|
|||||
|
مرَّ من هذا الطريق سربٌ من الشعراءِ، لم يروا ما رأيتُ حينما تأخرت عنهم خطوةً، أصبحتْ بمجرد وقوفي، خطوتين، فثلاثًا، فأكثرَ من ذلك، فرأيتُ الشعراءَ يمضون وهكذا عالم فقط ٭ ٭ ٭ هذه شقة الشاعر، يسكنها في الشتاء، وفي الصيف تختفي مثلما تختفي السحاباتُ كلها وحساءُ العَدَس. وفي الصيف يبقى الترام يمر، وما أن يحاذي البنايةَ حتى يزيد السائقُ من سرعته، بينما نحبس نحن الركاب أنفاسنا، خشية أن ينضب خيال الشاعر بين محطتين. ٭ ٭ ٭ تخيلتْ أنني ملكُ الأرضِ حينما رأتْ المحيطَ يأتي ليغسل لي حذائي، ويرجع ليرى إن كان أحسن الغسل، ثم يعود ليغسله، ويعود ليرى. قالت: والريحُ تغيِّر لك تسريحةَ شعرك، وتضبط ثوبك. والطيورُ الصغيرة جدا، السوداءُ هذه، تتحسس وجهك، وذراعيك، وما تطال من بدنك، كأنها أميرات ممسوخة. ولا بد أنك من الداخل مخيفٌ جدا، حتى ليخرج منك الهواءُ بسرعةٍ كأنما تطارده الشياطين، ولا بد أنك من الداخل جميلٌ إلى حد أن يقاوم الهواء خوفه ويدخلك من جديد. وهل هذا صوتك؟ لم أكن أصدرت صوتا. لكنني أومأت أن نعم. سجدتْ لي. طلع الفجر وهي ساجدة. ظللت أنام وأصحو وهي مستمرة في سجودها. وكنت نائما عندما قررتْ أن تعود أدراجها. تركتْ لي رسالة، كلَّ يوم يتبدل فحواها الفاتن. طبعا عندي مرايا كثيرة أخرى لكن هذه بالذات لها معزة خاصة في قلبي. ٭ ٭ ٭ اقترحت على «محمد عبد النبي» أن يجعل بطله ينسى شيئًا نفيسا في القطار، وفي الصباحِ يجده في موضعه، فيهجس أن الزحام المحيط به غيرُ حقيقيٍّ، وأنه أقرب إلى الـ virtual reality، فينصرف هذا في ذهن القارئ على الشخصيات التي مرت به طوال المتتالية القصصية: الفتاة التي لا يراها البطلُ سوى معكوسةً على الزجاج، الداعية الذي يرتدي مثل شارل شابلن، الموظف وفي كرشه الشفاف نسخٌ منه تؤدي أدوارا كان يتمناها لنفسه موظف كبير، موظف كبير جدا، موظف مثالي، موظف متمرد، موظف أعزب، الأميرة التي تجلس أمام الباب على جُوال خضراوات، الممثل المتنكر ليتابع الشخصية عن قرب ولم يبد أن «محمد» اقتنع، ومع هذا ظللت أفكر في كنه ذلك الشيء النفيس الذي يمكن أن ينساه واحدٌ في القطار، أهو نظارته التي لم يخلعها طوال حياته، أم الحقيبة التي بداخلها كل ذكرياته حتى ما نسيه منها، وهل أنا مثلا نسيت في القطار شيئا أنفس من جريدة؟ لا أظن، اللهم إلا أنني نسيت مرةً أن أنزل، أي أنني على نحو أو آخر، نسيت نفسي، نسيت جسدي، نسيت الحقيبة التي بداخلها ذكرياتي جميعا، حتى ما نسيته منها. |
|||||
|
|||||