علـي الأحمر

 

لؤي حمزة عباس


  إنه علي، علي الأحمر الذي لم يكن شيوعياً ذات يوم لكن لقب الأحمر ظل لصيقاً به منذ الصف الثاني المتوسط الذي كان خاتمة سيرته التعليمية، كأنه دخل المتوسطة ليكتسب اللقب لا ليتعلم أن يفك الخط، كان في الصف أكثر من اسم علي، علي صادق، وعلي سالم حلو، وعلي عبد الرحمن، الأول غادر البصرة مع عائلته إلى (بيجي) في الشمال صحبة أبيه الذي كان يعمل في محطة قطار المعقل، وعلي سالم حلو غاب في بداية الثمانينيات مع إحدى جولات رجال الأمن العاصفة على دور عمال الميناء، أما علي عبد الرحمن فقد واصل السير حتى دخل الكلية العسكرية ليقتل برتبة ملازم أول مع انسحاب وحدته من الكويت.

  هل كانوا أربعة طلاب يحملون اسم علي؟ ربما، لكن المؤكد أن ثلاثة منهم تبخروا على امتداد عشرين عاماً وبقي الأحمر وحده يذكّرنا بمدرّس الرياضة في متوسطة المعقل وهو يميز بينهم بالألوان : الأول بسمرته الدكناء، والثاني بصفرته المرضية، والثالث بزرقة شفتيه، والأخير بحمرة وجهه.. نُسيت بقيةُ الألوان بغياب أصحابها، وبقي الأحمر ملازماً لعلي، ابن نائب العريف في سلك الشرطة جاسم سلمان الذي ما انفك يتفاخر بأنه سحق ست نساء لم تبق منهن معه غير وسفه، أم علي، ببدانتها وقصرها ولون بشرتها الذي ينقط منه الدم. كان يحلو له أن يتحدث عن نسائه واحدة تلو الأخرى ليصل إليها فتهيمن على حديثة حكاية واحدة لا يمل روايتها، حكاية وسفه مع اللص التي سمعتها منه ثلاث مرات، مرتين في عيدين متتابعين وثالثة في أحد الاعراس، كما سمعتها من وسفه في إحدى زياراتها لمنزلنا، لم يكن أحد من السامعين يعترض على الحكاية وهي تُعاد على مسامعهم، كانوا يستمتعون بحديث المرأة الحامل وقد دخل بيتها لص عاثر الحظ في ليلة صيف حارة، كان زوجها خلالها يؤدي واجبه خارج المنزل، لم أكن أُحب النوم على السطح في الليلة التي لا يبات فيها جاسم في البيت، قالت، كنت أتقلّب مثل سمكة مسمومة تحت حرّ الغرفة وألم الحمل، قطعتُ النفسَ منذ اللحظة التي سمعتُ فيها صريرَ درجات السلم، نهضتُ متكئةً على يديّ ثم طللتُ ورأيتُ شبحه ينزل متأنياً إلى عتمة المنزل، لم أفكر لحظتها بشيء بقدر ما فكرت بقنينة العرق التي يتركها جاسم مملوءة بالماء على حافة النافذة المفتوحة، أمسكت بعنقها وانتظرت حتى وصل أمام الغرفة، فصرخت صرخةً سمعها سابع جار وهويت بها على هامته فانفجر دمه وشعرت برطوبته تبلل وجهي ورقبتي، كنت أواصل الصراخ وأنا أرى عينيه تبيضّان ورأسه ينفتح مثل ثمرة الرقي وهو يستدير من هول المفاجأة وعنف الضربة ليواجهني، لم أكن أتصور أن بإمكان القنينة أن تهشّم رأسه، لكنها ضربة خائف كما قال جاسم، ضربتان قاتلتان: ضربة الخائف وضربة المجنون، وكنت ليلتها قد جننت من الخوف ليغمى عليّ فورَ سقوطه، لم أتحمل شهقته وهو يعبُّ الهواء كما لم أتحمّل منظر رأسه المفلوق وعينيه المبيضتين فدارت بي الدنيا ووقعت مغشياً علي. كان علي يستغرق في الضحك كلما تذكرنا الحكاية مؤكداً أنه ما زال يسمع هشيم القنينة، منذ كان في بطن أمه، وهي تهوي على رأس الرجل. وعندما توفي والده منتصف التسعينيات أخذ يميل على أكتاف أصدقائه، في مجلس العزاء، ليهمس لهم بأنهم لن يسمعوا أباه يتحدث عن اللص مرة أخرى.

 نعم، إنه علي، لقد تأكدت منه فور أن رفع الرجل الغطاء عن رأسه وسألني، على الرغم من أن الرصاص أكل جبهته ونصف وجهه لكنني لا يمكن أن أخطئه بعينه المفتوحة، وأنفه القصير، وشفتيه اللتين ظلتا محتفظتين بشبح ابتسامتهما تحت شاربه الخفيف وقد غيّب الدم الجاف شعراته البيض.

 لم يكن أبوه وحده من سكت عن الحكاية، فقد غابت وسفه عن الأذهان بابتعاد علي عن المعقل، نراها بين وقت وآخر تجر خطواتها بين منازلنا أو نسمعها تتحدث عن ابنها الذي غادرها بعد وفاة أبيه ليعمل سائقاً في مقالع برّ الزبير، كان يعود في أوقات متباعدة، في ليل أو نهار، نسمع جلبة شاحنته الشفر القديمة ونراه وقد عفّر التراب حاجبيه وشاربه ولفَّ على رأسه شماغاً منقّطاً حائل اللون، يبدو كأنه كبر عشرين عاماً، وعلى عادة الشيوخ كان يفرش مع الغروب بساطاً أمام منزلهم وقد استعاد بعضاً من صورته القديمة بعد أن ألقى بالشماغ واستحم وأخذ ما يكفي من نوم الظهيرة، لكن أحاديثه تعود به لجويبدة والبطين والطوبة، لمساحات فسيحة من الرمل، فيتحدث عن حفر هائلة تتوسع باستمرار حتى يظن المرء، كما يقول، بأن الأرض ستنتهي إلى مثل هذه الحفر. أفكر لحظتها إن كان هو علي الأحمر حقاً فأنتبه ليديه المتيبستين وهما تسكبان الشاي ويزيد حديثه عن العمال الذين يغيبون في الأجواف الرملية مع انهيار الحفر من ارتباكي.

وضع كوب الشاي أمامي ثم تساءل:

- هل تصدق بأن الأرض تشتعل تحت أقدام العمال؟

- أية أرض؟

  سألت غير مدرك لما قال، فأجاب:

_ أرض جويبدة، تتقد نيرانها عيوناً متفرقة لتصبح مع استمرار الحفر نهراً من اللهب.

- والعمال؟

- يتقافزون إلى الحواف المرتفعة وقد اكتوت أقدامهم.

- وهل يعودون إلى العمل مرةً أخرى؟

- فور أن تطفأ النيران ويبرد الرمل.

- أية حياة هذه؟!

نظر إلي متبسماً، لأول مرة أرى شبح ابتسامة على شفتيه منذ زمن تصورته طويلاً، ثم أجاب:

- إنها حياة الرمال.

وهي الحياة التي تصورت علي يغور في حفرها كلما طال غيابه.

 يخيفني أن يتصل بي رقم غريب، ترددت قبل أن أرد وأنا أرى الرقم على الهاتف، وقد تصاعد خوفي حينما رددت فسألني رجل ليتأكد من اسمي الثلاثي، خوف قديم ارتجفتْ له يدي وتقطّع صوتي وأنا أؤكد بأنني صاحب الاسم ثم سمعته يحدثني عن الطب العدلي، وعلي جاسم، وجسر الزبير، ولم أفهم ما يربط بين حديثه ورقم هاتفي فرجوته أن يعيد ما قال. في الطب العدلي سلموني أشياءه قبل أن أرى جثته، كانت بطاقة الأحوال الشخصية وإجازة السياقة وبعض من قصاصات الورق إضافة إلى حافظة نقود جلدية صغيرة موضوعة في كيس نايلون شفاف مربوط بشريط لاصق يحمل رقماً مطبوعاً.

حملت الكيس من فوق المنضدة، حيث وضعه الرجل، وقرأت اسمي ورقم هاتفي كما دونتهما له على إحدى القصاصات في زيارته الأخيرة.

قال الرجل:

- من حسن الحظ أنه يحمل هذه الأشياء، لأننا غالباً ما نتورط بجثث فارغة الجيوب.

تأملت بطاقته وحاولت تقدير العمر الذي التقط فيه صورته.

قال الرجل:

- تفضل.

فتبعته في ممر طويل تقشر طلاء جدرانه، وقفنا في آخره أمام باب حديد، أخرج مفتاحاً من جيب بنطلونه وفتحه ثم دفعه بكتفه ودخل، بقيت أرقب الباب وهو يتحرك حتى استقر ثم سمعته ينادي، وفي القاعة رأيت صفاً من الأسرّة الطبيّة مُدَّت فوق كل منها جثة مغطاة بشرشف أو بطانية، بعضها مكشوفة الأرجل، شاهدت من بينها أكثر من جثة حافية، انتبهت للرجل وقد توجه لإحداها، سحب الشرشف وانتظر حتى اقتربت ليسألني:

- هو؟

رأيت جبهته وإحدى عينيه وقد نخرهما الرصاص، كانت عينه الأخرى مفتوحةً تواصل النظر، حدقتها تلمع في ضوء القاعة.

قلت:

- هو

فأعاد الشرشف على الرأس وعدنا عبر الممر الطويل.


تصميم الحاسب الشامل