قادر بوبكري: حول زلازل التاريخ العربي اللغة ، الحضارة، غنائم الحرب والحب... وربــان سفينــة نـــوح الفــــلسفيّة

 

تقديم وحوار محمد المزديوي


اللقاء مع قادر بوبكري، الكاتب والشاعر الجزائري المقيم في باريس منذ فترة طويلة، ممتع جدا، كيف لا، وهو قد عايش لحظات هامة من التاريخ المغاربي والعربي والعالمي.. عايش الاستعمار الفرنسي الإجرامي للجزائر وواصل دراسته في جامعة القرويين التاريخية في مدينة فاس، ثم عاد إلى الجزائر مع انتصار الثورة التي دفعت مليونا ونصف مليون من الشهداء، ومارس التدريس إلى جانب الصحافة هناك.. لم يرتح كثيرا، يبدو أن جينة من جينات السفر واللاستقرار، أو لنقل بتعبير الشاعر البرتغالي الكبير فيرناندو بيسوا، جينة «اللاطمأنينة»، متجذرة فيه، ورثها من أسلافه الذين أنجبوا القائد الجزائري العظيم الأمير عبد القادر الجزائري.

هل هي مفارقة أن يحط بوبكري الرحال في بلد المُستَعْمِر بُعيد استقلال بلده؟ على كل حال، سيعيش بوبكري كثيرا من الأحداث التاريخية في فرنسا. عايش هزيمة العرب في حزيران عام 1967 في فرنسا، ورأى وقعها على الكثير من الفاعلين، كما أنه عايش انتفاضة 1968 الطلابية ثم العمالية التي أطاحت بالكثير من الأفكار والعقليات بل وبالجنرال دوغول نفسه. بوبكري، المسكون بهاجس التعلم والدراسة والتحصيل، ما كان له سوى أن يلتحق بجامعة فانسان (أو باريس الثامنة، كما تسمى الآن)، وهناك دَرَس ومارَس التدريس، تتلمذ على أيدي أساتذة مرموقين من قبيل شاتليه وشيرير ودولوز وغيرهم...

في جعبة قادر بوبكري الكثير من الأشياء يسردها من دون شبهة نسيان أو تردد... وفي هذا الحوار يمكننا كقراء أن نتعرف على أشياء وإشكاليات في غاية الطرافة والجدية، وخصوصا نظرته إلى أبي العلاء المعري والمتنبي ودولوز وآخرين...

يقضي أوقاته المنسابة، في رضى ومحبة وتلقائية، في الرسم، كدنا أن ننسى أنه رسام تشكيلي وأنه أهدى الرئيس شيراك لوحة سوف يراها الزوار قريبا عند افتتاح متحف شيراك، هي لوحة عن الشاعر العالمي المتنبي، ومن غيره؟ المتنبي على فرس في رحاب الجمهورية...كما أن بوبكري لا ينسى من حين لآخر، حين يتوقف عن القراءة أو الرسم، أن يقترب من شرفته التي تطل على برج إيفل ويمنح الرزّ لسرب من الحمام تعوّد على صداقته، «أبَكَتْ تلك الحمامة أم...»

  لا  ينتهي، بوبكري من سرد حكمه وتأملاته.... من قال «إنّ وِعاء المعرفة يَضيق بما فيه»؟

   نص الحوار:

٭ كيف جاءت باريس إلى ذاكرتك وكيف حططت الرحال فيها؟

_ المسألة لها علاقة وجودية، أي أنك تترك الوطن الذي جبلت فيه ونشأت، انها في الحقيقة حركة حيوية تحدد مسبقا مصير شخص، فإن اتخاذ قرار من هذا النوع هوعملية إصدار المرء حكما في حق ذاته، وكل ما سيتلو بعد ذلك هو عملية تنفيذ لذلك الحكم. المستوى هذا من اعتبار الأمور تنهم به الخاصة؛ وإن كانت تهمهم به العامة . لذلك في مسألة الجبر والاختبار أرى أن الإنسان- من غير التنازل لتلاعبية الألفاظ -هو: مسَخْيَر ؛أي مسير ومخير في آن. ليس ما أقوله هنا من جنس «الفتاوي» الفكروية، إنما هو معاينة استشفافية لهذا الابتزاز اليومي الذي يوعز لنا بأننا راحلون مهما كان البقاء. إذن هوذا تصوري الآن، لما أقدمت على إنجازه عندما عزمت على السفر إلى فرنسا. أنا أستعمل عمدا، «كلمة» سفر ولا أقصد رحلة ولا هجرة ولا شيئا آخر. أهمية ذلك في نظري هي اني -من خلال اجتياز (الشرط الأساسي للتجاوز) ما سمي في فقه اللغة العربية بالاجتراح والقلب والاشتقاق إلى آخره، وأضيف ،الى محاولة الإفصاح عن سلوكي لدى المجموعة الشمسية اللغوية ، اني أستعمل كل هذا وأقبله لكن مع اصراري(سيناً وصادً) على الأمنية السرية و الإرادة العلنية في تجاوز هذا الواقع اللغوي للتعلق بما هو فوق. فإن اللغة تخاطبنا دائما من وراء حجاب. إذن قلت بأن «السفر» وهو اللفظ الذي يتضمن (كل لفظ يتضمن ولا يضمن)، من ناحية: سفر، أي كتاب، ومن يسافر فإنما يكتب ويقرأ جديد وقديم حياته ووجوده، ومن باب الجمالية الشعرية-لكي نمسك، بتلابيب المخيلة، اقول أن «سفر»تكتنز، أيضا، مغزى-اشتقاق- «الفروسية»، أي «مغامرة» كما تَجَسٌدها المتنبي-نيتشه .

قراءاتي للكتب المترجمة وأنا طالب بجامعة القرويين مكنتني من امتلاك ذلك الشعور الحيوي العظيم، الذي هو الشعور بالنقص، في مجال أدوات المعرفة، وبالتحديد كان تطلعي إلى تعلم الفرنسية بالذات. هذه الفكرة العملية أو القرار العملي عاودني، سنة 1964-1965 وأنا في الجزائر العاصمة أشتغل كمذيع -منتج برامج ثقافية. ( لم يكن الدافع لخروجي من الجزائر اقتصاديا ولا حتى دافع اضطهاد سياسي على المستوى الشخصي المباشر) ثم صحفيا بجريدة الشعب سنة 1966، وهي السنة التي شهدت قدومي إلى فرنسا في شهر حزيران.

كانت الثورة واعدة ومن جهة ثانية كانت تحتاج إلى إطارات معربة، قضية وجود أولا. بعد تحقيق الإستقلال السياسي- الجغرافي للجزائر تركتها المرحلة الإستعمارية في حالة صحراء- اقتصاديا، إداريا، ومؤسساتيا.. فنحن كنا نحتاج إلى أطر معربة، كانت الأمية سائدة ، ولا علاقة لقولي بمقولات مؤداها تجاهل اللغات الوطنية الأخر ، انما الإلحاح هنا على العربية لكونها الجسر التاريخي مع انفسنا و الكون اي ان تشريف العربية(الذي تتقاسمه بانصاف مع الألسنة الوطنية الأخر) هو تشريف التكليف. وكان ثمة جانب عاطفي: شعرت بأني تخليت عن مستقبل ماض؛ للمضي في ..هل؟ «ال» مستقبل عندما هاجرت... بذاتي و..جاهرت بنفسي، من الجزائر، كنت واعيا بأني قمت بتضحية في سبيل اكتساب معرفة توجد خارج حدود الجزائر وقد أشرت إلى ذلك في قاصدة « تذاكير للجزائر» التي احضٌر حاليا لمشاركة بها مع نصوص اخر (مشاركة حرة بدعوة كريمة من صديق خارج اطار المدعوين الرسميين) في نشاطات «الجزائر عاصمة الثقافة العربية لسنة 2007»، إذْ أشرت إلى هذا: (عشنا الجزائر عرسا/ زٌوج فيه العز الأماني/شوارعها سطور كتاب/ حمراء حبر بيض معان/ أقسم الزمان يُسعدَنَا/ فكنّا قسَم الزمان/ حتى مَقاطعُه الحَزْنى وصلنا بها جذل الأغاني/ (...) زمان مٌر كالوسن/ مذ هاجرتُ تريك الوطن/أربعون عاما عند عدّ/ لو يجدي الأعمارَ عد الزمن(....) )اني استعملت لفظ «تريك» ولم أستخدم لفظ تارك أو مهاجر أو منفي لأن اللفظة تعبر عن هذه المأساة الجذلة التي تتضمن حزنا ومرحا متبادلين، بيني وبين وطني اذ كلانا ترك الآخر، وبالتالي أصبحنا تريكين وطبعا لهذا صلة بالتركة أي الذرية، وذلك أيضا يضيف إلى المغزى: أن هناك إرثا وهو التركة،هذا واني منزه نفسي عن دلالة اللفظ الكريه الذي تمثله عبارة «منفى»( وما أقرب ذلك إلى النفايات)...

٭  ها أنت «جزائري في باريس»

 _اسمح لي ان اقول اولا،وانا اليوم ،مع الوقت نفسه، مواطن فرنسي-انفتاحا،لا، انبطاحاً؛ أني احس بعد مضي كل هذا الزمن، اني «باريسي في جزائري» وليس مجرد جزائري في باريس؛ اقول هذا لبيان العلاقة الجـ«ذ»لية بيننا. وصلت إلى باريس(سنة 1966) يوم ذكرى نداء دوغول للمقاومة الفرنسية في ٨١ حزيران(من سنة 1940)، . وصلت إلى باريس بيقين بأنني مكلف من طرف نفسي بكل براءة بمهمة تسلّم وديعة ، عبارة عن كنز مشرق وجميل ومشع للجزائر والمنطقة العربية كلها. وما كان بخلدي أن أحتاج لإنجاز ذلك حتى إلى معرفة اللغة الفرنسية، وفعلا لم أكن أتكلمها. وتجدر الإشارة إلى ان الفترة التي شهدت وصولي إلى باريس تختلف عن الفترات اللاحقة والمعروفة الآن والتي أولتها كتابات عديدة بعض الأهمية، أقصد أن الهجرات ليست كتلة واحدة، تتضمن إشكالية واحدة للهجرة [ قصيدة: خرجنا عندما كان الخروج عسيرا،/خرجنا عندما كان الكون كبيرا].. وهنا تحضرني فكرة أن قضية «المنفى» التي تورم الآن استعمالها هي بادئ ذي بدء من آثار الفكر الاستعماري، الذي يحتقر المستعْمَر ويعتبره تاريخيا نفاية فينبغي لنا أن نعامل المصطلح هذا على أنه نفاية فعلا، وأنت لن تجد أبدا في عصر رفاعة الطهطاوي، بين أوساط المهاجرين في تحصيل العلم، أو وسط التجار في طلب الربح، أو وسط السياسيين المقموعين في أوطانهم: مثل الأفغاني ومحمد عبده، عبارة «منفى» بنفس الأداء التمساحي الدموع الجاري به «العمل» اليوم، فإما أن الحال تلك كان يسمى طلب علم أو اكتشاف أمم أو رحلات أو مقاومة استبداد... لماذا؟ لأن كل هذه الحالات كان أصحابها يضعون مسألة الإرادة فوق كل اعتبار، فالمنفي، في الأساس مسألة قانونية( سواء كان القانون ظالما أم عادلا) تتعلق بصدور حكم قانوني في حق شخص (مثلا، نفي عثمان لأبي ذر الغفاري...) بينا من عرفوا الآن في أوساط المثقفين العرب، منذ الستينات، بالمنفيين لم يصدر في شأنهم (اجمالا) حكم قانوني إنما استطاعوا الخروج طواعية (بحثا عن عالم أفضل)...أقول ، الآن وأنا في سنة ٧٠٠٢، أنني حينها كنت في حال ما أسميه ب : أناقة الحضارات، أي لا صراع حضارات ولا مجرد حوار حضارات، أي أن حق واجبنا هو، اليوم أكثر من الأمس، الوصول إلى مستوى استيعاب أن كل حضارة تقدم إلى غيرها أنقـى ما عندهـــا أناقـــة، وأنـا أترجـــم هنــا ما كتبته بالفرنسيـة وهـو le chic des civilisations مقاومــة

لـ: le choc des civilisations  (إني بصدد تطوير موقع إلكتروني يحمل هذا الاسم) .

٭ كيف ابتدأ لقاؤك مع الثقافة الفرنسية؟

 - تحضرني كلمة كاتب ياسين أن الجزائري الذي يتعلم اللغة الفرنسية قد استولى على «غنيمة حرب»، أما فيما يخصني، نظرا لاختلاف الظروف التاريخية فإني أعتبر ذلك غنيمة حرب من خير حرب (الراء). أتذكر أني حينما وصلت إلى مطار باريس، بجنوح، يكاد يكون ملائكيا، صدمتني أسئلة الجمركي حول هويتي، لأن سفر الجزائريين كان حرا. وكان منظر ملابس الموظف العسكري تذكرني على الفور  بأني آت من موقع إلى موقع آخر،  وحينها انتهت الفترة الملائكية في تلك اللحظة. فصار لي فجأة وجهٌ ورأيت وجهي أنا في عيني أنا. وأقصد هنا ذلك الوجه الذي يتحدث عنه الشاعر المتنبي «لكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان»... إذن لم أدخل الفضاء الفرنسي حدوديا إلا وأنا على علم بأني جزائري. الإشارة هنا إلى قضية هي أنه ليس ثمة مزايدة أو حتى حشر مسألة داخل  essentiment  تجاه آثار الاستعمار الفرنسي على الجزائريين.

 انطلاقا من هذا المفهوم الفعلي كان لقائي مع الثقافة الفرنسية. كان وصولي سنة 1966 وبعد هذا حدث زلزال حزيران 1967.

٭ كيف عشت، هذا الزلزال، وعايشته؟ وهل كان لديك وعي بالقضية الفلسطينية وأبعاد الصراع العربي الإسرائيلي؟

- طبعا.. أول وعي  فعلي لي بالقضية الفلسطينية أتذكر أني تجسدته في الصحراء الجزائرية كمدرس للغة العربية سنة 1963 لأطفال الإطارات الفرنسية في شركات النفط التي لم تكن مؤممة بعد. فقد عقد اجتماع لصالح الفلسطينيين بإشراف حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان متواجدا في جميع أنحاء الوطن الجزائري، وهناك بدأ وعيي بالقضية، حيث نظمت حملة تبرع شعبية لنصرة الشعب الفلسطيني، بحيث إني شاهدت نساء من كل الأعمار يجردن سواعدهن وأعناقهن من الذهب لصالح صندوق التبرع لفلسطين، وما كان لهذا إلا أن يؤثر عليّ بعمق. كان الأمر تضامنا مباشرا من دون وسائط خطابية أو إعلامية. وأتصور حازما وجازما أن زلزال حزيران في باريس امتصته تحت قدميّ هذه الصورة المشعة التي تحدثت عنها بحيث إني شعرت أني لست موضوع الزلزال وإنما طرفا مواجها له. بمعنى أنه لا تسقط سوى الجدران وليس الإنسان. ومن جهة الأثر المكتوب يوجد ذلك كله في مجلة «آفاق عربية» الجزائرية الصادرة في باريس منذ سنة ١٩٦٩ حتى سنة 1987(من المقرر أن أصدر كل مواضيعي المنشورة في تلك الفترة في كتاب بعنوان: قوادم - تفاعل القديم مع القادم-).

٭ اسمح لي أن أخلخل الأمر قليلا، فأسألك: كيف تعاملت مع ثورة 1968 التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟

- سنة 1968 كانت الزلزال الثاني وكانت بالنسبة لي حالة قدسية فعلا، بمغزى أنها مكنتني من الشعور بكونية الإنسان وحالة غفران كامل للصفحات الاستعمارية من التاريخ العربي عبر الجزائر، بحيث إن الحل الذي كنت، كغيري، أبحث عنه، بدا لي أنه لا يمكن أن يكون إلا كونيا، كما أن الشمس لا يمكنها أن تسطع في بيتي وحده. وقد صاحب ذلك خبر وفاة ذلك المناضل الشريف الذي هو تشي غيفارا (هذه السنة تصادف الذكرى الأربعين لرحيله، حزيران ٦٧/حزيران 2007).. ويعلم المطلعون على التاريخ العربي عبر الستينات أنه كان مناصرا للقضايا العربية العادلة. ويغمز لنا التاريخ الآن سنة 2007، بأنّ أحد أهم الحلفاء التاريخيين للقضايا العربية العادلة هم هؤلاء المناضلون الشرفاء  في أمريكا اللاتينية الذين لا يمارسون أي ابتزاز بشأن هذا التضامن، فهم لا يريدون الاستيلاء على الماديات العربية ولا يطالبونهم بالتخلي عن روحانيتهم.   

في تلك الفترة كنتُ أسكن بيتا فسيحا جدا اسمه «الشارع». وبذلك إذا صح التعبير كانت حياتي مفتوحة على مصراعيها أمام التاريخ. كنت أرى هذه الثورة الشبابية على أنها مكافأة لكل النضالات السابقة للإنسانية جمعاء، وأقصد هنا ليس مفاهيم العامة، أي لا أقصد «الإنسانية المفرطة الإنسانية»، بتعبير نيتشه، وإنما الإنسانية التي يصفها ماركس المعادي للستالينية والسوفييتية وخاصة في حجمهما اللينيني إذ يقول ماركس إن الإنسانية هي تلك التي، (بتعبير هيغل) «تتحمل جهد التصور»، أي بتعبير ماركس نفسه «تخرج من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية». من المشاهد التي بقيت في ذاكرتي تجمعات طلاب العرب في ساحة السوربون حيث كانت تتكون تقريبا طوال النهار حلقات لتبادل النقاشات والحوارات المكونة من جميع الفئات الاجتماعية الباريسية، وتناقش كل المواضيع بكل سمع ودون أيّ قمع. في هذا المشهد كان لقائي مع «كوهن بنديت»، وكان قائد النخبة الطلابية المنتخبة نقابيا من طرف جامعة نانتير بالضاحية الباريسية التي أطلقت عملية الإضراب الطلابي أولا ثم إعلان التمرد السياسي الذي انتشر إلى الطبقة العمالية الفرنسية فيما بعد. أتذكر أن ذلك كان بعد طرده من فرنسا (لأنه كان يحمل الجنسية الألمانية)، بحيث عاد بطريقة سريّة إلى باريس، وجاء مباشرة إلى السوربون وفوجئنا بحضوره بيننا في إحدى تلك الحلقات الجدالية. وقد توقفت عند هذا المشهد فقط لأستخلص تبادل عبارات بيني وبينه لعل لها دلالة وهي أنني سألته: ما موقفك من الصراع العربي الإسرائيلي؟ فقال لي حرفيا، أتذكر ذلك، «إني أخشى على أمني الشخصي إذا زرت إسرائيل أكثر مما أخشى وأنا أعود إلى فرنسا بطريقة غير شرعية...». عند ذلك توقف نقاشي معه إذ عرفت، آنذاك، أنه يصف إسرائيل بأنها ديكتاتورية خطيرة بالنسبة لأي حركة ثورية».

كان إذن زلزال 1968 أي الزلزال الثاني، جسرا في ذهن جيل كامل، أقصد الجيل العربي الذي كان يعيش في أوروبا الغربية متأثرا أيضا بأصداء سنة 1968 في أمريكا الشمالية، حيث نشأت أقوى حركة ثقافية بامتداداتها في عالم الموسيقى والسينما وتحريرها لطاقات الأفروأمريكيين الذين شرفوا تاريخ أجدادهم عن طريق انتفاضات المناضل «مالكولم إكس» ثم حركة «الفهود السود» (الذين التجأوا فيما بعد إلى الجزائر، وناصرهم ذلك المفكر العملاق الذي أنا شخصيا أسميه صديق الصداقة، أي المفكر «أي جان جونيه»، الذي أتصور أن الفلسطينيين سيفردون له شارعا باسمه حين إعلان دولتهم المستقلة، فعليا). كان جسرا بين المقاومة العربية في سبيل الحرية التي أعطاها جمال عبد الناصر  حجما فرعونيا وبين مؤتمر باندونج.

٭ كيف تقرأ انتقادات المرشح اليميني  ساركوزي، الذي أصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية، لإرث 1968، وهو يرتكز على كتابات «ليك فيري» و«غلوكسمان»؟

- لعل ما قلّ ودلّ في هذا المضمار هو تصوري أن نيتشه يتكلم الآن باسم الجمهورية الفرنسية إذ يقول: « ينبغي أن تكون بحرا شاسعا (المحيط) لكي تستوعب نهرا قذرا.». إن نتائج الانتخابات الفرنسية قدمت مغزى، تاريخيا، بحق إذ تقدمت لأول مرة في هذا التاريخ الفرنسي المليء بالعنف والمقاومة والذي تجرأ غير ما مرة على السطو، «ما فوق خير وشر»، والقصد هنا، طبعا، هو ما حققته البشرية في هذه البقعة الجغرافية لصالح الإنسانية ولو بثمن الموت. ذلك أن هذا التاريخ في بداية القرن الـ٢١ مكّن امرأة من التقدم إلى كرسي القيصر الروماني بكل ملكة جأش في مواجهة متبقيات ما سلف من رث التاريخ: «رجل وارث الرث»، وأقصد به نيكولا ساركوزي، الذي نجح الآن في أن يكون «صحيح الإمامة في الباطل»(بتعبير المتنبي). فإنّ الموظف الإداري هذا لم يتقدم قيد أنملة بالتاريخ الإنساني في جغرافية فرنسا، أو بتعبير الشاعر السوريالي الكبير هنري ميشو: « هذا عندنا منه بعد، الكثير».

إن ارتكاز ساركوزي على السطحلوجيا الموسوعية التي يتزين بها إعلاميا المفكر والوزير سابقا «ليك فيري» والمفكر «غلوكسمان» هو ما يذكرنا بمقولة تولستوي، من خلال إحدى شخصياته الروائية: « إنه يصب اللاشيء في الفراغ».

٭ لكن انتقاد وتهجم ساركوزي على إرث ٦٨ يحيله إلى انتمائه لتراث دوغول؟

- إني من خلال مساهمتي في إبداع فلسفة الفردانية من الذين يقدرون حضور دوغول في تاريخ هذا الكوكب، وقد أُخِذَ أحيانا عليّ تثميني لشخصيات تبدو متناقضة، من الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي مرورا بجمال عبد الناصر في المشرق العربي والهواري بومدين في المغرب العربي، فقد رأى البعض أن جزائريا لا يمكن أن يُثمّن شخصية دوغول الذي كان في وقت ما قائدا لفرنسا الاستعمار، فكثير من العرب (العرب، ثقافة لا عِرْقا)، يجهلون حتى الآن الدلالة العملية لوطنية دوغول تجاه فرنسا وأكثر من هذا فرنسيو الآن الذين يجهلون ذلك جهلا مبينا. ولا أقول على رأسهم، نيكولا ساركوزي، وأقول هذا بخصوصية أني مواطن فرنسي.    

٭ دعنا نتحدث عن فترة دراستك ثم ممارستك للتدريس والالتقاء بجيل دولوز ورعيله والكثير من المفكرين في جامعة فانسان...

 - سنة ١٩٦٩ تم تأسيس جامعة فانسان نتيجة لثورة 1968 بتكليف من الجنرال دوغول لوزير التربية والتعليم إدغار فور، محاولة لاستيعاب التمرد الطلابي في فرنسا والتوارد اللامسبوق لطلبة العالم الثالث إلى الجامعات الفرنسية كنتيجة تلقائية لتبعات العهد الاستعماري. فكان إني (أقول: إني) التحقت بهذه الجامعة سنة 1970 وما كان متيسرا لي إلا القسم العربي لاجتياز امتحان الدخول، ذلك أن لغتي الفرنسية كانت في مستوى الشمولية اليومانية البعيدة المدى وما كانت محددة (بمعنى صياغة الحدادة النحتية) سوى بإرادة التحدي وبما أسميه الآن، وقد اشتعل الرأس مني شبابا، بـ«إرادة التوترات». تعرفت خلال الفترة تلك على شخصيات جامعية منها التونسي المرحوم أحمد حمروني والجزائري المرحوم جمال الدين بن الشيخ والجزائري محمد أركون، وقد مارست التدريس في نفس الجامعة معهم (اللغة العربية للطلبة الفرانكوفونيين). إبان الفترة تلك كان اللقاء الجميل مع المفكر والمقاوم محمود أمين العالم الذي تناوبت معه رؤوسا وتناولت كؤوسا وكان يسميني فريديريك (إشارة إلى نيتشه، ذلك أنه كان يطلع على مقالاتي في مجلة آفاق عربية التي نشرت على صفحاتها ما أظن أنه أول عمل من نوعه، وأقول أظن لأن بعض الظن إثم، وهو المقاربة ما بين نيتشه وماركس)، أتصور الآن أن محمود أمين العالم كان يناديني تقديرا لفريديريك نيتشه، استقلالية لديه عن ذلك السم المسموم الذي كان هو التبعية للشيوعية السوفييتية فما كان همه إلاّ مشاركة الإنسان العربي في الاحتفال الدولي بمستقبل الجميع لصالح الجميع بالتعاون مع الجميع لصالح الفرد المتضامن مع جميع الأفراد، وكم قدرت في شخصه كل المناضلين الذين لم يُطِلّوا من وراء شرفة التاريخ على هذا الفردوس غير المفقود الذي أسميه استقبال الآن-أنا. كان أول لقاء لي بالفيلسوف جون ليوتار مخيّبا للأمل في حوار حول مشروع كان لي (دكتوراه دولة)، بحيث صدمني جوابه: «لا أستطيع أن أعطيك ما تطلبه مني! ، وكنت طلبت منه قبول الإشراف على أطروحتي ماركس-نيتشه.» نفس الطلب قدمته لفرانسوا شاتليه، وهو ذو اتجاه ماركسياني وصديق دولوز الحميم، فقال لي: «إنك ستُفيدنا (الجامعة الفرنسية) إذا قدمت لنا أحد أعلام العرب لكي نستفيد منهم، لا أن تقدم لنا موضوعا فلسفيا أوروبيا معروفا لدينا.» وكان ردي حينها، بعد هضم خيبة الأمل: «إني سأقترح مفكرا عربيا»، وكان بعد ذلك أني قدمت المفكر العربي في أطروحتي وهو «فلسفة أبي العلاء المعري ضد المجتمع الإسلامي»، وكان حرصي وقتها أن أبين أن الموضوع هو مفكر حرّ ضد العامة في الإسلام، أي (المجتمع) وليس الإسلام كما هو تاريخيا وجوهريا، حتى لا أساهم في ضوضاء جمهرة الصارخين ضد الشعوب الإسلامية لصالح الحركة الاستعمارية الإمبريالية وقتها التي كانت ترتدي حتى أقنعة محاربة الإستعمار في الغرب التوسعي. نتيجة لهذا الاتفاق، وباعتبار أن فرانسوا شاتليه كان هو المسير الإداري لقسم الفلسفة بالجامعة، كان لا بد من حكم ثانٍ للإشراف على الأطروحة وهو في ما يخصني الفيلسوف «روني شيرير»، وهو عالم من ملائكة الحرية في فرنسا صادف (من الصدَف) أنه مُصاب-مصيب السمع وموضوعي حول المعري هو: مصاب-مصيب البصَر. والفيلسوف روني شرير كان متواضعا دائما حتى مع أبلد تلاميذه (وأتصور أن لسان حاله يقول: لنكن متواضعين حتى مع البلداء إنذارا لمن يظن أنه من الأذكياء). من خاصيات العهد الجامعي هذا الذي كان نجيب ثورة 1968 أنّ الفيلسوف روني شيرير طوّقني بما شعرت وقتها أنه حِمْل وزنه «الخفّة» النيتشية إذ قال لي يوم مناقشتي لأطروحتي: «إجلس في مكان الأستاذ وأنا أجلس في مكان التلميذ لأنك أدرى بموضوعك مني لأني لا أحسن اللغة العربية وإني لمستمع»، وفعلا جلس هذا المعلّم الجليل في مكان المستمع وجلست أنا في مكان المتكلم. وهنا شعرتُ ولا إخال أني الوحيد الذي شعرت وقتها، إذ القضية قضية جيل، أن سنة 1977 ما هي إلا ذلك الجسر لسنة 1968 بحيث أن الأمور ليست عملية التخلي عن المراتبية في إصدار التعاليم واتباعها حفظا لسلامة العيش المشترك اجتماعيا كما ادعى أحد قزمة عظمة الجمهورية الفرنسية في وقتنا هذا. إنما هي ثمن تضحيات ما لا يعد ولا يحصى من الفردانيات المجهولة والمجعولة من بني الإنسان الذين هم كلهم ورثة عظمة بعضهم البعض على وجه هذه الأرض، وعندها كما قد يقول ابن عربي: «لا لهو فيها ولا صغار.»

٭ بالفعل تفاجأتُ من كونك وأنت القادم من تعليم جامعي قروي (نسبة إلى جامعة القرويين العظيمة) من كونك حضرت أطروحة حول الفلسفة وأيضا، وهنا مكمن الاندهاش، اعتبارك المعري (موضوع أطروحتك) فيلسوفا؟ وأضيف وماذا عن وجود فيلسوف كبير في جامعة  فانسان في شخص دولوز؟

- نحن كتلامذة للتاريخ شعرنا بأقدامنا الحافية أننا نلامس بأرجلنا جلد الأرض، ولذاك نحن ورثة ليس ما يقال الآن عنا من طرف الطغاة أننا ورثة خرافات أو أساطير، إنما نحن أبناء الأرض وأجداد السماء، أي بعبارة أقرب، نحن مسؤولون أولا عن حرية الحقّ، (لنقل بعبارة مقربة أنه عندما كان العالم ينقسم إلى شقين، ذلك العالم المصنع الذي له وسائل الفعل وعالم نحن ننتمي إليه يفترض فيه أنه ليس لديه أدوات فعل ومن ثم ليست له فعالية)، توجَّبَ علينا قول ما نحن؟ وإذنِ، هل المعري فيلسوف؟ خلال الجلسة لمناقشة الأطروحة حضر، كما قد تتصور أنت محمد المزديوي، لأنك من ورثة هذه الكنوز، جيلٌ من طلائع المغرب العربي كلهم -كثرتهم في قلتهم- متعطشون إلى شراب العلم لا إلى سرابه، فكنّا أُلفة بداهة بيننا ما كانت كُلفة مفتوحة أواصر النقاش بكل حرية آخر المشاركين فيها المعلم روني شيرير. أقصد بهذا تأكيد قوله: «إنك صاحب الموضوع، وأنا أستمع» وعندما قال لي هذا تأكدت أنه فعلا يستمع. فكان عليّ أن أراقب نفسي عند النقاش بأشد مما لو كان هو المشرف على النقاش مباشرة. وأتذكر بالمناسبة هذه، وأنا جالس في «مكان المعلم المشرف» كنت واضعا أمامي كأسا لم يكن ملؤها الماء. فتجهزّتُ بعد هذا النقاش الذي أُجِزْتُ به في موضوعي حول «فلسفة المعري ضد المجتمع الإسلامي» بالجائزة التي حصلت عليها جامعيا وأعطيتها من لدنّي عنوان حرية التفكير. فهل بعد هذا يمكن أن يكون هناك جدوى لسؤال هل المعري فيلسوف أم غير فيلسوف؟ إذا توجب عليّ الإجابة على السؤال الذي طرحته أنا نفسي، أقول: أجل إن المعري فيلسوف بمعنى أن الفلسفة هي حرية التفكير فكان من باب استكمال الإجابة قولنا هلْ كما نشر حول المعري جامعيّا أن (مجرّد) وجود حكمة لدى مفكّر يكفي أن يكون فيلسوفا، الجواب هو: إنّ مفهوم، ولو أردنا التدقيق، ما هو الفلسفة، نقول إن الفلسفة كغيرها من شموليات المعرفة البشرية لا يمكن فهم فحواها إلا بشروط آنية كينونتها، أي بالزمن الذي فيه نشأت والشروط الفعلية التي وجدت فيها أو معها. وها قد انبغى استحضار مقولة أبي العلاء المعري « لكل زمان أسرة»(فيما يخص شرطية الفلسفة)، وقوله «زمان يخاطب أبناءه جهارا/وقد جهلوا ما عنى/يبدل باليسر أحزانه/وتهدم أحداثه ما بنى» (وهذا بصدد جدلية التاريخ). فإذن أخلص إلى القول إن المعري فيلسوف وليس مجرد ساجع نافع في زمنه وحدود لغته ومعرفة قومه. وللإشارة لجانب من الفولكلور الذي أراد الاستعمار أن يقنعنا به، ليس المعري مجرد حكيم عشيرة من بين العشائر العربية التي لا تحصى أمام جبروت الشموخ العالي المرمري الذي نقش على رخامه العنوان الآتي: «هنا مركز الفلسفة العالمية اليونانية الرومانية» وبالتالي يكون ما عدا ذلك من باب (المتكلمين) و(المبشرين)، لتجاوز المقعد هذا خارج أكاديمية (الفلسفة) توجب علينا أن نواجه المقولة الاستعمارية أي نقصد، بالاستعمارية كل حركة مسلحة ضد الإنسانية، التي مفادها أنّ الحضارة العربية في مجال الفلسفة ليست سوى حركة (يحمل أسفارا)، أي أن العضلاتية العربية كانت قصوى جهودها في استطاعة إيصال حمل الفلسفة اليونانية الرومانية إلى بيت القصيد، الذي يسمى في زماننا: الحضارة الغربية، وتواطؤا مع الحركات (المصرفية) سمّي بالحضارة اليهودية-المسيحية.          

٭ من خلال تواجدك في جامعة فانسان، في هذه اللحظة من الزمن، بمغزاها التاريخي والروحي والنفسي والعاطفي، كان من الضروري أن تلتقي بجيل دولوز.. فهلاّ حدثتنا عنه ومنحتنا بعضا من قبساته.

 - دولوز كان تواجدي في حضرته مثل ما قد  يقال عن تواجد تلميذ في حضرة أرسطو أو أفلاطون أوهرقلطس، فضلا عن الجليل العظيم صيناك، باعتباره لاتينيا نشأ في ما سيعرف بالأندلس لاحقا، وإسبانيا قديما، وقد تتخالط الأزمنة والأمكنة. لماذا استعمال هذه اللفظة (الخلط) لأن لها هذا الدور النشيط الذي له علاقة بمفهومنا للعالم الآن، تتخالط أي تتخالص، أي أن حوار الحضارات هو في الحقيقة تخالص الحضارات أي تلخيص، كل شعب يلخص تاريخه من دون أن يتخلص منه ويكون مخلصا له. (ذلك أن العربية لا تحتقر لفظ الخلط والاختلاط لأن هذا بالنسبة لها أمرٌ إيجابي، أما المعنى السلبي فهو، باللغة العربية، الغلت، ومنه الفعل الغلتُ الذي ضخم مفهومه إلى الغلط، أي انقلاب التاء إلى طاء). ذلك أن دولوز بالنسبة لمسار الفلسفة كلها  هو من أقارب صيناك، أولا أن صيناك كان من الذين لا يتوقفون عند التفوق ولا يتفقون مع التوقف، وهذا كله ليس اتجاه ما سماه أندري بروتون « إن الإبداع لا يكون على فراغ»، وإنما كان صيناك من الذين يتفرغون للإبداع بثمن المصير المطلق بحيث أنه  أصدر حكم أن ينتهي إلى قراره شخصيا بالانتهاء، وهو مايسمى بالعامية بالانتحار، عندما علم أن الطاغية الروماني أراد قتله، فكان إذن على صورة حياته، حياة إرادية ونهاية إرادية. (إذن انتهى دولوز إلى أن يجعل لنفسه نهاية إرادية، وهو الأمر الذي أفلت من بين يدي نيتشه) مسألة أيضا محل سرور وجذل لدى نيتشه، إذ لم يستطع أن يكون ناهي حياته، بعيدا جدا عن تفاهة الانتحار، ومعلوم أن نيتشه كان- بما أنه ضد الأخلاق- يسمي الانتحار على أنه «الانتقام من النفس». إني - ليكن حديثنا في أجواء دولوز نفسه- لا أقول (أسأل) ذلك أن دولوز كان يقول: لا أسأل، إني أتساءلُ، وكان يقول إني لا أُجيب، إنّي لا أتجاوب، إني لا أستجيب، إني لا... نَجيب، يجب أن نُفهّم هذا الأمر: نفيا لما أنتج حتى الآن لترجمة دولوز وفوكو وما يقاربهما إلى اللسان العربي، توجّب علينا أن نقول ما يلي: ليس الإيفاء بالمصادفات أو المعادلات اللسانية اتفاقا مع التعادلات اللغوية (الثقافية) بالأمر الفاعل عند إرادة الانهمام حُريّةً، هل معلم، مثل جيل دولوز، لمجرد أنه كان شيخا متواضعا يكفي لكي نعتقد أنه قد أصدر لنا فتوى عدم بذل ما سميناه آنفا، عند هيغل، بـ«لزومية- المعري» جهد التصور. إن دولوز أول فيلسوف وريث لعظمة الفلسفة الإغريقية التي تحملت (صدام الحضارات) قبل أن تتطفل عليه البلادات السياسوية لكي تبيع وتشتري، فإن هذا الوفاء الذي مثله دولوز ورفاقه هو إرثٌ قدسيّ بالمعنى الجمالي الشعري لا بالمعنى التحريمي، تحمله سابقا ولاحقا، كلّ الأصفياء (بمعنى إخوان الصفا والمعري). لماذا الحديث عن المعري وإخوان الصفا بصدد دولوز؟ ذلك أنّه في عُرْف القوة الرمزية للتاريخ يكون فولتير من سكان طنجة، صيناك من سكان كندا والمأمون من سكان باريس والوجوه التاريخية كلها التي تمثل عبقرية شعوبها تسكن كل شبر من هذه الأرض. بالصدد هذا، شيخي فرانسوا شاتلي الذي هو معروف بأنه مؤرخ الفلسفة قال لي عندما فاتحته في موضوع أطروحتي حول المعري - من بين أمور أخر- ما يلي: ما قيمة وصول الإنسان إلى القمر ما دام لم يحقق العدل على الأرض؟ هذا وقد سألتني عن بعض قبسات جيل دولوز، إنّ من أهمّ ما مسّ حركيتي الفكرية عند حضور مجلس دولوز أنه كان لا يخلط بين خطابه كمعلم وبين ما يجب أن ينتج عن خطابه، أي كان له كوكبية خاصة يدور في فلك نفسه كأنه مستقل عن كل المجموعة الشمسية الفلكية، وفي ذات الوقت ينظر إلى كل حاضر أمامه على أنه كوكب أو مجموعة شمسية بكاملها، كأنه لا ينتظر شيئا، وفي نفس الوقت إنه حتماً يعطي شيئا، بل أشياء. لماذا؟ لأنه كان لا يريد أن يعطي نفس الشيء لكل الأشخاص، إنما لكل شخص شيء شخصي. أي على عكس هذا الصغير الذي اسمه فرويد كان دولوز يقول لكل شخص: أنت كبير بنفسك وغير متهم بشيء لأن حياتك تعني أمورا أمضى من المستقبل. بعبارة أوضح: كلُّ شيء في حضرة دولوز كان يتنفس الحرية.

٭ بخصوص جيل دولوز هل لك أن  تحدّثنا عن مفهومه وفهمه للفلسفة؟

 - دولوز، الآن، في الفلسفة الفرنسية هو شخص مُحارَبٌ، ذلك أنه: فيلسوف، وتم طمسه لأنه بالفعل وفيّ أي مسؤول عن تراث الثورة الفرنسية، كما أن دوغول، آخر أكبر المقاومين الفرنسيين لصالح فرنسا، نفسها، وامتداداتها الكونية عبر الثورة الفرنسية 1789، حُورِب لأنه امتداد سياسي لهذه الثورة. إذن هناك تجميد لكل ما هو حي ودينامي في وجود الشعب الفرنسي. دولوز، ليس شخصا سقط من العدم إنما له (أمام ووراء-المعري)، بل إنه خير الوارثين لهذه القيم التي لا تدين للأخلاق ولا تتاجر مع الأيديولوجيا وإنما تقف وحدها في مفازة التحدي لخلق وإبداع المستحيل. من بين تلك الأمور التي أمام شيخ جليل في العصر تتنسم عطرها توصلت بقوله «كل مهمة الفلسفة هي إبداع  الـconcept، لا أقول المفاهيم ولا التصورات، إنما أترجمه إلى العربية هكذا: المِدْرَك، ذلك أن الميم باعتباره الإشارة إلى الموضع توجب أن يكون هنا هو اسم آلة لا اسم مكان، أي اسم الآلة في علم الطبّ، مثلا «المبضع» فجعلت المِدْرك عديل المِبضع« فإنك إذ تستعمل الآلة على منوال مِبْضع تكون دوماً وأبديا مسؤولا عن الفعل بآلة، وليس آلة فعل. يتباهى العديد من مترجمي دولوز إلى العربية بأنهم وصلوا إلى سدرة منتهى الفلسفة لدى الشيخ دولوز غير أن فحوى (وفحوى تعني الفاء السببية ثم الاحتواء) فلسفة دولوز يكمن في التدقيق لا في التحقيق. ما معنى هذا؟ هل هو الانسياق إلى لذة السجع، أو «لغة البجع-المعري»؟ الجواب هو لا.. إن فلسفة دولوز هي في التدقيق، ليس ما فوق الطبيعة أو ما تحت الطبيعة أو ما خلال الطبيعة أو الطبيعة نفسها، إنما تلك (الشروطية الإنسانية) بمعنى أنّ الفرد الذي تجسّد بعد انتصار الثورة الفرنسية التي هي آخر أي المستجدّ التاريخي للإنسان وفي الوقت ذاته الوريث المُزامن أي المدين لكل الحضارات السابقة أي أنه ليس لا أعلى ولا أولى على الحضارات تلك، هذا الفرد هو الوعد البدئي، وهو ما أسميه أنا بالنيتشاركسية، أي العلاقة الجذليّة (بالدّال المُعْجمة) بين نيتشه وماركس، هذا الفرد هو الملتزم بما لا يلزم. واختصارا، لقولة أبي العلاء المعري(لم يُفْهَم حتى الآن مصداقا لقوله «أُولو الفضل في أوطانهم غرباء»). الفرد الذي أشار إليه دولوز في رأيي هو الذي يتضمن في ذات النفس شوبنهاور وهيغل وماركس ونيتشه، ليس كمحنَّطين في متحف التاريخ ولكن كأحرار أمام حرية العالَم. لكن ما هي الهدية التي يقدمها دولوز للعالم حينما يقول «الفلسفة هي خلق المفاهيم»؟ الهدية هي تَبادُعُ المِبْدَع، كقولك (المِبْضع في علم الطبّ).

 إن أهمّ أمر تجديدي في مجال الفلسفة الذي سمعته من الشيخ جيل دولوز هو أنه قال إن أحسم ما يُواجهنا في مجال الانهمام الفلسفي هو استعمال أداة ( (comme) أي «كما». أي أن من فهم إشكالية أداة التشبيه هذه كجسر بين المعنى واللامعنى وبين المحدَّد والممتدّ يكون هو ربان سفينة نوح الفلسفية، لا مجرد أحد ركابها.

٭ يبدو لي وأنا متتبع متواضع للكثير من التجارب أن دولوز كان له دور ما في مساهماتك في تجربة «الرغبة الإباحية» و«فراديس» وغيرها...هل لك عن تحدثنا عن هذا الوعي الدولوزي؟؟

 - في مجال الفلسفة، إذ الأمر ليس هو إضافة شيء إلى الفلسفة الغربية، كما نصحني شيخي فرانسوا شاتليه إذ قال لي المهم هو أن تصرف وقتك في إغناء الغرب بحضارة الشرق لا أن تحاول تقليد الغرب لإيصاله إلى الشرق، وكانت لحظة وَجَل عندي وشعور بالتقصير سرعان ما/ بفضل شيخي/ ارتفعت إلى مستوى إرادة التحقيق. وإني معترف بالجميل له أبد الآبدين. كان بعد ذلك أنّ المرحلة الدوغولية السياسية في فرنسا انتهت وبدأت المرحلة الميترانية (فرانسوا ميتران)، أي بداية الانحطاط في مجال الثقافة التاريخية الفرنسية، إذ أن ميتران لم يفعل غير التصرف بالـ(الشفقة) على العرب عندما ضمن خروج المقاوم ياسر عرفات سالما من بيروت. كثيرون هم العرب الذين صدّقوا أن ميتران وقتها ساند عدالة القضية العربية، إنما كان ذلك شفقة، أي وصاية، أي وصاية المعتدي الجبان على المعتدى عليه الشجاع، بما في ذلك أن الشعب اليهودي الذي لا يهمه لا ميتران ولا الدولة الأمريكية ولا غير ذلك، والذي هو أخونا في المطالبة بالأمن والحرية والسلام، الذي هو من مقومات العروبة والإسلام، الذي لا يظلم ولا يُظْلم، مصيره ومآله هو العيش في سلام في منطقة لا مجال فيها للسيطرة ولا للاحتقار.

أشرت إلى هذا الجو السياسي لأنه، إلى جانب زلزال حزيران، وزلزال 1968 كان يشكل الخلفية الثقافية التي ارتسمت عليها هامات مجموعة من المثقفين العرب الذين قدموا إلى باريس، ناهيك عن الذين خرجوا من الحرب الأهلية في لبنان. من بين المنشورات التي نتجت عن هذه الأجواء مجموعة من العناوين من بينها مجلة «النقطة» ومجلة «الرغبة الإباحية» ومجلة «فراديس». كنتُ من مجموعة غير ثابتة في هيئة التحرير باستثناء شخصين هما أنا والجنابي إلى حد أني كنت أسكن في غرفة فوق بيته. وإلى جانب هذه الحركة وفي الجهة المعاكسة للجنابي بالذات أتذكر منشورات نقدية كان يصدرها الدكتور والكاتب المعروف خليل النعيمي، ومنها مجلة (طائرة) دائما بعنوان: «أهواء». وفي هذه الفترة نشرت النص الذي أعتز به كثيرا  وهو «مجال العربية وجمالها» وكان عنوانه الفرعي «عود العربية الأبدي» إلى جانب ترجمتي لنص أساسي في ميدان الشعر من تأليف أندريه بروتون وصديقه شوستر بعنوان «صناعة الشعر» l'art poétique إضافة إلى نص ضد العامة بعنوان «العامقراطية» وطبعا ترجمات لنصوص فريديرك نتيشه.

٭ ونحن ننهي حوارنا نودّ سؤالك عن مؤلفاتك ونشاطاتك وجديدك؟

مشروعي المركزي الذي أهتم به الآن وأريد الانتهاء منه هو بحثي عن «تدا/جيل فرويد» باللغة الفرنسية بعنوان «العلم الحزين» Triste science والعنوان الفرعي هو «التخلص من علم النفس»، يوازيه باللغة العربية في شكل مسرحية على منوال رسالة الغفران بعنوان «المحكمة العليا لمحاكمة تدا/جيل فرويد» (أعضاء المحكمة من الزمن القديم صيناك، من القرون الوسطى المتنبي والمعري، ومن قمة عصر الفلسفة الذي لم يشرق بعده عهد وهو القرن التاسع عشر: هيغل وماركس ونيتشه). لي مخطوط يهتم أولا باستقبال نيتشه في الفكر العربي وهو ما سميته بضيافة نيتشه لدى الخيمة العربية النجومية ويحتوي كذلك على ترجمات لعدد من القصائد المنتقاة فلسفيا لينتشه غير منشورة في العربية لحد الآن، مع ملخص نقدي لفلسفته وحياته. كما أن لي مجموعتان شعريتان بالعربية «إرادة التوترات» تفضل بنشر مختارات منه الصديق الشاعر خالد المعالي في مجلته «عيون» الصادرة في ألمانيا، وبالفرنسية مجموعة شعرية (ليست ترجمة عن الأولى): Pré-tensions (تفضل الصديق الشاعر والروائي صموئيل شمعون بنشر ترجمة بعض مقاطعها إلى الإنجليزية في مجلته بانيبال الصادرة في لندن، وكانت الترجمة من إنجاز الشاعر الإنجليزي «كيركب».  إلى جانب هذا لي اهتمام بمجال الفن التشكيلي وقد تبقى لي حاليا، من مجموع ما ينيف عن أربعين لوحة، ومن بينها -بصدد الانتهاء قريبا- لوحة عن المتنبي وجها وفلسفة. ولوحة ثانية عن الذاكرة. كما تجدر الإشارة إلى أن إحدى لوحاتي المستوحاة من فلسفة المتنبي ستعرض قريبا في المتحف الشخصي للرئيس المنتهية ولايته جاك شيراك، وهي لوحة مستوحاة مباشرة من قول المتنبي «هَوِّنْ على بصرٍ ما شقَّ منظرُهُ/فإنما يَقَظَاتُ العين كالحُلُم». وقد ترجم هذا البيت إلى الفرنسية مع اللوحة المهداة. وأحببتُ في هذا الصدد أن يدخل المتنبي على صهوة جواده إلى قصر الإليزيه، وبالنظر إلى الجواب الذي توصلت به أستطيع القول بأنه استقبل بحفاو


تصميم الحاسب الشامل