|
|||||
|
إسمه البراء واسمها إسراء التقيا في زمن ضمرت فيه شجرة الحبّ، فالقوم يسقونها ماء من رياء ويسمّدونها دنانيرا، ويطوّقونها بسياج أسلاكه أعراف واهية ونصّبوا عليها الطّمع حارسا. كان البراء بما يحمل غريبا وكانت إسراء بما تحلم شريدة.حتّى جمعتهما الصّدفة أمام، شجرة مكبّلة بالأغلال وفوقها أرطال من الدنانير تحجب عنها نور الوجود. وبدون أن يشعرا أماطا عنها الأسلاك، ونفضا عنها غبار الدّنيا الجاثمة على صدرها، وجلبا لها الماء بحفنتيهما، فإذا بها تكبر وتورق. ظلاّ على ذلك الحا ل يزورانها ويجلسان تحت ظلّها، وما راعهما إلا والأرواح قد تتيّمت، والأفئدة قد هامت، والأجساد صاحت من وقع الوجد...وهاجرا حينا من الدّهر... كانت كلّما خلت إلى نفسها إسراء قالت: «لاْساْلنّه غدا عند الشّجرة، إذ قد يكون رجلا ككلّ الرّجال». وكان كلّما اتّكأ من عناء كوكب الأرض قال البراء« غدا حين ألقاها سأهاجمها بسؤالي وليكن ما يكون». الغد ليس ببعيد، وها هما أمام هيبة الشّجرة صامتين.حملا الماء بحفنتيهما إلى فمها،حتّى ارتوت وطربت أوراقها. أمسكت إسراء بحبل المبادرة وخنقت به الغصّة المتربّعة في حنجرتها.واْمسك البراء بسيف جسارته وطعن به تردّده وصمته،فكان هذا الحوار الذي دوّنته الشّجرة بأحد أفنانها على زمرة من خيرة أوراقها ردّا للجميل وامتنانا لكائنين أخرجاها من قفص هي لا تطيقه. قالت:« مذ لقيتك عند الشّجرة وأنا أريد أن اْحسم أمري.» قال:«أدلي بسؤلك فآذاني لك منصتة وعقلي على تأهب.» قالت:«إن كان ما يعجبك جمالي فالجمال موسم يحلّ ثمّ يرحل.» قال:«ما كان جمالك قبلتي، ففناء المادّة يقين.» قالت:«إذن ما الذي جعلك تطيل القيام بمحرابي و تزيد من الطواف على كعبتي.» قال :«روحك الراقصة في فناء خيالي، ثغرك المبتسم في دهماء الاّيّام، صبرك العملاق، ودفء صدرك الشّاسع: فصول أربعة إن غاب اْحدها حضر الآخر. قالت: «ويحي إنّ كلامك يغسل الرّوح، ينثر الأمل في كينونتي الحالمة ويزيدني خوفا ممّا هو آت. قال: «وممّ خوفك إسراء؟». قالت: «أن أعيش لزمن تغيب فيه الحناجر التي تصدح بما سمعته منك إن كنت صادقا.». قال: «لا تخشي، فصدق كلامي يملي على الجبال أن تردّده حتّى الأزل، وعلى البحار أن تحفظه أمواجها: في المدّ تزيّن به اليابسة وفي الجزر تحيي به الأعماق.» قالت:«لا تزد من لوعتي ،فأنت تتعسّف على روحي الغضّة.». قال:«وأنت ما أجلسك عند عتبتي ناضرة منتظرة؟ :بريق درهم ،أم هالة همّة؟ أم ضياء مركز؟ » قالت:«الدّرهم دنيا، والدنيا إذا اْقبلت بلت ؛ كذاك المركز، وهي إذا اْدبرت برت.أنا أّيّها البراء أسريت إلى همّتك فألبستني لبوس الأمان ،ثم صعدت على صخرة آلامك ورجولتك ،وعرجت منها إلى سماء صفائك ونبلك، فكسوتني بردة الحبّ الطّهور،فدنوت و تدنّيت حتّى كنت قاب خطوة أو، اْدنى من نهر السّعادة الأعظم، فسقيتني منه وصنعت من مرجانه عقدا من وفاء قلّدتنيه.ثم غصت ومن اْعماقه اْهديتني زمرّدة، وكالطّفل المرح نثرت الماء عنّي واختفيت وراء صخرة. رحت اْبحث عنك، ففتحت كشكولك وسبحت في حروفه اْبحث عنك، فلمّا أوشكت على لقيآك، خرجت لي من بين الأسطر حكيما ورسمت على خدّ جهلي قبلة من علم ورديّة، وعلى خدّ حزني قبلة حمراء من حبّ، وعلى جبيني كتبت أجمل قصيدة، ولأذني أهديت أعذب الأصوات، ولعيني أريت اْحلى البلدات واللّوحات؛ أتعلم يا فارسي؟:خمس حواسّي أحببنك بعناء وسادسهنّ تقول بأنك تحبّني واْنّ ثانيك في الكون مفقود...» كان البراء واضعا خدّه على قبضته مغرورقا في إنصات عميق لخطاب إسراء السّاحر. فتح عينيه وقال: «أتسمعين الجبال تردّد همساتك على الطّيور في السّماء فتزقزق حبّا، أو هل تسمعين وريقات الشّجر يزغردن طربا، ويكرّرن كلماتك على زهر الرّمّان فيحمرّ أكثر ، وعلى عناقيد العنب ليحلو اكثر، وعراجين النّخل فتلد طلعا نضيدا، وعلى الياسمين فيتضوّع أريجه العبق يذكّي روح أرضنا المخنوقة؟. اقتربي وضعي راْسك على قلبي فستسمعين جوارحي تعزف سيمفونية العشق والبقاء.» قالت:«سحرتني و قتلتني وأجريت الدّم في عروقي نورا بما أسمعتني. أولا يكون كلامك إطراء وأنت البراء؟ » قال: «أدنى مراتب النّقاء يا إسراء ، نبدأ بالصّدق، ومن حسم أمره وعرف نفسه ،اْضحى بغير حاجة لاْن يكذب. واْنا حين التقيتك عند الشّجرة كانت روحي قد تجاوزت في السّلّم درجاته الأولى.» صمتت و مدّت يدها نحوه، وركبا بساط المغامرة سويّا... أقام لها خيمة بجانب الشّجرة ووقف عليها حارسا.في النّهار يرعيان الشّجرة وفي اللّيل يعكف أمام النّار يناجي سيفه، ويحاكي الصّراصير وعواء الذّئاب. ...وفي يوم ابتلّت الأرض فيه وغابت الشّمس ،أشرقت إسراء واْكبرالبراء طلعتها ، فصعد الجبل مهرولا وجاءها بوردة قرمزيّة... قالت:« لماذا أنت دائما تعطي وتغدق ، وتغدق... ما أمسكت عنّي قطّ جيبك ولا حرمتني يوما عطفك وعنايتك.راْيتك باْمّ عيني تذبح الدّينار وتنحر الطّمع وتقتل الأنانية من اْجلي.» قال:« أنا آخذ منك أكثر ممّا اْعطيك.» قالت:« كيف واْنا لم أرى ذلك؟» قال:« اْنا آخذ منك حنان الاْمّ الذي لا حدود له، وصبر المرابطين الذي لا ندّ له، وبراءة الاْطفال التي هي اْرقّ من النّدى، وحبّ العاشقين الذي لا يملك له اْحد جماحا، ومعك اْنا اْحلم بمنزل فيه نسكن،اْنا من طفت بحثا لي عن مستقرّ فلم اْجد لي باْيّ اْرض مستقرّا. اْراْيت كيف اْنّ عطاياك فاقت عطائي ؟..» تكاتفت كلمات البراء وحاكت رداء من صمت اْسدله على الجلسة فزاد المكان قداسة ، وازدادت روح إسراء انتشاء. سالت دمعة على خدّها الطّفوليّ، وبرق من الدّمعة استحسان، ثمّ اتّسعت عيناها الّليلكيّتين، واتّجهتا صوبه تقلّبانه. اسلمت نفسها لصمت جميل، سبح وجهها في زمرة من دمعات الفرح، وفي هدوء اللّيل وضعت رأسها على كتفيه.شعر البراء بحمله يصّاعد من على ظهره وانقشعت بقايا سحب اليأس الذي يعتريه،وتدفّق التّفاؤل في مسارات كينونته المكلومة الحالمة، وطفق يحاكي نفسه: «انه الحبّ يغسل اْدراني بثلجه ويطهّر ذنوبي بناره،ويسقي شجرة الاْمل في بستان ذاكرتي.» تنهّدت إسراء ممزّقة صمت المكان ،ثمّ ابتسمت و قالت: «استغرب كيف اْنّ نبعا من الحبّ مثلك يحمل سيفا؟...» ضحك البراء، واْخرج سيفه من غمده،فبدت له لمعة كالبرق الخلّب، وقال: «اْراْيت ذلك البريق؟» قالت: «وما تراه يكون غير بريق الموت » قال:« لو اْنّ النّاس تحابّوا كما نفعل،وشعروا بما نشعر ، لقلت انّه بريق حياة.واْعدك بحبال مودّ تنا المتينة، وبسرّنا السّماوي العظيم، اْنّي ساْكون اْوّل من يغمد سيفه :إن عاد طائر الخطاف يملاْ السّماء، و إن عادت بحيرات الأمطار بردائها الثّلجيّ، يرميها الأطفال بالحجارة لينبجس الماء عازفا،و إن عاد الدّيك يؤذّن رفقا بشهرزاد.» قالت :«أتحبّ العودة إلى هذا الحدّ ؟؟ » قال: « بلى» قالت: « إذا لا تغمد سيفك حتّى تعود القدس » ...ابتسم ابتسامة إعجاب ووضع يده على رأسها يبارك الأفكار المنزلقة منه حسناء ذات غرابة. علّق سيفه على غصن الشّجرة المرتوية،ووضع الجراب ،وقال: «سأمسك بك...» انطلقت إسراء تعدو كالرّيم الشّارد،وانطلق البراء متاْثّرا لها،فهما تعوّدا اْن يكونا طفلين بعد كلّ حديث،حتّى وان كان حديثا عن الموت وبريق السّيوف. علت ضحكات إسراء في السّماء،تمزّق كومة الضّباب والدّخان المنتشرة فيها ،فاسحة المجال لوريقات الشّجرة كي ترسل صلواتها إلى القمر المتربّع في فناء الفضاء الفسيح.... ويبقى الحلم مستمرّا. |
|||||
|
|||||