|
|||||
|
ليسمح لي القارئ أن أقص عليه رحلتي مع الكاتبة الروائية سميحة خريس : منذ اكثر من سنة وأنا أتحين الفرصة للتفرغ لقراءة أعمال سميحة خريس ؛ هذه الاردنية التي تحفر اسمها بالذاكرة الثقافية الاردنية ببراعة واقتدار ، حتى وقعت عيناي على المجموعة القصصية : ( اوكسترا ) لسميحة خريس اثناء تصفحي مكتبة البيت ، تناولت المجموعة وأخذت مجلسي وشرعت بالقراءة ، ووجدتني أقرأها بنهم بالغ ، وعناية شديدة ، وزاد فضولي بأن اقرأ ما كتبت هذه الاديبة ، وبالفعل بدأت بالبحث عن قصص وروايات سميحة خريس ، فقرأت شجرة الفهود ، والخشخاش ، والمد ، ودفاتر الطوفان ، وقد أدهشني ما وجدت ، واعجبني ما قرأت : رواية شجرة الفهود رواية شجرة الفهود : هي قصة الطفل ( فهد ) مع مكان من هذا العالم الكبير الذي أصر أن يكون له فيه نصيب ، ونصيب كبير جدا : بداها من مكان مميز في القرية التي عاش فيها ، من هضبة كبيرة ، تكون له ولأولاده ( أو فهوده ) من بعده . وهي قصة فهد مع الانسان المرأة ، عبر شخوص روائية انثوية هن نسائه الأربع وأمه . وهي قصة فهد مع الانسان الرجل عبر شخوص روائية هم أولاده ، وأحفاده الذين اعتبرتهم الكاتبة فهودا من بعده ، كبروا وصاروا في مجموعهم شجرة فهد العائلية الكبيرة أو شجرة الفهود عنوان الرواية . لقد نسجت الكاتبة هذه الشجرة ببراعة متناهية جدا ، ودقة وصف رفيعة للمكان ، بفصوله الأربعة حلوها ومرها ، مع التداخل بالعلاقات الانسانية من عمومة وخؤولة ، وأنسباء وأصدقاء لتشكل صورة المجتمع الأردني عبر عقود من الزمن التي تمتد من بدايات القرن العشرين وحتى بدايات جلوس المغفور له جلالة الملك الحسين رحمة الله عليه . والكاتبة وهي اذ تروي لنا هذه الرواية تدهشنا بقدرتها العالية على نسج التفاصل الدقيقة للمكان ، وللانسان ، وبعفوية بالغة الصدق دون تصنع أو اقحام سواء بالنسبة للحوار ، أو للشخصيات ، أو للمكان الذي تدور فيه أحداث الرواية ، انها تجعلنا نتخيل أدق التفاصيل ، ونغوض في اعماق النفس البشرية من حيث تفكيرها واحساسها ، وحتى عملية التذوق لديها . والعفوية البالغة ، والوصف المدهش للمكان ، وللانسان ، وزمن الرواية المتنامي بدقة مع كل نقلة حضارية تعرض لها الاردن خلال زمن الرواية يشي بوضوح الى أن الكاتبة روائية كبيرة جدا وتستحق من النقاد الوقوف عندها طويلا للاطلاع على جماليات الروي وجمال الرواية . رواية دفاتر الطوفان : اما رواية دفاتر الطوفان فثمة رواية ذات نكهة أخرى ، وتشعرك بوجود روائية متميزة أخرى بقدرات أخرى ، فبالاضافة الى عفوية الروي والرواية ، والتفاصيل الدقيقة للاماكن والشخوص بجمالية عالية كما ذكرت نشعر بوضوح بخبرة الكاتبة بشؤون الناس والمجتمع الاردني ، ولا أغالي بالقول اذا قلت أن ثمة باحثة جلست سنوات وهي تدرس وتبحث في الأنثروبولوجيا الثقافية للمجتمع الأردني ، فهناك فتاة شركسية حقيقة في الرواية ، ولا يمكن أن تصدق أن سميحة خريس لم تكن يوما من الأيام شركسية مائة بالمائة ، ولا يمكن أن تصدق أنها لم تكن في يوم من الأيام فتاة شامية مائة بالمائة ، أو نابلسية مائة بالمائة ، أو أرمنية ، انها تذهل القارئ وهو يقرا عن أدق التفاصيل بحياة كل هؤلاء النسوة ، دون أن يشعر أنه خرج من أجواء الرواية ولا أجواء المكان الذي هو عمان . ومن أجمل الأشياء التي ميزت هذه الرواية اسلوب القص أو السرد على لسان الأشياء البسيطة التي نعرفها في حياتنا ، مثل : السكر ، والحرير ، والزيتون ، والحلقوم ، والحبال ، والغندرة ، والعصبة ، والسجائر ... الخ ، بسلاسة وانثيال رقيق يدغدغ عواطفنا وخلفياتنا الثقافية عنها وعن ما نعرفه عن الفئات المختلفة التي تسكن عمان من عادات وتقاليد من شركس وأرمن وشوام ونابلسية .. الخ . دون تصنع وافتعال . رواية المـــــد ورواية المد هي رواية المقهورين في بلادهم ، المغتربين في أوطانهم ؛ الباحثين عن أوطان أخرى ، أو عن السمن والعسل في تلك الأوطان ، ولكن هؤلاء يجدون انفسهم قد فقدوا ما هو أكثر من الاغتراب ، وما هو أكثر من السمن والعسل ، ففي الغربة يفقدون أرواحهم ، ويفقدون الحياة نفسها ، وهي رواية صغيرة جدا لا تتجاوز عدد صفحاتها ٨٦ صفحة من القطع الصغير ، لكنها غنية بما تطرحه عن فكرة الاغتراب والمغتربين ، واستطاعت أن تقول فيها ما عجزت عن قوله روايات أخرى ضمن مئات الصفحات . رواية خشــخاش ورواية الخشخاش ، تقرأها بتلهف باحثا عن الخشخاش ، وتشعر أنك تحث الخطى لتعرف سبب تسميتها بهذا الاسم ، وقبل صفحات على نهاية الرواية تفاجأ بالسبب تماما مثل الكاتبة نفسها بأن اسـم النبتــة التي تخاطبها خشخاش ، وهو ( نبات ممنوع تداوله أو بيعه أو شراؤه أو زراعته ) ، كما تذكر الشخصية الرئيسية . والرواية تدور حول كاتبة تتخيل نبتة زينة في فرندتها كأنها امرأة نصفها الأسفل سمكة تستدعيها الكاتبة بين الحين والآخر وتجري معها حوارات تشكل في مجملها الرواية التي نتحدث عنها ( خشخاش ) . وبعد أن يكتشفت القاريء من أين جاءت التسمية ، يبادر بالتفكير : لماذا اختارت الكاتبة هذا الاسم ، وما علاقه ذلك بما يدور من أحداث داخلها ؟ فالرواية فيما يبدو أنها فانتازيا بين امراة حقيقة ، وبين امرأة أخرى موجودة في خيال الكاتبة على شكل سمكة ( حورية بحر ) كما يرد في الأساطير ، ومن خلال الحوار بين ( الكاتبة ) ، وبين حورية البحر نتعرف على الأنثى الكاتبة والموظفة والزوجة والأم ، وكأن الحورية كانت متنفسا للكاتبة ( بطلة الرواية ) لتقول ما تريد أن تقوله مثل هذه العبارة وما أجملها : « أحتاج الى عدة نساء أوزع عليهن مهامي ولكني أقوم بها مجتمعة » ص ٤١ . فهذه العبارة على لسان الشخصية الرئيسية لها وقع الصرخة في النفوس ، لانها تذكرنا بالمهام الشاقة التي تقوم بها المرأة دون أن يتبادر الى ذهننا أي تحيز متعمد من الكاتبة للمرأة . ففي ضوء انشغالاتنا ننسى فعلا أن للمرأة وظائف أخرى ويتطلب الأمر أن نعترف بها وبحقها بالاهتمامات الأخرى ، كأن تكون كاتبة مثلا كحال بطلة الرواية ، أو أن نتذكرها ولو بزهرة صغيرة على الأقل ، أنا : » مجرد امرأة تربي الأطفال للحياة ولا تجد من يربي لها زهرة » ص ٩٣ . أما سر تسمية الرواية بالخشخاش ، فيبدو لي ذلك من طبيعة نبتة الخشخاش نفسها الممنوعة من الزراعة والبيع اوالشراء ، وكان الكاتبة تريد تشبيه وضع المرأة بنبات الخشخاش من حيث احاطتها بكثير من الممنوعات في النهار ، ثم الاقبال عليها وتدليلها في الليل ، ولكنها وان كانت مثل نبتة الخشخاش الا أنها من وجهة نظر الكاتبة ووفق تحليلي انسانة عصية على اللي والمنع الأعمى ، مثل الخشخاش فهي نبتة »لا تموت بذورها وتتمتع بقدرة تجديد دورة حياتها في أي مكان جديد« ص 106. المرأة عند سميحة : الحقيقة أنه يمكن مناقشة العديد من القضايا في أعمال خريس الروائية ، ومن هذه الموضوعات موضوع المرأة ، فالكاتبة كونها امرأة تتناول المراة في رواياتها بطريقة مميزة ، فهي لا تأتي عليها من منطلق أنها امرأة ويحتم عليها الواجب أن تدافع عن بنات جنسها ، كما هو الحال في كتابات العديد من النساء اللواتي يحضرن المرأة في كتاباتهن للنوح عليهن ، او يحضرن الرجال في كتاباتهن لجلدهم ، فالمرأة كائن اجتماعي يمكنه أن يكون في مقدمة الحدث ويمكنه أن يكون ثانويا كأي كائن اجتماعي آخر. أي أن سميحة وان كانت امرأة الا أنها لا تدافع عن المرأة لكونها من جنسها ، ولا هي تكتب عن الرجل لمحاكمته من زاوية امرأة ، ولا يستطيع القارئ أن يشير هنا أو هناك داخل نصوص الرواية ويقول أن سميحة خريس كانت هنا امرأة ، أو كانت هناك رجلا ، ولكنها كانت كاتبة روائية بصرف النظر عن شخصيات الرواية ، والقارئ لا يشعر أنها متحيزة لشخصية دون أخرى ، فرواياتها عن الحياة ككل ، والكون ككل دون تحيز سوى للانسان الذي هو بطل ذلك كله بعفوية بالغة ، دون تصنع بعرض القدرات لا على مستوى الاحداث ، ولا على مستوى اللغة ، اضافة الى التفاصيل الدقيقة في حياة الأماكن ، وحياة الأشخاص دون تقصد ودون تسطيح لقضايا الرواية المحورية وهو ما أضاف بعدا جديدا ميزتها عن الأعمال الأخرى . والقارئ لروايات خريس يلاحظ أنها تمكنت من لملمة أطراف صورة الشخصية الاردنية في أذهاننا بصرف النظر عن جنسها ذكرا كانت أو انثى ، من خلال الولوج في تفاصيل تشكلها الاجتماعي الأول المختلط بتشكل الجذور الاولى للدولة الاردنية ، عبر عبق التسلسل التارخي للأحداث ، وعبر التطور الروائي لشخصيات رواياتها ، سواء في اربد المدينة الصغيرة جدا آنذاك في شمال الأردن ، أو في عمان التي كانت تتشكل جغرافيا واجتماعيا كعاصمة كبيرة جدا من خلال الطوفان الاجتماعي الذي ظل يجتاحها حتى ترسخت الدولة الاردنية الحديثة التي نعيش في كنفها الآن . لقد قدمت الروايات الشخصية الاردنية بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية مؤكدة على جذورها في الأرض وكفاحها في المراحل التاريخية التي غطتها كما هو في رواية شجرة الفهود مثلا ، وأعادت الينا أصول مكوناتها من التاريخ والجغرافيا من خلال السعي العفوي نحو التطور والتغيير عبر التزاوج الطبيعي ، وحرث الأرض ، والرغبة بامتلاك المزيد منها . وفي رواية خشخاش ، ودفاتر الطوفان ، وان كانت الشخصيات الرئيسية في هاتين الروايتين هما الأنثى الا أنه ، لم يكن ذلك من منطلق التحيز للأنثى وقضايا الانثى كما سبق واشرت ، واذا كان ثمة تعليق على هذه النقطة بالتحديد فهو لصالح الكاتبة كونها أنثى وخير من يكتب عن الأنثى هو الأنثى ، حيث اعطت انثوية الكاتبة زخما هائلا لرواياتها من خلال معرفة التفاصيل الدقيقة لحياة الأنثى التي تعيش معها وتعيش داخلها ، ، ولولا ذلك لما استطعنا أن نعرف عن قضايا كثيرة من عالم المرأة على هذا النحو الخلاب . لقد عرفنا عن المرأة التي نعيش معها وتعيش معنا من أم وأخت وزوجة .. الخ : كيف يفكرن ، وكيف ينظرن للأمور أحيانا ويتخذن القرارات من خلال الغوص في التفاصيل الدقيقة من الطرف البعيد من أعماق الانثى . وتستوقف القارئ عبارات كثيرة في الروايات ، وما كان يمكن أن يكون لها معنى لو لم تقلها أنثى مثل : ( أحتاج الى عدة نساء أوزع عليهن مهامي ولكني اقوم بها مجتمعة ) . فكم مثل هذه العبارة لها وقع على من لا يعرف عدد المهام التي تقوم بها المرأة دون أن يشعر. وكذلك عبارة : ( أنا مجرد امرأة تربي الاطفال للحياة ولا من يربي لأجلها زهرة ) ، ألا يجب أن تدفع مثل هذه العبارة كل واحد منا الى أقرب محل زهور ويشتري زهرة لزوجه أو أمه أو اخته ... الخ . ان روايات خريس تعيد للقارئ انسانيته نحو محيطه الذي ربما قد يكون قد غفل عنه بسبب الانشغال في أمور الحياة . فالمرأة في رواية خشخاش مثلا مثقلة بأعباء الأمومة والوظيفة وأعباء طلبات الزوج ، وهي الى جانب ذلك كاتبة مبدعة من حقها أن نلتفت اليها والى احتياجاتها ، وهي ليست الأنثى التي يجب أن ننظر اليها دائما . والمرأة في رواية شجرة الفهود فلاحة تتصرف بعفوية ما أملته تربيتها في القرية وقتذاك ، فهي امرأة فلاحة قد تتصرف بعفوية أو خباثة ، وهي غيورة ومغناج ومتآمرة ، وحنونة جدا الى غير من ذلك من الصفات التي قد تجتمع في امرأة واحدة ، أو عدة نساء . والمرأة في رواية دفاتر الطوفان هي نفس المرأة ، ولكن بأدوات المدينة والمدنية والخلفيات الثقافية التي قدمت مع كل شخصية ، والتي صارت تتلاطم ضمن تغيرات وكأنها في طوفان من الصعوبة بمكان أن يتنحى المرء بعيدا عنها . المكان : أما المكان ففي رواية خشخاش كان بحجم اص نبات ، وكان بحجم فرندة ، وبحجم حجرة ، وفسيحا ورحبا جدا في رواية شجرة الفهود ، بحجم سهول حوران الممتدة في اربد شمال الاردن ، حيث تصور لنا الكاتبة وبوصف دقيق سهول اربد وهضابها معيدة للمكان اعتباره ، مدغدغة القاريء ليعيد احساسه بجمالياته وروعته : ( السهل يمتد طبعا منفتحا قادرا على العطاء كما هو منذ الأزل تنتابه تقلبات الدهر دون أن يتغير ، ولا يعدو الاختلاف في تضاريسه أن يكون شيئا يذكر ، فقد تبني دورا في مناطق متفرقة، قد تتجمع عشيرة ما في بقعة بعينها لتنشأ حوله قرية ص 164). وفي موضع آخر من نفس الرواية : ( ففي أراضي أولاد عمه طلائع العدس، وفي أراضي أخواله سنابل القمح الذهبية ، وفي اراضي الهزايمة شاهد الزيتون والعنب عند آل ابي فالح ، اما هذه الأرض فقد زرعها الله زهرات الدحنون الحمراء تتمايل برفق وكأن قوة الريح لا تعنيها ولا تطالها على قصرها وتواضعها ، فتتلاقى رؤوس الأشجار في رقصة منسجمة بطيئة ص ١٠ -١١ من شجرة الفهود ) . أما مدينة السلط : ( فلا ترى فيها تلك المساحات التي تمتلئ بطلائع القمح الخضراء ، ولا تتقلب فيها ألوان السهول مداعبة الخيال مقلبة الأمزجة ولكنها بلدة صخرية قامت على جبال صغيرة بيوتها تترابط بسلالم ومنحنيات ومنحدرات ) ص 174 . ان المتأمل في هذه النصوص يلاحظ جماليات التشكل الحضاري الأولي للتاريخ الأردني الحديث وسط هذه الطبيعة الخلابة سواء التي يصنعها الانسان من زراعة القمع والزيتون والعنب أو تلك الطبيعة التي حبى الله بها الاردن من زهور الدحنون الحمراء وغيرها . وفي رواية الطوفان ، أعادت لنا الكاتبة سيرة عمان الأولى وتفاصيل تكوينها الاجتماعي ، والجغرافي ، فمن سهول حوران - في شجرة الفهود- وجبال عمان وجبال السلط ، وتلاع العلي والجبيهة حاليا ، وجبال القوقاز ، ودمشق ، ونابلس وغيرها تشكل مجتمع عمان وكأنه الطوفان الذي يحمل معه كل شيء في طريقه . وفيما يبدو لي أن الروائية سميحة خريس قد استطاعت أن تفك عقدة المكان الأردني في الأدب الأردني ، حيث تمكنت وبمستوى عال جدا أن تحضر المكان الاردني في الرواية الأردنية بصورة لا تقل عن مستوى أي مكان في العالم كما هو الحال في الروايات الكبرى . لقد أعطت للمكان قيمته وبثت فيه روحا جديدة ، ونكهة تجعل القارئ يعيد النظر في محيطه ويتفحص جمالياته . |
|||||
|
|||||