ما أحبته منى

 

حمود الشكيلي


منذ أن تسلمتها يد الشيخ لم يمسسها أحد، أخذها وخبّأها في مكان لا تطاله الأيدي الصغيرة، بعد كل صلاة يراها ويحاول مسحها بيديه، يدعو ربه أن تنجح ابنته البكر، ويهديها أغلى ما ملكه خلال سنينه الماضية .

«أكملتُ ثلاث سنوات ولم يفتحني أحد؛ منذ أن تسلمني كهدية ثمينة يجب الحفاظ عليها . يراني ولم يدخل فيّ شيء، لم يحركني أحد من هذا المكان، انتظر من أي إنسان أن يعتقني من نظراته، ابنته تراني ولم تلمسني يداها . زوجته قصيرة ولا تستطيع إنزالي من أعلى مكان في هذا البيت .كم مرّة حاولت أن أهرب من نظراته التي أخافها ! »

تحب منى حقيبتها ولن تعيرها أحدا . حقيبتها زرقاء؛  لذلك عاشت حياتها تحب اللون الأزرق، يوم خطوبتها ستلبس فستانا أزرق، كلما رأت الشعار الذي في وسط الحقيبة؛  تذكرت والدها الذي أقعدته شركة النفط عن العمل، ووثّقت الشركة علاقتها مع الرجل الذي أقعدته بهدية تذكارية مع راتب تقاعد بسيط .

 ذاكرت كثيرا،  قبلتها الجامعة. في ذلك المساء أقام والداها حفلة عائلية، في الحفلة أهديت الحقيبة وقبلتان من أبويها. عاشت سنوات الدراسة تتذكر الحفلة الرائعة والحقيبة الزرقاء، طوال تلك السنين تحس بحب روحي تجاه الحقيبة . أخواتها لم يفزن بشرف لمس الحقيبة التي لن تفارق يدها . استطاعت أن تحظى بها من والدها، والأخير أيضا يحب الحقيبة كثيرا.

في هذا اليوم فك قيدها من المكان الذي لم تبرحه طوال السنوات الماضية، حدث هذا عصر يوم الجمعة الماضية . ركبت منى الباص، جلست في الكرسي الأخير، رفعت الحقيبة في كرسي آخر،  كلما ركبت إحدى زميلاتها تعجبت من الحقيبة الجميلة التي في الكرسي.

 حبيبتي منى: من أين لك بهذه الحقيبة ؟ سألتها عائشة .

- هدية....

كلما حشرت طالبة جامعية جسدها في بطن الباص دفنت عينيها في الحقيبة . خافت على حقيبتها، أخذتها من الكرسي،  دستها بين رجليها .

طال سير الباص ..

الطالبات مللن المسافة. جاء نوم وأخذ منى بعيدا، مرّ حلم على نومها، رأت أيادي سمراء ترفع جسدا نحيلا، سمعت بشرا يرفعون أصواتهم . الأصوات غريبة . لم يسبق لها أن سمعت أصوات تهليل وتكبير، زاد صراخ أمها . استيقظت فزعة .تأكدت أن الحقيبة ما زالت تجذب أعين الطالبات،  وهن معجبات بمخابئها الجميلة وبالشعار الأخضر الذي ينحني كفاصلة ترقيم إجلالا وتقديرا للرجل النائم في البيت الصغير.

رفعت الحقيبة بين يديها وأمسكت بها . مر الباص على استراحة ولم يقف . حمدت ربها أن الباص لم يقف حتى هذه اللحظة . قرأت منى لافتة كان قد كتب فيها المسافة المتبقية إلى الحرم الجامعي . جمعت فاطمة كراء الباص من أيادي الطالبات، تقدمت إلى السائق وأعطته مبلغ الرحلة التي استغرقت ثلاث ساعات، وأمرته أن يقف في أقرب محطة.

 وقف الباص في استراحة المحمدية العامة، نزلت الطالبات من الباص، ظلت خائفة على حقيبتها، فكرت كثيرا، وقررت ترك كرسيها، وقبل أن تنهي آخر خطوة لها عادت ولم تنزل.

أخذت حقيبتها وقبّلت الشعار الذي في الوسط، حضنت الحقيبة وقررت أن لا تنزل . فكرت في عقاب ربها، فقد لا يرعى الله الحقيبة . أخبرت والدها بأنها حرستْ الحقيبة ولم تنزل للصلاة،  غضب والدها وعنفها كثيرا، وصل الغضب حده وأخذ الحقيبةعنها.

لا لا  لا لن يأخذها . يستحال أخذ الحقيبة . وهذا آخر ما يفكر فيه أبي .

استعادت ما سيحدث إذا أخبرت والدها بأنها لم تصلي عصر هذا اليوم . جاءت طالبة، دخلت، رأتها تحضن حقيبتها .

- هل ص... سألتها فاطمة ؟

- معك العا... ؟

- حرام عليك . تحبين الحقيبة، ولا تحبين ربك، انزلي وأدي فريضتك، أين الحقيبة ؟  سأمسكها لك .

 لم ترد على فاطمة. نزلت وفي يدها الحقيبة، دخلت الحمّام وأدخلتها معها،  خرجت، توضأت والحقيبة أمام عينيها . قطرات ماء في ظهر الحقيبة. مسحتها بعباءتها.   دخلت المصلى، تركت الحقيبة أمام سجادة حمراء . كانت قد نوت قصر صلاة العصر، وصلتها أربع ركعات، خرجت وفي يدها الحقيبة . سارت بين زميلاتها في الباص . جلست مكانها، حضنت الحقيبة كأنها مولودها الأول، سار الباص عشرين كيلومترا، ووصل إلى الجامعة التي تدخلها للمرّة الأولى .

نزلت الطالبات . الحقيبة في يدها . انتظرن كثيرا . غربت شمس يوم الجمعة. وزع السكنُ داخل الحرم الجامعي . استلمت غرفة في سكن الطالبات . جمع القدر بينها وفاطمة وكانتا في غرفة واحدة . انزعجت فاطمة عندما علمت أنها ومنى في غرفة واحدة . ذهبت إلى مشرفة السكن الداخلي . أخبرتها بأنها ترفض السكن ومنى رفضا تاما . حاولت المشرفة أن تعرف أسباب الخلاف الحاصل بينها ومنى .

- « فهذا هو اليوم الأول لك ولها في الجامعة»

 رفضت فاطمة اخبار المشرفة ما حدث في الباص . وعدتها المشرفة أن تنقلها أينما تشاء؛  شرط أن تعلمها الخلاف الحاصل بينهن . جيئ باسم عائشة إلى جوار اسم منى . حدث هذا في سجل طالبات السكن الداخلي . وكتب هذا في ظهر يوم الأحد من العام الماضي . رفضت عائشة وبكت عندما علمت نبأ نقلها عن صديقتها ليلى . ذهبت إلى مكتب المشرفة وأخبرتها أنها ترفض أن تكون ومنى في غرفة واحدة ،  وأخبرتها إذا تم نقلها سوف تكتب رسالة إلى عمادة الجامعة تؤكد فيها رفض الغرفة السابعة، ستبين في رسالتها بأنها تكره رقم سبعة وتتشاءم منه .

مر الأسبوع الأول والمشرفة لم تر الحقيبة، قيل أنها لم تعرف أن الحقيبة زرقاء، وأنها كانت هدية . في مساء الأربعاء رجعت منى، أخرجت أشياءها من الحقيبة، دسّتْها تحت سريرها، قيل عنها:  أنها اهتمت بدراستها، ونست الحقيبة .

 بدأت تهتم بقواعد اللغة الإنجليزيّة، ضاعفت من جهدها في محاولة ترجمت نصوص أدبية إلى لغة ينطقها الشيخ فصيحة نحوا وصرفا أثناء حديثه في المسجد. في مساء كل يوم أربعاء تحني رأسها تحت سريرها الحديديّ، وفي الأربعاء الماضي رأت عقربا في ظهر الحقيبة، خافت وخرجت تبحث عمن سيقتل العقرب، لم تجد أحدا، أخذت حذاء، بحثت عن العقرب التي نزلت من فوق سطح الحقيبة.

في السنة الثانية أو في السنة الدراسية الثالثة بدأت منى تتردد على أستاذ الترجمة، في يدها أربع ورقات كانت قد بدأت فيها ترجمة نص « العربي البائس المسكين » لوليام سارويان «.............. لم يسأل الرجل زوجته عن ما في تلك الحقيبة، لكنه ظل خائفا، كانت تقف على يمينه، و لم تكن قصيرة مثله، كانت صامتة في تلك اللحظة، لم تستطع تذكر ما في تلك الحقيبة . في مطار « هيثرو» أصدرت حقيبتهما الزرقاء صوتا؛  ولذلك تأخرا كثيرا عن الخروج من صالة القادمين ..... لم تكمل منى ترجمة القصة بعد.


تصميم الحاسب الشامل