ضراوة الغربة وغرابة الشعر راءة في كتاب(ديوان المكان) للشاعر شوقي عبد الأمير

 

علـــي شبيـــب ورد


ليس للكتابة من جدوى، بلا همٍّ إنساني كبير، ومن غير معاناة مخيلة حية للتعبير عن هذا الهم. هي انغمار متواصل للتنقيب عن كل ما ينفع منظومة البث على أداء دورها بكفاءة عالية تغري منظومة التلقي على القراءة المنتجة للتأويل. وبوصفها إجابة لأسئلة وجودية كبيرة، تستدعي مخيلة ذات دربة اشتغال تمنحها القدرة على إنتاج نصوص تنم عن جهد معرفي بيّن.

ولعل الشعر من أكثر الأجناس الأدبية تعرّضا للاجترار في التناول، والوقوع في فخ تقليد الفائت. والفطنة وحدها تسعف المخيلة الشعرية على التفرد، ومن ثم المرور بكفاءة صوب الغرائبي والمدهش. ولهذا ولغيره فالشعراء الجادّون في التجريب الشعري المجتهد، هم أولئك المنهمكون في مشغلهم الشعري على الدوام. إذْ ما أن يخرجوا من دوامة إنجاز نص، حتى يعودوا ثانية لقلق الانهماك بنصٍّ آخر.

ومن بين هؤلاء، الشاعر شوقي عبد الأمير الذي توزّعته المنافي بشتى مستوياتها. فهو رغم ضراوة تضاريس الغربة، ظل أميناً لمشغله الشعري، رادعاً فداحة الاغتراب، بغرابة الشعر. ممتطياً عدَمَ رضاه لغزو المألوف، بما لا يُعقل. مطلقاً العنان لبوحه الشعري، كيما يحلّق في الأقاصي، لترويض أيائل أسرار الكون الأزلية. هذا الشاعر لم تعطّله المنافي عن مواصلة منجزه الإبداعي أبداً. فبعد دواوينه العربية(حديث لمغني الجزيرة العربية) الصادر عن دار(ICM) باريس.1976و(مدن الدخان البشري) دار البيت الجديد- باريس- 1978. و(حدود) اتحاد الكتاب العرب- دمشق - 1980. و(أبابيل) اتحاد الكتاب العرب- دمشق- 1985. و(حديث النهر) دار طوبقال- الرباط- ٦٨٩١. ودواوينه باللغتين العربية والفرنسية(حديث القرمطي) دار أرفويان- باريس- 1988. و(حجر ما بعد الطوفان) دار شاين- باريس- 1991. و(حضر موت) دار كلاسيك- باريس- 1992. ودواوينه بالفرنسية(أجنّة وسراويل صحراوية) دار البيت الجديد- باريس- 1977. و(سنبلة لقمح وثني) دار رويّو مون- باريس- 1992. و(في ساعة متأخرة من الجرح) دار تارابوست- باريس- 1992. و( أبابيل ) دار باب- لوزان- 1995. و( حديث ما بعد سومر) دار سوليدار- بروكسل- 1995. و( أمكنة بلا أرض) دار باب- لوزان- 1997.

يطلّ علينا شوقي بكتابه الشعري(ديوان المكان) الصادر عن دار الفارابي- بيروت-1997.

بأجزائه الثلاثة، والتي ارتأينا تناولها على النحو التالي:

١/ محرّضات ثراء النص الشعري

 (.. كنت هنا. أدهن بالنورة فجرا عربيا ناقعا كالإسفنج عندما وضع موسى عصا في البحر الأحمر كمن يضع ريشة في دواة ويرسم بالأحمر ملامح الخليقة قبل أن يستجوبه الله ويخرّ صريعا..)

                                          -المسلة الأنا- شوقي عبد الأمير

الوجود أول وآخر الأمكنة. هو فسحة تتزاحم فيها أمكنة تنزع جلدها أبدا على رقاع الأزمنة. فسحة فيها تشرق الأنا وعنها تزول. عن فضاء الأمكنة ( الوجود ) وعن اللهاث الآدمي في دهاليز الكون الطاعنة بالتيه . تسرد الأنا سفرها الموغل بالغربة- بفعل تغيّر الأمكنة عبر الأزمنة- وتذرف دموع أساها قناديل ضوء على مشاجب الوقت. كيما تطرد عنا وحشة مرورنا القسري في قتامات العمر. وتبدد فداحة الغصة عن الحلم الإنساني النبيل. وتذهب إلى تذكيرنا بان روافد اشراقاتنا من منبع واحد والى مصب واحد. رغم تعدد مسارب نزوعنا للبذل . وتدق أجراس الأمان لتحفز فينا شدو ترانيم الأمل وسط صحارى الضجيج. تلك هي أنا الإنسان. ولكن(أنا) الشاعر تزيّت بالعاطفة والحكمة، عبر ولوج قصدي في حلكة الأسرار البدئية. لتضيء في وجوهنا شموس حكمة الشرق التي حفلت بها الأساطير والرسالات منذ العصر الأولى. (أنا) الشاعر خرجت من أغوار البوح حاملة ألواح الطين مرتدية عبق السفر لتقول أنا الحكمة. أنا(أنائيل) الوارث زقورات الحرف واهرامات الضوء ورسالات الخير الكوني. فمن يقرأ؟

ومن يقرأ(مسلة أنائيل) يجد أنه الجزء الأول من هذا الكتاب الذي هو قيد الفحص.

المعروف عن المسلة هي مجموعة ألواح تتضمن تشريعات متنوعة مثل مسلة أو شريعة أورنمو وغيرها. أما(أنا- ئيل) فهو تركيب سيميائي، يؤشر فخر الشاعر بانتمائه البيئي والمعرفي للموروث الشرقي. بمعنى أنها بنية جمالية ذات تشفير حضاري. وهو تجاور لغوي مركب من(أنا) ذات الشاعر و( ئيل ) تصويت لغوي أسطوري مستخدم في كثير من الأسماء المثبتة في المثيولوجيا مثل(جبرائيل) وغيره، ويعني (أنا هو) أو (أنا الآخر).

إن مسلة أنائيل هي بوابة أو إطلالة على شريعة شوقي عبد الأمير الشعرية. وهي تستبطن خمس بوابات أصغر أسماها وجوها. وكل وجه يضمر جملة قصائد. خمسة وجوه تنبثق من سفر الشرق الساحر. وهي على التوالي: طيبة/ مأرب/ الضاد/ السواد/ الآخر. من وجه[طيبة]  تنفتح علينا(المسلة الأنا) إذ يعمد الشاعر فيها إلى عرض متنه الشعري من خلال تكرار جملة(كنت هنا) كرابط نسيجي لجسد القصيدة المشكل من جملة انبثاقات لأمكنة من الحضارة الآتونية  على رقيم من كتاب الموتى الفرعوني أكتب.. في معبد   وهكذا يواصل تنقله بسياق تهكمي لاذع كنت هنا على طرفي سرير الجزيرة العربية عندما عانقت بلقيس سليمان وكليوباطرا القيصر أشهد كيف تفتض بكارة أرض وكيف يستوي على العرش ساقانڤڤ وعن كوارثية الجوع العربي المتوارث يعرض لنا مقطعا هو غاية في التشكيل السوريالي  كنت هنا عندما في إحدى المجاعات رأيت النيل هيكلا عظميا معلقا في الساحات والأطفال شرائح في أطباق زوجة الحاكم. كانت جموع غفيرة من موتى مصر تأخذ الفقراء رهائن إلى مقابرها وتحتمي بمئذنة المسجد الشافعيڤڤ وينهي المتن بلعبة خرق الزمان والمكان معاپپ كنت هنا غدا في السرير الأول من(إخناتون) يتساءل أختاه هل نرسم للشرق إلها يخرج من فخذين. نحشو القصب مزاميرا ورئات؟ في السرير الثاني وصف رؤيوي لإخناتون ومملكته القائمة على الغيب والرعبپپ هو الظفر الملكي كؤوس مرصّعة بالفؤوس وجنات جمر، موائد، ملعقة من ذهب وثانية من غضب. وأفعى ضفائر آلهة من قصب ويعود للتساؤل المربك للمألوف لماذا الحجيج إلى ساعة الموت؟ في ثالث سرير تخلع القصيدة زي التفعيلة، لترى الملك بمقاطع نثرية موجزة أمسك صولجانا بيد ومصر بالأخرى ويا للفسحة الممنوحة للتلقي في تأويل مقطع جميل كهذا  أقام مسلة من اللوتس، واستنشقها في صلاة وعند(الصعود إلى طور سنين) وفي إدانة للتلقي الأعمى يشير هذا النص الدامغ هل تصعد؟ قلت، لكنّا منذ قرون لا نعرف إلاّ أن نتدحرج من سقف وصاياهڤڤ وفي انتباهة لخرق السائد، تجيء هذه الرؤية المبددة للعتمة وأرى في العلى، نيلا يابسا يخرج أنفه من ثقب مزين بهلال وهول الشرق. لقالق تبيض فوق مئذنة المعجزة وينبثق وجه[ مأرب] في(رأيت جبالا تقتسم كالخبز) عن سفر اليمن لا التئام لنزيف شاهق ولا وكر إلاّ للجثة في وادي ظهر ويا لها من ميتة أسطورية لبطل( حضرموت) اسمه عبد الله بن غريب. صعد يوما إلى قمة جبل في حضرموت ولم يهبط ويعيد الشاعر قراءة ميتته، بفطنة مخيلة، وجرأة صورة وضع جبلا فوق جبل ، ليردم ثقبا في السماء أهو احترام للشاعر امريء القيس بدأت(وصايا مملكة ستجيء) ببيتين من العمود؟ أم لأن  المعلقات إما رقاب أو حصران. واللغة العربية لم تزل عباءة قرشي هرّبت تحتها مناة إلى أسواق حضرموت؟ڤڤ وعندما ينبلج وجهالضاد يفكك سؤالا للشاعر اليماني عبد العزيز المقالح(خلق الزمن ولم الجسد؟) بإعراب طريف لاقتناص تآويل مدهشة للكلمات الزمن: قفص من ريح نسكنه بين يد القابلة وذراع الحفار ولفرط حزنه على إهمال اللغة العربية إفترض(وصية لغة تموت) فيتأوّه ويبحث لها عن ملاذ من الخراب الذي يلاحقهاپپأضلاع العبارة لم تعد تحتمل السنابك. أفكر باستبدال ريشتي بمكنسةڤڤ وعن العسف الذي حل ببلاده بعد انتفاضة عام ١٩٩١ التي بدأت في مدينته سوق الشيوخ. يرى بستان نخيل يهرب من مجزرة ويحتمي وراء سياج لمخبر محلّي  وعمّا حلّ بالثورة والجمال يرسم لنا لوحة لغوية كان رجل البردي يحترق وحيدا في أهوار نشيده ويعتني كثيرا في خلق صورة غرائبية خذ شريحة للعتمة، واطبع فوقها صورة فكّيك، تلك هي المرآة ويطلعنا(صدأ في ذهب المعنى) على معرض المبدع صادق الصائغ، مشيرا إلى مهارة الأنامل وحكمة الرؤى أنت تفرك بخار اللغة، كمن يحك بالأظافر صيفا محترقا إن صور الشاعر الكثيرة ومن دون استئذان تحفر لها مكانا عبقا في ذاكرة التلقي. لأنها معمولة بفراسة وعناية فائقتين أية سنبلة لقمح دمنا وأية مجاعة؟ ضع يدك في التيار لتنس الينبوع.البدايات كلها قرابين كما النهايات آلهة أما وجه ذوي الرؤوس السود[السواد]

فيعيدنا إلى جذور شجرة النسل-الآدموي- بعد أن نقرأ مقاطع تمظهرت عن علاقات شيئية شتى في(عابرون) ليقول لنا إننا مارّون من العماء إلى العماء عبر برك من الدم. يتجلى حنين الشاعر في(حديث بغداد) عبر جملة طويلة تشير إلى طول زمن غربته عنها قسرا، والى بعد المسافة، والى هول معاناته جراء الكارثة التي حلت بها في حرب ١٩٩١. هي عبرنا ..................... وشرق الكلام

لكنه يصر على تعلقه بها بتكرار وبغداد لي ويحلم بالعودة إليها ولو جثة هامدة. وتأخذه الذاكرة إلى(البصرة) في ثلاث محاولات اختراق زمكاني في اللغة والخارطة والكتابة متقمصا شخصية صديق غربته المبدع محمد سعيد الصكار في الخارطة أدخل بيتي فأرى ........ وأرى من عباءة سوداء تخرج المدائن مثل شرق يخرج من أغاني الموت. الشمس فاتك ممدد على القارعة والنخلة تحرس الأبد 

ويهدي(سامراء) إلى الفنان نعمان هادي الذي يمتلك يدا يقول عنها تحسن تضميد الألوان والأشباح في حديقة موتي الزرقاء غير انه اختزل مأساة وطنه القتيل، بجملة واحدة موحية واخزة نطفة واحدة تكفي لتقود شعبا إلى المذبح على ثلج منفاه يضع يده( مناديل) لضيوف مخيلته الحزينة على وطن فيه الجبهة أكياس من الرمل، الكلمات أكياس من الفحم، الأهل أكياس من الدم وعلى شكل شرائح عمودية يقدم(هور) الحمّار كوجبة خفيفة للزمن الضروس «ربما تكون الهاء/ هرم تحت الأرض/ هرب لم ينجح/ هذي في لحظة إعدام/ هتاف ميت يطفو....... الواو/ وجيف عراقي/ وعاء لدم القصب/ وهن في سيقان فجر/ واو حبل يجر شعبا/ ويل. الراء/ رقعة من غيمة على الأرض/ رب هزمته أوثان ورعاء/ رعب قروي عائم/ رمي بالرصاص.... » وينقلنا إلى(تشريح) القنابل عابرة القارات «قنابل في اليقظة لإعادتها إلى الحلم. قنابل في الأسرّة للنوم إلى الأبد» من باريس يطل وجه الآخر بسؤال إلى رامبو الشعر(ماذا قلت يا آرثر) فيه الألم والعتب المرّ على ما فعله الجنود الفرنسيون ببلاده في حرب الخليج «ونحن نسأل لو كنت حيا ماذا تفعل يا رامبو المتمرد عندما. جنود فرنسيون عائدون من«عاصفة الصحراء» يعبرون في ست ساعات بين زقورة أورUR وبرج اللاديفانس(La Defense)، تاركين وراءهم نصف مليون قتيل وستة آلاف عام... ولا يلتفتون.؟!! ولكن نم في قبرك أيها الميت الأنيق  حتى لو كنت حيا. لن ترى ما رآه الشاعر شوقي عبد الأمير أبدا. إذ رأىپپجثة بدوي عراقي قتل قرب (نقرة السلمان) تتجول طوال الليل في ساحة الباستيلڤڤ ترى ماذا يحدث لو فعل التلقي ما يأمر به الشاعر؟ في خذ هيكلا عظميا لطائر وعلّقه في ريح هي لعبة كتابية ولا شك. فالشاعر رأى كل شيء في اللا شيء. ليرينا إيّاه لوحات غرائبية موحية تشبه لوحة لآن سلاسيك Anne Slacik. لوحات تعري وقار الكون الزائف. وتذرف دموعا على مؤخرات القيم. في (كتابة) يفشي أسرار آلية الاشتغال الشعري خلال عزلته مع النص. ويطلعنا على(قراءة) في معرض لبرنار بيرون. فيشير في المقطع الأول إلى براعة أنامله ورؤاه الخارقة. غير انه يقارب بين ادعاءين هما السماء للمعرفة والجدار للجنون ويسأل الرسام الجنوني بيرن الذي لا يفصح عن أسماء القتلى الذين لا يكفون عن النزف فوق الكتان. قل لي، متى تكف هذه الألوان عن احتمال كل شيء أو احتلال كل شيء؟ وينهي مسلته بخطاب إلى باول كاينك بعنوان(لاند فينك) على ضفاف الأولن لم تعد أبجديتك تصلح طعما لخيوط الصيادين والسماء الواطئة لا علاقة لها بملايين الأذرع المبتورة للصخور في بريتانيا.

بعد هذا التفرّس العجول في وجوه(مسلة أنائيل) المنداحة في عبقها المعرفي على كل الأمكنة . بات لزاما علينا القول أنها وثيقة مَوَدّات تضيء للآخر جواهر العواطف الإنسانية الكامنة في روح الشرق المبتلى بغزوات العقل النفعي للغرب. مسلة الروح المشرقة وهي تحذر الأفول من رعونته الموغلة في التقنين القامع لنبض الأفئدة. تحذره من عبادة الفائدة. والعدو خلف رأس الأفعى المال.  

هذه مسلة الإشراق الروحي تطل عليكم من كل الأمكنة فأعيدوا قراءتها من جديد. ولكن بنزوع الروح الإنسانية لا بعقلية الإنسان الآلي. وبمخيلة الحلم الإنساني النبيل لا بهوس البحث الجنوني عن الربح والخسارة وعالم الأرقام المقيت. هذه مسلة الشمس تنشب أناملها في ضباب عالمكم الرتيب والمقيّد بقوانين العقل السالبة لحقوق الروح في التحرر نحو آفاق أرحب خارج مديات الضباب الذي يبعث على الكآبة والقنوط والملل. هي مسلة الإشراق الشعري في حوار معرفي مع الآخر القاطن وسط ضباب رأس المال. بغية تلاقح عاطفة الشرق مع عقل الغرب تحت شمس الكون الإنساني الواحد. حقا أطلّت علينا أمكنة(مسلّة أنائيل) بتضاريسها المتباينة وغبنا مندهشين بفراديسها وداعبت خلجاتنا أمواج زرقتها وحرضت أخيلتنا شفرات بناها الجمالية المعززة لبناها الثيمية. وتمكنت مخيلة الشاعر من أن تجعل الشعر يطوف برفق في ثنايا الأساطير دون أن يربك غفوتها على وسائد العصور. واستطاع أن يقطف للآخر أنفس الأكاليل بأنامل الشعر، كيما تعبق له عوالم ألفة وحكمة وحب  في المثلث بين طور سنين وحراء. دخل العالم مثل جمل في ثقب أبرة. لا منفلت لا منقلب لا منأى . خارج هذه العانة السومرية للأرض» وأخيرا في مسلة أنائيل ثمة محرّضات تكمن وراء النصوص تكسبها ثراء« وتذكي على نسيجها شفرات تنبض بسحر العاطفة وتوهج الشاعرية  . وأهم هذه المحرضات أساطير الشرق وفداحة الغربة وتفاني المخيلة في استدراج ذاكرة كارثة بلاد ما بين النهرين.

 /٢نحت الشعر في سماوات الحجر

( نظر إلى الموت، فوضع مصباحا في قبر. أجلس نخلة على ركبتيها، وحدّثها عن الحب. وضعت راحتيها فوق صوته، فأدرك أن كلماته دم، وأن أصابعها لا تسيل. )

                         -رقائم من حجر الوقت- شوقي عبد الأمير

لعل الغربة تشكل أبلغ محفز للأداء الكتابي. باعتبارها تمثل انقلابا حادا في حياة الإنسان وعلى كل المستويات، الزمان والمكان وأبعاد شخصيته وتداعيات تحولاتها على مستوى الأحداث التي مرت وتمر به. كما ان الغربة تحرض لديه موجهات جديدة لمواقفه أزاء الوجود والعالم الجديد المحيط به. مما يؤدي به إلى اتخاذ أو تبني رؤى وتطلعات تتباين في مديات اندياحاتها الفلسفية. وذلك بنسب تأخذ بالازدياد صوب العمق والبلاغة كلما توغل الغربة في ضراوتها وتزداد وعورة تضاريسها. غير أن درجة حساسية الشعور بالغربة تتباين من إنسان لآخر تبعا لمرجعياته المعرفية ومديات انغماره في سبر أغوارها أفقيا وعموديا. وهذا ينسحب أيضا على مستوى الكتابة الشعرية. فكلما كان الشاعر يمتلك ثراء» معرفيا معززا بتجربة شعرية، كلما تمكن من إنتاج نصوص تثير انتباه التلقي إلى جدوى إعادة قراءتها لاكتشاف الفسح التي تمنحها إياه لمزيد من التأويل المفضي إلى إنتاج نصوص ما بعد القراءة. فكيف بنا والشاعر شوقي عبد الأمير الذي خرج من مدينة شاعرة-سوق الشيوخ- ونهل من ألواح سومر وغيرها من أساطير الشرق الساحرة. وتمرن على الإفادة من تاريخ الشعر العراقي والعربي والعالمي. وتعلم هظم الأسى العراقي بمخيلة أضراسها المعرفة؟

ما من شك إننا نواجه شاعرا ذا فطنة ودراية بالشعر. شاعر ناهض الغربة. ولم يستسلم لوحدته. فقد حرض الطبيعة كيما تكون أنيسا له «لست وحيدا. فأنا أعرف كيف تدار الرياح بعصا. وكيف أخرج بأردية طاعنة في العري. وأرافق نهرا يمشي على ركبتيه» تلك هي فلسفته الداحضة للغربة.

بعد(مسلة أنائيل) نقرأ الجزء الثاني من(ديوان المكان) للشاعر شوقي عبد الأمير(رقائم من الشرق الأخير) وعنوان مثل هذا، يشي إلى انه بوابة تنفتح على بوابات أصغر تنفتح أيضا على متون تستبطن اشتغالا شعريا ترفرف أجنحته على مضارب الأساطير الشرقية المغرية للتطلع منذ سومر والى الآن. ولكن الشاعر أراد أن يرينا ألواحا عن الشرق الأخير(المعاصر) الذي احتفظ بأسرار أبجدية(الحجارة) التي تشرق وتنطق وتطرق. وتميزت بخلود أسطوري في الإضاءة والمحبة ودك العدوان. أول بوابات هذه المجموعة هي(رقائم من حجر الوقت) المجزّأة على أبعاد الزمان الثلاثة قبل وبعد والآن. و(رقائم الأسئلة) التي جاءت على هيئة مقاطع حوارية متباينة. و(حجر ما بعد الطوفان) وهي مهداة للشاعر محمود درويش. و( حجر في دلتا الاسم) وأخيرا (قال لي جدار من أور شليم) والمثير للغرابة أن المجموعة برمتها تتناول ثيمة واحدة هي(الحجر) وهذا بوح شعري يحفر باحثا في إشراقات الميثيولوجيا بوصفها بزغت أصلا من ذاكرة الحجر والتي تتواشج وذاكرة البشر. انطلاقا من نشأته الأولى فسلجياً. في (قبل) يقرّ الشاعر بهول معاناته من الغربة. ولكنه لا يخضع لها، مطمئنا نفسه بقدرته على مواجهة قسوتها الفادحة المتمثلة بالقبح والأذى واليباب والتأوّه «لست وحيدا . ذلك يعني أنّني أحتاج لبعض الوقت لأصنع عنقا لقلادة، ودائرة لخطوط تتساقط كالإبر، لأتعلّم تشريح الحضور المجفف وألوّن بالأصابع بعض التأوّهات» وفي مقطع سردي ينتهي بضربة أو صدمة شعرية جميلة يصور لنا ثلاث صور للعلاقة مع النهر/ الطائر/ المدينة/ المرأة. والصورة الأخيرة الصادمة، مفادها أن النهر هو الذي كان يغتسل في المرأة وليس العكس «اقترب طائر من النهر، غسل أجنحة ورياحا رمادية عالقة بالقوادم. اقتربت المدينة من النهر، كانت البيوت تنشر غسيل الظلام والأحلام ثم تغطس في أسرّتها. اقتربتِ من النهر، كان الماء يغتسل» لم يكن وحيدا فبغداد معه تخرج له دائما كعذراء في حكايات ألف ليلة وليلة. وهو بقدرة شاعر يحاور جمالها الذي شوهته براثن الحروب والتجويع. فتراه يلتقي برمز جمالها المقدس -النخلة- ويجري بينهما مشهد درامي متقن كتابيا ومشفّر إيحائيا، وينم عن براعة مخيلة في تصوير غرائبية المفارقة فيه «أجلس نخلة على ركبتيها وحدّثها عن الحب. وضعت راحتيها فوق صوته فأدرك أن كلماته دم وأن أصابعها لا تسيل» وفيه دعوة لتخليص بغداد من أغلال تشدها إلى المآسي التي تفتك بجمالها «هكذا يمزق ريف معدني عباءة الشرق. هكذا تبلل سحابة جرحا. هكذا يقطع الأصابع ماء في الحدقات. هكذا تسعل أغنية مثل بوذي يصلي. هكذا تبقى عنقاء مشدودة إلى رمادها» و(بعد) فيها استغاثة أخرى لتخليص بغداد من الحريق الذي راح يدب في ثنايا الوسامات. «لها بغداد عباءة عباسية تحترق. دجلة قافية لملحمة تسيل. زرياب مئذنة في حنجرة العربية» وعن تأملاته في بورتريه امرأة بريشة إبراهيم زاير يجري مقاربة بين مكونات التعبير عن جمال وجه المرأة رغم مرور عشرين عاما «بخطوط الفحم كان يرسم الأحمر هاوية والأزرق امرأة. يضع شرخا على الجدار ويسمى إلها من يحسن الانشطار على نفسه. بعد عشرين عاما لم يزل ذلك الفحم حجرا يافعا في وجه» و(الآن) تحوي ثلاثة مقاطع عن أحلام متباينة تحيلنا إلى السوريالزم، غير أنها لا يمكن أن تطول فنتازيا الكارثة التي تعصف في بلاد الشاعر. وقد أفاد من تعددية الإنبثاقات المشهدية في الحلم، في اجتراح حرية تشكيل العلاقة الجدلية بين قطبي البناء والهدم في القصيدة الحديثة. وحرية اختيار عدة مكونات متباعدة مشهديا في جسد القصيدة. إذ يمكن تفكيك أحد الأحلام إلى: سأل جوالون الأشجار عن الزمن الذي يفصلها عن الجدران/ غيمات من فحم وأيد كالأحراش تتقدم مثل دخان/ لافتة تتلاشى دون أن تقول شيئا/ قرية مسورة يسكنها فلاحون ومرتدّون/ إمرأة تتعرى أمام لحاء الشجر في غابة تقترب كذاكرة وتنأى كعين............

بعد ما تقدم يمكن القول إن شوقي عبد الأمير كان عارفا بأهم ميزات قصيدة النثر. فبنية القصيدة الداخلية والخارجية تقوم على التنوع في الإيقاع واللغة والثيمة والسرد والشخوص. هي عالم من وحدة نقائض- هدم وبناء- وتنوع في الصّيغ الشكلية والإشراقية وعلى كل المستويات. وهي مشروع كتابي مفتوح أبدا للبحث خارج أسوار الشعر المألوفة، لمنح الشعر غنى يغري القراءة. ويفضي به إلى الانسجام مع سماته السياقية والرؤيوية. وقد سعت إلى إثارة الأسئلة التي تربك التلقي. وتحرّضه للبحث والتنقيب عن الخفي والقصي والمهمل والمحرّم المسكوت عنه. بعبارة أخرى هي تلتقي والقصيدة التي ذهب إليها الكاتب الفرنسي ميشيل ساندرا «إن قصيدة النثر تثير أسئلة مخيفة. لا لأنها تريد إلغاء التناقض القديم بين الشعر والنثر فحسب، بل لأنها ترغم النظرية الشعرية على البحث عن طبيعة اللغة الشعرية ذاتها» وأخيرا (أبابيل) تمكنت من إثارة أسئلة الشعر المخيفة بيسر نمّ عن دراية ومران كتابي. وعن تجربة اشتغال طويلة ومريرة خلقتها ثقافة شخصية وبيئية أبعدتها عن التقليد المفتعل المثير للشكوك. والذي درج عليه الطارئون.


تصميم الحاسب الشامل