|
|||||
|
كنت أنظر إلى ما حولي بارتياب بالغ، وكانت سحابة من الضجر والضيق تخيم علي، ولم يكن ذلك يعنيني بقدر ما كنت متوجسا من المسار المأساوي الذي سيسلكه تطور الأحداث لاحقا، إذ إنني مقدم بغير إرادة مني على فصل دامٍ من أحداث مريعة سأبدو في خضمها وكأنني معلق في قرن الشيطان. - إنني أحلم. هكذا حاورت نفسي، وقد كنت على وعي تام بهذه الحقيقة، حقيقة أني أحلم. في الحلم تضعف سيطرة الإنسان على قواه العقلية، فيبدو بطيء الفهم سهل الانقياد، على نحو يُمَكِّن أرواحا شريرة من اقتياده إلى حيث يعتلي الرعب سدة الأمور. هكذا تحدث الكوابيس، وأنا على وعي بذلك، والقلق الحاد يساورني بشأن ألوان المفاجآت المريعة التي يحبل بها هذا الحلم وسأتجرع مرارتها عما قريب. - كيف أتصرف؟ وما السبيل إلى النجاة من هذا المصير؟ طرحت على نفسي هذا السؤال. وبعد هنيهة تفكير أجبت: - ينبغي أن أكون يقظا، مفتوح العينين على الآخر، بحيث لا يتمكن أحد من استدراجي إلى أماكن لا أعرفها ولا حاجة بي إلى التعرف عليها، هكذا أكون أنا سيد الموقف، وأقطع الطريق على أية قوى شريرة تستغل ضعف قدراتي العقلية لتقذف بي في مهاوي الرعب. إنني في قلب مجمع سكني على ما يبدو، في باحة تتوسط إحدى وحداته. تتوزع على محيط الباحة بعض الأبواب التي تفضي إلى بعض الأجنحة، وبعض السلالم التي تقود إلى أجنحة الطوابق العلوية. ويتصل بها ممران، أحدهما ينساب من جهة الجنوب، والآخر يتجه إلى الشمال، وهما يربطان الوحدة بغيرها من الوحدات في إطار المجمع السكني. الوحدة عامرة بالناس، وهم يضطربون في أرجائها ذهابا وإيابا، وصعودا ونزولا. - ينبغي أن أكون يقظا، مفتوح العينين على الآخر، لا أغادر أي نقطة في هذا المجمع حتى أعرف كل ما يكونها ويتصل بها، لن أسمح لأحد باستغلالي أو الإيقاع بي. هكذا رددت في داخلي، والحقيقة أنني كنت أعاني في محاولة دراسة تفاصيل الموقع، بسبب ضعف قدراتي العقلية وغشاوة الحلم التي تحكم قبضتها عليها. انتبهت إلى وجود أبي في الباحة نفسها التي تسمَّرت في إحدى زواياها، على الأرجح أنه كان معي منذ بداية الرحلة، وأننا دخلنا المجمع معًا لقضاء أمر مشترك، لكنني الآن لا أذكر الحاجة التي حملتنا على زيارة هذا المجمع السكني، كما أنني نسيت تماما لحظة انطلاقنا معا، ولحظة دخولنا المجمع، إلا أن وجوده بجواري دليل حاسم على أنه كان معي منذ البدء. مشكلة أبي أنه لم يكن يعي أنه يحلم، كان ينظر إلي ولا ينظر إلي في وقت واحد، وكان ميالا إلى الانسياق في دروب ومسالك لا يعرفها، وباتجاه غايات غير محددة، بدا وكأنه مُغيَّب عن الوعي، أو أن غِطاءً ثقيلا يُحكم السيطرة على عقله، لم يكن أبي وحده كذلك، الجميع ممن كان يضج بهم المجمع السكني كانوا يحلمون دون أن يعوا ذلك، لذلك كانوا يتحركون بلا وعي وبلا إرادة، وكأنما قوى خفية تقتادهم إلى حيث لا يعلمون مصائرهم، حتى صديقي الذي صادفته يُجوِّل ابنة أخيه، نظر إليّ نظرة بلهاء وانصرف يبحث عن شيء أقدّر أنه لا يعلم ما هو. في هذه اللحظة، وعلى الرغم من بطء إدراكي وتشوش رؤيتي، بدوت أنا العاقلَ الوحيد وسط حشد من المغيبين عن الوعي، فقد كنت على الأقل أعي أنني أحلم، وأحاول السيطرة على تطور الأحداث الخاصة بي، أما هم فقد كانوا ينخرطون في دورة الحلم بانسياق تام دون وعي أو إرادة، أشفقت عليهم من دورة الرعب التي تتربص بكل منهم. أمسكت بأبي من كتفيه، هززتهما ونظرت إلى عينيه مباشرة، وقلت له: - إنك تحلم ويتعيَّن عليك أن تعي ذلك وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة. حرر كتفيه من قبضتي، ونظر إلي نظرة استهجان، ثم أخذ يمشي. مشيت بجواره وسألته: - إلى أين تمضي ؟ لا شك أنك لا تعلم. لِمَ ؟ لأنك تحلم. إن قواك العقلية شبه مشلولة، وإلى ذلك فإنك تتحرك بنشاط بالغ على غير وعي أو إرادة. وبذلك فإنك ستلقي بنفسك في مواقف خطيرة لا تحسد عليها. كان أبي مشغولا بالمشي في ممرات المجمع وأروقته، ولم يلق بالا لما قلت له. سايرته وأنا أشعر بضغط كبير، فقد كان علي أن أستنفر قواي العقلية، التي كانت بادية الضعف والخور، لأفهم تفاصيل المحيط المادي والبشري الذي أتحرك فيه، في الوقت الذي كانت فيه حركة أبي الدائبة عبئا باهظا يحول بيني وبين الإدراك الدقيق لما يدور حولنا، الأمر الذي يجعلنا في نهاية المطاف عرضة للوقوع في الخطر. انتبهت إلى أننا عدنا إلى حيث بدأنا، فالتفت إلى أبي: - انظر لقد عدنا إلى حيث انطلقنا. إنها الباحة نفسها التي كنا فيها، وهذا السُّلَّم الذي كنا نقف بجواره. إننا في مجمع سكني، وأنا على يقين من ذلك وإن كنت لا أعلم سبب وجودنا هنا. أما أنت فتسير على غير هدى، والسبب هو أنك تحلم، ولأنك تحلم دون أن تعي هذه الحقيقة فإنك مستعدٌّ للسير وراء أي باعث يعنُّ لك. ولن تكون العاقبة محمودة إذا استمررنا في هذا المشي التائه. أبي، إننا نحلم، وينبغي أن نكون في غاية الحذر والتيقظ، وإلا فإن الكوابيس ستلتهمنا فريستين سهلتين في مشهد دراماتيكي لا مثيل له. - إنني أبحث عن مطعم، أتناول فيه وجبة أسد بها نأمة الجوع التي تزأر في داخلي، وأقضي فيه بعض الوقت ريثما ننتهي من زيارتنا لهذا المكان. - ولكن لم نحن هنا؟ لم يرد علي واستمر في المشي، على نحو يوحي بأنه يعلم إلى أين يتجه. تساءلت في داخلي: - هل تكمن المشكلة فيّ؟ هل نحن في الواقع في الوقت الذي أتصور فيه أننا نحلم؟ هذا غير معقول، إنني على يقين بأننا نحلم. التبست الأمور عليّ أيما التباس، وعلى الرغم من ذلك واصلت السير على خطى الوالد. - انظر لقد وصلت. - إنه باب لدورة مياه على ما يبدو وأنت تبحث عن مطعم. - آه، جميل أن تكون دورات مياه في هذا المكان. استأنف أبي حركته، وهنا تأكدت أنه يحلم وأننا جميعا في غمرة الحلم، فخاطبته بلهجة حاسمة وبالغة الثقة: - إننا نحلم، عليك أن تعي ذلك وتجنبنا ويلات هذه الحركة التي لا تهدأ، أنت تحلم وأنا أحلم، وفي الحلم تكون قوانا العقلية بطيئة العمل محدودة الفاعلية، إننا نتحرك وفقا لأي منبه يطرأ، وليست حركتنا أكثر من استجابات لا واعية. رد عليّ بحزم: - الحلم في عقل واحد وليس في عقل اثنين. كانت إجابته ضربة قوية وجهها إليّ. فالحلم عملية سيكولوجية تدور في دماغ شخص واحد. لطالما آمنت بذلك، ولطالما كذبت بالنبوءات المرتبطة بالأحلام، تلك التي تخلط عالم الأحلام بعالم الواقع، وترى أن ما يقع في الحلم سيكون له انعكاسه الحقيقي على أرض الواقع. لطالما كفرت بتلك النبوءات، وآمنت بأن الحلم عملية سيكولوجية تدور في دماغ الإنسان ولا تتجاوزه، لكنني الآن، في هذه اللحظة التي أؤمن فيها بأنني أنا ووالدي نحلم في وقت واحد، أهدم قناعاتي السابقة. ارتبكت، وأخذت الأرض التي أقف عليها واثقا بالانزياح والترجرج، لكنني سرعان ما وجدت الحلّ، ووقفت من جديد بثقة على أرض ثابتة. لقد كان حلا مقنعا جدا وليس في وسع أبي إلا أن يسلم لي به. قلت له وبهجة النصر تجلل وجهي : - كيف تثق أن الحلم يدور في عقل واحد وليس في عقل اثنين؟ ما أدراك، لعل الحلم هو عالم واقعي آخر نزوره بأرواحنا، أو بعقولنا، ونلتقي فيه لقاء حقيقيا. وبناء على ذلك فأنا وأنت معًا نزور هذا المجمع السكني في الحلم زيارة حقيقية، وإذن فنحن نحلم الحلم نفسه في الوقت نفسه. أوووه، إنه فتح معرفي، لو صدق هذا الأمر ستتبدل قناعاتي تبدلا كليا، وستنهار كل المنظومة المادية التي آمنت بها في السابق، وسأدخل طور روحانية جديدة. ابتهجت كثيرا بهذا التأويل، فقد كان فتحا معرفيا يفضي بي إلى فضاء فكري جديد. إلى ذلك انتبهت إلى أنني أحرزت نصرا آخر، فعلى الرغم من أنني في عالم الحلم، حيث الإدراك البطيء الضبابي، فقد بدت قدراتي العقلية حيوية نشيطة بالغة الفعالية، وأحسست أنني أعي عالم الحلم بنفس درجة الوضوح والصدق التي أعي بها عالم الواقع، وهذا نصر حقيقي، فمنذ اليوم سأعيش في الحلم خبرات حقيقية بقوى إدراكية مكتملة. امتلأت بهذه المشاعر البهيجة وأنا أنظر إلى رجل يتوضأ للصلاة. لقد كنت أعي تفاصيل المشهد كما لو كنت أنظر إليه في الواقع. يا إلهي، إنها حياة جديدة أعيشها، فقد انتصرت على كل مظاهر ضعف قوى الإدراك، وبتُّ أحلم بقوى إدراكية تضاهي في دقتها وصحتها قواي الإدراكية في الواقع، ولم يعد ثمة فرق، في رؤيتي، بين عالم الحلم وعالم الواقع، كما لم يعد بإمكان أيٍّ منهما أن يضللني أو يخدع مداركي. نظرت إلى أعلى حيث السقف يسد عليّ الفضاء. مِلْتُ قليلا بزاوية النظر وكانت الستارة بنية اللون تنسدل أمامي في سكون مطبق. نظرت بجانبي إلى خزانة الملابس بنية اللون صينية الصنع. تحسست هاتفي النقال، وكان في موضعه بجانب وسادتي. |
|||||
|
|||||