شجرة الكرز
للشاعرالسويسري: فليب جاكوتيت

 

 تقديم وترجمة: أحمد المديني


على سبيل التعريف:

ولد PHILIPPE JACCOTTET بمدينة (مودون) بسويسرا عام1925، وأصدر ديوانه الشعري البكر  (Trois poèmes aux démons) سنة٥٤٩١، ورحل إلى باريس حيث قضى سنوات اختلط فيها بالأوساط والحلقات الأدبية، وأقام صداقات مع شعراء مكرسين (بون، فرانسيس بونج،جان تارديو،جاك دوبان وآخرون). تفتحت موهبته، وبرزت خصائص شعره الأولى في كتابه النثري «نزهوتحت الأشجار» (1957)، لتترسـخ مـع ديـواني  (L'entretien des muses 1961 )  و(Transaction secrète)  1987.  ثم أعمال أخرى شامخة جعلت منه أحد أكبر شعراء هذا العصر إبداعا بالفرنسية. نذكر منها:

 ((C  hants d'en bas يليه:  Paysages avec figures absentes، والنص الذي نترجم من  Cahier de verdure (غاليمار، 1990).

عُرف جاكوتيت بنشاط ملحوظ ومنتظم في عمل الترجمة الشعرية والروائية، اذ قدم مصنفات لكبار الأدباء منهم: هوميروس، أفلاطون، هولدرلين، أنغاريتي، وفي الرواية توماس مان، وروبرت ميوزيل. إضافة إلى مدوناته النقدية الممتدة منذ العقد الخمسيني الماضي، وإعداد ببليوغرافيات قرائية ونقدية من طراز خاص. وقد وفرت له هذه الأعمال الإبداعية والنقدية والمترجمات إسما مرموقا، وشعرية ذات علامات فارقة فضلا عن أنها حداثية بامتياز، فكان أن تأهل لعديد الجوائز وأشكال التقدير بجوائز في حقول أدبية مختلفة، مما حفزه على مزيد عطاء وُبعد عن البهرجة، والعكوف على شعره في مقاطعة «لادروم» بفرنسا، حيث ارتضى العيش منذ زمن.

تتراوح تجربته الشعرية بين كلاسيكية متأصلة وحداثة تتأسس على التنويع اللغوي والأسلوبي والموسيقي، ولا تني تطرح الأسئلة على الذات وإعادة النمذجة، في نوع من القصيدة ـ الخطاب، وحيث النثرية تتجاور مع أعرق الأشكال والصيغ الشعرية، في بحث دؤوب عن الملائم للتجربة، قل لرؤية تنشد التوازن بين الإنسان والطبيعة، والتناغم بين الأنا والوجود لصنع موسيقى الحياة التي هي في صميم النفَس والنبر الشعريين؛ هذا شاعر كامل وكفى، من السلالة التي صاغت الحداثة برؤية ثقافية ووجودية عميقة ورصينة، ومالكة لمستقبلية لا يقر لها قرار في آن.

  النص:   

أفكر أحيانا أني، إن كنت أواصل الكتابة، فمن أجل أن أجمع الشذرات المنيرة إلى حد، والمحتملة، لفرحة، سنميل إلى الاعتقاد بأنها تفجرت ذات يوم، منذ زمن، كنجمة داخلية، ونثرت غبارها فينا. وأن يشتعل قليل من هذا الغبار في نظرة، فهو ما يثيرنا بلا شك، يسعدنا، أو يزيد من ضياعنا. لكن، وفي المحصلة، فالأقل غرابة هو أن نفاجئ إشعاعها، أو انعكاس هذا الإشعاع المشذر في الطبيعة. على الأقل، فقد كانت هذه الانعكاسات بالنسبة إليّ مصدر كثير من الأحلام، أخصبت دائما شيئا ما.

هذه المرة، إنها شجرة كَرَز؛ لا شجرة بزهور، تكلمنا لغةً منسابة، ولكن شجرة كرز محمّلة بالثمار، لمحتها ذات مساء من شهر يونيو، في الجانب الآخرمن حقل قمح شاسع. بدا الأمر مرة أخرى كما لو أن شخصا ظهر هناك، وها هو يكلمك فيما لا يكلمك في آن، ومن غير أن يرسل إليك أدنى إشارة. شخص، أو شيء، «شيء جميل» بكل تأكيد. بينما لو أن ما رأيت كان لوجه آدمي، لامرأة تتنزه، فإن فرحتي ستمتزج بالاضطرام، ثم بالحاجة لأركض نحوها، لألتحق بها، وأنا عاجز عن الكلام، لا بسب لهاثي، ولأن أستمع إليها، ولأجيب، وآخذها في شباك أقوالي أو أقع أسير شباك أقوالهاـ ولكنت بدأت، ببعض الحظ، قصة مختلفة تماما، بخليط مستقر نسبيا من الضوء والظل؛ ولكانت قصة حب جديدة قد بدأت هنا مثل غدير وليد يجري من نبع بكر في فصل الربيع ـ أما شجرة الكرز، هذه، فلم أحسّ بأي رغبة للالتحاق بها، لاقتحامها، أو لامتلاكها. لأقل، بالأحرى، أن ذاك حَدَثَ، أني اقتحمتُ فعلا، ولم يبق ما أنتظره قط، أو ما أطلبه بعد ؛ ذاك طراز قصة أخرى من اللقاء والقول. أصعب من أن تُتَملّك .  

ما هو مؤكد أن شجرة الكرز نفسها منتزعةً ومجردةً  من مكانها، ما كانت لتعني لي شيئا يُذكر،لا الشيء ذاته على كل حال. ولا عنتْ، أيضا، في ما لو فاجأتها في وقت آخر من النهار. عندئذ ربما بقيتْ خرساء، لو أني سعيت إليها، ساءلتها. ( يعتقد البعض أن« السماء تزور»عن المُلحفين، وعن صلواتهم. إن نحن أخذنا هذه الكلمات حرفيا، فأي صرير مقزز سيحدثه هذا في أسماعنا..).

أحاول أن أتذكر قدرالإمكان أن الوقت كان مساءً، بل مساءً متقدماً، بعد مضيّ وقت طويل على الغروب، أي في الساعة التي يمتد فيها الضوء أطول مما هو مأمول، وقبل أن يسدل الظلام أستاره على كل ما حوله. مما يعتبر على كل حال نعمة؛ لأن مهلة أُعطيت، وفُرقة أُجِّلت، وتمزقا أخرس خفَت. ـ شأن ما كان يحدث في الماضي عندما يحمل شخص مصباحا إلى مضجعك ليطرد عنك الأشباح. وهي، أيضا، ساعة حين يبدو فيها الضوء المتبقّي، وقد توارى مصدره، كأنه نابع من داخل الأشياء، وصاعد من الأرض. في هذا المساء الذي على امتداد الطريق التي نواصل، أو بالأحرى طول حقل القمح علت سنابله، حتى وهو بعد أخضر، شبه معدني، إلى حد أننا نفكر لحظة في موسى حادة، وكما لو أنه يشبه المنجل الذي سيفتك به.   

هنا سيحدث نوع من التحول: الأرض وقد استحالت ضوءا؛ والقمح يوحي بالفولاذ. وفي الوقت نفسه، بدا كما لو أن الأضداد تتقارب، تذوب في بعضها، في هذه اللحظة نفسها من الانتقال إلى الليل، ليل يبرز فيه القمر كفتاة طهور وقد جاء ليتسلم الدور من الشمس القوية. هكذا ألفينا أنفسنا منقادين، لا بقبضة حديدية أو بسوط الرعد، وإنما تحت ضغط  شبه خفي، وناعم كمداعبة، بعيدا جدا في الزمن، وفي عمق أعماقنا، نحو هذا السن المتخيل، حيث الأشدّ قربا منا، والأبعد عنا كانا لا يزالان مترابطين، إلى حد أن العالم منح وقتها ملامح مطمئنة عن بيت، وأحيانا عن معبد، والحياة وهبت ملامح موسيقى. أحسب أنه الانعكاس الضعيف جدا لهذا ما يصلني، مثلما يصلنا ذلك الضوء العتيق، ما سماه الفلكيون «منجل».

مشينا في بيت كبير ذي أبواب مفتوحة، ينيرها مصباح ضوؤه باهت؛ والسماء تبدو مثل جدارمن زجاج خافت الارتجاج لدى مرورالهواء البارد. كانت ممراتها لبيوت، والعشب والمنجل صارا واحدا؛ والصمت نصف متوقف بقدر ما اتسع بنباح كلب، وآخر صرخات للطيور. بينما أدار إلينا باب مغطى بطبقة فضية انعكاسَه. هنا، عندئذ تجلت على البعد نوعا ما، من الجهة الأخرى، وفي تخوم الحقل، وبين أشجار أخرى متزايدة السواد، وستسود أكثر من الليل الذي يحمي نوم أوراقها وطيورها؛ هنا تجلت الشجرة الكثيفة المحمّلة بالكرز. ثمارها مثل عناقيد حمراء طويلة، صبيبة حمراء في زجاج معتم؛ ثمارفي مهد أو سلة أوراق؛ الأحمر في الأخضر، وقت انزلاق الأشياء بعضها ببعض، في وقت الظهور البطيء والصامت للتحول، أوان تجلّي عالم آخر تقريبا. في الساعة التي يبدو كأن هناك ما يدور، مثل رحى حول قطبها.

أيّ أحمر هذا يفاجئني، يمنعني إلى هذا الحد؟ ليس الدم، بكل أكيد. فلو أن الشجرة الواقفة في الجهة الأخرى من الحقل كانت مجروحة، وأصبح جسدها ملطخا هكذا، لما أحسست إلا بالفزع. بيد أني لست من أؤلئك الذين يفكرون بأن الأشجار تنزف، والذين يتأثرون لغصن مقطوع نظير حزنهم على رجل مثخن بالجراح. لقد كان شيئا أشبه بالنار، دون أن ترى مع ذلك، ما يحترق. (لكم أحببت النيران في الحدائق: فيها الضوء، والحرارة، ولأنها، أيضا، تتحرك، تهيج، وتعضّ. ضربٌ من الحيوان المتوحش، وبشكل أكثرعمقا، وأشد غموضا هي نوع من الثغرة في الأرض. ثقب في حواجزالفضاء، ما يصعب تتبع أين يريد أن يأخذك، كما لو أن الشعلة لم تعد من هذا العالم بتاتا: منفلتة وجَموح، ومصدر فرح في آن. لا تزال هذه النيران تحترق في ذاكرتي، ويبدو لي من هذه اللحظة بالذات أنني أمربالقرب منها. كما لو أن هناك من بذرها صدفة في الريف، وها هي ذي تينع كلها مع الشتاء.لا أستطيع أن أحول نظري عنها، فهل أنا أعرف، حتى من غيرأن أفكر في ذلك، بأنها تتغذى بطقطقتها للأوراق الميتة؟ إنها أشجارمقتضبة تهزها الريح، أو الثعالب والوحيش.

لكن هذا الأحمر لم يكن يحترق، ولا يطقطق، ولا هو حبر، مثلما يبقى مبعثرا في المدى آخرالنهار. عوض أن يتصاعد كالشعلة بدا يسيل أو هو معلق، عنقود أحمر، في ملاذ الأخضر المدلهم. أو لنقل رغم كل شيء لأن هذا يثير ويفيء، ويبدو آتيا من بعيد. هل نقول إنه يشبه نارا معلقة، لا هي تمزق ولا هي تعضّ، خُلِطت بالماء، وُوضِعت في كرات رطبة، ناعمة، ومروضة. أو كشعلة في قنديل، أو عنقود نار مدجّن، زُوّج لماء آخِر الليل، للخرير، إلى ليل يُتَهجَّى، وشيكٍ، ولمّا يَصِرْ بعد.

هي عذوبة بلا حدود ترتعش فوق هذا كله، مثل نفخة هواء، باعث على القرّ. أظن أن لحاءنا المخشوشن سنةً بعد أخرى قد لان لبضع لحظات، مثل الأرض حين يذوب ثلجها وتترك الماء الجديد يفيض على سطحها.

كان ثمة رابط أوراق مع الليل، مع الليل والوادي الأبعد، لا نسمعه: كان هناك رابط ثمار مع النار، مع النور. وما أوقفنا، وبدا وهو يكلمنا في الضفة الأخرى من الحقل المدعوك بالريح، كوادٍ شاحب يشبه نوعا ما ـ ومن غير أن يكف عن وضعه كشجرة كرز مُحمّلة بالثمارـ ؛ يشبه نصبا طبيعيا أضيء فجأة من داخله بزيت قربان، نوع من العِماد، إنما قادر على الارتعاش، حتى وهي تظهر لحظتئذ جامدة ـ نصب تزيّن بغية تذكره بعنقود ثمار، بنار طيعة، إلى حد أننا، ونحن نراها، وإذ نحسب أننا نمشي في الطرقات المألوفة، كل ما حولنا يتبدل، يأخذ معنى مغايرا، أو معنى ما فقط؛ هكذا حين يصدح غناء في قاعة، أو مجرد قول، طبعا ليس أي قول، في غرفة، وتبقى القاعة ذاتها، والغرفة عينها، فلا نحن غادرنا، ولا نحن ما عدنا فريسة للعمل الدؤوب للزمن المدمر، وفي كل حال فإن شيئا ما تغير.

في هذا المساء، وربما من غير وعي مني، أحسست بأن الزمن، الساعات، التي أنا نفسي عشت فيها، أي آناء الليل وأطراف النهار، قد نفذت كلها ببطء في هذه الثمارلتوسعها، وأخيرا لتوهج حمرتها؛ أنها احتوت هذا كله، وهي ذاتها مربوطة إلى ملاذ الأوراق، كالمحضونة في الأجنحة الخضراء التي لن تلبث أن تسودّ، ويدلهمّ سوادها.

سيقال أولم يكن من الأفضل أن أذهب فأقطف هذه الثمار مستغنيا عن هذه الاحتفالية؟ وإذ أعرف كيف أقطفها فإني أحب إشعاعها ملء النهار، استدارة خدودها المعافاة، طعمها الحامض تارة، المائي تارة أخرى، ولونها القرمزي. تلك حكاية أخرى، وكل ما هنالك أننا في حرارة النهار، والشمس في كبد السماء، مع رغبة عجلى لعضّ فواكه أخرى، وسلالم ليست الملائكة هي من يصعد بها نحو السماء البديعة  لبداية الصيف هذا، بل من هم أجمل من الملائكة.

لون في لون، في لحظة عبور، حيث نعبرمن منعطف مثل قلب، مثل قداسة السيد المسيح في الصور المقدسة.

الدغل المشتعل،

نار، في ملاذ الأوراق، هي نفسها تحمل لون النوم. وديعة مريحة، بزغب أفراخ.

  بيض حمراوي محضون تحت ريش معتم.

  حفل قصيّ تحت  قناطر الأوراق. عن بعد ، دائما من أبعد مكان.

  أهي رغبة متمنعة؟ أجل ، لو كانت هذه الثمار نهودا ، لكنها لا تملك صورتها.

نصائح ترد من الخارج: بعض الأماكن، بعض اللحظات يشير إلينا، وعلى اليد ما يشبه الضغط ، يد خفية تحثك على تغيير الاتجاه (الخطوات، النظر، التفكير)؛ تستطيع هذه اليد أن تكون، أيضا، نَفَسا، مثل من يوجه الأوراق بالسحب، الأشرعة. تحريض صوت خافت، كمن يهمس، ينظر، يسمع، أو ببساطة، من ينتظر. إنما، هل ثمة وقت للانتظار، صبر الانتظار؟ ثم، أو يتعلق الأمر حقا بالانتظار؟ أولم يحدث أي شيء؟

هي شعلة بين كفّين، شعلة تضيئهما، وتُفتِرهما. لاقِطةُ خرساء. أي علامة أجمل لأفضل منتجع؟ أين يوجد مكان  تحس فيه أنك لا تحتاج إلى ملاذ، بلا حاجة لأن تشرب حتى لا تجف عروقك؟ أين؟

 «عند شجرة الكرز المحملة بالثمار». علامة غريبة ما في ذلك شك، وإن جميلة، لمسافر عجيب دليله وتغذيته السراب! أوَلا يظهر لك تائها، ألا يبدو لك ضامرا؟ وإذن للريح التي تذكّره في مدخل الليل هذا مداعباتٍ قديمةً أن تتقوى وتجمح. إننا لن نحمي أنفسنا من الكِبَر بالذكريات ولا بالأحلام. ولا حتى بالصلوات ربما. لكن من وعدكم بأي شيء؟ على الأقل، بأكثر من الخدع الجميلة حد أنها تسرق منكم النوم؟ أجل، واصل يفكر بأنها فاقت كل حد بما يجعلها مجرد خُدع.


تصميم الحاسب الشامل