الرائحة الأخيرة للمكان

 

الخطّاب المزروعي


ها أنا الآن واتتني اللحظة ، لكي أكتب لكم ؛ ليس بداعي الفرجة ، ولا أريد منكم إشفاقاً ، فلكم أن توفروا ذلك على أرواحكم البائسة ، عفواً أنا أعلم أنها بائسة لأن روحي جزءٌ من أرواحكم وذاكرتكم المريضة !.

ستتساءلون ما داعي الكتابة إذاً ، أقول لكم :

 حتى أصل بأقل الخسائر ، ولأراوغ هذا المتربص بي أعلى رأسي ؛ أراوغه بالكتابة . ونكاية بالحيوات التي عشتها ؛ حيواتي المملوءة بالهزائم والزلات ، رغم مشاهدها المدهشة التي تمتلئ بها ذاكرتي! .

   يا لصيف ألفين واثنين ، الذي قتلني ؛ وعلمنّي كيف أكون فيلسوفاً فذاً في معاقبة الذات ..

يا لوجهي الذي سقط عنه اللحم ، وأصبح عارياً منه؟.

  كيف تتصورون عندما يكون الإنسان عارياً ؟ ؛ ويعيش بين ظهرانيكم ، والأنكى أنكم لا تعلمون ... وحده يشاهد سوءته، يا للوجع !.

صباحات الهزائم يا أمي التي تحملني إلى مرافئ الموت .

مساءات الهم والاضطهاد ، ألتاذ إليكِ في كل شمس غائبة تلعب لعبة الغميضة مع الوجود ..

 إليكِ ، ولا عن أحد غيركِ يندحر كلامي ،خذلتكِ في ظنكِ وانتصرتُ لجسدي وروحي الممزقين .

هل من حقي الآن أن أقول كل شيء؟

 رغم مرارة السؤال سأحاول قدر المستطاع وقدر ما تسعفني عليه ذاكرتي....

أمي أشفق عليكِ الوقع ؛ أمي التي باتت تحلم بأن ترى أولادي يعكرون صفو البيت برعونتهم .

   في إحدى الصباحات الباكرة ، وأنا أهم بالخروج والفجر يسحب أذيال الليل ببطء ؛ سألتني: متى قررت الزواج؟ بالكاد كانت تحلم بزواجي .

كنت أجيبها دائماً بأنني لست مستعداً نفسياً ..

 لم أشأ ان أخبرها أن البنك لم يبقِ ولم يذر للمسحوقين؛ وكأن تلك البنوك لم تُخلق إلا لتسرق عرقنا ودموعنا وأعصابنا من جيوبنا ، لتملأ جيوب الآخرين بغنىً فاحش ... ونحن نضحك عندما ندفع ، ونبكي عندما نجلس مع أنفسنا .

ماذا نريد نحن من أوراق البنكنوت؟.

 نحن لا نأكل كما يأكلون ولا نركب كما يركبون.... ولا نعيش كما يعيشون!، إذاً من المفروض أن كل شيء لهم ؛ لهم هم فقط.

  ماذا أكتب في ورقتي هذه سوى فشلي الذريع في الحياة ، البيت الذي نسكنه .. لم نعد نملكه ! .

 ماذا تبقى لي إلا دمي الموبوء ؟!.

- روح مسقط شوف شغل .

 ذهبت يا أمي .. ها أنا ذهبتُ ، ذهبتُ وسقطت في حفرة لن أنهض منها مرة أخرى  ، وها أنا محاصر في غرفة معلبة ، اختلط بعرقي ، ورائحة جسدي الكريه ؛ ليتني أتحرر منه، وألقيه على قارعة الطريق... وأنا متأكد أن أحداً ما لن يقبله!.

  ليتني لم أسمع كلامك يا أمي وعشت في قريتي المغمورة التي يسكنها السحرة والدجالون والأميون.

 رغم ذلك لم أزل أراها أجمل شيءٍ تبقى في ذاكرتي المشتتة بين الفقر والسحق .

 لو عشتُ فلاحاً بسيطاً صديقته النخلة يلقحها ويجني رطبها ويسقيها ، لكنتُ أحسن حالاً.. ماذا حل بي وسمعت الكلام؟ ، وأنا كنت دائماً لا أستمع إلا إلى رأسي .

  سأترك الآن كل شيء سأغادر وخطواتي تطن في أذنيّ ، وكأنها تستجديني بأن أعود أمشي حثيثاً في هذا الوجود المخيف ،وكأني أسير في طريق مبهم ، مقطعة روحي فيه أجزاء. إنه شيء مخيف بالنسبة لي، وهو الوصول سالما، لن أستطيع ،أنا أعرف كل هذا.. ولكن بعد فوات الأوان ، من يستطيع أن يسندني الآن، ليت الله يساعدني على ذلك ليت!.

  أمرّ في وحشة فريدة من نوعها في حياتي .. تاركاَ لوعة المكان الذي أحل به وكائناته ، يغرسان فيّ الخوف والاضطهاد ؛ الذي أمارسه على نفسي كردة فعل..

وحشة عندما تحس بفرادتها عليك ، تمشي مهلهلاً ، موزعاً خطواتك المرتبكة بين جنون الرغبة ورغبة الإنتقام . إنتقام مِن مَن ؟ سوى انتقامك من نفسك الملعونة في كل الأعراف اللزجة التي تثقل كاهلك أكثر مما ينبغي.. مشتت أنا الآن  بين الأمر والنهي ، تاركاً لأذني الإستماع الى الإملاءات والتفصيلات التي تحملني إلى الجهة الأخرى ، الجهة التي تحيق بي لا لشيء إلا لأنني كففت شري عن خيري وخيري عن شري.

  تخنقني اللاءات التي تملأ عليّ ، أأنا الوحيد الذي أكل التفاحة؟!.

٭ ٭ ٭

  ماذا سأتذكر الآن يا أمي سوى وجهك الرائع وأنت تغسلين رأسي وأنا جالس على ساقية الفلج أشاكس الماء بصفعات، أحس بعدها بحرقة في عيني .

- يا شقي لا تفعل ذلك .

 وها أنا ذلك الطفل الشقي الذي فعل أكثر من ذلك ، أتذكرين يا أمي عندما أخرجتِ لي دشداشة باهتة البياض من مندوسك - أكبر ما تملكين ، معبقة برائحة ممتزجة بالورس واللبان الظفاري والظفران والغسل .. أقسم لك أني أشمها، نعم أشمها الآن بعد اربعٍ وعشرين سنة أشمها ، ملعونة هذه الذاكرة تستفزني بصورها المخزونة.

- ألبس يا مسعود هذه دشداشتك الجديدة اليوم أتروح السوق.

 رحتُ ألبسها ، وأنتِ تقرئين عليّ الفاتحة... خرجت في ذلك اليوم ، نعم أذكره يوم الخميس ، وأنا أتلفت خلفي وأنت تبتسمين أمام البيت وتهمسين:

- اليوم أحقق نذري.

 لم أفهم ما قلتِ إلا عندما عدت وأخذت تغسلين رجلي في طشت صغير وشربته، لماذا يا أمي ؟ أنا لا أستحق ذلك ، لو عرفتِ ما آل إليه حالي؟

 بخرتُ أنا كل شيء جميل وحرقتُه من أجل لحظة شبقية عابرة ، ليتك تغفرين لي .

٭ ٭ ٭

  آه .. أيتها الخميس الموغلة في الذاكرة المبصوقة من عمري الضائع أتذكر طفولتي الضائعة في سوق الشرجة ورائحة البرسيم والأغنام وروث الأبقار ورائحة السمك التي تزكم بن آدم ؛ وأنا محشور في سيارة ( بيك آب ) فيتكامل كل شيء في تلك السيارة...

 بصل ، برسيم ، سمك ، أغنام ، بن آدم ، سردين مجفف ، فجل ، والحر في أشده ، نتصبب عرقا والرائحة التي تنبعث من الأجساد التي رصت داخل السيارة، فيحس الإنسان بإغمائة قبل أن تتحرك السيارة ؛ ليلفح وجوهنا السمراء المعرّقة هواء عليل ممزوج برائحة السمك المجفف وبول الأغنام .

عانيت من حشرة القرد التي التصقت بجسدي أكثر من شهرين ، والتي انتقلت إليّ من الأغنام التي اصطفت معنا في السيارة .

  سنين رائعة مسكونة بالفقر الجميل وأنا ذلك الطفل الذي تصل دشداشته الى منتصف ساقيه وشعره المجعد ، ونعاله ( الزنوبة ) التي طالما تباهى بها لأن كثيراً من أصدقائه قد لا يمتلكونها. عندما رجعتُ ضمتني إلى صدركِ .

- إن شاء الله خليفة أبيك .

 وها أنا أحنث بحلمكِ يا أمي ، ملعون أنا يا أمي.. ملعون، يأكل جسدي المرض والخوف وعقدة الاضطهاد كما أكل قريتنا حلم مسقط .

  مريم أتذكرين عندما اتصلتِ بي وسألتكِ عن أمي ، قلتِ بأنها مريضة وددتُ لو أصرخ في أذنك :  أنا المريض ، ليست أمي ؛ عاهة أنا ؛ عاهة وفضيحة عليكن ، تخلي عني يا مريم .

 اذا تزوجتِ لا تقولي : بأنه كان لك أخ ، لكني سكتُ ؛ وسألتني: ما بك يا مسعود؟

 أي مسعود ... أنا متعوس ، من أين جاءني هذا الإسم؟ لعله من سخرية القدر أن يكون اسمي نقيض حياتي!

- تعبان شويه ... عموماً سلمي على الوالدة ، أحاول أجي هذا الأسبوع.

 هل سأذهب إلى القرية ، لكن إن ذهبت هذه المرة .. فهي مختلفة ، فأنا أعرف الآن أني أحمل موتي في داخلي.

   سأرجع إليكِ يا أمي وأنا أحمل حقائب حزن سوداء وهموماً لا تحملها الجبال؛ التي تلف قريتنا ؛ وكأنها إنسان بليد بريء لا ، يتكلم سأجيء حاملاً شهادة وفاتي ، عوضاً عن الشال الذي سألتني أن آتيكِ به.

 وقفتُ على دوار العذيبة والشمس تجلد بسياطها ما استطاعت أن تصل اليه ، أشرت إلى ( ميكروباص).

- تفضل .

- الباطنة .

-  اركب ..

 الباطنة ... الباطنة أحسك أنك ساذجة أكثر من أي شيء آخر من جاء بهذا الإسم ؟ وماذا في باطنك .. ماذا تبقى منك ؟

أخرجتُ من حقيبتي الورقة لأقرأ:

- Positive HIV : Result

ألصقتُ وجهي على زجاج النافذة ، كانت كل الأشياء تتحرك ..إلا أنا!.

  ٭ ٭ ٭

 لم أنظر إلى النتيجة عندما ناولتني الممرضة الورقة ؛ وهي توخزني بنظرات حذرة ،سألتني : أأنت متزوج؟

- قلت: لا .. لماذا ؟

- لا شيء ..

 رجعت الممرضة إليّ لتخبرني بأن أدخل على الطبيب...

  تصنع ابتسامة كرتونية ، ومن ثم رجعتْ قسمات وجهه للعبوس ،  نظرت إليه وكأني في صحراء واسعة أستجديه أن يعطيني قطرة ماء ، تُرجع لي الحياة مرة أخرى .

 لا أعلم لماذا كنت خائفاً، قبل أن أعرف النتيجة؟!! .

 كان يبحث عن مدخل لكلامه :

- شوف مسعود... الله خلق الإنسان وهو يعلم مصيره..

 ( كان يتكلم ويلاقي بين أصابع يديه المنفرجات ، كنت أراقب يديه) نعم ..

 (وبعدين ، وبعدين ....!)

- «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم»

( والله أسمعها ، ومن يوم أنا صغير ، حتى أصبحت لي الآن غير مجدية) - وبعدين الإنسان معرض لكل شيء في الحياة .

- عموماً دكتور ، أريد أعرف النتيجة! .

زم شفتيه:

- الأخ مسعود .. في الحقيقة أنت حامل لـ... لـ فيروس الإيدز!!.

  كانت سفن وطائرات وسيارات وصراخ يملأ رأسي ونجوم سوداء وصفراء تدور حوله ورائحة كريهة تخرج من أنفاسي. أحسست بتشنج في روحي وثقوب كبيرة تخترقها الجرذان وأسراب من جراد الحزن يقضم ما تبقى ، كانت الأرض تجذبني والسماء تتخلى عني ، كان كل شيء يرفع يده عني حتى نظرات الطبيب كانت تتابع باقي التقرير في الملف الطبي،  كانت مأساة الوجود تتبلور ، أحسها وكأني أقبض عليها. شيئاً ما أراه يمتد في الأفق وأنا أسقط على رأسيْ .

٭ ٭ ٭

 ترجلتُ من الباص ، لأقطع الشارع الرئيسي ، والسيارات في سباق مع الزمن ، وضعتُ رجلي على الاسفلت الملتهب .. أحسستُ بأن رأسي ينتفخ وجسدي أصبح خفيفاً ، أظلم العالم في عينّي ؛ فلا أرى إلا وجه أمي ، وأصوات كثيرة اختلطت عليّ ، أبواق السيارات ، وصراخ ولغو كثير ، صوت أمي الحنون كان أوضحها ؛ يناديني وهي تمد إليّ يديها .. تعال ، وأنا أسير باتجاه البيت الصغير القابع بين النخيل .


تصميم الحاسب الشامل