يهب الثعلب أذان الفجر على هيأة ديك. ويفصح عن فضيحة ما تلبث أن تبتسم. فما نراه ليس سوى وجوهنا التي يعكر صفوها غبار قدميه. وردة القادمين من الخوف،

رماد خفيف على الجمر،

بقايا بلاد.

٢٠/١٢/2٠٠3

الموعظة سببها الواعظ. هناك دائما من يرث موعظة من غير أن يرث واعظها. هل تتحقق العظة بمثل هذه المعادلة الناقصة؟

٭

الفتيات على الجسر. يلين خشبه. بصفته كاهنا يقبض الجسر على الأقدام كما لو أنها أدعية من واجبه أن يصل بها الى الاله قبل أن ينهار بلذة.

٭

لم ألتق امرأة تحب التفاح. الاطفال وحدهم لا تهمهم الخطيئة. ألأنها علامة فراقهم؟ كل تفاحة هي وعد بالذهاب.

٭

تشابه البقر على قوم موسى في دعابة أسيء فهمها، دعابة هي بمثابة حكمة: الشبهات أولا.

٢٢/١٢/2003

ما لم يقع من حياتي. المرأة التي لم أرها بعد، النشيد الذي لم يعصف بي بعد، الركبة التي لم يقلق ضوؤها عيني بعد، البلاد التي لم أقرر السفر اليها بعد، الكف التي لم أصافحها بعد،الضيف الذي لم يحل في بيتي بعد، الآية القرآنية التي لم أفهمها بعد، الشقاء الذي لم أختبره بعد، الحديث الذي لم يقل بعد كما لو أنه فعل يمارس على عجل، صريع غوايته الجمالية، السماء التي لم أر نجومها بعد، المائدة التي لم أجلس اليها بعد، الصديق الذي لم أكلمه بعد، الموجة التي لم تمس قدمي بعد، الغابة التي لم تنتهكها خطواتي بعد، الساعة التي لم يخترقني رملها بعد. الرغيف الذي لم أقضمه بعد، تفاحة الأسى وهي ضالتي في كل ما أفعل.

٢٣/12/2003

المنسية مثل حجر،

  هواء لفتتها يذكر النبع بترف موعظته: الأناقة بنبل

الذاهبة الى زوالها مثل فراشة،

ظلها على الشجرة يمحو ورقة يابسة: على الأفق خيط ربيع

العين المكتظة بالدمع،

أهدابها غابة تخفي وعولا خائفة وصيادين

اليد منسية وذاهبة ومكتظة  ولكن من غير أن تعد 

هل يكفي أن تكون يدا؟

٢٣/12/2003

من سطوري القديمة:

( تمحو أجنحتي

لتملأ وسادتي بالريش)

(في رمادها النار تفتش عن حياة صامتة)

(كنا نلتقي لنقول كلاما لا معنى له. فالكلام الذي نقوله هو المعنى)

(لا يتطلع حامل الصخرة الى القمة، إنه يحلمها ما دامت بعيدة عن قدميه)

 (التاريخ يكتب بيدين: يد تصفق لأخرى تحذف)

(أكتب بالممحاة)

(أكره كتابته، الشعر لا يكتب)

٢٤/١٢/2003

أفكر في أن نكتب كتابا معا. كتابا يقولنا وفي الوقت نفسه يحلمنا. الرجل والمرأة اللذان يعصف بهما زمن كوني يقع خارج زمنهما المتخيل. تنتظر في باريس فيما أقبع مثل رهينة في واحدة من قرى السويد. هناك كلمات لم نقلها. هناك دموع لم نذرفها. هناك نظرات لم نفهمها. هناك دسيسة لم نخطط لها. هناك أحلام لم ننقب في أرضها. ما لم يكتب ذلك الكتاب فانني أشعر أن الحياة تظل ناقصة. هنالك نص مفقود. هو النص الذي لم نكتبه معا.    

٢٤/١٢/2003

إما التماهي مع العزلة وإما مقاومتها. الأسلحة ليست كفيلة بحسم هذه الحيرة. علينا أن ندرك أن الذاكرة ليست سلاحا مقاوما. صحيح أنها تدفع بنا خارج المكان غير أنها تقيدنا بالزمن. فنصير أشبه بالوشاة الذين يطلقون وشاياتهم في الفراغ. ليس من أجل هدف بعينه. أن ننكر العزلة معناه أن نشتغل على الماضي ونترك الحاضر حيزا أبيض قد لا نعيشه. من المؤكد أن العزلة في طور من أطوارها تهبنا فرصة مثالية للنظر بطريقة نقدية سليمة لكل ما جرى ولكل ما يجري. هي في هذه الحالة أشبه بالحجاب الشفاف الذي يجعلنا قادرين على رؤية المشهد من غير أن نصاب بأمراضه. غير أن العزلة تورث الكسل وتضعف العاطفة وتهب الآخر هيأة العدو إلا اذا استطاع المرء أن يغذيها بمضاداتها من حين الى آخر. فتكون حينها قدرا خلاقا. وهو القدر الذي لا يستغني عنه الابداع.

٤ ٢/٢١/2003

 الحروف تلتهم الكلمة فيما الكلمات  لا تصنع جملا إلا أذا اعترفنا بالمعاني المغادرة

المعجم قبر وليس مصنعا

أنبش البياض لأستفز الملائكة

أكفهم تخفي ما تحمله أصابعي

في المرآة

 وجهي يتجسس  علي

وريثة كفر من أفرط في الايمان

شهوتي

نارها لا تبخل بجسدي

مثل سن في فم طفل لا يبتسم

أطوى في كتاب

٢٥/١٢/2003

من أجل طفل اخترع ملائكة من مادة الألم،

وأفرط في الثناء على أجنحتها لكي يلهمها التحليق،

كل هذ الدوي.

فيما الخيانة تهب وليمته الأخيرة معنى أرضيا

يمكننا الآن سماع  كلمته الأولى 

 ٢٥/١٢/٠٣

فكرت طويلا: بما أنني قد ولدت على هذه الشاكلة وقد أصبحت على ما أنا عليه الان، لسبب أو لآخر فان قدري في ما صرته لا في ما أحلم به. وما أنا اليوم إلا مجموعة متصلة من الأحلام التي حلمها سواي وهم يسعون الى الخلاص مما انتهوا اليه أو على الأقل التملص منه. صورة البطل لا تكتمل إلا في رأس أحمق. ثلمة هنا أو هناك هي آية جمال. فما فلت مني يعود اليٌ  وإن على هيئة فضيحة.

٢٦/١٢/٠٣

لو أنها اكتشفت كل شيء لما دعت أختها الى التمرغ في فراشي

كل قصيدة تحلم ما قالته بطريقة مختلفة

إنها ترى ذاتها في قصيدة أخرى

كلمات الماء تسمعها الحجارة فيما الماء يذهب بعيدا

ذات يوم تحل الطبيعة المشكلة

أيها الذهب لمعانك يشي بنا     

٢٨/١٢/٠٣

لابد من يابسة تعود منها الحمامة بنبأ

غصنا هالكا يأخذ هيئة ملاك 

٢٩/١٢/٠٣

 الثدي غريب عن الهواء الذي أمامه

مثل لص ينتظرالغفلة من أجل الفرار بعريه   

٣٠/١٢/٠٣

الأقل دائما. الأقل إن كان ممتلئا هو الأكثر جاذبية لما تتضمنه غوايته من توتر تذكر بالشهوات التي تعصف بالجسد وتأخذه رهينة، تحجبه بعزلاتها وترده الى الظلمات. هناك حيث تبرق اليد بالأمل إن سال الدم من أحد أصابعها. هناك ما يلمس ويخدش ويؤلم إذن. كل ثروات اللغة تختزل في صرخة. هي هبة ذلك الجرح. قد يبدو الأقل غير مكترث بكل الاستعدادات التي تسبقه لكن يكفيه أنه لا يحضر بهيأة التلميذ الذي يخشى العقاب.             

٠٥/٠١/٠٤

الثلج أطر النافذة

أكتفى بالاطار تاركا لعيني حرية الرسم

أعرف أنها ليست مشجبا. هذه المساحة الممتلئة بالفضاء صارت عدوى

 لو أنها تذهب الى النوم.

صرت أفكر بقطتي التي يلذ لها أن تنظر الى الجهة التي أنظر اليها.

ذاكرتي ملأى بالألوان ولكن لا يليق بي أن الوث هذا الأبيض الماثل مثل ملاك أمامي.

أبريق الشاي وهو يصفر أعادني الى بيتي حيث كتبي، هناك صور كثيرة ألهمها الثلج نجاتها، (مونخ) النرويجي مثلا. أوسلو لا تبعد كثيرا عن بيتي. أنا شبيهه في لحظة الاعتراف ذاتها. غير أن صرخته خانتني. إن صرخت في منتصف الليل هذا قد تأتي الشرطة لاستجوابي. حراسي الورعون، الملائكة التي تحشو رأسي بالتقوى، نائمون. لا أحد منهم هب لكي يغيثني. بعد طول عناء أقفل النوم أهدابي. حين نمت رأيت في الحلم رجلا نائما يحلم بنافذة يؤطرها الثلج ليرسم على زجاجتها جنة دافئة.

٠٥/٠١/٠٤

لا يقود الحب الى الجمال دائما

إنه يتبعه،

غالبا ما يرجمه متمنيا له الهزيمة

شقوق أكفنا تذكر بيوسف

٠٥/٠١/٠٤

أجمل منها حبها وأجمل من حبها حيرتها به

٠٦/٠١/٠٤

لأغمض عيني إذن

هذا النهر يطرد آخر الغرقى

وتلك جزيرة تلهو على أرضها خنازير خفية

وذلك الصياد شبيهي، ربما كان أبي، ما زال يحلم بالسمكة التي ابتلعت خاتما

كل الهبات أجرها خلفي لأ سعد

أركض تتبعني طائرتي الورقية

أبعد كل هذا الخراب يمكنني أن أرى الطفل الذي كنته وهو يقفز من سطح الدار؟

قلت: وداعا للنهر وللغرقى

لخنازير لم يرها أحد

للصياد، شبيهي، لا أسماك الليلة

مبتهجا بحياتي أستيقظ

٠٦/٠١/٠٤

لأنه غريب مثلي وليس قادرا على اختراعي مثلما اخترعته قد أحزن إذا ما غاب من غير أن يعثر علي.

ذلك لأنه غريب مثلي

٠٦/٠١/٠٤

القادة المثاليون كذبة. فالشعوب لا تستلهم الآلهة إلا عن طريق وسيط ناقص،

محكومة بالزيف تسعى الى الحقيقة.

وهنا بالضبط يكمن رخاء ألمها

ويقال: بؤسها أيضا 

 ٠٦/٠١/٠٤

ليس من اليسير على من يجهل عالم الطبيعة مثلي معرفة المصدر الذي تنطلق منه رائحة الغابة. تلك الرائحة التي تعلق بالمرء ولا يستشعرها إلا حين يغادر الغابة. فهي تتسلل خفية الى كل مكان من الجسد. تقيم في الطيات التي لا يمكن الوصول اليها. غالبا ما أرى أنفاس الأشجار وهي تتراكم على هيئة طبقات ضبابية تسد الأفق لتهب المشهد الذي تشكله نهايات الأشجار غلالة شفافة، يبدو الفضاء من خلفها كما لو أنه قد اكتسب لونا حليبيا كثيفا. قد تكون أنفاس الأشجار هي مصدر الرائحة التي غالبا ما أحملها معي الى البيت ولا يتخلص جسدي منها الا بعد حمام طويل. وربما هي الخلاصة لذلك المزيج الموسيقي المدهش من اللغات الحية التي تطلق العنان لعبقريتها الاشتقاقية في حوار ملائكي ما بين النبات والتراب والمياه. احيانا أشعر أن ما أحمله من الغابة معي الى البيت هو نوع من الوهم، لا رائحة حقيقية. كما لو أن ذلك الوهم هو تجسيد لمحاولتي  الاسترسال في تأمل الغابة. فتلك الرائحة تبقيني في الغابة حتى وإن كنت قد غادرتها. إنها تبقيني متوترا ومشدودا الى الأفكار التي كنت أحرثها وأقلب تربتها وأنقب في أعماقها وأنا في قلب الغابة. ولكن ما يدهشني حقا في تلك الرائحة أن الماء الذي يزيلها عن الجسد لا يستطيع اللحاق بها الى الاماكن الخفية التي تختبئ فيها. الآن أشعر كما لو أن رائحة الغابة تقيم في روحي.  

٠٨/٠١/٠٤

قضيت اياما في الصحراء. أتذكرها جيدا. حدث ذلك قبل ثلاث سنين. برفقة عدد من الرسامين. فقدت شهية الكلام. هناك اكتشفت أن الصمت ليس فاصلة بين جملتين، وما نعرفه من الصمت ليس الصمت كله. نحن نعرف الصمت الذي نستعمله مادة للحديث أو ذاك الذي تلحق به الأسئلة. غير أن صمت الصحراء متاهة قائمة بذاتها، يكفيه عريه ليكون خاتمة مفتوحة لكل شيء. لا تبقي الصحراء كلمة ناضجة في الفم، فالكلمات تتساقط  يابسة قبل أن تمسك بمعانيها. فراقها لا يترك أي أثر لأسى ممكن بل بالعكس يشعر المرء بعد تخلصه منها بخفة تعينه لفهم جزء صغير من ذلك الطوفان البصري الذي يهاجمه. فالصحراء هي تجربة بصرية مجالها الحواس كلها، لكن بمزاج عبقري صامت. المتاهة التي تشكلها دروب الغابة ذكرتني بصمت الصحراء، كونه متاهة. غير أن الغابة تموج بالكلام. ومن شأن السائر فيها أن يكون على استعداد دائم لأن يتلقى كلاما من كائن محتمل. كائن لا يصعب عليه العثور على ثغرة يتسلل من خلالها الى تلك السمفونية الرعوية التي تحلق بيسر مدهش في الفضاء.


تصميم الحاسب الشامل