ريــــــــح

 

أحمد محمد الرحبي


في أكثر لحظات عمره ابتهاجا، بل إنها اللحظة الخارقة التي لا تحدث إلا مرة واحدة وإلى الأبد، كالولادة... الموت، قرر مرزوق الإقدام على ما عزم عليه. طفى عاليا فوق الأشياء، ولما شعرت جوارحه بأمواج التردد والشك التي أغرقت سنوات عمره الماضية، تنفصل عنه وتتلاشى من نافذة الحافلة إلى جوف الغيب، في تلك اللحظة استل محفظته السوداء، الباهتة، العتيقة، والمتخمة- رغم ذلك- بالأوراق النقدية الكبرى، وتركها بإهمال على الكرسي الخاوي بجواره. التلويحه  الدرامية التي صنعها بيده وهي تفلت المحفظة، وإشاحة وجهه عنها وهو مفعم بالحيوية، كل ذلك أعرب عن حالة تنطوي على قدر كبير من الجسارة، والتي بدورها احتوت على قدر واسع من السذاجة.. الشيء الذي تشربته أعين الركاب الملتهبة.

هل كان عليه أن ينتظر ثلاثين عاما ليزيح عن كاهله حملا ما فتئ يرزح به، الكابوس الذي ما برح يسوطه بلا رحمة أو اعتبار لإنسانيته؟ مع ذلك فكل ما مضى من سني العذاب في كفة، وهذه اللحظة التي فاضت بالنور على روحه وكشطت كل القيود وآثار الغل وغسلتها في كفة أخرى.

   إنه الآن يتربع كرسيا في الحافلة رقم ٦٠. الحافلة التي ظل سنوات يتحاشى ركوبها أو النظر إلى ركابها بينما يقف في المحطة، وهي الحافلة المريحة التي تسلك الطريق أمام بيته وتتوقف بعدها سبع محطات قبل أن تفضي به إلى البوابة الكبيرة لمقر العمل.                                   

كان في السنوات الأولى في العمل يصل إلى المقر ويخرج من الحافلة، تحفه رائحة عِطره التي لم تبخرها المسافة بعد ثم يسير في الممر الطويل إلى مكتبه. يفتح الخزينة التي تنفض في وجهه وملابسه المعطرة رائحة النقود النتنة، المهترئة فلا يعرف أنفه باقي اليوم رائحة غيرها. مع ذلك كان زملاؤه يحسدونه أي حسد على الحافلة 60، فهم يلاحقون الحافلات المعبأة بالناس ومزيج الروائح ويستبدلون المحطات حتى ينتهوا بعد عناء إلى المقر، وكان هو يرفل بذلك الامتياز الذي جاءه كالصدفة الرحيمة من لدن تخطيط الطرق.

تلك الحافلة النظيفة نسبيا لابتعاد خط سيرها عن الطريق العام وزحمة البشر، الحافلة التي حملها شارة امتياز في السنوات العشر الأولى من عمله، أصبحت البلاء الذي لا يحتمل النظر إليه في الثلاثين سنة اللاحقة، وأصبح خطها الذي تسلكه، نفقا مخفوقا بسموم تفتك بالروح قبل أن تلطخ البدن أو الملابس.

إنها مجرد ريح مكتومة  خرجت غصبا عنه من دبره البائس، ولكن سحابتها الصغيرة، النتنة، تلك الملعونة، خنقته ثلاثين عاما. ليته لم يتناول بيضا ذلك الصباح، بل ليته صام قبلها أياما واستقل الحافلة بمعدة لا أثر فيها لرائحة طعام. أوووه كم لعن أهله ذلك اليوم على تربيتهم الغذائية، ولعن شعبه، بل كل الشعوب التي تدخل المطبخ صباحا لتقلي بيضا. لتسلقه أو تشويه أو تأكله بقشره! لعنة على الدجاج والديوك وعلى من يربيها ويطعمها وعلى البيض أولا وكل شيء أبيض في جميع الأحوال.

كان ممسكا بحقيبة العمل. كان جالسا في الصف الخلفي بادئ الأمر. كان جالسا، موثقا يده على عنق الحقيبة. جالسا في مكانه الطبيعي، اليومي، الشهري، وقلبه يخفق في يده الممسكة بحقيبة الرواتب. ما الذي جعله يقف إذا؟ لماذا أزاح مؤخرته عن الكرسي ليفسح مكانا للعجوز الذي دخل لتوه؟ فليكن انه عطف على العجوز ووقف فتفاقمت هواجسه على الحقيبة، لماذا إذا، عندما فرمل السائق وتدافع الصف الواقف إلى الأمام، كما يحدث عندما يفرمل أي أحد أو أي شيء، لماذا أفلت تلك الصرخة وهو يلهث خلف الحقيبة؟ ولكن، وعندما أمسك بالحقيبة وأحكمها قبضته، لماذا خرجت منه تلك الريح!؟

كان من الممكن أن تنفذ الريح البيضية الحامضة من أي منفذ في الحافلة. كان يمكن أيضا أن تنفذ إلى أنوف الركاب وتسيل قليلا في حلوقهم ثم تدخل قصباتهم الهوائية لتنمحي بعدها من الوجود. كان كل شيء سيمر بسلام وأمان وبرفة عين لولا رمح القدر الذي كان منتصبا بجواره. إنه عجوز بعمر ذاك الذي أفسح له الكرسي منذ قليل. انتصب أنفه وحرك رأسه الأشيب الثقيل بعنف ثم ثبت نظره في عيني جاره المتوسلتين إليه أن يلجم لسانه... ولكنه أفلتها خسيسة ترج في بطن الحافلة: «تبلع البيض يا أستاذ يا محترم ونحن نصيبنا الرائحة! ».. انسكب شلال من المياه الباردة وسال من رأسه حتى قدميه. كانت لسعاتها مؤلمة واستمر وخزها ثلاثين عاما بعد ذلك: ترافقه من البيت إلى العمل وتنتظره لتصطحبه في طريق العودة.

وكما هو متداول هنا أن أية ريح تفلت من المرء، ولو كانت صغيرة قد عنها، إلا أنه سرعان ما يشمها الناس قاطبة. شعر مرزوق وهو يستقل الحافلة 60 في اليوم اللاحق للحادثة. شعر بمؤامرة لئيمة تحاك ضده. في البدء، وكسبيل للمقاومة الذاتية، حاول تجاهل نظرات الركاب وهمسهم وضحكهم الموارب. وعندما علم يقينا أن الخبر وصل إلى مكاتب الدائرة ولهجت به ألسن زملائه، بل طاف في أروقة الوزارة ورددته جدرانها وأبواب مكاتبها المغلقة، توسم أملا في مرور الزمن ونسيان الناس للأمر، وأن تنازلات يقدمها من تحت الطاولة للموظفين الذين يطلبون سلفة سيساعد في تبديد تلك الريح. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. حتى في الحافلات الأخرى التي عكف على تبديلها هروبا من الحافلة ٦٠، والمحطات المختلفة التي تكبد عناء الوصول إليها، كان هناك دائما ما يشي بأنهم شموا الخبر. أية ضحكة كان لها نفس المعنى بالنسبة إليه. أي همس كان يوقظ رعشة في أوصاله. الأخبار عن البيض والدجاج، في أحاديث الناس أو في التلفزيون والراديو، إذا قرأ عن فوائده ومضاره في الجريدة، أي شيء من ذلك كان كفيلا بأن يعطب أوتاره العصبية ويحرق فؤاده.                  

«مرزوق بيض»- سمعها أول مرة على لسان ابن الجيران ذي الأربعة أعوام بعد مرور شهر من الحادثة. المرة الثانية بعد عام وهو في طريقه إلى العمل في حافلة لا يتذكر رقمها. المرة الثالثة سمعها في رواق الدائرة، وعندما التفت إلى الخلف ولم يجد أحدا، ظل يفكر طويلا ويستدعي نبرة الصوت في ذهنه: هل هي لحمد الساعي، لعلي الفراش، لخميس الطباع، لرئيس القسم، للمدير العام، لوكيل الوزارة، للوزير؟ من كان!؟. رسم بياناته الصوتية على الورق، وعندما لم تهده إلى جواب، وقع اتهامه على الجميع.

قرر مرزوق وعزم وفعل. جهز الخطط وأجرى التجارب قبل أشهر وسهر يتلذذ وينتظر يوم بلوغه عامه الستين: يوم استلامه بيان تقاعده ومكافأة نهاية الخدمة. استقل الحافلة التي تمر من أمام بيته: حافلة رقم 60، فلمعت بباله سخرية الأقدار التي جمعت الرقم في جبهة الحافلة بالرقم المتراكب في عظامه!... وابتسم. نزل في المحطة المقابلة للبوابة الكبيرة، ولأول مرة في حياته، حرف وجهته الصباحية عن الممر المؤدي إلى باب الوزارة وسلك الطريق المؤدي إلى المقصف.

طلب خمس بيضات مسلوقة، نصف مستوية، وثبت ساعته على ساعة النادل. أربع دقائق ونصف تحت نار قوية وتكون رائحة البيض في أوج اختمارها وترشح بعصارة روحها. جلس يقشر بمهل ويخضب فمه بالصفار المائع ويطحن البياض الناعم ثم يتركها تسيل مع دفقة لعاب مدروسة. انتظر دقائق محسوبة ثم رمى خطواته باتجاه باب الوزارة. ارتقى السلالم كما كان يفعل في شبابه أيام لم يكن هناك مصعد كهربائي بعد. اخترق الممر المؤدي إلى دائرة شؤون الموظفين ودخل المكتب ثم لوح بيده ماسحا الهواء أمام الطاولات، وقبل أن ترتفع أيدي الجالسين خلفها ردا على تلويحته الغامضة، تقدم إلى طاولة رئيس القسم وطلب بيان التقاعد. جلس أمامه وهو يصغي مليا إلى صفارات أمعائه، ولما أحس بها تصدم فتحة دبره، استقام واقفا وتركها تخرج خلفه: فاقعة، حريفة ومضى إلى مكتب المالية.

استلم نقود نهاية الخدمة من مساعده الذي حل مكانه، وبعد أن حشاها محفظته العتيقة، استدار موليا ظهره للموظف وأطلق الدفعة الثانية منها فيما هو يدندن في سره مرحا: «إنها لك يا سلووم ال... »

 دخل المقصف ثانية وأمر بخمس بيضات أخرى ثم جلس يلتهمها أمام ذهول النادل وكان هو طرب بضحكة راقصة، مكتومة.

إنه الآن في الحافلة رقم ٦٠. فرد المحفظة على الكرسي الخاوي بجواره وقد نتأ من حوافها، أرقام وألوان الأوراق النقدية ذوات الفئة الكبيرة. كان يتمنى أن يكون العجوز الخسيس بين الركاب، ولكن، وأينما كان الآن، سينهي هو مهمته مع أحفاده. قام من مكانه وابتعد حتى وصل إلى المقدمة فسرت حركة بين الركاب، وطفقوا يحركون رؤوسهم بوجل ويوزعون أبصارهم بين مرزوق في مقدمة الحافلة والمحفظة الحبلى بالنقود في المؤخرة. سال لعابهم. ألجمت ألسنتهم وتدافع فيهم التحفز، ولكن أحدا لم يجرؤ على التحرك خطوة واحدة. كان الجميع يراقب الجميع وكان كل واحد منهم يضرب طوقا لا مرئيا حول الآخر. وحده مرزوق من وقف يتلذذ بوضعه. كان يقبض بخناق المشهد ويقلبه كيفما يحلو له. تحرك مرارا بين المقدمة والكرسي حيث وضع المحفظة.

- هل تعلمون لماذا صرخت قبل ثلاثين عاما عندما أفلتت مني حقيبة الرواتب وخرجت مني تلك الريح الصغيرة التي سممتم بها حياتي؟ دعوني أخبركم إذن. خرجت لأني كنت خائفا على رواتبكم التي تشترون منها هذه الثياب لتغطي مؤخراتكم. خرجت لأنكم ستأكلون لحمي وستمصون نخاعي لو فقدت منها ورقة واحدة. انظروا إلى هذه الأوراق ما أجملها، ألا تستحق أن يسيل من أجلها اللعاب وتنفطر القلوب وتنفجر الروائح؟ هل أرمي بها إليكم؟ ما قولكم لو أرمي بها إليكم؟ استعدوا إذا وتلقفوها!

رفع مرزوق بالمحفظة عاليا فاشرأبت رؤوس الركاب واتسعت أعينهم وامتدت أيديهم متحفزة. وفي اللحظة التي توقفت فيها الحافلة وانفتحت أبوابها، أدار ظهره إليهم وكشف عن مؤخرته ثم أطلقها قذيفة هادرة... وخرج.


تصميم الحاسب الشامل