|
|||||
|
إن قراءةً واعيةً للشعر العُماني منذ تحقَّق له الانفصالُ والتميُّزُ بعد فترة تماهٍ دامتْ خمسةَ قرونٍ ونصفَ القرنِ من الزمان - تشي بأنَّ فَنَّ المعارضةِ واحدٌ من أهم ظواهره امتداداً وبروزاً وقدامةً، وهو أمرٌ طبيعي، وليس «غريباً على منطق النهضات الأدبية الإحيائية في عمومها، إذ عادةً ما يتمُّ فيها الإحياءُ مقترناً بنوع من الرجعةِ إلى الماضي، أو الارتدادِ إلى التراث، ومن ثَمَّ قد يبدو وكأنَّ آدابَ الأُممِ في بداياتِ تطورها تَسْلُكُ طريقاً معكوساً حين تنحو إلى التغيير فلا تجد سبيلاً إليه إلا بمحاكاةِ أروعِ النماذج التي حفظها تاريخُ هذه الأممِ». (١)
وتعدُّ المعارضة رافداً من روافد إثراء التجربة الشعرية بمعين لا ينضب من التجارب الفنية الناضجة التي يُجْرِي معها الشعراءُ في العصور اللاحقة حواراً فنياً يتسم بالانبهار الذي لا يبلغ حَدَّ الاستلاب، والرغبةِ في المجاراة والتجاوز، وهما ملحمان ينطوي عليهما مفهوم المعارضةِ لُغةً. إنَّ قراءةً واعية للأصل اللغوي للفظة (المعارضة) (٢) تشي باحتضانها لمنظورين دلاليين يتكاملان أكثر مما يتفاضلان، هما: المماثلة التي ترتكز على غريزة المحاكاة (٣) والمقابلة التي تُجَسِّدُ غريزةَ المنافسة التي فُطِرَ الإنسانُ عليها (٤)، والمعارضة بهذين المنظورين المتكاملين «لا تحدُث إلا حين يأنس المعارِضُ من نفسه رغبة التحدِّي وحُبَّ الغَلبِ، وفي هذا ما فيه من شهوة التفوق والتفرُّد بالكمال». (٥) والمعارضة باعتبارها ضرباً من ضروب نَظْمِ الشعر يختصُّ به الأدبُ العربي وسُنَّة أدبية اتبعها العرب منذ القِدَم - لم تَحْظَ بدراسةً علمية تضبطُ مصطلحاً أو تمحِّص مفهوماً (٦)، فظل المصطلح ضبابيَّ الدلالةِ غائمَ المفهوم؛ ففي الوقت الذي يُوَسِّعُ الدكتور فتّوح من حدود المصطلح (الظاهرة)، فيزيل الحدود الفاصلة بين المعارضة القائمة على أسس فنية بحتة، والنقيضة القائمة على مُحَرِّضاتٍ قبلية أو عِرقيّة أو دينية (٧)، يأتي الدكتور محمد محمود قاسم ليخفِّفَ من شرائط المعارضة قائلاً بمعارضة ناقصة، فأوشك أن يُدْخلَ فيها الشعر العربي كُلَّهُ!!. (٨) ونظراً لسعة الظاهرة زماناً وضخامتها مُنْجزاً، وحرصاً على الاتشاح بوشاحٍ علمي فإننا سوف نحصر دراستنا في معارضات ستة شعراء عُمانيين يتوزّعون على الخارطةِ الشعرية، مع الاستعانة بالأشباه والنظائر لدى آخرين، والشعراء هم: السّتالي والنبهاني واللواح الخروصي وابن رزيق وأبو مسلم البهلاني وأبو سرور السمائلي. أولاً- أنماط المعارضة: يمكن أن ندرجَ معارضات الشعراء العُمانيين وفق ثلاثة أُطُرٍ تتمايزُ فيما بينها، وهي: معارضات ملفوظة ومضمرة ومجملة. ١/١- المعارضة الملفوظة: وهي ما صاحبها نَصٌّ صريحٌ على نِيَّةِ المعارضة، وتُعَدُّ أقل الأنماط بروزاً، إذ قلما صرَّح الشاعر العُماني بقصد المعارضة، مثال ذلك ما حدث في معارضة النبهاني لأبي العلاء المعرّي حين نقرأ في بداية المعارضة الجملة الآتية (وقال أيضاً يعارض المعرّي) (٩)، ومثله أيضاً ما حدث في معارضة ابن رزيق لمعلقة طرفة بن العبد إذ صُدِّرَتْ معارضته بالجملة الآتية: (وقال يمدحه ويُعارض بها معلقة طرفة المشهورة) (10) وأما أبو الصوفي فإنَّه أشار إلى المعارضة صراحةً في أربعة مواضع، حيث صدَّر حائيته التي مدح بها السلطان فيصل بقوله: «وقال مُجارياً لقصيدة ابن النحاس». (١١) ١/٢- المعارضة المضمرة: وهي تلك التي لا تُصَدَّرُ بنصٍّ صريح، وإنما يمكن رصدها من خلال الاتِّساقِ الإيقاعي بين القصيدتين، فيحمل إنشادُ القصيدة الخالفةِ استدعاءَ السالفةِ، والمسكوكاتِ اللفظيةِ والتركيبية التي تُهاجرُ قَصْداً أو طواعيةً من القصيدة الأم، أو تضمين صدر بيت أو عَجُزِ آخر في تضاعيف القصيدة المُعارِضة، ويُعَدُّ هذا النمطُ أوسعَ الأنماطِ الثلاثة شيوعاً لدى الشاعر العُماني. ويمكن جلاءُ هذا النمطِ في عينية سليمان النبهاني التي رثى بها أخاه حُساماً، مُصَدِّراً إيّاها بقوله: (١٢) نَبأ له تَصْلى القلوبُ وتَخْشَعُ وتَفِيضُ بالعِبَرِ الجفونُ وتهمعُ وهو طالعُ يستدعى إيقاعُه نَصّاً شعرياً غائباً يتجلّى في عينية أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه الخمسة الذكور، ويُصَدِّرها بقوله: (١٣) أمِنَ المنونِ ورَيْبها تتوجَّعُ والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ على أنني أسارع فأقرر أنَّ الاتساقَ الإيقاعيَّ وحده لا يصلح معياراً للحكم بوقوع المُعارَضة، ولكن وحدةَ الغَرَضِ وتناصَّ القوافي والتضمين وامتصاصَ بعضِ المعاني تُصْبِحُ عناصرَ ترجيح - بل قُلْ إن شِئْتَ: تأكيد - لحدوث المُعارَضة. فقد ضَمَّنَ النبهاني البيتَ الثالثَ والعشرين عَجُزَ بيتٍ لأبي ذؤيب، فقال: لما أتاحَ لكَ الإلهُ مَنِيَّةً (فإذا المنيةُ أقبلتْ لا تُدْفَعُ) (١٤) ١/٣- المعارضة المجملة: وإذا كان النمطان السابقان يَنْصَبّان على عدد محدد من القصائد، ويسهل رصدهما تصريحاً وإضماراً فإن ثمّة نمطاً ثالثاً من المعارضة يتجلّى فيما أبدعه شعراءُ العصر النبهاني بصفة عامة والنبهاني بصفة خاصة، إذ اصطبغت قصيدته بصبغة تراثية شكلاً ومضموناً، ممّا يجعلُ من شعره معارضةً كليةً للمنجز الشعري السابق تُجاريه مُسْتَوْعِبةً إياه استيعاباً يحمل في طيّاته حُلْمَ الغَلَبةِ والتجاوز. ثانياً- نطاق المعارضة: ونقصد به تلك البؤر الضوئيةَ التي انجذبوا إليها، وهي نِطاقاتٌ تختلفُ سعةً وضيقاً، وتتباينُ كثرةً وقلةً من حقبةٍ إلى أخرى ومن شاعرٍ إلى آخر، وقد استفاد الشعراء العُمانيون المتأخرون زمناً من اتساع الحقبة الزمنية المُبْدِعَةِ من جهةٍ وضخامة ما أفرزتْ من جهةٍ ثانية، فكثرت معارضاتُهم وتنوَّعت. ٢/١- المعارضات الخارجية: فلو راجعنا معارضات ثلاثة شعراء من العصر النبهاني، وهم: الستالي والنبهاني واللواح للمسنا كثرةَ معارضاتهم قصائِدَ وشعراءَ، وإن اختلفوا فيما بينهم في بؤر الضوء التي انجذبوا إليها: إذ عارض الستالي خمسة شعراء ينتمون إلى ثلاثة عصور هي: الجاهلي (دوقلة المنبجي) والأموي (كُثَيِّر عزَّةَ)، والعصر العباسي (ابن الرومي، والمتنبي وأبو فراس الحمداني) مما يُشَكِّلُ طغياناً لأثر القصيدة العباسية عليه، بينما انجذب سليمان النبهاني إلى القصيدة الجاهلية بصفةٍ عامة وعالمِ امرئ القيس بصفة خاصَّةٍ (١٥) واحتلت القصيدةُ العباسيةُ مكاناً محدوداً مقارنةً بالستالي من جهة وبقية معارضاته من جهةٍ ثانية. فعارض امرأ القيس وطرفةَ ولبيداً وعمر بن معدي كرب وعلقمة بن عَبَدَة، ومن المخضرمين عارض الخنساءَ وأبا ذؤيب، وكذلك الأمر بالنسبة لعمر بن أبي ربيعة وابن دُرَيْد وأبي العلاء المعرّي. (١٦) أما اللواح الخروصي فعارض شاعرين، هما: أبو ذؤيب الهُذَلي مُجارياً الستالي في معارضة عينيته الذائعة، وأبو الطيب المتنبي. (١٧أ) وإذا انتقلنا إلى المرحلة الأولى من الدولة البوسعيدية متخذين من معارضات ابن رزيق نموذجاً لراعنا كثرةُ المعارضاتِ لديه كمّاً وكَيْفاً وسعةً زمنيةً (١٧ب)، حيث عارض ثمانيةَ شعراء عبر خمسَ عشرةَ قصيدةً، عارضها باثنين وعشرين قصيدة، ولم يقف ابنُ رزيق عند القصيدة يعارضها بصنوها تارةً أو بأخريات تاراتٍ أُخر، بل نراه يعارض ديواناً شعرياً لصفي الدين الحلي بديوانين، هما: جَوْهَرة التيجان وفصوص المرجان. فقد عارض من شعراء الجاهلية طرفةَ بن العبد في معلقته الذائعة (١٨). ومن شعراء العصر العباسي عارض أربعة شعـراء، هـم: أبـو تمـام (١٩) والبحتريّ (٢٠) والمتنبي (٢١) والشريفُ الرَّضِيُّ (٢٢)، ومن الأندلس ابن هانئ (٢٣)، وامتدت معارضاتهُ لتشمل العصر المملوكي فعارض اثنين من أعلامه الكبار، هما: البوصيري (٢٤) وصفي الدين الحليّ. (٢٥) وقد لقي البوصيري عناية ثلاثة شعراء ينتمون إلى هذه الحقبة، هم: ابنُ رزيق وابنُ عُرابة والنبهاني التنوفي، وقد تجلّت هذه العناية في معارضتهم لواحدةٍ من عيون شعره، إذ عارض النبهاني التنوفي بُرْدَتَهُ بقصيدةٍ تَتَّسِقُ معها إيقاعاً وغرضاً وعددَ أبياتٍ - تقريباً - فقال: (٢٦) بَرْقٌ تَبَسَّمَ بالزَّوْراءِ والعَلَمِ فأمْطَرت مُقْلتي دَمْعَ البُكا بِدَمِ ويعارضها ابنُ رزيق بقصيدةٍ متسقةِ الإيقاع، مغايرة الغرض، ودونها عددَ أبياتٍ ونضجاً فَنِّيَّاً، يقول في طالعها: (٢٧) إنْ جِئْتَ فَنْجَةَ دارَ العِزِّ والكَرمِ فاقر التحيةَ أهْلَ الفَضْلِ والشِّيَمِ أما ابنُ عُرابةَ فقد عارضها مرتين، وإن اتسم بِقصَرِ نَفَسٍ شعريّ؛ إذ جاءت معارضَتُهُ الأولى في ثمانية وعشرين بيتاً، وزادت الثانية بيتاً واحداً. (٢٨) وإذا انتقلنا إلى آخر مرحلةٍ مهتدين بما أنجزهُ باحثان واعدان من دراسةٍ لمعارضاتِ اثنين من شعراء العصر الحديث، هما: أبو مسلم البهلاني وأبو سرور السمائلي، وهما دراستان تَتَّسمانِ بالدِّقَّةِ والمنهجيةِ، وإن كانتا لا تخلوان من مؤاخذة، وتلك سِمَةُ كُلِّ جَهْدٍ بشريِّ، يسعى لإدراكِ درجةِ الكمالِ البشري ولا يُدْرِكُه. وبمراجعة ثبت معارضات البهلاني يتجلّى لدينا مدى انجذاب البهلاني إلى العصر العباسي، فراح يعارض خمسة شعراء ينتمون إليه، هم: أبو نواس وابن دُرَيْد والمتنبي وأبو الفتح البُسْتيّ (أو أبو البقاء الرُّنْديّ) والتهامي، واكتفى من العصر الأموي والأيوبي والمملوكي بشاعرٍ واحد لكُلِّ عَصْرٍ، وهم: الفرزدق وابنُ الفارض والبوصيري، قانعاً بمعارضةٍ واحدة لكلِّ شاعرٍ، وهي قناعةٌ تعكس ثقتَهُ فيما أبدع من معارضات، وقدرتَهُ على تجاوز النموذج المُعارَضِ، وقد تجلَّتْ هذه القدرةُ في ملمحين بارزين هما: التجاوز الكمي والتخلُّص من إغراءات النَّصِّ الأُمِّ، فسجَّلَ النَّصُّ الغائِبُ غياباً ملموساً في معارضاته. (٢٩) أما أبو سرور السمائلي فقد حققت معارضاتُه توازناً بين مَنْ عارضهم من معاصريه، ومَنْ عارضهـم مـن شعـراء العربيـة القُدامـى. فعارض أربعـة شعـراء قدامى، هم: عمرو بن كلثوم (ت٩٣ق.هـ) وجريرٌ والمتنبي وابنُ زيدون (ت٣٦٤هـ)، وعارض أربعة آخرين من شعراء العصر، هم: البارودي (ت1904م) وشوقي (ت٢٣٩١م) وحافظ إبراهيم (ت1932هـ) وأبو وسيم السمائلي. (٣٠) ٢/٢- الانجذاب إلى قصائد محددة: ثمة ملمحٌ بارزٌ يتجلّى في انجذابِ الشاعر العُماني صوبَ قصيدةٍ ما، فلا يَقْنَعُ بمعارضتها مرَّةً واحدةً، بل نراه يُعارضها مرتين أو ثلاثاً مُجَسِّداً شَغَفَهُ بالنموذج المُحاكي أوّلاً، وحَيْرَتَهُ أمام المستوى الفني لما أبدع ثانياً. ويأتي ابنُ رزيق في هذا الجانب نسيجَ وَحْدِهِ، عندما عارض أربعَ قصائِدَ من عيون شعرنا القديم بإحدى عشرة معارضة، حيث عارض كُلاً من معلقة طرفة بن العبد ومقصورة البحتري مرتيـن (٣١)، وكافيَّةَ الشريـفِ الرّضيِّ ثـلاث مرّات (٣٢)، وبائيّةَ أبي تمام التي يبدؤها بقوله: (٣٣) السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً من الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بينَ الجَدِّ واللَّعِبِ بأربع قصائدَ تَتَّسقُ معها بحراً وقافيةً وغَرَضاً، وإن لم تَتَّسق معها عددَ أبيات، فقد جاءتْ بائيةُ أبي تمام في واحد وسبعين بيتاً، بينما لم تتجاوز أطولُ معارضة لابن رزيق ستة وأربعين بيتاً. فقال في معارضته الأولى: (٣٤) شَرُفْتَ بالنسبِ يا سَيِّدَ العَربِ لكَ المنابِرُ والتأييدُ في الخُطَبِ وقال في الثانية: (٣٥) يا بَدْرُ دونك بدرُ التَّمِّ في الرُّتَبِ ودونكَ السادةُ الأمجادِ في النَّسبِ وقال في الثالثة: (٣٦) أُهدي إليكَ فريدَ الفكرِ والأدبِ وأنتَ أوْلى به يا سَيِّدَ العربِ وقال في معارضته الأخيرة: (٣٧) سَلِّ الهمومَ بترياقِ ابْنَةِ العِنَبِ واسْتجْلها من أكُفِّ الخُرَّدِ العُرُبِ ويتحقق هذا الملمحُ أيضاً لدى ابن عُرابة، عندما عارض بُرْدَة الإمام البوصيري التي يفتتحها بقوله: (٣٨) أمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدَمِ بقصيدتين، يقول في الأولى: (٣٩) يا حادِيَ العِيسِ قِفْ بالجزعِ والعَلَمِ واسْكُبْ هُناكَ دموعَ العَيْنِ كالدِّيَمِ ويقول في الثانية: (٤٠) ما بالُ قَلْبِكَ لا يَنْفَكُّ مِنْ سَقَمِ والعَيْنُ منكَ تَسِحُّ الدمعَ كالدِّيَمِ ٢/٣- المعارضات الجماعية: ومن الظواهر الفنية الأبرزِ فيما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ ما يمكن تسميتها - تجاوزاً - بجماعيةِ المعارضة، وتتجلّى هذه الظاهرةُ في أن تلقى قصيدةٌ ما استحسان عَدَدٍ من الشعراء الذين قد تجمعهم حقبةٌ زمنيةٌ واحدة، أو يتوزَّعون على حِقَبٍ متعاقبة - فينبرون لمعارضتها. من بين هذه القصائد عينيةُ أبي ذؤيب (٤١) وتائيةُ كُثَيِّر عَزَّةَ (٤٢) ومقصورة ابن دُرَيْد (٤٣) وحائية ابن النحاس (٤٤) وميميتان للمتنبي (٤٥) ونونيةُ ابنِ زيدون (٤٦) وبُرْدَةُ البُوصيري (٤٧). وغيرها. ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ بل امتدَّ إلى بعض القصائد العُمانية، فراح الشعراء العُمانيون يعارضونها، مثال ذلك نونية الشيخ سالم بن محمد الدرمكي الإزكوي، ومطلعها: ما بين بابي عَيْنِ سعنة واليمنْ سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ التي عارضها ابن رزيق فقال: بَيْنَ العتيكِ وسوقه ظبيٌ أغَنّ لا يشتري إلا القلوبَ بلا ثَمَنْ وعارضها - أيضاً - الشيخ ناصر بن محمد الخروصي. (٤٨) ولم تقتصر عنايةُ الشعراء العُمانيين عند القصيدةِ يُعْجَبونَ بها فيعارضونها مرّاتٍ بأسلوبٍ أحاديٍّ تارةً، أو جماعي تاراتٍ أُخر، بل راحـوا يعجبـون بعدد من شعراء العربية الكبار كامرئ القيس (٤٩) وأبي تمام وأبي الطيب المتنبي وغيرهم، معارضين إياهم في بعض ما ذاع من أشعارهم، وهو ملمحٌ يفتح البابَ واسعاً لدراساتٍ أكاديمية تُعْنى بتجلياتهم على مرآة الشعر العُماني وفق منهج إحصائي مقارن. جاء أبو الطيب المتنبي نسيجَ وَحْدِهِ، إذ احتلَّ مكانةً متميزةً بين الشعراء العُمانيين، فعارضه ستٌّ منهم في إحدى عشرة قصيدة من عيون شعره، وهم: اللواح الخروصي وابن عرابة (لكلٍّ قصيدةٌ)، والستالي والبهلاني (لكُلٍّ قصيدتان)، وأبو سرور السمائلي (ثلاث قصائد)، أما ابنُ رزيق فقد عارضه في أربع قصائد. وقد تقاطع كلٌّ من ابن عُرابة وأبي سرور فعارضا قصيدةً واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لابن رزيق والبهلاني إذ عارضا قصيدةً أُخرى. (٥٠) أما أبو تمام فإنَّهُ لم يُدْرِكْ المتنبي مساحةً زمنيةً وعددَ قصائِدَ، إذ اقتصرتْ معارضته على ابن رزيق، الذي عارضه في سِتٍّ قصائدَ من غُرَرِ أشعاره، بتسع معارضات، حيث استأثرت بائيتُه تمام الذائعة وحدها بأربع مُعارَضاتٍ من بينها. (٥١) ٢/٤- المعارضات البينية: ولئن كان الشاعر العُماني قد انفتح بذائقته الإبداعية على مجمل اللوحة الشعرية، فراح يُعارِضُ أنضجَ قصائدها ويُجاري أعلامَها فيما أبدعوا من قصائد ودواوين، تحدوه رغبةٌ عارمةٌ في مَدِّ جسورِ التواصل مع منجزهم والجري إلى جارهم في المضمار، فإن هذا الانفتاحَ صاحبه محاولاتُ انكفاءٍ على الذاتِ فراح يُعارِضُ شعراءَ آخرين من بني جلدته، فيما يمكن تسميتُه - تجاوزاً - بالمعارضات البينية أو الداخلية، وسوف يتجلى هذا النمط لدى شعراء الدولة البوسعيدية بمرحلتيها. فقد عارض ابنُ رزيق الشيخَ سالم بن محمد الدرمكي في قصيدةٍ له طالعها: ما بين بابي عينِ سعنة واليمنْ سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ بقصيدة طالعها: بين العتيك وسوقِهِ ظَبْيٌ أغَنّ لا يَشْتَري القلوبَ إلا بلا ثمن كما عارضها أيضاً الشيخُ ناصرُ بن محمد الخروصي. (٥٢) ويمكن تعقُّبُ هذه الظاهرةِ لدى النبهاني التنوفي وأبي سرور السمائلي وغيرهما. (٥٣) ثالثاً- الصوت والصَّدى، دراسة مقارنة: رسَّخَ شعراءُ العربيةِ القدامى - عبر حِقَبٍ زمنيةٍ متعاقبة - شرائِطَ فَنِّ المُعارَضةِ، وتجلَّتْ في محوري الإيقاع والمضمون، وإذا كان نُقّادُ العربيةِ قد اشترطوا الاتّساقَ الإيقاعيَّ شرطاً أساسيّاً لا تستقيمُ المعارَضةُ إلا بتحقُّق فإنهم خلَّفوا نوافِذَ المضمونِ مُشْرَعَةً أمام الشاعر مانحين إيّاه حُريةَ الاقترابِ من النموذج الأصليّ وامتصاصه أو استيعابه وإعادة تشكيله. ٣/١- أولاً - الإيقاع: القارئ للشعر العُماني في ضوء ما استقرَّ من شرائِطَ وما أُنْجِزَ من معارضاتٍ لدى شعراء العصور الخوالي - يمكنه أن يرصد ثلاثة مواقف متباينة اعتنقها الشعراء العُمانيون فيما أبدعوا من معارضاتٍ، تجلَّتْ في ثلاثية: المماثلة والمغايرة والجِدَّة. ١/أ- المماثلة: ونعني بها الاتِّساق الإيقاعيَّ التامَّ (بحراً وقافيةً) بين كُلِّ قصيدتين (مُعارَضَة ومُعارِضَة). والحقُّ أنَّ جُلَّ ما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ قد خضع لهذه القاعدة. ١/ب- المغايرة: ونقصدُ بها الخروجَ على قاعدةِ الاتِّساقِ الإيقاعيّ بين القصيدتين لغاياتٍ يراها المبدعُ مبرراً مقبولاً لخَرْقِ مبدأ طقسية القاعدة، وهو خَرْقٌ له جذورٌ تاريخيةٌ في نقائض الإسلاميين والأمويين (٥٤) ويمكنُ للباحث رَصْدُ هذا الملمح لدى سليمان النبهاني في قصيدتين، عارض في الأولى ذا الرُّمَّةِ، وعارض في الثانية أبا العلاء المعرّي، وإن اختلفَ الحافِزُ في الحالتين. عارض النبهاني ذا الرُّمَّةِ في قصيدةٍ بائيـة الرَّوِيِّ مدح بها عبدالملك بن مروان، يبدؤها بقوله: (٥٥) ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ مِدْرارُ كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ (٥٦) ثمّة ملمحان يسترعيان انتباه المُتلقِّي يتمثّلان فيما يُسَمَّى ببؤرةِ الإشعاع أو ما يدعوه النقّادُ بالمفتاح الذي يُفْصِحُ عن هُوِيَّةِ المعارضة من جهةٍ، ويربط بين الشاعرين من جهةٍ ثانية، وتتجسَّدُ بؤرةُ الإشعاعِ هنا في قولهما (ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ) وهو تماثلٌ صياغيٌّ لا يستعصي رصده. أمّا الملمح الثاني فيتجلّى في عنصر المغايرة بين القافيةِ في القصيدتين وإنْ اتّسقتا بحراً، فروِيُّ قصيدةِ ذي الرُّمَّةِ الباءُ مضمومةً، بينما جاء رَوِيُّ قصيدة النبهاني الراء مضمومةً. والمغايرةُ هنا تعكس ما يكمن خلفها من غاياتٍ فنيةٍ تخدم التجربةَ وتُنَمّيها. فإذا كان وَصْفُ الدموعِ قاسماً مشتركاً بين الشاعرين، أرادا وصفها بالغزارة، وإذا كانت لفظةُ (يَنْسَكِبُ) تُعطي إيحاءً بالغزارةِ فإنَّ الإيقاعَ الصوتيَّ يَحِدُّ من هذه الغزارة عندما يجعلها مؤقتة، بينما تأتي لقطةُ (مدرار) منميةً المعنى السابق من خلال صوتِ الراء التكراري مسبوقاً بألف مَدٍّ، فأشاعتْ إيحاءً بالغزارة والتدفق والديمومة، وهو ما أراد النبهاني رصدَه في مقدمة قصيدته عبر لوحتين فقال: ما بالُ عَيْنِك منها الدَّمْعُ مِدْرارُ كأنَّما فَيْضُها في الخدِّ أنْهارُ أو ماءُ حَنَّانةٍ وطْفاءَ حَلَّ بها رَعْدٌ من الجانِبِ الغَرْبيِّ مِهْدارُ (٥٧) أما القصيدةُ الثانيةُ فقد عارض بها لامِيَّةَ المعرّي الذائعة التي يبدؤها بقوله: ألا في سبيلِ المجدِ ما أنا فاعِلُ عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ أعندي وقد مارَسْتُ كُلَّ حَفِيَّةٍ يُصَدَّقُ واشٍ أو يُكَذَّبُ قائِلُ (٥٨) فقال: ألا في سبيلِ المجْدِ ما أنا صانِعُ نَفُوعٌ وضَرَّاءٌ ومُعْطٍ ونافِعُ أعندي وقد أحْرزتُ كُلَّ جميلةٍ يُذَعَّرُ جارٍ أو يُذَعَّرُ وادِعُ (٥٩) إنَّ قراءةً مقارنةً تشي بوشائجِ القُرْبى الرابطةٍ بين هذين النَّصَّيْن تتجلّى فيما يُسمّى ببؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظية وإيقاعِ بحر الطويل باندياحه وانبساطه، ولكنهما اختلفا قافيةً، وهو اختلافٌ أقدم النبهانيُّ عليه - فيما نعتقد - إقدامَ المقتدر تحدوه رغبةُ ردِّ يقينِ القدرةِ على مُجاراةِ الأقدمين إلى معاصريه وتابعيه من شعراء، فاختار العين قافيةً لقصيدته «وهو أكثرُ صعوبةً من حرف اللام؛ لأنَّهُ أقلُّ تردُّداً في الكلمات العربية بنسبةٍ كبيرة، وتلك حقيقةٌ توصَّلَتْ إليها الدراساتُ اللغويةُ الحديثةُ من خلال لجوئها إلى المنهج الإحصائي، فقد أثبت الدكتور إبراهيم أنيس في تجربة له أنَّه من بين كل ألف حَرْفٍ يتردَّدُ حرفُ اللامِ مائةً وسبعاً وعشرين مرّة، على حين يتردّد حرفُ العين سبعاً وعشرين مرّة فقط، وذلك مقياسٌ يُوَضِّحُ إلى أيِّ حَدٍّ تكثر الكلماتُ التي يتردد فيها حرفُ اللامِ عن تلك التي يتردَّدُ فيها حرفُ العين. فإذا أضفنا إلى ذلك اشتراطَ أن يكونَ الحرفُ في نهاية الكلمة، كما هو الشأنُ مع القافية ازدادت الصعوبة. ومع هذا كله فالشاعر لم يكن مضطراً إلى أن يركب الصَّعْبَ. فقانون المعارضة العام في الشعر العربي كان يعطيه حَقَّ استخدامِ قوافٍ من حرف اللام، وقد آثر هو - تمكُّناً - أن يُلْزِمَ نَفْسَهُ مالا يلزم في حضرة أبي العلاء». (٦٠) على أنني أسارع فأقرر أنّ خَرْقَ النّبهاني للاتساق الإيقاعي لم يكن خرقاً مطلقاً، بل جاء استثناءً فرضته غاياتٌ فنيةٌ أو ذاتية، وظلت بقيةُ مُعارضاتِه شديدةَ الاتساق إيقاعياً مع النماذج الشعرية المعارَضة، فعندما يعارض امرأ القيس في قصيدته الرائية التي يصدرها بقوله: سما بكَ شوقٌ بعدما كان أقصرا وحلَّتْ سُليمى بَطْنَ قَوٍ فَعَرْعَرا (٦١) يأتي بقصيدة تَتَّسِقُ معها بحراً وقافيةً، حظيت بإعجاب الشيخ نور الدين السّالمي إذ رأى - وهو حُكْمٌ لا يخلو من مُبالغةٍ - أنَّها تُزاحم المعلقاتِ السبعَ بلاغةً، وتزيدُ عليها جزالةً ورشاقةً (٦٢) فقال: نعم ساورَ السهمُّ الفؤادَ فأبْهرا ولجَّ به البَيْنُ المُشِتُّ فأسْهرا (٦٣) ولم يكن الخروجُ على قدسيةِ القاعدةِ محصوراً في نموذجيْ النبهاني السابقين، بل تعدّاه إلى ابن رُزيق الذي حافظ على اتفاق القافية بين القصيدتين، وجاء ببحر مُغاير، وقد تجلّى هذا الملمح في ثلاث معارضات، عارض فيها طرفةَ بن العبد والشريف الرّضي (٦٤)، مثال ذلك معارضته لمعلقة طرفة بن العبد التي يبدؤها بقوله: لخولةَ أطلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهِرِ اليدِ (٦٥) إذ عارضها بقصيدتين جاءتا على بحر الكامل، بينما جاءت المعلقة على بحر الطويل، فقال في معارضته الأولى: بَرْقٌ تألَّقَ لا لُبُرَقةِ ثهمد سَحَراً فحرَّمني لذيذَ المَرْقَدِ (٦٦) وقال في الثانية: دِمَنٌ لبارِق لا لُبْرَقةِ ثهمد هَيَّجْنَ لي بالمَصْحِ نارَ تَوَقدِ (٦٧) ١/جـ- الجـِدَّة: إذا كانتْ معارضاتُ السّتالي والنبهاني قد رَدَّتْ إلى الشاعر العُماني يقينَ القدرةِ على مُجاراةِ الشعراء القدامى جاهليين وإسلاميين وعبّاسيين فإنَّ هذا اليقين أفضى بالشاعر العُماني إلى رغبةٍ مُلِحَّةٍ في التجاوز والابتكار، وهما ملمحان يحكمان حركةَ المعارضاتِ في الشعر العُماني لاسيما الحقبة البوسعيدية. ولئن جَسَّدَ بعضُ الشعراءِ العُمانيين ولعهم بعدد من الشُّعراء الكبار كامرئ القيس وأبي تمام والمتنبي فراحوا يعارضونهم في أكثر من قصيدةٍ فإنَّ مجال المعارضة لم يَتَّسِعْ ليشمل مجملَ إنتاجِ شاعرٍ بعينه. وهنا يبرز ملمحُ الجِدَّةِ جليّاً، إذ يُحْرِزُ ابنُ رُزيق قَصَبَ السَّبْقِ عندما يُعارض ديواناً شعريّاً كاملاً، كان للسَّيَّد ثويني بن سعيد دورٌ كبيرٌ في إنجازه، عندما راح يُحَرِّضُ شاعره على مدحه بديوان شعريٍّ تام يُحاكي ديوان (دُرر النحور في امتداح الملك المنصور) لصفي الدين الحِلِّي، وإلى ذلك أشارَ ابنُ رزيق في مُقَدِّمَةِ ديوانه فقال: «لقد سألني مَنْ مواهِبُهُ سيول، وبهجةُ رِضاهُ إليَّ رَوْضَةٌ وقبول.. أن أُباري نِظامَ الصَّفِيِّ المشهور الذي نسَّقَهُ للملك المنصور، وسمّاه (قلائد النحور) فأجبته بالطاعةِ الصّريحةِ وسمَّيْتُه جوهرة التيجان». (٦٨) وقد جارى ابنُ رزيق صفِيَّ الدين الحِلِّي في بناء ديوانه وفق طريقته التي جسَّدَت ولعه الشديدَ بفنون البديع التي كانت شائعةً في زمانه، عندما جعل ديوانه - قصائد وأبياتاً - يسير وفق الألفبائية العربية عدداً وترتيباً، فعدد القصائد تسعٌ وعشرون، وعدد أبيات كل قصيدة تسعةٌ وعشرون بيتاً، ثم ألزم نَفْسَهُ بأن تكون قافيةُ كل قصيدة موحدةً في بدايات الأبيات ونهاياتها، مثال ذلك قول ابن رزيق: أسماء أسما أرضها الخضراء اللهُ أكبر إنَّها بَضّاءُ أنست بأفْلاكِ الفخار ولم تَزَلْ برجاً إليها الكلَّة الحمراءُ إنَّ الصَّباحَ إذا أضاء أُعِدُّهُ من ضَوُّها إذ ضَوُّها أضواءُ (٦٩) والحقيقة أنَّ ابن رزيق وإنّ وُفِّق في مُجاراةِ الحِلِّي فيما ذهب إليه من صَنْعَةٍ فإنَّهُ لم يَدْنُ منه مَوْهِبَةً؛ نظراً لأن ابن رزيق لم يُقْدِمْ على المعارضة إعجاباً بالتجربة دام وقتاً يُتِيحُ الاستيعاب التامَّ لمفرداتها، بل عارض استجابةً فورية لطلب مَنْ لا يُرَدُّ له مَطْلَبٌ. ولم تقف معارضةُ ابنِ رزيق لصفي الدين الحلِّي عند ديوان (جوهرة التيجان) بل امتدّ إلى ديوان ثانٍ لا يزال مخطوطاً (٧٠) عنوانه (فصوص المرجان) مدح به السيد محمد بن سالم بن سلطان ابن الإمام أحمد البوسعيدي، يقول فيه: (٧١) حَيِّ بسَفْحِ البانِ أهْلَ الصّلاحْ يحمي ظبا الإنْسِ بحَدِّ السِّلاحْ حباهمُ الخيرُ ووالاهمُ بِشْراً يَسُرُّ الصَّدْرَ بالانشراحْ ويقول من أخرى: (٧٢) هجرَ الحبيبُ فما أمَرَّ جفاهُ وَيْلاهُ مِنْ هجرانهِ وَيْلاهُ هامَ الفؤادُ بحبِّهِ فتأجَّجَتْ نارُ الصَّبابةِ والجوى بهواهُ ٣/٢- النَفَسُ الشعري: أمام ظاهرةٍ شديدةِ الاتساع مُنْجَزاً وإطاراً زمنياً يَصْعُبُ على الباحث وَضْعُ قاعدةٍ تؤطر العلاقة بين المعارضات الشعرية العُمانية وأمهاتها من جهة طول النفس الشعري وقصره، إذ تجتمع لدى الشاعر الواحد مستوياتٌ ثلاثة، فتارة يقترب من الشاعر المعارَضِ طولَ نَفَسٍ، وتارة ثانية يتجاوزه، وتارة أخرى يقصر عنه. ويمكن رَصْدُ هذا الملمح من خلال مراجعة الجداول الملحقة بدراستنا تلك. وإذا كان الستالي قد حَقَّق تقارُباً مع النماذج الشعرية التي عارضها فإنّ أبا مسلم البهلاني يبقى نسيجَ وَحْدِهِ إذ حققت معارضاته طولَ نَفَسٍ تجاوز القصائد المعارضة تجاوزاً شديداً وثراء دلالياً ما عدا معارضتين فقط قَصُرَ نفسه الشعري عن النموذجين المعارضين؛ وهما: همزيته التي عارض بها همزية البوصيري التي جاءت أبياتها أربعمائة وثمانية وخمسين بيتاً، ويبدؤها بقوله: كيف تَرْقى رُقِيَّكَ الأنبياءُ يا سماءً ما طاولتْها سَماءُ فجاءت همزيته في سبعين بيتاً، بادئاً إيّاها بقوله: نَسَبٌ صانَهُ الجمالُ الإلهيّ لربِّهِ عليه انطواءُ (٧٣) أما رائيته التي عارض بها رائية التهامي فقد جاءت دونها طولَ نَفَسٍ، فبينما حققت رائية التهامي طولَ نَفَسٍ شعري أثمر ثمانيةَ وثمانين بيتاً، اتسمت رائية البهلاني بقصر نفس، تجلّى في ستة عشر بيتاً. (٧٤) ٣/٣- المضمون: إذا كان علماءُ العربيةِ القدامى قد سَنُّوا لفنِّ المعارضةِ شرائِطَ ينبغي الالتزامُ بها، تجلَّتْ في وحدةِ الإيقاع وتوَفُّرِ نِيَّةِ المعارضة إضماراً أو تصريحاً فإنَّهم تركوا للشاعر المُعارِضِ حريةَ التعاملِ مع المعنى، فتعددت آلياتُه: اتساقاً وتنوعاً، ومغايرةً، واجتزاءً. وإنَّهُ لمن الصعوبة بمكانٍ إصدارُ حُكْمٍ رياضيٍّ ينتظمُ آلياتِ تعامُلِ الشاعرِ العُماني مع النصوصِ الشعريةِ التي تناصَّ معها مُعارضةً، نظراً لاجتماع هذه الأنماطِ الثلاثة لدى الشاعرِ الواحد، وتباين نسبة شيوعها من شاعرٍ لآخرَ؛ وإنَّ نظرةً دقيقةً للجداول الملحقة بذيل دراستنا تشي بصدق ما ذهبنا إليه. فلو نظرنا إلى معارضاتِ السَّتالي باعتباره أشدَّ الشعراء العُمانيين التصاقاً بمن عارض إيقاعاً ومسكوكاتٍ لفظيةً ونَفَساً شعريّاً لوجدنا أنَّها جعلت من المَدْحِ غرضاً أساسياً، مما يجعلها غيرَ متسقةٍ مع أغلب النماذج المُعارَضة، فعندما عارض تائيةَ كُثَيِّر عزَّة التي خَلُصَتْ للغزل وما يلحق به من صَدٍّ وشَوْقٍ ولَوْعَةٍ - جاءت معارضتهُ مُوَزَّعةً بين غرضين هما: الغزل والمدح. جارى كثير عزة في المقدمة الغزلية وإن جاء دونه صِدْقَ عاطفةٍ وتنوُّعَ أفكارٍ وجدَّةَ تصويرٍ وخيال. واستجاب في الشقِّ المدحي لما استقرَّ في الوجدان العربي الجمعي من صفاتٍ للبطل الأنموذج، فجاء هذا الجانب تقليديَّ البناءِ والمضمونِ وحُسْنَ تخلُّصٍ، تجلّى في انتقالٍ لطيف، عندما جعل من حُبِّ ممدوحهِ وسيلةً ناجِعةً للتخلُّصِ من آلامِ حُبِّ مُعْرِضٍ عنه؛ فقال: وللهِ ما صَبْري وكتماني الهوى وما إنْ بَدَتْ لي فيه نَحْوي فَدَلَّتِ سوى زَفْرَةٍ نَهْنَهْتُها فتصدَّعَتْ لدى عَبْرَةٍ كفكفتها فاسْتَهَلَّتِ وكم غُلَّةٍ في الصَّدْرِ منْ حُبِّ مُعْرِضٍ عرضتُ لها بالصَّبْرِ حتى اضمحلَّتِ سوى حُبِّ ذُهْلٍ لستُ عنه بذاهِلٍ ضمائِرُ أصيفها لذُهْلٍ وقَلَّتِ (٧٥) وتمتدُّ رغبةُ السّتالي في إقحام المديح في تضاعيف أشعاره إلى درجة أصابتْ بعضَ معارضاته بتناقُضِ الوَقْعِ النفسيِّ بين أجزائها، ويتجلّى هذا الملمح في داليته التي عارض بها داليةَ ابن الرومي في رثاء ولده الأوسط محمد، إذ خَلُصَتْ قصيدةُ ابنِ الرومي للرثاء وجَسَّدَتْ إحساساً فادِحاً بالفَقْدِ وتجلياته، بينما توزَّعَتْ مضامينُ قصيدةِ الستالي على محوريْ: الرثاء (عزاء السلطان معمر بن عمر في وفاة ولده أبي بكر) والمدح له. فاختلفت القصيدتان صِدْقاً ووَحْدَةً ووَقْعاً نَفْسِيّاً، وإنْ فاقتْ قصيدةُ الستالي نَفَساً شعرياً. ولم تقف رغبةُ الشاعرِ العُماني في المديح عندَ حَدِّ اصطباغ معارضاته بالفتور الوجداني تارةً، وتناقض الوَقْعِ النَّفْسِيِّ بين أجزاء معارضاته تارة أخرى، بل امتدَّ ليشمل أفق التوقع لدى المُتَلَقِّي، ويتجلّى هذا الملمح لدى ابن رزيق في بعض معارضاته، مثال ذلك معارضته لكافِيَّةِ الشريف الرضيّ الغزلية الذائعة، إذ عارضها بثلاثِ مُعارضاتٍ، اتخذتْ من المدحِ ثيمةً أساسيةً كاسراً بصنيعه هذا أفق التوقع لدى المتلقي، ويمكن تلمُّسُ هذا الملمح في مُعارضته لبردة البوصيري الذائعة التي يُصَدِّرُها بقوله: أمِنْ تَذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدم إذ عارضها بقصيدة مدحية، قال فيها: إنْ جِئْتَ فَنْجَةَ دارَ العِزِّ والكَرَمِ فاقر التحيةَ أهْلَ الفَضْلِ والشِّيَمِ (٧٦) أما الاجتزاء فقد تجلّى في معارضة النبهاني التنوفي للشق الغزلي من نونية أبي بكر الستالي التي مدح بها السيد أبا القاسم النبهاني وهنأه بعيد الفطر، قائلاً: قَصَرْنَ الخُطا وهَزَزْنَ الغصونا ورَقْرَقْنَ تحتَ النِّقابِ العيونا وفَلَّجْنَ كالأقحوانِ الثنايا وكحَّلْنَ بالسِّحْرِ منها الجفونا (٧٧) إذ غطَّى هذا الجانِبُ لدى الستالي تسعة عشر بيتاً، فعارضه النبهاني التنوفي بقصيدةٍ عدادُ أبياتها ثمانية عشر بيتاً، مفتتحاً إيّاها بقوله: كتَمْنَ الهوى وأسَلْنَ العيونا وأرْدَفْنَ طول الحنينِ الأنينا (٧٨) رابعاً- نقد النقد: إن قراءة نقديةً للجهد النقدي الذي واكب القصيدة العُمانية تشي بضيق المساحةِ التي منحها الباحثون لفن المعارضات، فخلت المكتبةُ العُمانيةُ من دراسةٍ تتخدُ منها إطاراً، وهو ضيقٌ يثير الدهشةَ، نظراً لكونها واحدةً من أهم الظواهر الفنية بروزاً وأكثرها امتداداً. ولم يقفِ الأمرُ عند حدود الضِّيقِ بل امتدَّ إلى المعالجةِ، فاتَّسمتْ بالعجلة حيناً والسطحية أحايين أُخر، مما أوقع بعض الباحثين في مزالق منهجيةٍ متعددة، من بينها: ٤/أ- الخطأ في تحديد القصائد المُعارَضة: ويتجلّى هـذا الملمحُ فيما ذهب إليه د. شكري بركات (٧٩) من أنَّ النبهاني عارض الخنساءَ في قصيدةٍ من الطويل، طالعها: (٨٠) قَذىً بعينكَ أم بالعَيْنِ عُوَّارُ أم ذَرَفَتْ إذْ خَلَتْ من أهلها الدار بقصيدة تتَّسقُ معها بحراً وقافيةً، طالعها: (٨١) ما بالُ عينك منها الدمعُ مدرارُ كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ والحقيقة أنَّ القراءةَ المتأنيةَ تَدْحَضُ ما ذهب إليه، وتؤكد أنَّه عارض ذا الرُّمَّةِ في واحدةٍ من عيون شعره، يقول في طالعها: (٨٢) ما بالُ عينك منها الدمعُ ينسكبُ كأنَّهُ من كُلىً مَفْريّةٍ سَربُ فإذا كانت قصيدتا الخنساءِ والنبهاني قد اتَّسقتا بحراً وقافية، وهما عنصران أساسيان في ترجيح حدوث المعارضة، فإنهما وحدهما لا يصلحان للجزم بصحةِ ذلك. وهنا يأتي دَوْرُ الناقدِ، فَيُخْضِعُ القصيدتين لقراءةٍ داخلية تتلمَّسُ مواطن التَّماسِّ بينهما، وهي مواطِنُ يمكن رَصْدُها من خلال ما يُسَمَّى بـ (تناصِّ القوافي) أو بؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظيةِ التي تُهاجِرُ لطواعيةً من القصيدة الأم إلى تابعتها المعارِضة. وإذا كان (تناصُّ القوافي) أمراً غير مُتَحَقَّقٍ هنا، نظراً لكون النبهاني اختار قافيةً مغايرةً لغايةٍ فنية ذُكِرَتْ في غير موضع، فإنَّ بؤرةَ الإشعاع الممثلة في التماثل الصياغي لصدر البيت الأول (ما بال عينك منها الدمع) تشير إلى أنَّ النبهاني عارض ذا الرمة ولم يعارض الخنساء. وتزداد العلاقةُ بروزاً عندما نرصُدُ هجرةَ بعضِ المسكوكات اللفظية والتركيبية من نَصِّ ذي الرمة إلى نَصِّ النبهاني، ونذكر منها هذين الموطنين: قال ذو الرمة: (٨٣) يبدو لعينك منها وهي مزمنة انُؤْيٌ ومُسْتَوْقَدٌ بالٍ مُحْتَطَبُ فقال النبهاني: (٨٤) يبدو لعينك منها بعدما مصحتْ نُؤْىٌ ومُحْتَطَبٌ بالٍ وأحجارُ وإذا قال ذو الرمة في موطنٍ ثانٍ: إلى لوائحَ من أطْلالِ أحْوِيَةٍ كأنَّها حُلَلٌ مَوْشِيَّةٌ قُشُبُ فإن النبهاني يُضَمِّنُ صَدْرَ البيتِ فيقول: إلى لوائح من أطْلالِ أحْوِيةٍ كأنما أرْسُمَها في الطِّرْسِ أسْطارُ ٤/ب- الاختلاف حول القصيدة الأمّ: ويتجلّى هذا الملمحُ في اختلاف الباحثين حول القصيدةِ المعارَضة، لاسِيما القصائد التي لا تحمل إشارةً واضحةً إلى نِيَّةِ المعارضة أو مصدرها، مثال ذلك ما دار حول نونية أبي مسلم البهلاني المُسَمَّاة بـ (الفتح والرضوان في السَّيْفِ والإيمان)، والتي يبدؤها بقوله: (٨٥) تلك البوارِقُ حادِيهنَّ مِرِنانُ فما بَطَرْفِكَ يا ذا الشَّجْوِ وَسْنانُ حيث ذهب د. هيكل إلى أنَّ «رائعةَ أبي مسلم معارضةٌ متميزةٌ لرائعةِ الشّاعِرِ الأندلسي أبي البقاء صالح بن شريف الرُّنْدِي الذائعة الصِّيت: لكلِّ شَيءٍ إذا ما تَمَّ نُقْصانُ فلا يُغَرُّ بِطيبِ العَيْشِ إنْسانُ (٨٦) بينما ذهب د. محمد المحروقي إلى أنَّها معارضةٌ لنونية أبي الفتح البُسْتِيّ، وطالعها: زيادةُ المَرْءِ في دُنْياهُ نُقْصَانُ وربحه غير مَحْضِ الخَيْرِ خُسْرانُ (87) وإذا أعدنا النظرَ مُقارنينَ بين القصائد الثلاث لوجدنا اتِّساقاً إيقاعياً تاماً يجمعها (بحراً وقافيةً)، وهو اتِّساقٌ لا يَحْسِمُ - في حالتنا تلك - خلافاً أو يُرَجِّحُ احتمالاً. ولما كان البهلاني حريصاً على خَلْقِ عالمٍ خاصٍّ يُحَقِّقُ له خصوصيةً تبلورت في إعجابه بالنصِّ الشعري التراثي، إعجابَ القادرِ على تجاوزه والفكاك من أسره فطالت معارضاتُه طولاً مفرطاً، فإننا سوف نعجز عن رَصْدِ مسكوكاتٍ لفظية تُقَرِّبُ معارضَتَهُ من قصيدةِ البستي أو قصيدةِ الرُّنْدِيّ. وهنا يُصْبح الموضوعُ وحده آخرَ عنصرٍ يمكن أن يَرُدَّ نَصَّ البهلاني إلى مصدره الذي عارضه. ودراسة موضوع قصيدتي البستي والرُّنْدِي تجعل قصيدةَ البهلاني أشدَّ انجذاباً إلى قصيدة الرُّنْدِي، فكلتاهما تُعَبِّرانِ عن واقِعٍ إسلامي مُزْرٍ، وتدعوان إلى تجاوزه باستنهاض الهمم، أما قصيدة البستي فقد غرقت في طوفان من الحكم التي تتقاطع دلالياً مع مقدمة قصيدة الرُّنْدِي، إذ تُقَرِّرانِ قاعدةً إنسانيةً عامةً تتجلى في أنَّ تمامَ الشيءِ بَدْءُ نقصانه. (٨٨) ٤/جـ- الافتقار إلى الدقة: ثمة أحكامُ أطلقها بعض الباحثين تفتقر إلى الدقة، من تلك الأحكامِ ما ذهبت إليه سعيدة خاطر في معرض تناولها للمعارضات في عصر النباهنة، عندما قصرتْ هذا الفن على شاعرين هما: السّتالي والنبهاني، وعندما جاءت إلى اللوّاح والكيذاوي أصدرتْ حكماً قائلةً «أما اللوّاح والكيذاوي فقد لا نكاد نلمح لهذا النوع من الفَنِّ ملمحاً بارزاً لديهما، واقتصر استلهامهما للتراث في استعارةِ لفظٍ أو عبارةٍ أو معنى أو تَشَابُهِ مَطْلَعِ قصيدة» (٨٩) وهو حكم تهدمه العودةُ إلى ديوان اللّوّاح الخروصي، حيث تشير القراءةُ العَجْلى إلى عددٍ من القصائد التي حاورها مُعارَضةً، كعينية أبي ذؤيب التي عارضها بقصيدة تتَّسِقُ معها إيقاعاً وغَرَضاً فقال: حُزْنٌ يفورُ ومُهْجَةٌ تتقطَّعُ وأسىً يجيشُ وعَبْرَةٌ تتربَّعُ (٩٠) كما عـارض - أيضاً - أبا الطيب المتنبي في لاميته التي قالها مادحاً بَدْرَ بن عمّار، وطالعها: (٩١) بَقائي شاءَ ليس هُمُ ارتحالاً وحُسْنَ الصَّبْرِ زمُّوا لا الجمالا بقصيدة تتسق معها إيقاعاً ومقدمةً غزليةً، وإن جاءت مغايرةَ المضمونِ، يقول في صدرها: (٩٢) أرى بَدْراً فصارَ به هِلالاً نَحيلاً بعدما نَظَرَ الكمالا يُضاف إلى ما سبق افتقارُ بعضِ الدراسات إلى شموليةِ الرَّصْدِ، فلو عدنا إلى دراسة الدكتور علي عبدالخالق عن الستالي لمسنا مدى الجهد المبذول في تعقُّبِ معارضاته لشعراء العربية القدامى، محللاً إياها تحليلاً يرصد نقاط التَّماسِّ بينها، وهو جَهْدٌ رائد يُشْكر عليه. ومع ذلك فثمة معارضات أُخر لم يرصدها رصداً دقيقاً أو تجاهلها تجاهلاً تامّاً، من بينها معارضته لدالية ابن الرومي التي رثي فيها ولده محمداً، فقال: (٩٣) بكاؤكما يشفي وإنْ كان لا يُجْدي فجودا فقد أوْدى نظيرُكما عندي بقصيدة تتسق معها إيقاعاً ومضموناً، وتعدُّ «أصدق قصائد الرثاء في الديوان وأشدَّها إثارةً للوعة الصادقة» (٩٤)، يقول فيها: (٩٥) أعندكَ مِنْ فَرْطِ الصَّبابةِ ما عندي فيعلم ما أُخْفي بظاهِرِ ما أُبدي ومن مُعارضاتِهِ التي لم يرصدها الدكتورُ علي عبدالخالق قصيدتُه التي مدح بها السلطانَ عليَّ بن عمر بن نبهان، ويُصَدِّرها بقوله: صُدِّي دَلالاً فإنّي عنكِ مَصْدودٌ أعْرَضْت عَمْداً وقَلْبُ الصَّبِّ مَعْمودُ به اصْفرارٌ وفي أجفانه مَرَه وأنتِ كحلاءُ في خَدَّيْكِ توريدُ وفي مَفارِقهِ شَيْبٌ وقد نَشَرتْ حُسْناً عليكِ فروعٌ جثلةٌ سُودُ يَهنيكِ من ليْلٍ هَدَأْتِ به فإنّما ليلنا دَمْعٌ وتسهيدُ (٩٦) عارض بها دالية المتنبي التي قالها مُغادِراً مِصْرَ بَليْلٍ، يَجُرُّ بقايا أحلامه الجسام، فقال: عِيدٌ بأيَّةِ حالٍ جئتَ يا عِيدُ بما مضى أمْ بأمْرٍ فيكَ تَسْهيدُ (٩٧) وإذا كانت رسالة الدكتور راشد بن حمد الحُسَيْني واحدةً من أنضجِ الأطروحاتِ العمانية العلميةِ التي تناولتْ جانباً من المشهد الشعري العُماني رصْداً ومعالجةً فإنَّ ثمة هناتٍ بسيطةً يمكن رَصْدُها في معرض دراسته لمعارضاتِ شعراءِ العصرِ البوسعيديِّ (1154-1285 هـ/١٧٤١-1868م ) تجلَّتْ في: أ- ذهب إلى أنَّ بحر فائية ابن رزيق التي مدح بها السيد ثويني بن سعيد، ووازن بها قصيدةً للمتنبي - من بحر الكامل، والصواب أنها من بحر الطويل، وبذلك تتسق إيقاعياً مع قصيدة المتنبي. (٩٨) ب- ثمة معارضاتٌ أُخر لابن رُزيق لم يُشِرْ إليها، من بينها: - معارضة ابن رزيق لصفي الدين الحلي بديوان ثانٍ تام، هو« فصوص المرجان »، نقوم بشأن تحقيقه الآن. - معارضة ابن رزيق لنونية الشيخ سالم بن محمد الدرمكي وطالعها: (٩٩) ما بين بابي عين سعنة واليمنْ سُوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثَمَنْ بقصيدة طالعها: بينَ العتيك وسوقه ظبْيٌ أغَنّ لا يشتري إلا القلوبَ بلا ثَمَنْ ويمكن تلمُّسُ هذا الملمح فيما أخذه الموسويُّ على بحث الدكتور صقر الجيِّد حول شعر أبي سرور. (١٠٠) مما سبق يتجلى للباحث أن الشاعر العماني ظل دوما على اتصال وثيق بتراث أمته الشعري ، وقد تجلت وشائج هذه العلاقة في المعارضات الشعرية التي تعد من أشد الظواهر الفنية لصوقا بإبداعه مذ تحقق له ملمح استقلالية الوجود وحتى اللحظة ، وقد ظل متأرجحا في انجذابه هذا بين الانبهار الذي يبلغ أحيانا حد التماهي ' والإعجاب المشوب برغبة مشروعة في التجاوز ،وإذا كان شعراء العصرين النبهاني والبوسعيدي قد جسدوا النمط الأول ، فإن أبا مسلم البهلاني يجسد النمط الثاني ، إذ جاءت معارضاته شديدة التميز طول نفس واستقلالية معها حقق النص الأم غياباً ملحوظا . الهوامش والتعليقات (١) فتّوح: معارضات البارودي، في ضوء الدراسات النقدية الحديثة ص١١. (٢) ابن منظور (أبو الفضل، محمد بن مكرم المصري): لسان العرب مادة (عرض)، والرّازي: مختار الصّحاح مادة (عرض)، وطبانة: معجم البلاغة العربية ص416، ووهبة: معجم مصطلحات الأدب ص٩٨٣ والطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيّات ص239. (٣) محمود عباس العقاد: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص٨٩-٩٠، حيث ذهب إلى أن التقليد يُعدَّ المرحلة الفنية الأولى للتكوين الفني للمبدع. (٤) علي الجارم: الجارميات ص٢٢٢. (٥) محمد فتّوح أحمد: معارضات البارودي ص٤. (٦) محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيّات ص239. (٧) فتّوح: معارضات البارودي ص٤-10، ولعلَّه جارى الشاعر علي الجارم فيما رمى إليه، انظر: جارميات، الفصول الخمسة التي تناولت ظاهرة المعارضات في الشعر العربي تناولاً تاريخياً ص219-253. (٨) قاسم: تاريخ المعارضات في الشعر العربي ص13 وما بعدها. (٩) النبهاني: ديوانه ص154. (10) ابن رزيق: ديوانه ص٩٧. (١١) أبو الصوفي: ديوانه ص٤١. (١٢) النبهاني: ديوانه ص148. (١٣) أبو ذؤيب: ديوانه ص. (١٤) النبهاني: ديوانه ص١٥١. وانظـر تناصَّ القوافي بين تائيتي كُثَيِّر عزة والستالي في: الستالي لعلي عبدالخالق ص164. (١٥) انظر عوامل تأثُّر النبهاني بامرئ القيس في: الشعر في عصر النباهنة ص283. (١٦) بركات: ديوان النبهاني، دراسة موضوعية فنية ص135 والفارسي، سعيدة: الشعر في عصر النباهنة ص٢٨٢. (17) عارض اللواح عينية أبي ذؤيب بقصيدة طالعها: (ديوانه ٢/169) حُزْنٌ يفورُ ومهجةٌ تتقطعُ وأسىً يجيش وعَبْرَةٌ تتربَّعُ كما عارض قصيدة المتنبي: (الواحدي: شرح ديوان المتنبي 216) بقائي شاء ليس هم ارتحالا وحسن الصبر زمُّوا لا الجمالا بقصيدة يصدّرها بقوله: (ديوانه ٢/219) أرى بدراً فصار به هلالاً نحيلاً بعدما نظر الكمالا (١٧ب) الحُسيني: الشعر في عُمان في عصر البوسعيديين ص249. (18) ابن رزيق: ديوانه ص٧٩، ١٠١. (19) السابق ص٩، ١٥، ٥١، 108، 128، وانظر أيضاً سلك الفريد ١/128، ٩٥١، 238، 243. حيث عارضه في ست قصائد بتسع قصائد. (٢٠) عارض البحتري في قصيدة واحدة مرتين. انظر ديوانه ص٨٤١، وسلك الفريد ٣/429. (٢١) عارض المتنبي في أربع قصائد. انظر سلك الفريد ١/350،370، ٢/350، ٣٥٥. (٢٢) عارض الشريف الرضي في كافيته الذائعة ثلاث مرّات. انظر ديوانه ص٥٧، 126، 130. (٢٣) ابن رزيق: سلك الفريد ١/٤٢٤. (٢٤) ابن رزيق: ديوانه ص٦٧. (٢٥) عارض ابنُ رزيق صفيّ الدين الحلي في ديوانه (درر النحور) بديوانين كاملين هما: جوهر التيجان وفصوص المرجان. (٢٦) التنوفي: ديوانه ص128. جاءت قصيدة البوصيري في مائة وثلاثة وستين بيتاً، بينما قلَّت معارضة التنوفي بيتين. (٢٧) ابن رزيق: ديوانه ص٦٧. (28) عارض ابن عرابة بردة البوصيري مرتين، انظر ديوانه ص241، 245. (٢٩) المحروقي: الشعر العُماني الحديث ص263، وللباحث وقفة دقيقة أمام مقصورتي ابن دريد والبهلاني نقاطَ تماسٍّ ومواطن تمايز. (٣٠) صقر: شعر أبي سرور ص١١٧ وما بعدها. (٣١) عارض ابنُ رزيق معلقةَ طرفة بن العبد التي يصدرها بقوله: لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمد تلوحُ كباقي الوَشْم في ظاهر اليد بقصيدتين متغايرتين بحراً، وصُدِّرتا بنية المعارَضة تصريحاً، يبدأ الأولى بقوله: (ديوانه ص٩٧-٩٩) بَرْقٌ تألَّق لا لبرقة ثهمد سَحَراً فحرَّمني لذيذَ المَرْقدِ وطالع الثانية: (ديوانه ص١٠١-102 ) دِمَنٌ لبارِقَ لا لبرقة ثهمد هَيَّجْنَ لي بالمَصْحِ نار تَوَقُّدِ كما عارض البحتريَّ في قصيدته التي طالعها: (ديوانه ١/٢٠٢) لنا أبداً بَثٌّ نعانيه في أرْوى وحَزْوَى وكم أدْنَتْكَ من لَوْعَةٍ حَزْوَى بقصيدتين تتسقان معها إيقاعاً (بحر الطويل) وغرضاً (المدح)، يقول في الأولى: (ديوانه ص148) وحَقِّ الهوى العذريِّ لم أرْوَ (أرْوى) غرامي إلى خِلٍّ خَصَصْتُكِ بالشكوى ويقول في الثانية: (سلك الفريد ٣/429) وميضُ بروقٍ أم فَمٌ لكِ يا أروى فجودي عسى ثغري بسائغه يُرْوَى (٣٢) عارض ابنُ رزيق الشريفَ الرَّضيَّ في غزليته الذائعة، التي يبدؤها بقوله: (ديوانه ٢/107) يا ظبيةَ البانِ تَرْعَى في خمائلهِ ليَهْنكِ اليومَ أنَّ القَلْبَ مَرْعاكِ بثلاث قصائد، ثنتان من بينها تتسقان معها إيقاعاً (بحراً وقافية)، وواحدة تخالفها بحراً، أما المضمون فالمعارضاتُ الثلاث تدور حول المدح بينما قصيدة الرضي جاءت خالصة للغزل. فقال في الأولى، وقد جاءت على تفعيلات بحر الكامل: (ديوانه ص٥٧-٥٨) مَنْ ذا بِفَتْكِ حشاشتي أفْتاكِ؟ فأطَعْتِهِ يا ظَبْيَةَ الأتراكِ وقال في الثانية: (ديوانه ص126-127)
| |||||