|
|||||
|
ارتبطت الرواية المغربية، في جل نصوصها، وعلى امتداد عقودها الزمنية السابقة، بالفضاء الحضري المديني تحديدا. واحتفاء الرواية المغربية بالمدينة لا يمكن فهمه وتلقيه، على مستوى العديد من نصوصها المتلاحقة عقدا بعد آخر، فقط مجرد ارتباط تقني بعنصر يعتبره المنظرون والنقاد أهم مكون في الآلة السردية، بقدر ما يتعين ملامسته، أيضا، كارتباط بالمدينة بوصفها فضاء إشكاليا في الرواية، أي باعتباره سؤالا يؤطر، في الآن ذاته، سؤال التخييل والكتابة الروائية ككل، حيث نجد أن سؤال المدينة في الرواية المغربية قد شغل الروائيين المغاربة على الأقل منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، بمعنى أن الوعي باستثمار المدينة كفضاء إشكالي في الرواية قد ارتبط في العمق بنضج الوعي بالكتابة الروائية في المشهد الأدبي/ الروائي بالمغرب، أي بعــد أن أضحت الرواية تستند في انكتابها العام إلى وعي كتابها الاستطيقي، الأمر الذي يستوجب هنا مقاربة طبيعة العلاقة القائمة بين المدينة والرواية، من منطلق تصور كلي وجدلي يستلزم مبدئيا خرق مسألة التصنيف الزمني ليغلب سؤال الامتداد بين نص ومدينة، وبين تجربة روائية ومرحلة زمنية.. وإذا كان للروائيين العرب، شأنهم في ذلك شأن الروائيين الغربيين وحتى الشعراء، مواقف محددة من «المدينة»، التي يشخصونها في أعمالهم الروائية، تتباين بين الرفض والمعاداة والنفور والتضايق من المدينة والكراهية المطلقة لها، وذلك إلى درجة يصفون فيها المدينة، أحيانا، بالعاهرة وبكونها عدوة الإنسان، ومن بين هؤلاء نذكر غالب هلسا ودوستويفسكي وجويس وتولستوي..، فإن روائيين آخرين قد راهنوا على «المدينة» باعتبارها فضاء يجسد أفقا آخر لتشخيص التحولات العميقة الطارئة على الذات والمجتمع، بناء على ما يوفره فضاء المدينة من إمكانات كبيرة للتشخيص والتخييل والتعبير وبلورة الـــــدلالات والمعاني، على اعتبار أن المدينة، هنا، تتجسد كـــ «عالم خصب مليء بالنماذج الإنسانية والحياة والمفارقات، يستطيع الإنسان إذا رصده بشيء من القبول أن يجد فيه عوالم لا حد لها من التجارب، وإذا كان لا بد أن يدين الحياة في المدينة فإنه لا يستطيع أن يدينها من خلال انطباعاته لعوالمها المختلفة، لا عن طريق التقرير المباشر والرفض الكلي منذ أول وهلة (١). إن كل ذلك قد لا يبرر سوى كون «المدينة» أصبحت تشكل مفهوما جديدا للكينونة، وموضوعا شائعا للرصد والاستيحاء والتشخيص والتأمل، ورمزا متعدد الإيحاءات والاستعارات والمعاني، وفضاء مفتوحا على تجدد التآويل وإنتاج الدلالات. وإذا كان بعض الروائيين العرب، والشعراء أيضا، قد شخصوا في نصوصهم الروائية جوانب من تلك الصورة الرافضة للمدينة، باعتبارها صورة للاغتراب والضياع والأسى وفقدان التواصل مع المجتمع المديني المحكوم بسرعة الحركة وعدم التجانس وانفلات العلاقات الاجتماعية فيه، أمام هيمنة النزعة الفردية، بحيث يصبح الريف أو القرية لدى بعضهم ملاذا موازيا للاحتماء فيه من صدمة المدينة، ومن زيف العلاقات وغربة الموت فيها، فإن هذا الانجذاب الجديد بين الروائي والمدينة يتخذ عدة أوجه للائتلاف والارتباط، منها ما هو وجداني ونوستالجي، ومنها ما هو تاريخي وسياسي واجتماعي، ومنها أيضا ما هو ثقافي وفلسفي وجمالي، وذلك بحسب طبيعة التحولات الطارئة في الفضاءات المدينية. والرواية المغربية، كغيرها من الروايات في بعض الأقطار العربية الأخرى، بقيت وفية، بشكل مكثف ومبالغ فيه أحيانا، للمدينة المغربية تحديدا، مع بعض الاستثناءات القليلة جدا، تلك التي حاولت عبرها الرواية المغربية اقتحام فضاءات مدينية برانية، عربية كانت أو غربية : باريس - مدريد - استكهولم - القاهرة..، وإن بدا أن استيحاء هذه الفضاءات المدينية الأجنبية يندرج، في جانب منه، ضمن فضاء المحكي الذاتي، وخصوصا ما يتعلق منه بفضاء «القاهرة». فمن بين النصوص السردية المغربية التي كتبت عن هذه المدينة ما يندرج في إطار «التخييل الذاتي» (رواية «مثل صيف لن يتكرر» و«لعبة النسيان» لمحمد برادة)، أو في إطار المذكرات («القاهرة تبوح بأسرارها» لعبد الكريم غلاب)، أو في إطار اليوميات («القاهرة الأخرى» لرشيد يحياوي). وهو ما يعني أن الرواية المغربية لم تتمكن بعد من تشخيص متخيل روائي لافت عن مدينة القاهرة، أو عن غيرها من المدن العربية الأخرى، بمثل ما تمثلته الرواية المصرية، وبمثل ما صاغته أيضا العديد من الروايات العربية الأخرى، عن ذات الفضاء، أي مدينة القاهرة.. يحدث هذا، في الوقت الذي حققت فيه الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية انفتاحا ملحوظا في هذا المجال، وخصوصا على مستوى استيحائها لمجموعة من الفضاءات/ المدن الأجنبية، الأوربية تحديدا. نفس الشيء يمكن قوله عن علاقة الرواية العربية بالفضاءات/ المدن المغربية. فباستثناء نصوص روائية عربية قليلة جدا، استوحت بدرجات متفاوتة بعض الفضاءات الحضرية المغربية، وخصوصا ما يتصل منها بفضاءات «طنجة» و«الرباط» و«مراكش»، كما في روايات: «الآخرون» و«وداعا روزالي» لحسونة المصباحي و«بستان أحمر» لهاديا سعيد..، فإننا نكاد لا نعثر على نصوص روائية عربية تفاعلت بشكل موسع مع المدينة المغربية ، باستثناء ما قام به الروائي المصري جميل عطية ابراهيم، في زمن متقدم نسبيا، في روايته «أصيلا»، عن مدينة أصيلة المغربية، وذلك بالرغم مما يقال عن هذه الرواية من حيث كونها تصنف، هي أيضا، في باب «المذكرات». يحدث هذا، في الوقت الذي تفاعلت فيه الرواية الاستعمارية والرواية الأوربية الحديثة، وحتى الرواية الأمريكولاثينية، بشكل لافت نسبيا مع المدينة المغربية في أبعادها الطبوغرافية والتاريخية والاجتماعية والفولكلورية والسياسية، كما هو الشأن مثلا بالنسبة للروايات التالية: «عيطة تطوان» للكاتب الإسباني بيريس كالدوس(٢)، «أصوات مراكش» لإلياس كانيتي، و«مراكش المدينة «لكلود أوليي، و«الحدائق السرية لموغادور» للكاتب المكسيكي ألبرتو رويث سانشيز، و«ليالي سلا» للكاتب خورخي رويث دوينياس من المكسيك. هكذا يتبين، إذن، أن علاقة الرواية العربية بالمدينة المغربية تبقى بدورها علاقة باهتة، بمثل علاقة الرواية المغربية بالمدينة العربية، وهو سؤال تتحكم مجموعة من العوامل في تأجيل الإجابة عنه، منها ما له علاقة بتجارب الروائيين أنفسهم في الحياة وفي الكتابة، ومنها ماله علاقة بأمور أخرى، تاريخية وثقافية.. والرواية المرتبطة بالمدينة، سواء تعلق الأمر هنا بالرواية العربية أو بالرواية العالمية، عادة ما تؤسس لمتخيل يصبح أكثر اتساعا وامتدادا في النصوص الروائية للكاتب الواحد، انطلاقا من طبيعة الإغراء الذي تفرضه المدينة اليوم على الكتاب، وأيضا انطلاقا من الإمكانات التي تتيحها الفضاءات الحضرية أحيانا لبلورة متخيل روائي عن المدينة.ويكفي أن نشير، هنا، على سبيل المثال، إلى سلسلة من الروايات المشكلة من أجزاء ثنائية وثلاثية ورباعية عن «رواية المدينة»، من قبيل:«رباعية الإسكندرية» عن مدينة «الإسكندرية» للورانس داريل، وثلاثية «درب السلطان» عن مدينة «الدارالبيضاء» لمبارك ربيع، وثلاثية «زهرة الآس» عن مدينة «فاس» لمحمد عز الدين التازي، وثنائية «ترابها زعفران» و«يابنات اسكندرية» عن مدينة «الإسكندرية» لإدوار الخراط، وثنائية «بيت الياسمين» و«لا أحد ينام في الإسكندرية» عن نفس المدينة لإبراهيم عبد المجيد، كما هو الشأن أيضا بالنسبة لامتداد صورة مدينة «طنجة» في نصوص محمد شكري الروائية والسيرذاتية (السوق الداخلي - زمن الأخطاء - وجوه)، ولامتداد صورة مدينة «الدارالبيضاء» في نصوص كل من عبد الله العروي ومحمد زفزاف وأحمد المديني ومحمد صوف الروائية.. وبالرجوع، مثلا، إلى مسألة العنونة التي تغلف بعض النصوص الروائية المغربية، سوف نلمس عن كثب حضور ملمحين مميزين للفضاء المديني، على صعيد العناوين وكذا على مستوى الفضاء الخارج- نصي، باعتباره خارجا يعكس وعي الكاتب القبلي بأهمية إبراز هذا المكون هنا، الذي هو المدينة، على ومستوى العنوان أولا، مما يعني أن ثمة انخراطا مباشرا بعديا، دون أن يكون ضـروريا، داخل نوع محدد من الفضاءات الحضرية، في تلويناتها العديدة، سواء حضر هذا الفضاء المديني، هنا، كتسمية إحالية مرجعية مباشرة، أو كإحالة فقط على نوعية الفضاء الروائي. ويكفي أن نسوق هنا، على سبيل المثال، العناوين التالية، لبعض الروايات المغربية الصادرة باللغتين العربية والفرنسية: ففيما يتعلق بالروايات ذات التعيين المرجعي لاسم المدينة في العنوان، نذكر: «وزير غرناطة» لعبد العادي بوطالب، «أكادير» لمحمد خير الدين (بالفرنسية)، «كازبلانكا « لمحمد صوف، «شارع الرباط» لنور الدين وحيد، «فراق في طنجة» لعبد الحي مودن، «فاس..لوعادت إليه» لأحمد المديني، «مراكش..ضوء المنفى» لسهام بنشقرون (بالفرنسية)، «عشاق مراكش» لأحمد اسماعيل (بالفرنسية)، «ثلاثية الرباط» و«صيف في استكهولم « لعبد الكبير الخطيبي (بالفرنسية)، «القاهرة الأخرى» لرشيد يحياوي، «القاهرة تبوح بأسرارها» لعبد الكريم غلاب، «جبابرة الدارالبيضاء» لرضا المريني (بالفرنسية)، «يوم صامت في طنجة» للطاهر بن جلون (بالفرنسية).. أما فيما يتعلق بالروايات ذات العناوين الإحالية على نوعية الفضاء (كمدينة)، فنشير، على سبيل المثال، إلى العناوين التالية : «أبراج المدينة» لمحمد عز الدين التازي، «مدينة الأعماق» لأحمد الدغرني، «مدينة الآجور العالي» لعبد العزيز الصافي، «مدينة براقش» لأحمد المديني. كذلك هو الشأن، مثلا، بالنسبة لعناوين بعض الروايات التي كتبها روائيون أجانب عن المدينة المغربية، وخصوصا مدينة «مراكش»، كالروايات السالفة الذكر. ذلك ملمح خارج نصي تشترك فيه نصوص الرواية المغربية مع نصوص الرواية العربية والعالمية، سواء تم ذلك في إطار سؤال العنونة، أو في إطار سؤال المدينة كفضاء إشكالي في الرواية. ويكفي أن نشير هنا، على سبيل المثال فقط لا الحصر، إلى النصوص التالية : «يا بنات اسكندرية» لإدوار الخراط، «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ، «بيروت..بيروت» لصنع الله ابراهيم، «ثلاثة وجوه لبغداد» لغالب هلسا، «بريد بيروت» و«إنها لندن ياعزيزتي» لحنان الشيخ، «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد، «بيروت ٥٧» و«كوابيس بيروت» لغادة السمان، «أوراق اسكندرية» لجميل عطية إبراهيم، «لا أحد ينام في الإسكندرية» لإبراهيم عبد المجيد، «نجوم أريحا» لليانة بدر، «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، «مدينة الرياح» لموسى ولد ابنو، «مدينة البحر» لناجح المعموري، «أبواب المدينة» لإلياس خوري، «شطح المدينة» لجمال الغيطاني، «مدينة اللذة» لعزت القمحاوي، «سيرة مدينة» لعبد الرحمن منيف، و«بيروت..مدينة العالم» لربيع جابر.. وفي الطريق روايات عريبة أخرى تنحو نفس هذا المنحى الإحالي على فضاء المدينة، كالرواية القادمة «المدينة الملونة» لحليم بركات، والتي يبدو أنه قد اســتعار عنوانها من «عنوان» أحد فصـــول روايته، أو بالأحرى سيرته الذاتية «طائر الحوم». وأهمية إبراز اسم المدينة في عناوين الروايات لا يخلو بدروه من وظيفة ودلالة، ليس فقط لكونه يحدد لنا، في غالب الأحيان، ومنذ الوهلة الأولى، الفضاء الروائي ومسرح الأحداث والوقائع، ولكن أيضا لكونه يمنح للفضاء قيمته وموقعه الخاص به على مستوى الكتابة والتلقي، وحتى على مستوى الاستهلاك، على اعتبار أن لعبة العنونة هنا لا تخلو، هي أيضا، من وظيفة موجهة ومؤثرة على عالم التلقي في بعده التعددي. ويكفي أن نستدل، في هذا الإطار، بروايتي «الوليمة المتنقلة» لإرنست همنغواي، و«القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ. فبالنسبة للرواية الأولى، وفي ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، تم تغيير العنوان الأصلي للرواية بعنوان آخر لا علاقة له بالأول وهو «باريس هي حفل» (Paris est une fête)، وهو إجراء ربما تعمده المترجم أو الناشر لإظهار اسم المدينة «باريس» في العنوان وعلى الغلاف، على اعتبار أن «باريس» هنا هي التي تشكل الشخصية الرئيسية في هذا النص، وبالتالي «وجب» إبرازها للقارئ الفرنسي في الطبعة الفرنسية، وهو ما يشي هنا بأهمية إبراز المكون الفضائي/ المديني حتى على مستوى العنوان. كما يعتبر تعيين اسم المدينة في العنوان ترهينا للسرد وللحكي في ارتباطهما بعالم التلقي بشكل عام. فالعنوان الأصلي لرواية «القاهرة الجديدة» هو «فضيحة في القاهرة»، لكن إحساس نجيب محفوظ بما قد يثيره العنوان في صيغته الأولى من ردود فعل من قبل الرقابة، دفعه إلى إدخال تعديل جزئي على العنوان الأصل، مع احتفاظه بمؤشر الفضاء هنا الذي هو المدينة/ القاهرة، وهو ما يعني إن إبراز اسم الفضاء/ المدينة في العنوان لا يخلو من وظيفة بالرغم من تقليديته وألفته أحيانا.. كما أن تزايد الاهتمام برصد فضاء المدينة كسؤال إشكالي في الرواية المغربية يبرره كذلك ازدهار نوع آخر من «المغايرات الروائية» في الرواية المغربية، ويتعلق الأمر هنا بالرواية البوليسية، وكذا بروز التوسل بقالب الرواية البوليسية في بناء المتخيل في مجموعة من النصوص الروائية المغربية والعربية والعالمية، بما يفرضه ازدهار الرواية البوليسية، هنا، من انتماء للمدينة الحديثة، وما يرتبط بها، أيضا، من تفش للجريمة وتزايد الهاجس الأمني داخلها. وقد ارتبطت الرواية البوليسية في المغرب ارتباطا وثيقا بالمدينة، وخصوصا مدينة الدار البيضاء، إلى درجة اختار فيها عبدالله العروي نفسه قالب الرواية البوليسية في روايته الأخيرة «غيلة» لتشييد محكي تخييلي عن مدينة الدار البيضاء، أو بالأحرى، للكتابة عن اغتيال المدينة، بموازاة مع البحث عمن اغتال ثلاث نساء في الرواية... وفيما يتعلق بالفضاءات الحضرية التي عملت الرواية المغربية المكتوبة بالعربية على تمثلها وتشخيصها تخييليا بشكل أوسع ومهيمن، وأيضا بصورة ممتدة في العديد من النصوص الروائية المغربية، يمكن التوقف، هنا، عند ثلاثة فضاءات/ مدن أساسية، كان للرواية المغربية معها، ولا يزال، النصيب الأوفر على مستوى الاستيحاء والتشخيص والرصد وبلورة متخيل متنوع بصددها، انطلاقا من كونها تشكل فضاءات إشكالية في النصوص الروائية والسيرذاتية المستوحية لها، وليست فقط مسرحا لبناء المحكي وتحريك الأحداث والشخوص، ويتعلق الأمر، هنا، بالفضاءات/ المدن التالية : الدارالبيضاء - فاس - طنجة. غير أن ذلك لا يعني أنه لا توجد فضاءات/ مدن أخرى يبقى لها حضورها المركزي أيضا داخل المتخيل الروائي المغربي، ولو بدرجات متفاوتة كمدينتي الرباط ومراكش، وهو ما تزكيه، في جانب منه، عناوين بعض النصوص الروائية المكتوبة عن المدينتين. كما نجد من الروائيين المغاربة من ارتبط إنتاجه الروائي، في معظم نصوصه، بفضاء/ مدينة معينة (فاس: عز الدين التازي - الدار البيضاء: عبد الله العروي/ أحمد المديني/ محمد زفزاف/ مبارك ربيع - طنجة: محمد شكري...)، وهو ما يعني أن هؤلاء الروائيين المغاربة، أو غيرهم، وإن عملوا على تنويع فضاءات نصوصهم المدينية، فإن مركزية أحد تلك الفضاءات في كتاباتهم، باعتباره تيمة مهيمنة، إنما يعكس، في المقابل، جانبا من الوفاء الإبداعي لأحد تلك الفضاءات الحضرية، كما فعل مبارك ربيع في ثلاثيته الروائية عن مدينة «الدارالبيضاء» بعنوان موحد «درب السلطان» وبعناوين فرعية لأسماء أماكن، وكما هو الشأن بالنسبة لمدينتي «فاس والرباط» لدى مجموعة من الروائيين كعبد الكريم غلاب ومحمد عز الدين التازي ومحمد برادة وعبد الكبير الخطيبي والطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي، وغيرهم... ولأجل الاقتراب من طبيعة العلاقة التي تشيدها الرواية المغربية المكتوبة بالعربية مع المدينة المغربية تحديدا، اتخذنا من بعض النصوص الروائية المختارة لكل من عبد الله العروي وأحمد المديني ومحمد عز الدين التازي ومحمد شكري، مجالا سرديا وتخييليا لرصد طبيعة التفاعل القائم بين الرواية والفضاءات المدينية، وخصوصا ما يتعلق منها بالمدن / الفضاءات التالية: الدار البيضاء، فاس، طنجة، باعتبارها من بين الفضاءات الحضرية المهيمنة في الرواية المغربية، وأيضا بالنظر إلى كونها فضاءات تستجيب، بشكل لافت، للتفكير في سؤال الفضاء (المدينة) كإشكال في الرواية. «الدار البيضاء» فضاء إشكاليا في روايات عبد الله العروي تبدو علاقة عبدالله العروي بفضاء «المدينة» علاقة خاصة يحكمها بعدان أساسيان على الأقل : بعد نظري وبعد تخييلي.. فالمتأمل في كتابات عبدالله العروي النظرية والنقدية سوف يلمس عن كثب أن بعض اجتهاداته الفكرية والنظرية وآرائه النقدية حول الرواية تتمرآى، بشكل مباشر، في نصوصه الروائية.. ومن بين القضايا الأدبية التي خصها عبدالله العروي باهتمام لافت، في رواياته كما في أحاديثه حول الرواية، تصوره للعلاقة الجدلية القائمة بين الرواية والمدينة، وتحديدا مدينة «الدار البيضاء»، هاته التي خصها عبدالله العروي باهتمام متزايد في نصوصه الروائية..، وهي علاقة تبدو، في العمق وللوهلة الأولى، غير متكافئة. يقول عبد الله العروي في سياق خارج روائي : «لم مدينة الدار البيضاء (بالمغرب) لم تكن مسرحا لرواية؟ لأنها لا توجد فيها شوارع كبرى تكون ملتقى مشاريع الشخصيات، أين هو الميدان أو الساحة الكبيرة على نحو ما يوجد في بطرسبورغ.. (٣) ويقول السارد في رواية «اليتيم« الصادرة عام ٨٧٩١ : «البيضاء مدينة بلا قلب، لأن قلوب سكانها تتعلق بميادين غير موجودة فيها..» (ص ١٣٣-134). ونقرأ في رواية «غيلة»، الصادرة عام 1998، أي بعد عشرين عاما من صدور رواية «اليتيم»، ما يشبه الكلام السابق : «مدينة بلا قلب، غاب فوق الزفت، بدون معالم ولا شارات. عادة تشاد المدينة حول نصب يكون هو المركز، تسمى باسمه وتحتمي بحماه..»(ص ١٥). ويضيف صوت آخر في رواية «اليتيم» : «الميادين في البيضاء قليلة أو قل منعدمة، لهذا ساكن البيضاء غير مرتبط بمدينته. الميدان عالم مقفول مثل مراح الدار، البيضاء مدينة مفتوحة على المستقبل غير المتناهي (..) آسف لانعدام الميادين فيها..» (ص126). يتضح، إذن، من خلال الشواهد النصية السابقة، الثلاثية المصدر، أوغيرها، ان ثمة معطيين أساسيين (محتملين)، على الأقل، يجسدان فضاء المدينة ويبلورانه كإشكال في الكتابة الروائية، وفي روايات العروي تحديدا: المعطى الطبوغرافي والمعطى المرتبط بالرومانيسك في مفهومه الحديث. يقول العروي في سياق آخر: «فالأشخاص الذين نراهم في الدار البيضاء ليسوا في المستوى (...) هل يمكن أن نستخرج منهم روائية أو ما أسميه بالسيروية، وهو ما أترجم به مصطلح )euqsenamor( هذا الشيء الذي يستطيع أن يكون مادة للرواية اسميه بالسيرورية أي مادة لسيرة روائية. فهذا الشيء غير موجود عندنا، إذن فما هو المخرج؟ المخرج هو أن نجعل من المادة الروائية مادة إشكالية...» (٤) بل إن فضاء المدينة في كتابات عبد الله العروي يشكل علامة دالة من علامات الامتداد لديه في التفكير وفي الوعي النظري وفي الكتابة أيضا، من رواية لأخرى : «الصديقية» في روايتي «اليتيم» و«الفريق» - «الدار البيضاء» في روايتي «اليتيم» و«غيلة» - مراكش في روايتي «اليتيم» و«أوراق» - باريس في روايات «اليتيم» و«أوراق» و«غيلة»، كما هو الشأن بالنسبة لامتداد شخصيتي «إدريس» و«شعيب» في روايات الكاتب أيضا، محاولا بذلك صياغة «نظرية خاصة بالمدينة»، وبمدينة الدار البيضاء تحديدا، كما فعل بلزاك، الذي يحضر بكثافة داخل أقوال العروي، فيما يتعلق بصياغته لنظريته عن مدينة «باريس» وأسطورتها الروائية.. غير أنه بالرغم من الموقف السابق لعبد الله العروي من المدينة المغربية، ومن «الدار البيضاء» تحديدا على مستوى التخييل الروائي، فإن رواياته، والتي تشخص في مجملها فضاء المدينة «الدار البيضاء» كإشكال روائي، إنما تترصد لملمة صورة معينة للمدينة وقد أضحت في وضعية «اللامدينة». هكذا نجد أن روايات العروي لم تقرأ من هذه الزاوية بالشكل اللازم، مع أهمية ما يمكن أن تقدمه المدينة، والفضاء عموما في نصوصه الروائية، للمتلقي من إمكانات وافرة لصياغة التآويل وإنتاج الدلالات، منها ما يرتبط بالمعطى التاريخي والبنيوي والسلوكي والاجتماعي والثقافي والسياسي، ومنها أيضا ما يرتبط بالمعطى الحكائي السردي، هذا الذي يصبح بإمكانه هنا الكشف عن تحول الأوعاء لدى الشخوص، انطلاقا من طبيعة العلاقة التي تشيدها مع المدينة، ومن طبيعة الإحساس القائم لديها تجاهها، بمعنى أن سؤال المدينة في روايات العروي يصبح سؤالا إشكاليا لا يرتبط فقط بالمعطى النصي - التخييلي، بل يتجاوز ذلك إلى التفكير، عبر ذات السؤال، في مفهوم «الرواية» بشكل عام، أو فيما يسميه العروي بــ«الرواية الكبرى» تمييزا لها عن «القصة القصيرة»، وذلك، ربما، من بين الأسباب التي جعلت العروي، في فترة سابقة، يفضل تجنيس أحد نصوصه الروائية كـ«قصة» (الغربة)، في تمييزها عن الرواية، تلك التي تستوجب نوعا معينا من المدن ذات الميادين الكبرى والشوارع الفسيحة، والتي تتحقق داخلها ما يسميه العروي بـ«المصادفة»، وهو العنصر الآخر الذي يتأسس عليه مفهوم الرواية عنده ، وكما تمكن الكاتب من تعميق تشخيصه في روايته الأخيرة «غيلة»، بحيث تصبح «المصادفة» هنا هي الخيط الرابط والمؤطر لتشابك الأحداث والشخوص: «فبالمصادفة تلتقي الشخصيات، وبالمصادفة يتم الاهتمام بالأحداث، وبالمصادفة يتم العثور على أشياء. كل الشخصيات تترقب المـصادفات، بل حتى القارئ ينجذب ويتلذد بمتابعة هذا السيل المتدفق من المصــادفـــات والتي لعبت دورها في كل مرحـــلة من مـراحل التحقيق..» (غيلة، ص٠٤١). ثمة في رواية «غيلة»، إذن، حديث مستفيض عن المدينة، سواء من خلال المقارنة بين مدن (الدار البيضاء والرباط وباريس) أو عبر لعبة التذكر، أو أيضا عبر مطارحة مشكل المدينة في المغرب، وإبراز ما يطالها من هجمات متلاحقة ومؤثرة، ومن تشويه أيضا لذاكرتها العمرانية والمجالية، ثم من خلال دخول شخوص الرواية في حديث مع السارد (الذي هو الكاتب الضمني) بخصوص مواقفه السابقة من العلاقة القائمة بين الفن الحديث وفضاء المدينة الكبيرة، وهي مواقف تتطابق هنا مع ما سبق للعروي نفسه أن كتبه، كما في رواية «اليتيم»، أو قاله في أحاديثه المنشورة، وخصوصا في كتاب «من التاريخ إلى الحب».. عدا ذلك، يتوالى السرد في هذه الرواية عن مشكل المدينة، حيث إن المقصود في رواية «غيلة» هو إنجاز شريط حول «مصير المدينة» (ص١٦) التي هي الدار البيضاء، كما يصبح بالإمكان، هنا، معاينة أشكال محددة من التقاطع الحكائي عن مدينة الدار البيضاء على مستوى نصوص العروي الروائية، بل إن السارد في رواية «غيلة» عادة ما يزاوج بين صورتين واقعيتين هما صورة «المدينة» وصورة «الشخصية الروائية» التي تمثلها «عائشة مغران»، هاته الشخصية التي أعجب بها الكاتب كثيرا، بمثل إعجابه بالشخصية الواقعية المرجعية، وهي الصحفية المغربية «عائشة المكي»(٥) التي توفيت في ظروف غامضة، ثم وهي تتحول إلى شخصية روائية، تهاجر، يقول السارد، إلى البيضاء، وهي في مقتبل العمر، أحبت المدينة ووصفتها بدقة العالم وحساسية الشاعر. لماذا لا نستوحي من حياتها الخط الواصل لشريطنا حول البيضاء حتى يشعر المشاهد أن ما صدم عائشة وسحقها بدون سابق إنذار قد يصدم المدينة أيضا ويدفعها إلى الهاوية؟ (ص١٢). من ثم، تصبح الكتابة الروائية في «غيلة» بمثابة صرخة مدوية للفت الانتباه إلى ما آلت إليه المدينة من أوضاع مخيفة ومتردية تمس ذاكرة جيل بكامله، بما يوازيها من شعور لدى الشخوص بالاغتراب داخل المدينة، أو بالأحرى باغتراب جيل بكامله داخل وطن بكامله أيضا.. امتداد صورة الفضاء في روايات أحمد المديني تبدو علاقة أحمد المديني بالفضاء الحضري في رواياته، الصادرة لحد الآن، علاقة ممتدة في الزمن وفي النصوص وفي تفكيره الروائي أيضا، وخصوصا بعد صدور روايته الأخيرة عن «فاس» بذات العنوان «فاس.. لو عادت إليه»، حيث إن الشخصية المحورية في هذه الرواية، مرة أخرى، هي المدينة، هاته التي تدخل في تعالق مرجعي مع مدن أخرى سبق للكاتب أن صاغ جوانب من سيرتها المتحولة في التاريخ وفي الأجيال. ففي خمس من روايات أحمد المديني، على الأقل : «وردة للوقت المغربي»، «الجنازة»، «طريق السحاب»، «مدينة براقش»، «فاس.. لو عادت إليه»، يصوغ المديني للمدينة المغربية (الدار البيضاء وفاس تحديدا) جوانب من سيرتها المتشظية والمتحولة هي أيضا في النصوص، كما في الواقع المرجعي. ففي روايته «وردة للوقت المغربي»، تحضر المدينة كفضاء تتشابه معه باقي الفضاءات المدينية الأخرى في وطن يتشابه هو أيضا. والكاتب في هذه التجربة الأولى يقدم لنا فضاء متخيلا مفتوحا على صورة الاحتمال، وعلى التلميح لمدن عربية أخرى يشتد فيها الصراع بين السلطة بتلويناتها المختلفة (سلطة الحاكم وسلطة الجموع) والشعب الذي دست كرامته وهدر حقه.. أما في رواية «الجنازة»، فينفتح السرد على حكاية الجذور الأولى، كما هو الشأن في رواية «مدينة براقش». وسرعان ما تبرز «المدينة» بكامل ملامحها لتكتسح فضاء السرد منذ الصفحات الأولى من الرواية ، حيث يتم الحديث عن نشأة المدينة وطبوغرافيتها وعن صعوبة الاهتداء إليها، وعما طالها من مخالفات، حددها السارد في ست.. ثم تتحول المدينة لتجسد صوت من لا صوت له : «إنني الدار البيضاء، أشهد أنه باطل، وأنه لا حق اليوم إلا وهو باطل، وأني ما أجرمت في حق أحد، فلا أنا ضيقت، ولا أنا وسعت، ولا دفعت الجدران على الاعوجاج، ولا السقوف إلى الانخناق، كما المجاري، والحديث في الأسواق والقيساريات.. (ص٢٩)، كما تصاب المدينة بالجنون نتيجة ما طالها من تحول وتشويه وفتنة زرعتها السلطة بالمدينة.. كما يرسم المديني للمدينة في رواية «طريق السحاب» صورتين لمدينتين متناقضتين: صورة لمدينة تفرض إغراءها ودفئها النوستالجي على السارد، وصورة لمدينة ملوثة بالضجيج والازدحام وسرعة الإيقاع اليومي: «من المؤكد أن هنالك أصقاعا ومدنا أخرى في المعمور يمكن أن تكون أهدأ وأرحم. كل ما في الأمر أنه يلزم البحث عنها، وبمجرد تحديد موقعها في الخريطة لا يبقى أمامك سوى أن تتخلص من متاعك القليل، وتركب إليها أول طائرة مغادرة»(ص٧١). هكذا، إذن، ينفتح السرد، في هذه الرواية، على رحلة العودة، ولو أن ذلك يتم في إطار سرد حلمي تصوغ من خلاله الرواية سؤال العلاقة بين الواقع والحلم فيها، إلى مدينة «الهوى القديم»، تلك التي يسميها السارد، في البداية، «مدينة براقش»، قبل أن يكتب عنها روايته الشيقة بذات العنوان «مدينة براقش». في رواية «طريق السحاب»، ثمة حديث مستفيض عن المدينة، التي هي الدار البيضاء، وعن ساحاتها الشهيرة التي يتعلق بها احد شخوص الرواية، وما طرأ عليها من تغيير «بتتابع الشهور والأعوام وغزو الريف الكثيف للمدينة»(ص٥٨)، وما طال مساحات أرصفتها المحيطة بالساحة من تقليص، نتيجة أشغال الحفر القائمة بمناسبة الانتخابات الجماعية..ثم يتوقف السرد، في أحد فصول الرواية، ليحكي لنا عن مجموعة من الوقائع العجيبة للمدينة، وهي تحكي سيرة تحولها الطبوغرافي والتاريخي، بما في ذلك تحول طقسها وبحرها أيضا. وفي رواية «مدينة براقش»، كما هو الشأن في رواية «فاس..لو عادت إليه»، يبلغ السرد عن المدينة مداه التخييلي والرمزي، كما يبلغ شغف الروائي بالمدينة منتهاه، فهي المدينة التي تحكي سيرة جيل بكامله، كما تحكي، بموازاة ذلك وبشكل لافت، سيرة الكتابة أيضا، الأمر الذي يبرز المدينة، في هذه الرواية أيضا، في صورة فضاء إشكالي، هي أيضا صورة وطن إشكالي، وذلك بالنظر إلى كون المدينة تجسد كذلك صورة للبحث عن الهوية الحقيقية والمتشظية في النص وفي المجتمع، كما تفرز في هذه الرواية مفهوما جديدا للحياة، وتبرز مغربا آخر ومخزنا جديدا وشخوصا وأسماء أخرى لمغدورين من زماننا ومن غيره، إلى جانب كونها كذلك مدينة لتأزم المواقف والأحداث وزرع الفتنة والجنون : «إن جميع الذين عاشوا في الدار البيضاء وقتها يستطيعون أن يؤكدوا لمن يشاء أن القيامة كانت قائمة فعلا، وأن قليلا منهم سبق أن شاهد المدينة، بما هي عليه من وضع.. (ص 147). ينفتح السرد في هذه الرواية أيضا، كما في رواية «الجنازة»، على سيرة الجذور والأصول، ثم سرعان ما يتكسر هذا السرد، المرتبط بحكاية رحلة العائلة من بلدة برشيد إلى الدار البيضاء، لينفتح على الفضاء التاريخي والطبوغرافي القديم والحديث للمدينة، عبر تضمين العديد من الإحالات التاريخية والمرجعية عن المدينة، حيث سرعان ما يدخلنا السارد (الكاتب الضمني) في شرك لعبة «المدينة»، كما في رواية «فاس..لو عادت إليه»: «هذه هي الدار البيضاء، مدينة الغصب والغضب، أعرفها عن بعد وعن قرب، وقد آن الأوان لأعرف مسامها، تربتها وسماءها، لأجوس في دروبها الظاهرة ومرابضها الخفية، لأختبر صحيحها من زائفها، وبياضها من طلائها..»(ص ٦٧). على هذا النحو، إذن، يمتد المحكي في رواية «الجنازة» ليحكي لنا سيرة مدينة الدار البيضاء، القديمة والجديدة، سيرة أحيائها وأزقتها وشخوصها ودروبها وشوارعها ومقاهيها وأوليائها وسادتها ومعالمها، بما هي أيضا سيرة العشق واللذة والعادات وسيرة الخرافة والحكايات، المتناسلة في هذه المدينة وفي أحيائها، وسيرة الخوارق التي عرفتها المدينة، ليصل السارد إلى بناء جوانب من الصورة السياسية والنضالية والأسطورية لهذه المدينة، أمام ما طال الشخوص والتيمات والوقائع، في الرواية، من ترميز وتحوير، وما يحوم حول شخوصها من حكايات الاختفاء لبعض رموز المدينة وشخصياتها المرجعية، كما تم طمس لحظات من التاريخ غير الرسمي للمدينة، تاريخ سيرتها وخرابها وفقدانها لجوانب أساسية من ذاكرتها الجماعية التي أصابها البتر والبياض والخراب، وهو ما يعني في الأخير أن البطل الحقيقي للرواية، يقول خوان غويتصولو متحدثا عن رواية «الجنازة» لنفس الكاتب، ليس هو الروائي ولا الزعيم المغتال، إنه الدار البيضاء الحاضرة الكبرى شرهة وغاوية، رائعة وبئيسة، جلادة نفسها وأبنائها (من مقدمة الطبعة الإسبانية لرواية «الجنازة»). هكذا، إذن، نجد أن سؤال الامتداد النصي بين روايات أحمد المديني كثيرا ما لعب فيه فضاء المدينة لعبته المميزة، انطلاقا من استمرارية بنائه من نص لآخر، وأيضا على مستوى الإحالات التناصية بين رواياته. ففي رواية «طريق السحاب» مثلا يتم التبشير بمدينة براقش (الدار البيضاء)، هاته التي ستصبح محور الرواية التالية للكاتب بذات العنوان: «وقد وجدتها المدينة الموعودة (...) هي مدينة براقش. كان لي فيها هوى قديم يتجدد مع هوى الخراب الجديد» (ص٩١). ما يشبه صورة هذا الامتداد نفسه نعاينه كذلك في رواية «فاس..لو عادت إليه» حيث تمتد المدينة (الدار البيضاء، هنا، بحكاياتها وأمكنتها المتناسلة وببطولاتها أيضا) في مدينة أخرى (فاس التي تصبح الشخصية الرئيسية في رواية «فاس..لو عادت إليه»)، كما تمتد الحكاية (حكاية ميلود مثلا) في حكاية جديدة لنفس الشخصية. كما أن حكاية الهجرة، هذه المرة، هي إلى مدينة فاس بعد أن كانت هجرة إلى مدينة الدار البيضاء في حكاية سابقة، في رواية «مدينة براقش»: «لو تأتى لــ «ميلود» أن ينسحب مؤقتا من الموقع الثابت الذي يقطنه في «مدينة براقش» ويحضر الآن ليتملى هذا المشهد(...) لتحير في أمره، ولحسب أنه هو المعني وأنه يعود ليجدد هجرته..» (فاس..لو عادت إليه، ص٢٥)، مما يعني أن سؤال المدينة في الرواية عند أحمد المديني، وقد غدا عنده هاجسا روائيا ممتدا، لا يخرج عنده، هو أيضا، كما في كتاباته عموما، عن التفكير في امتداد سؤال الكتابة وامتداد سؤال التخييل أيضا.. ضرورة المدينة في روايات محمد عز الدين التازي يعتبر محمد عز الدين التازي من بين أهم الروائيين المغاربة الذين يلجأون باستمرار إلى استيحاء فضاء المدينة المغربية وتطويره تخييليا، في تعدد صور المدينة، وتنوع أوضاعها وتحولاتها في الزمن وفي الرواية، وذلك على امتداد النصوص الروائية الأولى والجديدة للكاتب، بالنظر إلى كونه أيضا يعتبر من بين أكثر الروائيين المغاربة تراكما في الإنتاج الروائي، وفي تنويع صور المدينة المغربية حتى في نصوصه القصصية (فاس، طنجة، الرباط، أصيلة..) غير أن ما تمثله مدينة «فاس» بالنسبة لعز الدين التازي على مستوى الافتنان بالكتابة عنها، يشبه إلى حد كبير ما تمثله مدينة الإسكندرية بالنسبة لإدوار الخراط أو لإبراهيم عبد المجيد، كما لا يقل ذلك عن افتنان عز الدين التازي، أيضا، ببقية الفضاءات المدينية الأخرى التي استوحاها وكتب عنها في بعض رواياته، كما هو الشأن بالنسبة للفضاءات السالفة الذكر... والوعي بأهمية المكون الفضائي المديني في كتابات التازي الروائية والقصصية، هو أصلا وعي سابق ومتأصل في الزمن، أي منذ أولى نصوصه الروائية. فأول رواية صدرت للتازي جاءت بعنوان «أبراج المدينة» (1978)، فشكلت بالتالي أولى بدايات هذا الكاتب مع تشخيص فضاء المدينة روائيا، وبشكل لافت، قبل أن تتبأر محكيات رواياته ومجاميعه القصصية، بالتأكيد، داخل فضاء المدينة المغربية، وحول مدينة «فاس» تحديدا، في تكويناتها الزمنية والتاريخية، وفي تحولاتها الحضارية، حيث يتعلق الأمر في رواية «أبراج المدينة» بتلك المدينة المشرعة على الرمزية والاحتمال، باعتبارها مدينة غير محددة الملامح والخصائص الحكائية والطبوغرافية، بما يفيد أن هذه المدينة هي فضاء إشكالي واسع، يشمل المجتمع المغربي ككل، بما يكتنفه من أزمات اجتماعية وسياسية: «المدينة فوق الرأس في بؤرة الأعصاب تحلم بالخروج من غربتها الوحشية واستعادتها للكينونة الأولى»(ص٣). تحضر المدينة في هذه الرواية، إذن، لبلورة جانب من الصراع الاجتماعي والطبقي القائم داخل المجتمع المغربي في سبعينيات القرن الماضي، حيث تصبح المدينة هنا فضاء للانتقاد والإدانة... وفي رواية «رحيل البحر»، يرسم عز الدين التازي للمدينة وجها رمزيا، لكن بأقل حدة على مستوى درجة الترميز، كما في الرواية الأولى، بحيث تصبح المدينة، هنا، ليس فقط خلفية لتجسيد نوع من الصراع القائم في المجتمع، بل أيضا فضاء لصوغ سؤال الكتابة في الرواية، بما يحايثه من أسئلة موازية، يتم بلورة بعضها مثلا عبر التماثل الذي تقيمه هذه الرواية، في إطار نوع من المعارضة الممكنة، بين صورتين لمدينة واحدة: مدينة «أصيلة» المغربية، كما كتب عنها الروائي المصري جميل عطية إبراهيم رواية «أصيلا»، ونفس المدينة كما تخليها الروائي عز الدين التازي في روايته «رحيل البحر»... أما في روايته «مغارات»، فتحضر مدينة «طنجة» هذه المرة، ليس فقط باعتبارها فضاء لالتقاط العديد من العلامات والأسئلة المتصلة بالواقع المغربي في سكونيته وفي حركيته، ولكن أيضا كفضاء لصوغ سؤال الكتابة مرة أخرى، بمعنى أن رواية «مغارات» جاءت لتلملم داخلها منظورين سابقين متمايزين: منظور يؤطر سؤال الكتابة في مدينة «فاس» ومنظور يؤطر سؤال الأزمة في رواية «رحيل البحر»، كما يؤطران بالتالي تصور الكاتب لعلاقة الرواية بالمدينة من خلال مدينتين وفي فترتين زمنيتين متباعدتين. من ثم، تغدو مدينة «طنجة» في رواية «مغارات» فضاء لرصد تحولات الواقع المغربي في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وبالتالي فضاء لصوغ سؤال الكتابة في علاقته بسؤال الذات والكينونة. أما في رواية «كائنات محتملة»، فيعود التازي إلى الكتابة عن موضوع «المدينة» من زاوية جديدة. يعود ليستوحي سيرة نوع معين من المدن التي سبق له أن كتب عنها في روايته «رحيل البحر»، أي بعد مرور حوالي عشرين سنة عن الرواية الأولى «أبراج المدينة». يكتب التازي في هذه الرواية عن مدينة يسميها «زرقانة»، ويستوحيها ليجعل منها تعلة لرسم صورة وطن صغير لمواطنين تتوتر العلاقة فيما بينهم وبين ذواتهم وممثليهم في المجالس البلدية، وفيما بينهم وبين السلطة كذلك (ص٧٧)، وكأننا بالكاتب هنا يعود إلى استثمار فضاء مدينة سبق له أن استوحى بعض صورها في روايته «رحيل البحر»، ويتعلق الأمر، هنا، بمدينة «أصيلة»، وإن تم ذلك في هذه الرواية الجديدة عبر التوسل بالمراوغة والاحتيال الرمزي في تشغيل لعبة التفضية في هذه المدينة، حيث إن «تسمية مدينة ليس بالأمر الهين»، تقول الرواية (ص١٣)، ولأنه أيضا «ربما كان صالح، كاتب الرواية، يدعونا إلى أن لا نقيم أية علاقة مع مدينة ما، نعرفها جميعا، ومع أشخاص نعرفهم جميعا، ليضحك على ذقوننا وليقول عنهم إنهم كائنات محتملة» (ص٤٢)، ثم تتوالى حكايات الرواية داخل مدينة «زرقانة» التي تصنع مصائر شخوصها في الرواية، من ثم يقول السارد، (الكاتب الضمني) عن هذه الرواية : «ليست سيرة لي وإن تضمنت بعض النتف...» (ص١٣). وفي روايات عز الدين التازي الأخرى، تتعانق فضاءات مدن حضرية فيما يشبه الحلم والأسطورة. وتبقى «فاس» هي جوهر هذه المدن الموحية، وتحديدا في ثلاثية التازي الروائية بعنوان «زهرة الآس»، كما في مجموعته القصصية «منزل اليمام»، هاته التي تتقاطع معها «زهرة الآس» في العديد من الخصائص الحكائية والدلالية حول المدينة/ فاس... يعود الكاتب، في هذه الثلاثية الروائية، إلى صياغة متخيل مكثف عن مدينة فاس عبر العصور، مستندا في ذلك إلى المراجع التاريخية حول هذه المدينة، بما تتأطر به هذه المادة التاريخية من خرق وتحويل، وتصريفها إلى مواد للحكي عبر التشخيص، كما جاء في نهاية الجزء الثالث من «زهرة الآس».. فمدينة «فاس» في «زهرة الآس» تصبح هي الشخصية الرئيسية، حتى على مستوى مفتتح الجزء الأول منها، والذي جاء على الشكل التالي: «فاس» مدينة متخيلة، وكل تشابه بين الشخصيات والأحداث وبين أشخاص أو أماكن حقيقية هو محض صدفة لم يتعمده المؤلف» (الجزء الأول). بعد ذلك، ينفتح المحكي العام في الثلاثية على عوالم وحكايات مدينة «فاس»، وخصوصا ما يتعلق منها بحكاية «الاختطاف» التي ينغلق عليها الجزء الثالث أيضا من الثلاثية. وعلى امتداد الأجزاء الثلاثة لـ»زهرة الآس»، يحاول الكاتب إضفاء الطابع الأسطوري على مدينة «فاس» من خلال حكايات «عبد الفتاح» عن المدينة، وعن طبوغرافيتها وشخوصها ورجالاتها وأبوابها ومشاهدها، وهو بذلك إنما يحكي، في الآن ذاته، سيرة تحول هذه المدينة، وقد خرجت من حالة الطمأنينة والأمان ومن سيرة العشق والنوستالجيا، التي كانت تسودها، إلى حالة الخوف والإهمال، وهي تحكي سيرة «الوباء» الذي أصابها، كما كتب عنه التازي في روايته الممتعة «المباءة».. الذات والمدينة في نصوص محمد شكري من شأن المتأمل في سؤال العلاقة بين الرواية/ والسيرذاتية والمدينة في الأدب المغربي الحديث أن تبهره أهمية هذا السؤال، في ارتباط هذين الجنسين الأدبيين، هنا، بمدينة مثل «طنجة»، كما هو الشأن بالنسبة لمدينة «الإسكندرية» في الرواية المصرية، حتى لا أذكر هنا سوى المدن البحرية، لما لهاتين المدينتين خصوصا من تشابه في العمق التاريخي وفي النسيج الأسطوري والرمزي وفي الامتداد الدولي لهما أيضا، ولما تفرضانه كذلك من سحر وغواية وجاذبية على المبدعين من مختلف الأقطار والمشارب. فحتى الكاتب محمد برادة، الذي افتتن بدرجة أكبر بمدن فاس والرباط والقاهرة وباريس في نصوصه «لعبة النسيان» و«الضوء الهارب» و«مثل صيف لن يتكرر»، يبدو أن مدينة «طنجة» قد استهوته، كما تستهوي شخوصه أيضا، بشكل لافت، وفي مستوى المدن الأخرى، بخلاف «مراكش» مثلا. فطنجة كما تشخصها رواية «الضوء الهارب» تبدو مدينة للتنوع والانفتاح والفن والحب والذكريات، كما أنها المدينة التي ألفت، كما جاء في «دفتر العيشوني» في الرواية، تعدد العشاق ونجوم التاريخ، في حين تبدو مراكش، مثلا، فضاء منغلقا وروتينيا. من ثم، فإن أي حديث عن مدينة «طنجة»، باعتبارها فضاء روائيا، يبقى حديثا عن مدينة «هلامية» بصور ومنظورات متعددة، وبأوضاع عديدة ومختلفة: المدينة الواقعية- المدينة العجائبية- المدينة الأسطورية- المدينة الساحرة- المدينة الدولية- مدينة الفن- المدينة الحلم- المدينة المتاهة- المدينة العاهرة (القحبة)، كما يصفها محمد شكري في رواية «السوق الداخلي»، وغيرها من الأوصاف الأخرى التي ارتبطت بهذه المدينة، والتي يمكن استقاء المزيد منها من داخل النصوص الروائية المغربية التي استوحت هذه المدينة، وهو الأمر، ربما، الذي جعل الاهتمام بمدينة طنجة على مستوى الرواية والسيرة الذاتية تحديدا، يبدو اهتماما مكثفا وموسعا أيضا، بالنظر إلى كونها الفضاء الذي تمثلته مجموعة من النصوص الروائية والسير الذاتية المغربية والعربية والأجنبية، بمنظورات مختلفة وغير متكافئة، ويكفي أن نذكر هنا النصوص التالية: «السوق الداخلي»، «زمن الأخطاء»، «وجوه» لمحمد شكري- «مغارات» لمحمد عز الدين التازي- «فراق في طنجة» لعبد الحي المودن- «بحر الظلمات» لمحمد الدغمومي- «الضوء الهارب» لمحمد برادة- «يوم صامت في طنجة» للطاهر بن جلون، وغيرها من النصوص السردية المغربية التي تمثلت هذه المدينة بدرجات متفاوتة ومتداخلة مع مدن أخرى. كما عملت مجموعة من النصوص السردية لكتاب عالميين، مروا بطنجة أو أقاموا فيها، من استيحاء فضاء هذه المدينة في نصوصهم السردية وفي أعمالهم الفنية، من قبيل «دعه يسقط» (رواية)، «مذكرة مترحل» (سيرة ذاتية) لبول بولز، الكاتب العالمي الذي أغرته مدينة طنجة «بألوانها وأصواتها وطقسها» فاختارها مكانا للإقامة بها إلى أن توفي فيها. كما نجد لهذه المدينة أيضا حضورا موازيا على مستوى بعض النصوص الروائية العربية، كما في روايتي «الآخرون» و«وداعا روزالي» لحسونة المصباحي، وهما روايتان تمكنتا، هما أيضا، من تشييد صور منطقية لطبيعة العلاقة بين الرواية، شخوصا وأزمنة وأفكارا، والفضاء المديني. ففي روايتي حسونة تنكتب سيرة المدن المشرقية والأوروبية، حيث الفضاء العام للروايتين يكشف، في العمق، عن سرد استرسالي عن السفر والترحال بين المدن بموازاة مع التساؤل عن جدواه أيضا.. كما يبدو أن الموقف العام الذي تصوغه هاتان الروايتان للمدينة هو موقف مطبوع بالانتقاد والتعرية لأوضاع المدينة الشرقية على الخصوص أمام ما يعتريها من خيبات متتالية.. هكذا إذن ارتبطت طنجة بالتاريخ الذاتي والثقافي والنفسي لكتاب وفنانين عالميين ارتبطوا، هم أيضا، بهذه المدينة فاستوحوها في أعمالهم الأدبية والفنية. أما محمد شكري فيفضل أن يصنف نفسه كـــ «كاتب طنجاوي»، وهو القائل: «أريد أن أبقى في الذاكرة بصفتي كاتب التاريخ المتحول لهذه المدينة ومؤرخ مباءاتها الليلية»(٦). يكتب محمد شكري عن مدينة طنجة انطلاقا من امتلاكه لخبرة وقدرة خاصة على إدراك الواقع كما يتبدل من حوله، بما هو واقع مدينة متحولة في الزمن وفي التاريخ وفي الطبوغرافيا وفي السلوكات أيضا، وكذا انطلاقا من القلق الذي يلازم الكاتب على مصير هذه المدينة، وقد بدت اليوم فاقدة لحياتها ولحركيتها التاريخية ولوهجها الدولي السابق.. فطنجة في بعض نصوص شكري، وخصوصا في روايته «السوق الداخلي»، وفي نصيه السير ذاتيين «زمن الأخطاء» و«وجوه»، كما في أحاديثه الصحفية وفي مذكراته عن «بول بولز» و»جان جنيه» و«تينيسي وليامز»، تبدو مدينة فاقدة لجوهرها التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي كان لها في السابق: «مدينة الذكريات القديمة: «هونغ كونغ» شمال إفريقيا.هذا ما كانوا يقولونه عنها أيام عزها»(السوق الداخلي، ص٨٧).. وفي رواية «السوق الداخلي»، تبدو علاقة الذات بالمدينة «طنجة» علاقة متقلبة مطبوعة بالنفور من المدينة والحسرة عليها.. ويكفي هنا أن نجتزئ بعض الإحالات النصية المجسدة للمسافة التي أضحت قائمة بين السارد (الكاتب الضمني) والمدينة، والتي تظهر مطبوعة بالاستياء تارة وبالارتياح تارة أخرى : «لا مكان لي في هذه المدينة.. لا أستطيع أن أمتلك شيئا فيها (ص ٥)، ويقول في سياق آخر : «العيش فيها أخذ يبدو لي شبيها بأمل العيش في كوكب أزرق» (ص٠٧)، «زحام المدينة أعدمني»، «رغم المزعجات التي تحدث لي في هذه المدينة، فإني بدأت أحبها مثلما أحـــب امرأة تخون محبها ثم تعود إليه تائبة» (ص ٦٨). فبصدور رواية «السوق الداخلي»، وماتلاها من نصوص أخرى للكاتب، أصبح جليا أن مدينة «طنجة» قد شغلت اهتمام شكري الإبداعي بشكل لافت، وخصوصا بعد أن فقدت هذه المدينة وضعها السابق، فأصبحت مرتعا مفتوحا على الهجرة والبطالة والتهريب والمخدرات والعبث والتشويه.. وفي الجزأين الثاني والثالث من سيرته الذاتية («زمن الأخطاء» و«وجوه») يواصل محمد شكري لملمة جوانب من سيرة مدينة طنجة، هذا الفضاء الذي تلبس الكاتب فسكنه وأغراه فأعاد صنعه، كما قال عنه محمد برادة (مقدمة «زمن الأخطاء»، ص ١١). وفي «زمن الأخطاء»، يسترسل الحكي عن مدينة طنجة وعن فتنتها وعراقتها والعهر الفاحش الذي قبح أجمل ما فيها، بموازاة مع الحديث أيضا عن اشتداد الحنين إلى هذه المدينة لحظة مغادرتها: «اشتياقي إلى لعينتي طنجة يحزنني. لها عندي طعم خاص حتى في أحقر ظروفي فيها. لا أكاد أغادرها سئما منها حتى يوثرني حنين جنوني بها..» (ص٧٤-٨٤)، بمعنى أن صورة طنجة في هذا الجزء تشكل امتدادا لذات الصورة في «السوق الداخلي»، وهو ما يعني، كذلك، أن مدينة طنجة، بالنسبة للسارد/ الكاتب الضمني، تبقى ذات ملمحين جدليين واقعيين يجعلان السارد في لحظة تكيف جميلة مع المدينة، لكونها، في نهاية الأمر، قدره.. أما في «وجوه»، فتبدو صورة المدينة «طنجة»، وقد أصبح ليلها مترهلا، قبيحا ووحشيا. كما نقرأ في هذا الجزء أيضا حديثا مستفيضا عن مصير هذه المدينة بعد النكسات السياحية التي توالت عليها، منذ حرب ٧٦ حتى حرب الخليج، وعن الوضع السياسي للمدينة أيام حكم الجمهوريين في إسبانيا، حيث امتد إليها الرعب الفاشستي الذي كان يلجأ بين فترة وأخرى إلى تصفية حسابات خارج المدينة وفي دروبها الليلية (ص ٨٥). يكتب شكري كذلك عن المواخير الدولية لهذه المدينة، وهي التي كانت تشكل فردوسا للإسبان إذا ما قورنت مع إسبانيا فرانكو (ص ٧٢)، بمثل حديثة أيضا عن بواليع البؤس التي فاضت على الأحياء الشعبية : «غادرته وفكرت في أن طنجة أصبحت اليوم توحي بالانتحار لمن لا يستطيع مغادرتها. لقد ضاع فيها كل ما هو أسطوري جميل» (ص 103). إذا كانت مدينة طنجة في هذه النصوص الثلاثة تؤسس لنفسها، مثل الدار البيضاء وفاس في النصوص السابقة، صورا وأشكالا عديدة من الامتداد من نص لآخر، ومن فضاء «روائي؟» في «السوق الداخلي» إلى فضاء سير ذاتي في «زمن الأخطاء» و«وجوه»، فإن محمد شكري، وهو يؤرخ لمساراته الذاتية، حتى على مستوى الراوية، إنما يكتب، في الآن ذاته، سيرة ومصير مدينة متحولة، عبر توسله بالذاكرة والمشاهدة والمعايشة وبفتنة الكتابة أيضا، محاولا عبر ذلك كله استكناه الجغرافيا السرية أو التحتية للمدينة، كما عبر عن ذلك صبري حافظ، وسبر أغوارها، وإدراك تحول مشاعر الذات تجاهها، بالنظر إلى كونها مشاعر إحباط وهروب من المدينة التي نحسها نحن، في تلك النصوص، وقد أفرغت من محتواها التاريخي والأسطوري والاجتماعي والثقافي، بعد أن فقدت صوتها وهويتها و بعدها الدولي الذي كان لها: «الحياة ما زالت تدب في المدينة، لكن مجدها الذهبي ضاع.طنجة غادرتها ثروتها الذهبية لكن روحها باقية (..) لا أحد يتساءل كيف يمكن إنقاذها(..) أسطورتها أقوى من تاريخها.امتيازها أنها لم تفقد كل روحها رغم صدام الحضارات فيها(..) أسطروها بدون مهارة فميعوا ما تبقى لها من صلابة عراقتها(وجوه، ص٧٦). الرواية وقدرتها على حماية المدينة لقد تمكنت الرواية المغربية، من خلال استثمار فضاء المدينة فيها، من رصد سؤال التحول بشكل لافت ومهيمن، بحيث نلمس، من خلال النماذج الروائية المقروءة، أن الرواية المغربية التي تفاعلت بدرجات مكثفة مع فضاء المدينة المغربية لم تسقط في شرك رصد ملامح التحول الحضاري الذي يفترض في أحد جوانبه الانتقال من حياة البادية إلى حياة المدينة الكبيرة، كما أنها لم تنسق وراء ثنائية متناقضة هي ثنائية حياة النقاء والهدوء في مقابل حياة المدينة الجحيمة (٧) على حد تعبير محمد برادة. غير أن الرواية المغربية، بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال النماذج التي تناولناها، كانت تتوخى كذلك رصد إشكالية الزمن وتجليات فعله وتأثيره في الفضاء وفي العلائق والمنظورات، وبالتالي تشخيص التبدلات في الذوات والبنيات. كما أن الرواية المغربية، من خلال النصوص السابقة، لم تتعامل مع المدينة كفضاء روائي وكيان طبوغرافي محض، بقدر ما كانت تتفاعل معها باعتبارها فضاء مضيئا للحكي والتخييل، وفضاء مناسبا لبلورة صيغ مختلفة لحديث ميتاتخييلي حول المدينة وأمكنتها المتناسلة، من شوارع ومقاه وحانات وأزقة وأحياء ودروب، وككيان مشرع على أسئلة الذات والمجتمع والكينونة والوجود، ومفتوح على إعادة إنتاج قيم وأفكار وسلوكات جديدة في المدينة، ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، من شأنها أن تساهم في الحد من النزيف الذي يطال جوهر المدينة.وهو ما جعل الفضاء التخييلي والتعبيري العام للنصوص الروائية السالفة الذكر مطبوعا، في عمومه، بخاصية الحلم المصرح به أو المضمر في النص، بما هو حلم بالصفاء وبأسطورة الأصل، سواء في الدار البيضاء أو في فاس أو في طنجة، حيث تتم مواجهة حاضر المدينة هنا، في تلك النصوص، باستعادة جوانب من ماضيها المشرق، وهي المدينة التي تقدمها هذه الرواية أو تلك في صورة توهج تارة، و في صورة مباءة تارة أخرى، إذ يتجسد الحلم هنا في عودة الأصل المستحيل للمدينة، أو على الأقل الحلم بالحفاظ على ما تبقى منه. كما يفهم منه في الوقت نفسه دعوة موازية إلى نبذ حلم آخر مزيف هو حلم المشاريع والوعود التي تفرزها الخطابات والشعارات السياسية الجوفاء، وذلك حتى على مستوى المحكي التخييلي. نقرأ، مثلا، في رواية «غيلة» لعبدالله العروي: «نود أن نستغل العملية، إذا كتب لها النجاح، لكي نشعر الناس بمشكل أعم وهو ما يلحق المدن المغربية من تشويه. أكثر المسيرين على المستوى المحلي أفاقيون لا تربطهم بالمدن المغربية التي يتولون إدارتها أية علاقة وجدانية، يتصرفون بدون مراقبة فيفضلون الهدم على الترميم، الجراحة على المداواة.لا يشعرون أن المدينة، أية مدينة، بالمعنى الكامل، كائن حي، يحس ويتنفس ويتذكر، لا مجرد ركام قابل للهدم والفتق» (ص٨). غير أن تفاعل الروائي المغربي مع المدينة تحديدا لم يفرز لنا بعد نصوصا روائية عن المدينة المغربية في مستوى ما تعرفه بعض المدن العربية الأخرى، وكذا الروايات المستوحية لفضاءاتها، من صراعات وتوترات وتشخيصات للسلطة وملاحقة تفاصيل اليومي الضاج بالحركة والاختناق، كما كتب عن ذلك عبدالله العروي في رواياته، وكما صرح بذلك أيضا في أحاديثه..أو ربما يعود ذلك إلى طبيعة المدينة المغربية ذاتها.. وربما أيضا إلى عدم قدرة النص الروائي المغربي بعد على ضبط إيقاعات التفاعل التخييلي والسردي مع فضاء مدينته ومع أمكنتها ونماذجها، وفق رؤية جديدة للأمكنة وحكاياتها المتداخلة. وإذا كان هؤلاء الكتاب قد راهنوا في نصوصهم السابقة على إبراز وتشخيص عنصر «التحول» الذي طال هذه الفضاءات الحضرية الثلاثة تحديدا : (الدار البيضاء، فاس، طنجة) باعتباره تحولا يلعب فيه عنصر الزمن لعبته الخاصة أيضا، بالنظر إلى كون الزمن هنا هو العنصر الذي نقيس عبره مختلف توترات الذات الساردة والشخوص تجاه المدينة كفضاء وكخطاب أيضا، كما تقيس عبره درجات الإيقاع لمختلف التحولات الطارئة على هذه المدينة أو تلك. غير أنه بالرغم من هذا الالتقاء لدى هؤلاء عند حدود تطويع خاصية «التحول» التي طالت تلك الفضاءات، وإن تم ذلك لدى كل واحد منهم بطريقته الخاصة، وبأسلوبه المختلف في التعبير والصياغة والرؤية، فإن القاسم المشترك فيما بين هؤلاء جميعا، والذي يضفي على عنصر التحول هنا سمة الواقعية والحركية والحياة، يتمثل في كون صورة المدينة في هذه النصوص تتدثر بتلوينات واقعية وأسطورية وتاريخية وعجائبية وسخرية ونوستالجية، كما تجسد نوعا من الالتباس الجميل بين سؤال المدينة في تلك النصوص وسؤال الكتابة الروائية، حيث ان صورة المدينة، باعتبارها فضاء إشكاليا في تلك الروايات، تتجاوز حدود التخييل إلى الانخراط داخل أجواء من الخطابات الميتاتخييلية التي يسندها الوعي النظري لكتابها. من ثم يستمد سؤال المدينة في الرواية، باعتبارها نصا، مشروعيته من سؤال الرواية والعكس وارد أيضا. فالشخوص في هذه الروايات بقدر ما تحرص على الانتماء الوجداني والنوستالجي والتاريخي إلى المدينة، بقدر ما يتملكها القلق والخوف من التحولات الكبيرة والخطيرة الطارئة على مدنهم، مما جعل هذه الروايات تأتي طافحة بتعدد الأحاسيس تجاه المدينة وبتعدد الأبعاد الإنسانية وكثرة الأوهام فيها أيضا. إلا أنه بالرغم من مختلف تلك التحققات التخييلية والدلالية المرتبطة بصورة المدينة، فإن الرواية المغربية، بشكل عام، وعبر النماذج التي قاربناها، لم تتمكن بعد من تجاوز بعض الصور المكرورة فيها، والتي تؤطر متخيلها الروائي العام، وتحديدا على مستوى تشظيتها لصورة المدينة فيها، فالجوهر هنا يبقى هو نفسه أحيانا، وما يتغير هو شكل التعبير ولغاته، أي الفضاء المديني في الرواية كإشكال. فمن خلال النصوص الروائية السابقة، نحس كذلك بقضايا المدينة متشابهة، بالنظر إلى كونها، أيضا، قضايا تتبأر حول أسئلة مكرورة، من قبيل سؤال التحول والتشويه والاختفاء والطبوغرافيا والتاريخ والوباء والجنون والنوستالجيا والمحكي السيري والأجيال والقلق والكتابة والفقدان والأوهام والموت والأزمنة المنفلتة والفساد والخراب والهاجس السياسي والإيديولوجي، إلى جانب سؤال الكتابة أيضا، بما في ذلك سؤال العلاقة الخفية أحيانا والمباشرة أحيانا أخرى بين السارد والكاتب الضمني في تلك النصوص، وفي غيرها.... كما أن هذه المدن الثلاث في تشابه متخيلها العام وفي تشابه انتمائها الجغرافي والتاريخي والإنساني، إنما تستلزم المزيد من التشخيص الموازي لها في أفق اقتناص التحولات الطارئة وتشخيصها تخييليا، وأيضا في أفق ابتداع صور جديدة للفضاءات والأزمنة، واستبطان أسئلة جديدة تخص الذات والكينونة والوجود، والتقاط المزيد من الدلالات الناجمة أيضا عن تحولات المجتمع المديني المغربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بعيدا عن أسئلة التحول الطبوغرافي والتاريخي والحضاري. غير أنه بالرغم من ذلك، فإن مجموع هذه الكتابات الروائية قد تؤشر، في مستوى آخر، على ما قد يشكل نقلة جديدة في التعامل الروائي مع الفضاء الحضري، وذلك عبر توسعها في رسم صور هذه الفضاءات الثلاثة، انطلاقا من منظورات جديدة، تتجاوز ذلك التعامل التقليدي مع الفضاء الحضري، كما عكسته مثلا كتابات عبد الكريم غلاب في مرحلة سابقة، في رواياته عن مدينة «فاس». غير أن هذا التوسع، كما بلورته هذه النصوص، يبقى في بعده التخييلي ضيقا، خصوصا حينما يتم حصر زوايا النظر إلى هذه المدينة أو تلك في منظور غالبا ما يأتي أحاديا مؤطرا بالذات الساردة وبخطابات الكاتب الضمني، بخلاف بعض الروايات المغربية التي تفاعلت مع المدينة، في تعدد صورها وفي حوارية فضاءاتها أيضا، الأمر الذي يخلق داخلها مجالا فسيحا لإبراز تعددية المنظورات تجاه الفضاءات المدينية. ويمكن أن نستدل ، هنا، برواية «الضوء الهارب» لمحمد برادة، لكي نلمس عن قرب مدى قدرة الكاتب على خلق مجال متحرر للشخوص (غيلانة، العيشوني، فاطمة) للتعبير ورسم ملامح الفضاءات/ المدن (طنجة، مراكش، فاس، باريس..) وما تخلقه هذه الفضاءات من التباس وإرغامات على تفكير الشخوص وأحاسيسهم، وكذا على تجاربهم الذاتية والاجتماعية. وإذا كانت العولمة اليوم هي أكبر مهدد للمدينة وأخطر عنصر لنفيها(٨)، فإن الرواية اليوم تبقى من بين أهم الأجناس التعبيرية القادرة على حماية المدينة من شبح النفي والتلاشي وتداعياتهما، كما أنها الجنس التعبيري والمجازي القادر دوما على لملمة وتشخيص متخيل جماعي، بمقدوره أن يتمثل أسئلة الذات والحياة في المدينة، باعتبارها فضاء متخيلا طافحا بالأبعاد الإنسانية للفرد والجماعة داخل المدينة وخارجها، وذلك في أفق الحلم الكبير بــ «المدينة المنشودة» أو «المدينة الحلم»، الأمر الذي يجعل «رواية المدينة» في النصوص الروائية العربية بشكل عام، في نهاية القرن الماضي وفي بداية القرن الجديد، خير تعبير عن درجة الاضمحلال والاغتراب والتفسخ الذي تعيشه المجتمعات العربية اليوم.
المراجع : ١- د.مختار علي أبو غالي ، المدينة في الشعر العربي المعاصر ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد 196 ، الكويت ، أبريل 1995، ص٧٧. ٢ - عرف بها ابراهيم الخطيب في مقاله بعنوان «الرواية التاريخية والتباس الخطاب الاستعماري»، الصفحة الثقافية لجريدة الشرق الأوسط، ١٢ أبريل، نيسان، 2004. ٣- عبد الله العروي ، من التاريخ إلى الحب ، حوار ، نشر الفنك ، الدار البيضاء ، 1996، ص٣٧. ٤- المرجع نفسه، ص ٣٠-٣١. ٥- المرجع نفسه، ص ٣١. ٦- محمد شكري، في حوار معه، في : زوايا ، جريدة ثقافية، العدد المراجع والخامس ، يونيو 2003، ص 19. ٧- محمد برادة، فضاءات روائية، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، ص 152. ٨- أنظر الفصل المهم عن «الثقافة وسؤال العولمة»، في كتاب «العولمة ونفي المدينة» لعزيز لزرق، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٢ نصوص : عبد الله العروي : - الغربة واليتيم ، روايتان، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، 1980. - غيلة ، رواية ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء -بيروت 1998. أحمد المديني : - وردة للوقت المغربي ، رواية ، دار النشر المغربية ، ط ٣ ، ط ١، الدار البيضاء ، 1985. - الجنازة، رواية ، دار قرطبة للطباعة والنثر، الدار البيضاء 1987. - طريق السحاب، رواية، دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1994. - مدينة براقش، منشورات الرابطة، الدار البيضاء 1998. - فاس..لو عادت إليه ، رواية ، مطبعة المعارف الجديدة ، ط ١ ، الرباط 2003. محمد عز الدين التازي : -أبراج المدينة، رواية، منشورات اتحاد كتاب الغرب بالتعاون مع اتحاد أدباء العراق، دار آفاق عربية، بغداد 1978. - رحيل البحر، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983. - كائنات محتملة، رواية، طوب بريس، الرباط ٢٠٠٢ - زهرة الآس ، ج ١ : واد رشاشة - ج ٢ : شم النسيم فجنان السبيل - ج ٣ : دار الدبيبغ منشورات سليكي إخوان ، طنجة 2003. محمد شكري : - السوق الداخلي، رواية، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء 1985 - زمن الأخطاء، رواية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1992. - وجوه، سيرة ذاتية روائية، شركة سليكي إخوان، طنجة 2000. |
|||||
|
|||||