الحمد لله لم تكن الكرافات حمراء

 

خالد زغريت


كنا أدق من غرينتش على الرغم من أن الدنيا سماء وماء، فنحن عشرون موظفاً في مؤسسة التقنية الإدارية لرغوت وشركاه ، التقينا جميعاً على بابها  الساعة الخامسة إلا خمس دقائق، ورحنا نتمنّن على بعضنا بالتحية لأن وجه كل واحد منا بحاجة إلى عشرين مؤسسة لتنقي شوك القرف والأسئلة منه، فما إن وصلنا إلى بيوتنا بعد نهاية الدوام الرسمي حتى أبلغونا بالاجتماع ، ولأن رئيس الدائرة «رَغْوَت» بعد أن انتقل من صفوفنا إلى رأسها لا يقبل تأخر أي منا دقيقة واحدة عن الاجتماعات، فقد كنا مرغمين أن نصل زرافات في وقت محدد، كان آخرنا «قرفة» أنحلنا عوداً وأكبرنا سناً وأطولنا لساناً ، مبللاً بالمطر، ولأن الجبن أحياناً فحولة، أثرته ليعبر عن قرفنا وغضبنا بأبدع الشتائم الزفرة، قلت له: ما شاء الله المطر زواريب.

رمقني عاضاً على شفتيه وقال: مهما أمطرت لن تنظف وساخة بعض الناس، انظر: رأيت المستخدم ينظف بهو «رَغْوَت» ضحك «قرفة» وقال: الذي لا يستطيع أن ينظّف نفسه ينظّف حوله ،ضحك الجميع زافرين  قهرهم، إلا «نارا»، ابتسمت متزلفة الحكمة المخنثة، وقالت: أستاذ «قرفة» حلِّ فمك، وناولته سكرة، خمد «قرفة» وضحك، وقال: المشكلة أن «نارا» حلوة حلوة، وعلى ما فيها من قرف المداخلات في الاجتماعات فإنها تحليها برغم مرارة «رَغْوَت»، لكن ماذا يهمّها هي  حيوانيتها عالية، عقصته انبّهه لفلتان لسانه، زعق: أنا أقول  حيويتها  أكثر من اللازم، طيب أما كنا طوال اليوم مقبورين بالدائرة نكشّ ذباباً، لِمَ لَمْ ينضربوا على قلوبهم و يجتمعوا.

 ردت «نارا»: ببسمة أرخت أعصاب «قرفة » : يا أستاذ، السيد «رَغْوَت» كان في مهمة علمية في «هاييتي»، ولا شك في أنه اكتسب من خبراتها ما يغني تجربتنا، دندن «قرفة»: «هاييتي» يا آنسة «هاييتي»، عندها إدارة حتى تمتلك خبرة فيها، وصلنا إلى باب الاجتماع وكانت «نارا» مضطرة لمفارقتنا، لأنها ستجلس في الصف الأول، بينما اتجهنا نحن إلى الصف الأخير، لأن «قرفة» لا بدّ له أن يسخر من كل فكرة بشتيمة زفرة، و لا أمان لنا من الافتضاح بضحكنا إلا في الخلف، دخل «رَغْوَت» تحفّ  به حاشيته، وأخذ  مكانه، جرب الميكرفون، بنفخة سمجة  تدلّ على أن نافخها ممن له أصالة مع الزمر لا مع الميكرفونات، قال: كل عام وأنتم بخير، بينما راح يفتش أوراقه عن لا شيء ، قال « قرفة» : سمعت أن  «رَغْوَت» إن لم يكن عنده اجتماع في الدائرة فسوف يجمع عائلته ويخطب بها ظاناً أفرادها موظفيه، وسرت زوجته لجارتها، أن بعلها غاوي اجتماعات، إن فاته أحدها فسوف يراه بالمنام، وكم  كانت تستيقظ  عليه وهو يخطب في نومه، لم يسكت «قرفة»، طلبت منه الصمت، رد: تنعّم بالدرر.

 انتبهت إلى «رَغْوَت»، يقول: يا أخوتي «هاييتي» دولة إدارة، هل تصدقون أنهم يفرضون على موظفيهم ومستخدميهم لبس «الكرافات»،   تصوروا، هذه الروح الإدارية والوعي بالمسؤولية، همس «قرفة»: تستأهل، الغبي لم يعرف أن هؤلاء موظفو مراسم المطار، والمطاعم ،الله لا يوفقك، رحلتك كلفت الدولة خير الله، من أجل أن تعود لتحكي لنا عن الكرافات، ونبر «رَغْوَت»: يا شباب الله يرحم أهلنا، على بساطتهم كانوا يدركون هذه الحقائق، فقد كانت «ستي» تقول لي: يا بني الخروق تستر العروق، كأنني سمعت «قرفة» يسبُّ «ست رَغْوَت»، ضحكت مرغماً؛ لنوعية الشتيمة وطرافة ربطها بالكرافات، استأذنت «نارا» الكلام: أستاذ رَغْوَتْ، نحن متعودون دائماً على اقتراحاتك الخلابة، وكأن أفكارك صابون النجاح تجلو الزفر عن إدارتنا،همس«قرفة»: يا فهمانة شامبو سنان، قهرتُ ضحكتي، فعلا صوت رَغْوَتْ: شكراً يا ست نارا،أنت كما يقول أهلنا ملح الطبخة، لا تؤكل من دونه، طيب الله أيامك كما تطيبين اجتماعنا، همس «قرفة»: الله يخرب بيتك ما أفهمك، الملح على النار يفرقع، هل هناك عاقل يجامل «نارا» بالقول أنت ملح.

علا الهرج في القاعة، حاول «رَغْوَت» تهدئة المجتمعين، فلم يقدر حتى صرخ: هوب هوب، نحن في اجتماع، همس «قرفة»: صاحبك صار  جابي إدارة هوب هوب، قرقرت ضحكتي بالرغم من كبتها، فقال «قرفة»: اسكت أحسن لك،بع د ذلك يصير صاحبك شوفير طنبر، فيقول لك: هش، هش. فرض «رَغْوَت» هيبته من جديد على الاجتماع، وتابع حديثة بصرامة: نحن سننقل التجربة «الهاييتية» في تعميم الكرافات، ونعممها في مؤسساتنا، ولاشك في أن الكرافات هي الخطوة الذهبية في ربط الإنسان  بالتطور الإداري وترسيخ إحساسه بالمسؤولية، وأنا أكلّف السيدة «نارا» بدراسةٍ استراتيجية للون الكرافات التي سنعممها، وهذا تكليف وليس تشريفاً لها، فالست «نارا» رائدة في كشف علاقة مجتمعنا باللون، وأثره في شحن الوعي بالمسؤولية، رفعت نارا يدها بخفر مصطنع وقالت: أستاذنا رَغْوَتْ رجل مفطور على الإبداع والتحديث، وفعلاً لو لم يكن أفهم مَنْ فينا، وأبرع مَن ينقذنا في المآزق الحرجة، لما قفز هذه القفزة النوعية إلى هذا الكرسي، كلكم  تذكرون، حين خنقتنا أزمة البطيخ الأبيض، وكان يرغب في تشجيع بطيخ روسيا البيضاء، فاستورد كميات هائلة منه وفوجئنا أن البطيخ أبيض، لولا ذهنه العبقري لزمّروا لنا، فقد وجد حلاً سحرياً، بأن نحقن البطيخ بصباغ أحمر، ونجحت الفكرة، تُرى نسيتم ورطتنا مع زهر القرع ، حين قال السيد «رَغْوَت» لخبراء «مالي»: يا سادة على الرغم من أن بلادنا ليست إفريقية المناخ،إلا أن  روابط الأخوة تتجلى وراثياً في زهر القرع، فهو في كل بقاع العالم أبيض، لكن عندنا «وَقْف» للأخوّة الإفريقية تطلع فيه زهور القرع سوداء، وحين احتدم النقاش، قال: الماء تكّذب الغطاس، ودعاهم في مؤتمر حاشد إلى مشاهدة الظاهرة حية، ولما صدّقوها ، ونوا المجيء، وعجز علماء الوراثة النباتية عن تغيير لون زهر القرع، جمعنا في الليلة السابقة لزيارة الوفود ، وحمّل شاحنة بدواليب مستعملة، وأفرغها غرب حقل القرع مغتنماً حركة الهواء، وأشعل الدواليب، وما جاء الصبح حتى كان ورق القرع، وزهره، وترابه أسود متفحماَ وكأنه شعر إفريقيا، لن أعدد مآثر السيد رَغْوَتْ كي لا تتهموني بالنفاق، إنني أعاهدكم بأن أتفانى في تحقيق حلم السيد رَغْوَتْ بإكثار الكرافات، لنربط رقبة موظفينا بالمسؤولية، وآمل منكم الموافقة على اقتراحي بأن يكون لون الكرافات ليمونياً، لأنه لون فريد في صرعة  الكرافات،ثم إن مردوده النفسي هائل، فربط رقبة الموظف ثماني ساعات باللون الليموني يُطهّره وفق نظرية أفلاطون من حموضة النفس مع المراجعين، صفّق الجميع إلا «قرفة» قال: في متجر زوجها قمصان كاسدة تناسب الكرافات الليمونية ، وقف رَغْوَتْ شكر نارا كثيراً وأثنى، وقال: فوراً سأعقد مناقصة لشراء الكرافات الليمونية، وخلال أسبوع ستقومون بحملة إكثار الكرافات في فروعنا، لكن ست «نارا» أرجو منك بصفتك رئيسة الحملة، أن تراعي حساسية موظفينا من الكرافات فنصفهم لا يعرف ربطها، وهذا ليس عيباً مرة دخلت على «قرداحي» وكان يعدّ برنامجاً عن دور زهر الباذنجان في تنمية الشعور الرومانسي عند نساء السويد ، وكان لا يزال مذيعاً غراً في«مونت كارلو»، فلم يكن يعرف عقد كرافاته، والله شفقت عليه وعلّمته الطريقة، وتعرفون الآن ما هي سمعته الفنية التي جلبتها له الكرافات ، خرجنا، ورحنا نتعلم ربط الكرافات، وفي صباح الحملة راحت السيارة تجمعنا، لكن رابعنا «آدم» لم يخرج على الرغم من استمرار تزمير السائق له، وتعليم جوّال نارا، أخيراً اتصل بـنارا طالباً منها النجدة في ربط الكرافات، فلم ينجح  بربطها لا هو ولازوجته، صعدت إليه نارا، وتهامسنا: والله صبرت ونلت حلمك بأن تربط نارا كرافاتك، وفجأة سمعنا زعيقاً وشتائم، ورأينا «نارا» تهرب من زوجة «آدم» التي ما إن رأتها تمد يدها إلى رقبة زوجها حتى أكلتها نار الغيرة، فنتفت شعرها، ولحقت بها ترميها بالأحذية، قال «قرفة»: تطوير خلاق، ركبت «نارا» وانطلقنا بسرعة هرباً من أن يفتضح أمرنا، كانت «نارا» في حال مؤسفة، سكن الطير على رؤوسنا حتى وصلنا إلى أول فروعنا، مؤسسة إكثار العجول، فوجئنا بجمهرة الموظفين والإداريين في بهو الإدارة، وقد استقبلونا بالشتائم: يا أولاد الـ.. شرفتم منذ  ساعة ونحن نتصل بمقسم دائرتكم لترسلوا سيارة إسعاف والمقسم مشغول، أكيد سكرتيرة السيد تبحث عن علكة، الرجل ينزف، نطحه العجل، أخذوا سيارتنا رغماً لإسعافه ، ابتعد قرفة قليلاً، ناداني، وهمس: انظر إليهم ملطخين بالوحل والروث، وأرواحهم زهقت منهم، هؤلاء بربك يريدون كرافيتات، لكن حماس المسؤولية لم يخمد في نارا التي طلبت اجتماعاً في مكتب المدير، بدأت حديثها بتثمين نضالهم مع العجول، حدثتهم عن مهمتنا،ما إن فهموا مرادها حتى فغروا أفواههم، وصرخوا: ستنا نحن نريد مصحة، خبزاً، صابوناً، نريد «نُمَرا» تثبت أننا مازلنا بشراً، قاطعهم أحدهم :شباب،مَن عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم ، نحن سننقل إليهم تجربة العجول، ألا تظنوننا عجولاً، والله لن تخرجوا من هنا حتى تلبسوا العجول كرافاتكم، وحملونا إلى الزريبة، وراحوا يضربوننا بالخراطيم لنعلّق الكرافات برقبة العجول، ولكم أكلنا نطحاً و لبطاً وكم لوثنا روثها، فصرنا فرجة، والحمد لله أن نارا لم تنزل قسماً كبيراً من الكرافات، لأنها بقيت في السيارة المسعفة.

قالوا لنا: تفرجوا يا سادة على إحساس العجول بالمسؤولية، نظرنا، كانت العجول تنظر إلينا ببرود وتتسلى بلوك الكرافات، أخرجونا، كان «التراكتور» المخصص لنقل روث العجول ينتظرنا، أركبونا في: «التريلا» المطففة بالروث، ربطونا من كرافاتنا فوقها، وأرسلونا، وبالرغم من إحساسنا بالمسؤولية كنا نبكي حتى قال قرفة: الحمد لله لم تكن الكرافات حمراء.


تصميم الحاسب الشامل